سياسة

مهمّة خطرة ومُلتهبة/ مارك بييريني

 

 

في 17 أيلول/سبتمبر في سوتشي، اتّفق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان على إقامة منطقة منزوعة السلاح، تفصل بين محافظة إدلب وبين الأراضي السورية الأخرى. شكّل هذا الاتفاق، والترحيب الذي رافقه، دفعة مرحَّب بها بالنسبة إلى الرئيس التركي، الذي فقد نسبة كبيرة من مصداقيته السياسية مع شركائه الغربيين. لكن اتفاق سوتشي يضعه أيضاً في موقف خطر وحرج.

يُعتبر اتفاق سوتشي (المُسمّى سابقاً مذكرة تفاهم حول استقرار الوضع في منطقة خفض التصعيد في إدلب) اتفاقاً واضحاً. فبموجبه، تلتزم روسيا وتركيا بإنشاء وإدارة منطقة عازلة منزوعة السلاح على الحدود الشرقية والجنوبية الغربية لمحافظة إدلب. وستعمل الدوريات العسكرية الروسية- التركية المشتركة على ضمان التنفيذ السلس للاتفاق، مايعني أنه سيتعيّن على أنقرة تعزيز انتشارها في المحافظة بسرعة. من جهتها، رحبت دمشق بالاتفاق، لذا من المفترض ألا تقف حجر عثرة في طريق تطبيقه، أقلّه في الوقت الراهن.

كما يتضمن اتفاق سوتشي نقطة تشابه مثيرة للاهتمام مع الاتفاق التركي- الأميركي حول منبج، مايُميط اللثام عن الاستراتيجية الدبلوماسية الذي تعتمدها أنقرها: فالاتفاقان يستندان على السواء إلى إجراءات مراقبة مشتركة بين القوات التركية والروسية، والتركية والأميركية على التوالي. وهذا يتلاءم بشكل جيد مع الدور الدبلوماسي المحوري الذي تسعى تركيا إلى الاضطلاع به، أي أن تكون “قوة في الوَسَطْ”.

كيل المديح على أردوغان لتمكّنه من إقناع بوتين بالتخلي عن فكرة القضاء على الميليشيات الجهادية في إدلب على طريقة معركة غروزني (الشيشان)، وبالتالي تجنّب حمام دم في صفوف المدنيين أيضاً. وقد سمح له هذا الإنجاز الذي حققه في سوتشي بالتحدّث بوضوح أكبر في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 أيلول/سبتمبر، كما صدر له مقال في مجلة فورين بوليسي بتاريخ 26 أيلول/سبتمبر قال فيه: “على الرغم من أن تركيا ليست قوة عظمى عسكرية أو اقتصادية، إلّا أنها برزت كقوة قيادية عالمية بعدما أصبحت جزءًا من الحل في كل من العراق وسورية وأماكن أخرى”.

حتى الآن كل شيء يسير على نحو جيّد. بيد أن المراحل التالية تبدو في غاية التعقيد. فمن الناحية العملية، يتمثّل اتفاق سوتشي في أن تركيا تعهّدت ببساطة بنزع سلاح الميليشيات، بما فيها هيئة تحرير الشام المرتبطة بالقاعدة، التي سبق أن رفضت تسليم أسلحتها. وهذا مادفع المتحدث باسم أردوغان، ابراهيم كالن، للإشارة في 21 أيلول/سبتمبر إلى أن تركيا قد تلجأ إلى “سبل أخرى” إذا لم تنجح طرق “الإقناع” و”التهدئة”. وفي سياق إدلب، لايمكن لذلك أن يعني سوى القوة العسكرية. وبما أن المجموعة المتبقية من الجهاديين في إدلب معروفة بقدراتها العسكرية وعزمها على القتال حتى الرمق الأخير، فهذا يعني أن المهمة التي تنتظر تركيا الآن صعبة.

إذا ما افترضنا أنه من الممكن نزع سلاح الميليشيات سلمياً، تُطرح مسألة أساسية ثانية عن مصير هذه الميليشيات. إذ يبدو من المستبعد للغاية أن ينضم عدد كبير من عناصرها إلى صفوف المعارضة الرسمية، كما أن المقاتلين الأجانب- ولاسيما الشيشان والأويغور وربما بعض الأتراك أيضاً – يدركون جيداً أنهم غير مرحّب بهم في وطنهم الأم. لذا يكمن أحد الحلول السلمية في إرسالهم إلى مناطق شرق نهر الفرات بموافقة نظام الأسد، ما سيوفّر العبور الآمن لقوافل المقاتلين المتّجهة من إدلب إلى أقاصي شرق سورية.

في حال تم توفير العبور الآمن (وهو خيار لايزال يرفضه حتى الآن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف)، قد تعمد روسيا وتركيا إلى إرسال جهاديين مناوئين للأسد إلى منطقة تنشط فيها قوات سوريا الديمقراطية التي يُسيطر عليها الأكراد، والمدعومة من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد فلول تنظيم الدولة الإسلامية. لكن هذه الخطوة قد تعزّز قوات الدولة الإسلامية، وتزيد من صعوبة إدارة الوجود الأميركي في سورية، إذ سيتعين على كلٍّ من واشنطن والأكراد السوريين تحديد موقفهم. ومن الواضح أن روسيا وتركيا لاتزالان مصطفّتين ضد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في شمال شرق سورية.

من العبث البحث عن مبرّر دبلوماسي أو عسكري لاتّفاق سوتشي. فإضافةً إلى المنفعة المباشرة التي ستجنيها تركيا عبر تقديم نفسها كوسيط سلام، لاتزال الخيارات مفتوحة أمام كلٍّ من الجهاديين وموسكو ونظام الأسد. مع ذلك، لاينبغي تجاهل المشهد الأوسع. فلدى كلٍّ من روسيا وإيران والنظام السوري هدف بسيط، يكمن في السماح للقوات السورية النظامية باستعادة سيطرتها على محافظات البلاد وحدودها كافة. وهذا يعني ضمنياً القضاء على المجموعات الجهادية، وانسحاب الجيش التركي من شمال شرق سورية، وانسحاب القوات الأميركية وحليفتها. لكن الهدفين الأخيرين لايمكن تحقيقهما من دون تسوية تقودها الأمم المتحدة.

تقبع في ظلال اتفاق سوتشي معركة تخوضها إسرائيل ضد القوات الإيرانية وتلك الموالية لها في سورية. ففي 17 أيلول/سبتمبر، دمّر الطيران الإسرائيلي منشأة عسكرية في محافظة اللاذقية، بزعم أنها تصنّع أسلحة لصالح القوات الإيرانية وحزب الله، ماحدا بالقوات السورية إلى إطلاق صواريخ مضادّة للطائرات أسقطت، عن غير قصد، طائرة استطلاع روسية. وقد وصف بوتين الحادثة بأنها “سلسلة من الظروف المأساوية”. بيد أنها تشكّل في الواقع تجسيداً للتعقيدات الهائلة التي تنطوي عليها الحرب السورية. يبقى في نهاية المطاف أن المسار نحو نهاية الصراع السوري سيكون محفوفاً بالمعاناة الإنسانية، والغموض، والحوادث المؤسفة، والتبدّل في التحالفات.

مركز كارنيغي للشرق الأوسط

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى