كتب الكترونية

الشعب يريد.. بحث جذري في الانتفاضة العربية/ جلبير الأشقر

 

قراءة في كتاب د. جلبير الأشقر “الشعب يريد” بحث جذري في الانتفاضة العربية

ياسر  مرزوق

بعيداً  عن  التفسيرات  التبسيطية  للانتفاضات  التي  عمّت  المنطقة  العربية  منذ  بدء  الثورة  التونسية  في  ديسمبر  /  كانون  الأول  2010،  يسبُر  هذا  الكتاب  غور  الأحداث  ويكشف  أعمق  جذورها  الاقتصادية  والاجتماعية.  وفيما  يرى  الكاتب  في  الأحداث  العربية  سيرورة  ثورية  طويلة  الأمد،  يقدّم  تحليلاً  ملموساً  للقوى  الاجتماعية  المنخرطة  في  تلك  السيرورة،  ويقيّم  ما  آلت  إليه  الانتفاضات  ويقدّر  آفاقها.  كما  يسلّط  الضوء  على  دور  الحركات  التي  تستغلّ  الدين  لأغراض  سياسية  وعلى  دور  رعاتها  الخليجيين  المرتهنين  بالحماية  الأميركية.  والبحثُ  جذريّ  بمعنيي  الكلمة:  في  طريقة  تناوله  الأحداث،  وفي  نظرته  إلى  التغيير  الاجتماعي  والسياسي  المطلوب  لتخطّي  الأزمة  المزمنة  في  الواقع  العربي  المحتضر.

يرى  الباحث  اللبناني  وأستاذ  «دراسات  التنمية  والعلاقات  الدولية»،  د.  جلبير  الأشقر  في  كتابه  الصادر  حديثاً  عن  دار  الساقي،  أن  للأحداث  العربية  الراهنة  سيرورة  ثورية  طويلة  الأمد،  ليقدم  عنها  تحليلاً  ملموساً  للقوى  الاجتماعية  المنخرطة  في  تلك  السيرورة،  ويُقيّم  ما  آلت  إليه  الانتفاضات  في  كلّ  من  تونس  ومصر  واليمن  والبحرين  وسوريا،  ويقدر  آفاقها،  ويشرح  دور  واشنطن  في  الأزمة  الراهنة  ومساعيها  لاحتواء  الانتفاضة  العربية.

وقد  ذكر  “عمر  الشافعي”،  مترجم  الكتاب  عن  الإنجليزية  أن  الكاتب  يقدم  قراءة  ماركسية  للانتفاضات  العربية  انطلاقاً  من  مقدمة  “نقد  الاقتصاد  السياسي”  مستعيناً  بما  خلص  إليه  ماركس  وهو  أنه  عند  مرحلة  معينة  يحدث  تناقض  بين  قوى  المجتمع  الإنتاجية  وعلاقات  الإنتاج  القائمة  التي  غالباً  ما  تتحول  لقوى  مدمرة  ومن  هنا  تبدأ  حقبة  من  الثورة  الاجتماعية.

وأضاف  أن  الكتاب  يتركز  حول  ثلاث  نقاط  هي:  “التنمية  المعاقة،  السمات  الخاصة  بنمط  الإنتاج  الرأسمالي  في  المنطقة،  السيرورة  الثورية  طويلة  الأمد”،  موضحا  أن  الأشقر  يستفيض  في  شرح  العلاقة  بين  التنمية  المعاقة  والسمات  الخاصة  بالنظام  الرأسمالي  في  دول  الانتفاضات  العربية.  حيث  يؤكد  أن  الشكل  المشوهة  لعلاقات  الإنتاج  الرأسمالية  في  المنطقة  العربية  يعيق  عملية  التنمية  ويجعل  القوة  المنتجة  تتطور  بطريقة  لا  إنسانية  بل  تتحول  لقوى  مدمرة  مما  يؤدي  لتفاقم  بؤس  الشعوب  والقوى  الكادحة  ومن  هنا  تحدث  الانفجارات  الثورية.

