شهادات

في مقدمات الثورة السورية (4): ربيع دمشق: خطوة واثقة على أرض غير مستقرة/ وائل السوّاح

 

 

في مقدمات الثورة السورية (4)

كانت الصورة تبدو في العام 2000 و2001 كمسبحة قطع خيطها ففرطت حباتها، وبدت دمشق والمدن السورية الأخرى، وحتى القرى والبلدات، كخلايا النحل النشيطة. وبدأت الصالونات والمنتديات الثقافية والسياسية تفتح أبوابها للنقاش العام حول قضايا الحياة المدنية والمجتمع المدني في سورية. ومن بين هذه المنتديات، برزت أسماء “منتدى الحوار الوطني،” “منتدى الحوار الثقافي،” “منتدى جمال الأتاسي،” “المنتدى الحضاري،” على سبيل المثال لا الحصر.

وعبرت الصحافة العالمية والعربية عن اهتمامها الشديد بما يجري في دمشق، وأرسلت كبريات الصحف والمجلات الأمريكية والأوروبية كبار مراسليها إلى العاصمة السورية لاكتشاف ما كان مستورا على امتداد قرون. وكتبت الوكالات العالمية وشبكات التلفزة والصحف، وكذلك شبكات الأخبار العربية، بتغطية ما يجري في دمشق، ونشرت رويترز مقالا مهما بعنوان “نقاشات حية بعد صيام عن الكلام ومطالبات بتوسيع عملية الإصلاح السياسي”، تحدثت عن ظاهرة المنتديات الثقافية ومنتدى الحوار الوطني الذي كان يديره رياض سيف. ونقلت الوكالة عن أحد المحاضرين المتفائلين قوله إن “سورية دخلت عصرا جديدا، لم يعد يحاسب فيه من يتحدث بأي شيء يريد أو ينتقد من يريد.”

واهتمت الصحف العربية واللبنانية بالحدث السوري، وكانت صحف “الحياة” و”النهار” و”السفير” تتابع عن كثب ما يجري في أروقة الثقافة والسياسة السوريتين، وترقب التحولات التي ظهرت كطفرة على جلد الساحة السياسية في سورية. ونشرت “الحياة” ملفا على ثلاث حلقات، تناولت بالتفصيل ظاهرة المنتديات السورية وحركة المجتمع المدني وتحركات المثقفين والبيانات التي بدأت تنهمر في بلد كان عطشا لمثل هذه التحركات. كما نشرت الحياة أيضا رد نائب رئيس الجمهورية العنيف على تحرك المثقفين.

ونشرت “النهار” البيروتية مقالا لمراسلها في دمشق آنذاك شعبان عبود رأت فيه أن المنتديات السورية “تمضي نحو آفاق جديدة ونوعية في العمل مختلفة عن البدايات الخجولة التي رافقت ولادتها في دمشق وبقية المحافظات.” وتساءلت النهار ما إذا كانت التجمعات المدنية الجديدة “معيارا للحكم على أفول أربعين عاما تقريبا من تجربة حزب شمولي،

عمل طوال فترة تواجده في السلطة على تغييب كل مظاهر الحياة المدنية وإلغائها ومسح مفاهيم التعددية السياسية عبر الصيغة الجبهوبة.”

وأضاف كاتب المقال، وهو صحفي ذكي ومتابع، “في وقت سابق كان مجرد هذا التساؤل وبهذه الصيغة يستدعي المحاسبة والملاحقة (…)ولعل الأجواء الداخلية التي عاشها الجميع في منتدى الحوار الوطني عبر مناقشتهم لموضوع الإصلاح السياسي في سورية خير دليل على عودة العافية وبسرعة إلى الجمهور الغائب والمغيب.”

وتحدثت السفير البيروتية بحماس أيضا عن ظاهرة المنتديات الثقافية وركزت على مشاركة البعثيين في حوارات منتدى الحوار الوطني، فكتب مراسلها في دمشق زياد حيدر، وهو مقرّب من الحكومة السورية، في أحد متابعاته أن البعثيين شكلوا “ما بدا أنه رد منظم من مجموعة من البعثيين الأكاديميين الذين يحضرون (المنتدى) للمرة الأولى” واتهموا رياض سيف بأنه “وكيل شركة أجنبية يريد أن يصنع حزبا ليبراليا يقود الحرية في سورية وهو أمر خطير مخيف”.

وشاركت صحف رسمية سورية في الجو الذي فرضه نشاط دعاة المجتمع المدني، فكتبت صحيفة البعث الناطقة باسم حزب البعث الحاكم في سورية تقول إن المثقفين والمفكرين السوريين قادرون “من دون استثناء أحد (منهم) على الإسهام الفعلي في عملية التطوير والإصلاح التي هي نهج لا مناص منه للنهوض بسورية.” أما جريدة الثورة الحكومية فعاشت عصرا ذهبيا تحت إدارة الصحفي الراحل محمود سلامة الذي فتح صفحاتها لمناقشاتٍ نظرية وسياسية واجتماعية عميقة حول مفهوم المجتمع المدني وعلاقته بالدولة أو موقفه منها وإشكالية التعارض والتكامل بين الطرفين وقد ساهم في هذه النقاشات عددٌ كبير من المثقفين السوريين.

منتدى الحوار الوطني

ولعل أهم المنتديات السياسية والثقافية التي ظهرت في تلك الفترة كان “منتدى الحوار الوطني”، الذي كان الشرارة الحقيقية الأولى التي أطلقت الربيع، ثم مع إغلاقه في شباط/فبراير 2001 وتحويل المسؤول الأول عنه النائب رياض سيف للتحقيق معه بعد رفع الحصانة الجزئية عنه كانت بداية النهاية لربيع دمشق.

ولا بد من إعادة الجذور الأولى للمنتدى إلى عام 1990، عندما قرر الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد زيادة عدد أعضاء مجلس الشعب من 187 إلى 250 عضوا، فاتحا بذلك المجال أمام مستقلين لخوض تنافس من أجل عضوية البرلمان. عام 1994، قرر الصناعي المغامر رياض سيف خوض التجربة، ورشح نفسه عن فئة المستقلين، وفوجئ هو نفسه عندما جاءت النتائج تمنحه أعلى أصوات بين المستقلين عن مدينة دمشق. وهو يقول إن هذه المفاجأة جعلته يشعر “بحجم الأمانة الملقاة على عاتقي في الكفاح لتحقيق ما كنت قد قدمته في برنامج الحملة الانتخابية الذي يتلخص بضرورة قيام صناعة وطنية متطورة قادرة على تحقيق الرفاه وتوفير فرص عمل لأبناء الشعب.”

ولم تكن الفترة ما بين 1994 و1998 أفضل مراحل حياته، ففي هذه الفترة خسر ابنه وجزءا كبيرا من ثروته ومصانعه، ولكنه أصر على الترشح من جديد للدور التشريعي السابع، ودعمه في ذلك الصناعيون والتجار والمثقفون وأبناء الأسر الدمشقية. وما ميز حملة سيف الانتخابية أنها كانت الوحيدة، ربما، التي عقدت، بدلا من حلقات الدبكة والمناسف التي لا تزال مضافات مرشحي المجلس الاشتراعي تحفل بها حتى اليوم، سلسلة حوارات وطنية متعددة الاهتمامات في مقر حملته الانتخابية (مضافته) في منطقة الميدان بدمشق. وأطلق على هذه الحوارات اسم “جلسات الحوار الوطني” واستمرت على مدى 9 جلسات بحثت في الشأن السياسي والاجتماعي والحقوقي والبيئي ضمن جرأةٍ نادرة وبنفس الوقت إدراك مميز لحدود السقف الذي على هذه الحوارات ألا تخترقه، وهو ما أسماه أحد الصحفيين البارزين حينها “حوارات تحت الخيمة الرئاسية” حيث كان الرئيس حافظ الأسد مازال على قيد الحياة.