وفي  حديثه  عن  المشاكل  الاقتصادية  لدول  الربيع  العربي،  قال  الأشقر:  “هناك  حالة  مميزة  للدول  التي  قامت  بها  الانتفاضات  الثورية،  وهذه  الحالة  تتمثل  في  معدلات  التنمية  المنخفضة  جدا،  وهذا  الانخفاض  مرتبط  ارتباطًا  وثيقًا  بانخفاض  معدلات  الاستثمار،  وكل  هذا  مرتبط  بالسياسات  الانفتاحية  التي  بدأها  نظام  السادات  في  مصر،  وهي  سياسات  مبنية  على  المنطق  النيوليبرالي  الذي  يعتبر  أن  القطاع  الخاص  هو  محور  النشاط  الاقتصادي  الرئيسي،  ونتيجة  لذلك  أصبحت  هذه  الدول  “دول  ريعية”،  انخفضت  بها  معدلات  الاستثمار  العام  لأن  طبيعة  الأنظمة  القائمة  والرأسمالية  القائمة  متنافية  مع  مقتضيات  التنمية”.

كما  يرى  أن  شروط  الحالة  الثورية  كما  حددها  لينين  تجمعت  بشكل  جلي  وبدرجات  متفاوتة  في  أغلب  البلدان  العربية،  فقد  اشتد  بؤس  الطبقات  المضطهدة  أكثر  من  المألوف،  وبات  مستحيلاً  على  الطبقات  الســــائدة  الاحتفاظ  بسيادتها  من  دون  أي  تغيير،  وتعاظم  نشاط  الجماهير  إلى  حد  القيام  بنشاط  تاريخي  مستقل،  حيث  اندلع  الغضب  الشــــعبي  في  البلدان  العربية  على  غرار  انتفاضات  الجوع  التي  شهدتها  مصر  والمغرب  وتونس  والأردن  والجزائر.  أما  الأمر  الذي  كان  بالإمكان  توقعه،  بل  كان  توقعه  شائعاً  وعاماً  منذ  سبعينات  القرن  الماضي،  هو  أن  الحركة  الأصولية  ستكون  أولى  القوى  المستفيدة  من  انفجار  اجتماعي  في  المنطقة.  ولا  بد  كذلك  من  تأكيد  دور  التكنولوجيات  الجديدة  للمعلومات  والاتصالات  في  الانتفاضات  العربية،  حيث  جرى  استخدام  مجمل  وسائل  الإعلام  الاجتماعية  (فايسبوك  ويوتيوب  وتويتر)  في  إقامة  الصلات  والاتصالات  والتنسيق  وبث  المعلومات،  لا  سيما  أن  النسبة  المئوية  لمستخدمي  الإنترنت  عام  2010  بلغت:  27.  2  في  الأردن،  55  في  البحرين،  36.  8  في  تونس،  30.  2  في  مصر،  49  في  المغرب،  و20.  7  في  سورية.

أما  عن  وصول  الإسلاميين  إلى  الحكم  في  مصر  وتونس  يقول  كاتبنا  وصل  تجّار  “أفيون  الشعوب”  إلى  السلطة.  ولا  شكّ  أن  ذلك  سيتسبّب  بواقع  الحال  بالحدّ  من  التأثير  المخدّر  لوعودهم،  خاصّة  وأنّهم،  خلافاً  لنظرائهم  الإيرانيين،  لا  يستفيدون  من  أرباحٍ  نفطيّة  كبيرة  تسمح  لهم  بشراء  مؤازرة  أو  خضوع  قسمٍ  كبيرٍ  من  السكّان.  منذ  أكثر  من  ربع  قرن.

“أن  التطرّف  الإسلامي  حركة  مؤقّتة،  انتقالية،  لكنّه  قد  يدوم  لثلاثين  أو  خمسين  سنة،  لست  أدري.  وهو  سيظلّ  يشكّل،  حيث  لا  يكون  في  السلطة،  مثالاً  أعلى،  طالما  سيبقى  هذا  الشعور  العميق  بالكبت  وعدم  الرضى،  الذي  يدفع  بالناس  إلى  التطرّف.  والأمر  يتطلّب  تجربة  طويلة  من  السيطرة  الدينية  للنفور  منها:  ففي  أوروبا،  اتّخذ  الأمر  وقتاً  لا  بأس  به!  وفي  غضون  ذلك،  ستبقى  المرحلة  خاضعة  لفترة  طويلة  لسيطرة  المتطرّفين  الإسلاميين.  وفي  حال  واجه  نظامٌ  إسلامي  متشدّد  معيّن  إخفاقات  جليّة  للغاية،  بما  فيها  على  مستوى  الخطاب  الوطنيّ،  وأفضى  إلى  نظام  استبدادي  واضح،  قد  يحمل  ذلك  الكثير  من  الناس  للتوجّه  نحو  حلٍّ  بديل  يدين  تلك  الشوائب.  لكن  الأمر  يتطلّب  حلاًّ  ذو  مصداقيّة،  مثيراً  للحماسة  ومحفِّزاً،  ولن  يكون  ذلك  بالأمر  السهل”.

وعن  علاقة  الإخوان  بالولايات  المتحدة  الأمريكية  ولو  بالواسطة،  يذكرنا  الأشقر  بأن  حركة  الإخوان  المسلمين  منذ  نشأتها  في  العشرينيات،  وهي  على  علاقة  بالمملكة  العربية  السعودية،  فالسعودية  هي  التي  احتضنتهم  في  العهد  الناصري،  حيث  كانت  تستخدمهم  بمعاونة  الأمريكان  لمحاربة  الناصرية  والتقدمية  والشيوعية.  انتهت  هذه  العلاقة  في  التسعينيات  عندما  رفض  الإخوان  دعم  التدخل  الأمريكي  في  السعودية  والعراق،  وهنا  قطعت  السعودية  التمويل  والمساعدة،  وعندما  جاء  الأمير  الجديد  إلى  السلطة  في  قطر  “اشترى  الإخوان”،  وكان  ليوسف  القرضاوي  دور  محوري  في  ذلك،  بل  كان  حلقة  الوصل  بين  الإخوان  وأمير  قطر.  أما  عن  تأثير  قطر  على  ثورات  الربيع  العربي،  فواضح  جدا  أن  هذا  التأثير  يأتي  من  خلال  أداتين  هما  “قناة  الجزيرة  والإخوان”،  ومن  خلالهما  لعبت  إمارة  قطر  دورًا  أكبر  من  حجمها  بكثير،  واستغلت  هذا  الدور  في  خدمة  السياسة  الأمريكية،  التي  بنت  أكبر  قاعدة  عسكرية  لها  في  قطر.

وعن  فشل  المعارضة  المصرية  في  الوقوف  في  وجه  الإخوان  الذين  فشلوا  في  إدارة  الدولة  في  مصر  يقول:  أنه  لا  خروج  من  المعمعة  الثورية  في  مصر،  دون  الوصول  إلى  حلول  جذرية  للقضايا  الاقتصادية  والاجتماعية،  ورأى  أيضاً  أن  هناك  نقصًا  استراتيجيًا  لدى  الحركة  التقدمية  المصرية  قام  على  عدم  تشخيص  المشكلة  الرئيسية  التي  يراها  “اجتماعية”.

أما  عن  الثورة  السورية  ودوافعها  الاقتصادية،  فيشير  الأشقر  إلى  تحالف  رأس  المال  مع  السلطة  الأمنية  منها  خاصةً،  فقد  استطاع  رؤساء  الأجهزة  العسكرية  والأمنية  الإثراء  إثراء  فاحشاً  وحققوا  ثروات  طائلة  كشركاء  إلزاميين  لبورجوازية  السوق،  وذهب  الجزء  الأكبر  من  الإثراء  إلى  العشيرة  العائلية  لآل  الأسد  وشركائهم،  ما  يبيّن  كيف  أن  الأسرة  الحاكمة  أصبحت  تضم  أغنى  رجال  البلد،  إلا  وهو  رامي  مخلوف  ابن  شقيق  زوجة  حافظ  الأسد،  وتقدر  ثروته  الشخصية  بستة  بلايين  دولار.  في  المقابل  استشرى  الفقر  والبطالة  في  الأرياف،  وأصبح  30  في  المئة  من  السكان  تحت  خط  الفقر،  في  ظل  تراجع  معدل  النمو  الإجمالي،  الأمر  الذي  يفسر  تطور  الانتفاضة  السورية  من  المحيط  الريفي  نحو  المراكز  المدينية،  ومن  أحزمة  الفقر  المحيطة  بهذه  المدن  نحو  وسطها،  وخلص  المؤلف،  من  خلال  تحليله  طبيعة  النظام  في  سورية،  إلى  أن  هذا  النظام  يستحيل  إسقاطه  بغير  حرب  أهلية،  وأن  دخول  المتطرفين  في  صفوف  الثورة  لا  يجوز  أن  يشوه  حقيقتها  بوصفها  حالة  أصيلة  لشعب  يحمل  السلاح.