بدأت فعاليات المنتدى بمحاضرة للمفكر الراحل أنطون مقدسي، قدم فيها تصوره لمفهوم المجتمع المدني ولواقع هذا المجتمع في سورية. وحاول مقدسي الإجابة عن سؤال طرحه: “هل دمشق مجتمع مدني؟ سؤال جوابه عندكم، ومن الذي يحكم دمشق، من الذي يحكم ويسير الأمور في مدينة دمشق، إن كل فئة اجتماعية تكون أمة سواء أكانت حزبا أم منظمة سياسية أو اجتماعية، مجموعة قوى، والحكم إدارة هذه القوى، هذه القوى تفسر عملياً بالسلطات، فما هي السلطات الحاكمة في البلاد العربية الـ 22؟ أعددها: سلطة عرفية انقلابية، سلطة دينية، سلطة عشائرية، سلطة ثقافية، وبالنتيجة سلطة مدنية، المدنية تقريباً ليس لها وجود، إذاً التساؤل من يحكم مدينة دمشق؟ السلطة المدنية غائبة تماماً، لا يوجد سلطة مدنية، المحافظة، المحافظ وظفوه، السلطة المدنية لا تتألف من موظفين، السلطة المدنية هي المدينة التي تنتخب حكامها، في البلدية والعمدة وهذا منصب سياسي، إذاً تحكمها السلطات التي ذكرت وأترك لكم الإجابة، فالسلطة هي عرفية انقلابية، سلطة دينية، سلطة عشائرية، سلطة ثقافية، أما السلطة المدنية فغائبة.”

لم تكن المحاضرة تحريضية ولا استفزازية. كانت هادئة ومتزنة وتمهيدية، وفي صلب الموضوع: المجتمع المدني. المداخلات في المقابل لم تكن كذلك. وقد عبّرت عن رغبةٍ عميقة وحقيقية في الحوار وفي مناقشة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السورية بعد غيابٍ طويل.

واستمرت جلسات المنتدى على مدى أسابيع، طارحة أكثر من محور للنقاش. المحور الأول كان قضية “إحياء المجتمع المدني،” تحدث فيه إلى جانب مقدسي كل من أستاذ الفلسفة أحمد برقاوي والباحث محمد جمال باروت والباحث محمد سعيد الحلبي. المحور الثاني كان (كيف نبني اقتصاداً وطنياً؟) وتحدث في هذا المحور الأكاديمي عارف دليلة والدكتور نبيل مرزوق والدكتور رياض الأبرش ورياض سيف نفسه. وكان الملاحظ التنوع في وجهات النظر من يسارية وليبرالية معتدلة وأخرى راديكالية. ولقد تعددت الإجابة عليه من كافة الانتماءات الأيديولوجية عبر مشاركة أقصى اليسار المتمثل في الشيوعيين كما هي حالة محاضرة الدكتور نبيل مرزوق واليسار الاجتماعي كما هي حال الدكتور عارف دليلة واليمين الليبرالي كما هي حال محاضرة الدكتور رياض الأبرش، وهذا التعدد والتنوع في الإجابة عكس طبيعة المنتدى الوطني الواسع، وجعله مفتوحاً لكافة المشاركات من كلِّ الانتماءات الطائفية والإثنية والعرقية والأيديولوجية والعُمرية، إذ لوحظ حضور مكثّف من قبل شريحة الشباب.

المحور الثالث كان في حقوق المواطن والإنسان. وبدأ هذا المحور الباحث في مجال حقوق الإنسان شبلي الشامي، الذي ألقى محاضرة بعنوان “حق القول”، كان لها صدى كبير إعلاميا وثقافيا، وقد أعطى الاهتمام الإعلامي والمكثف بالمحاضرة سواء أكان من قبل وكالات الأنباء العالمية أم من قبل الفضائيات العربية والأجنبية التي قامت بتغطية مباشرة أو من قبل الصحف العربية والأجنبيةً.