يتساءل  المؤلف  أخيراً  إذا  كان  الربيع  العربي  سيفضي  إلى  دكتاتوريات  شمولية  إسلامية  تثير  الندم  على  النظم  الساقطة  ليستنتج  أنه  بينما  تسبب  زلزال  الانتفاضة  العربية  بالتأكيد  في  حدوث  ”  تسونامي  إسلامي”،  وهو  الأمر  الذي  كان  يمكن  توقعه،  فإن  التسونامي  كان  بالإجمال  محدود  الحجم  والنطاق،  فالتسونامي  ظاهرة  عابرة،  وهو  نادراً  ما  يبتلع  اليابسة  بشكل  دائم.  ومن  الممكن  جداً،  مع  مرور  الوقت،  أن  نكتشف  أن  “التسونامي  الإسلامي”،  كان  نقطة  الذروة  في  بزوغ  الأصولية  الإسلامية  منذ  سبعينات  القرن  العشرين،  وكذلك  نقطة  انطلاق  دورة  سياسية  جديدة  في  المنطقة  العربية.

وعُرف  الدكتور  الأشقر  بأطروحاته  الجريئة  المثيرة  للجدل،  والخارجة  عن  المألوف.  فهو  يطرق  دائماً  مواضيع  يعتبرها  بعض  من  نشأ  وفق  الذهنية  العربية  السائدة،  بأنها  من  المحرمات  السياسية  أو  الفكرية  التي  لا  ينبغي  التشكيك  بمسلماتها.

 

والأشقر  أستاذ  دراسات  التنمية  والعلاقات  الدولية  في  معهد  الدراسات  الشرقية  والأفريقية  في  جامعة  لندن،  ورئيس  مركز  الدراسات  الفلسطينية  في  المعهد.  صدر  له  عن  دار  الساقي:  الشرق  الملتهب،  وحرب  الـ  33  يوماً،  والسلطان  الخطير  بالاشتراك  مع  نعوم  تشومسكي،  والعرب  والمحرقة  النازية.

 

كما يدل عنوانه، فالكتاب لا يقتصر على الشأن السوري وإن كان يخصص حيزاً غير يسير منه لسورية، إلا أنه يقدم قراءة شاملة لموجة الانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي منذ أواخر عام 2010 منطلقة من تونس. وهو يبحث في تشابك العوامل الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية والإقليمية التي سبقت اندلاع الثورات: من النماذج النيوليبرالية المتوحشة والدول الريعية إلى القمع السياسي وصولاً إلى صعود الإخوان المسلمين وتبدل المشهد الإعلامي العربي مع صعود نجم قناة الجزيرة. ومن ثم يذهب الكتاب لتقديم كشوفات حساب مؤقتة للدول العربية التي شهدت انتفاضات واسعة قبل أن يشرح محاولات استيعاب الانتفاضة العربية.

 

من الكتاب:

 

الخلاصة أن الانتفاضة الجماهيرية، مهما بلغ حجمها، ليس لها سوى حظوظ قليلة في الإسقاط السلمي لنظام ميراثي يمتلك حرساً بريتورياً ذا ولاءات قبلية أو طائفية أو إقليمية/ جهوية. ويقتضي إسقاط نظام كهذا مواجهة مسلحة- إما صراع معمّم (حرب أهلية) أو صراع محدود في الزمان والمكان، بحسب الوزن النسبي للحرس البريتوري ضمن القوات المسلحة. وليس بالإمكان هنا “إصلاح” الدولة أو “صدعها”، أو تخليصها ببساطة من الأسرة الحاكمة بالوسائل السلمية. بل يتعين تحطيم نواتها الصلبة- حرسها البريتوري في المقام الأول – تحطيماً كاملاً بواسطة السلاح.

 

لتحميل هذا الكتاب من الرابط التالي

 

الشعب يريد.. بحث جذري في الانتفاضة العربية/ جلبير الأشقر

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.