وتحدث في هذا المحور أيضا الباحث في مجال المجتمع المدني وحقوق الإنسان ورئيس مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان رضوان زيادة وأستاذ الفلسفة يوسف سلامة. أما المحور الرابع فكان المحور السياسي الذي تناول قضايا التغيير والإصلاح، وتحدث فيه رياض سيف وبرهان غليون.

وصفت مجلة نيوزويك الأمريكية منتدى الحوار الوطني بأنه “بداية حركة التغيير القادمة في سورية حتماً.” وقال كاتب المقال Roy Gutnan إن “رياض سيف أصبح يشكّل تحدياً للسلطات السورية، إذ يمكنه هو أن يسرّع الإصلاحات وبإمكانه أن يدفعها إلى توقفٍ مثير.” وبدأ الكثير يعولون على المنتدى، ليس فقط من أجل حراك مدني ولكن حراك سياسي أيضا. وغدا المنتدى ملتقى لكل السياسيين السوريين من كل ألوان الطيف، بل إنه غدا متنفسا لسنوات وعقود من الصمت. وهاهنا كان لا بد للمنتدى أن يأخذ شكلا مؤسسيا، وقد تجلى ذلك، وفقا لرضوان زيادة في تأسيس لجنةٍ تدير شؤون المنتدى أُطلِقَ عليها “لجنة منتدى الحوار الوطني” وقد تألفت من 14 عضواً من مختلف التكوينات الطبقية والتكوينات الأيديولوجية والانتماءات الطائفية والعرقية.[i]

بدأت الأحداث تتسارع بشكل عجز البعض عن استيعابه. وتم الإعلان عن أحزاب سياسية، كحزب “التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة” الناصري، والحزب الوطني-الديمقراطي، الذي أسسه كريم الشيباني، المقرب من السلطة، عبر مؤتمرٍ صحفي عقد في 31/1/2001، ليُعطي مؤشراً وكأن القيادة السياسية السورية قد قررت توسيع هامشها السياسي والحزبي عبر استنساخ أحزابٍ شبيهةٍ بها، فأراد النائب سيف أن يضع السلطة أمام الأمر الواقع ويعلن عن تأسيس حزبٍ جديدٍ ليرى إمكانية أن ترخص له السلطة أم لا، وجاء الإعلان عن ولادة “حركة السلم الاجتماعي” في “منتدى الحوار الوطني” بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2001 واستمرت نقاشاته الحادة على مدى يومين.

ويرى رضوان زيادة الذي تابع رياض سيف عن كثب في تلك الفترة أن الأخير تعجل في الإعلان عن حركته وعدم توفقه في صياغتها الملائمة خلق ردة فعل سلبية للغاية خاصةً من المسؤولين الرسميين كما ظهر ذلك في تصريحاتهم وأقوالهم، وهو ما عجَّل بالبدء في كبح نشاط المنتديات وكبتها، إذ وجدت السلطات السورية في انتشارها بداية “لمقاومة سلمية وشعبية واسعة، كما وجدت في ازدياد شعبية سيف ونشاطه مؤشراً ينذر بتغيير مخيف ولاسيّما وأن بعض الصحف العربية والأجنبية أصبحت تشبّهه بـ “فاليسا سوريا”، ودعوته إلى السلم الاجتماعي أشبه بحركة التضامن البولندية، بيد أن  السلطات السورية تمهلت قليلاً وتريثت باتجاه النظر إلى مستقبل هذه الحركة ونهايتها.

[i]  رضوان زيادة “من أجل مجتمع مدني في سورية، منشورات Eurab، ط 1، باريس، 2004

 

 

الكتب التالية متوفرة للتحميل

 

المثقف والسلطة – حوارات المجتمع المدني في سورية – رضوان زيادة

 

السلطة والاستخبارات في سورية – رضوان زيادة

 

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.