سياسة

لماذا لا يُنقَذ بشار من نفسه؟/ عمر قدور

 

 

رغم إشاعة أجواء التسليم ببقاء بشار لا تظهر فعلياً مؤشرات يمكن الاستدلال بها على استهلال مرحلة جديدة، فقط بعض وسائل الإعلام تذهب في اتجاه تدعيم فكرة تأهيله بواسطة الوصي الروسي. ما يثير الاستغراب أن فرضية التأهيل هذه تسير بقوة إعلامية مستقلة عن الواقع، أو بالأحرى منفصلة عنه تماماً، فتكاد تصبح من البديهيات، ولأنها كذلك لا مجال للنيل منها بوقائع تخالفها، بل لا يندر لَوْي مدلولات الوقائع المنافية لتصبح داعمة لها.

مؤخراً، على سبيل المثال، يُروّج وجود ضمانات روسية لعودة اللاجئين السوريين عودةً طوعية، مع الحديث عن جهوزية لوجستية لاستقبال حوالي مليون لاجئ، رغم معرفة الجميع بعجز تنظيم الأسد عن تقديم الخدمات الضرورية لمن تبقى في أماكن سيطرته. يصل الترويج إلى حد تقديم ضمانات أمنية مزعومة للعائدين المفترضين، في وقت تتوارد فيه الأخبار عن حملات الاعتقال التي تشنها مخابرات الأسد في مناطق “مصالحات” أُعطيت ضمانات بعدم ملاحقة أبنائها، وأيضاً في الوقت الذي ينفّذ فيه داعش واحداً من أقذر أدواره لتطويع محافظة السويداء ودفعها للخضوع للابتزاز الأسدي-الروسي.

الواقع على الأرض يقول باستحالة تغيير الأسدية، وحتى الحدّ من المستوى المتوحش الذي وصلته. يلزم أن نتمتع بغباء منقطع النظير لنظن أن الذين ضمنوا بقاءها حتى الآن لا يدركون ذلك، ويلزمنا مستوى مماثل من الغباء لنؤمن بوجود محاولات جادة للارتقاء بمستواها، إلا إذا اعتبرنا ردعها أحياناً عن استخدام السلاح الكيماوي صنفاً قاسياً من التوبيخ. بالتأكيد ينبغي ألا ينقصنا الغباء أيضاً لإهمال ذلك التناقض المستمر بين ما يُروّج عن السيطرة الروسية على القرار الأسدي وعدم القدرة في الآن ذاته على ضبط توحشه إزاء السوريين، إلا إذا تمتعنا بما يكفي منه لردّ هذا التناقض برمته إلى ما يُشاع عن تنافس روسي-إيراني يكون فيه لطهران دور الشيطان الأكبر.

سيكون من المفيد في هذا السياق استرجاع تاريخ فكرة المصالحات ووقائعها، فالمصالحات كانت فكرة إيرانية في الأساس، وكان أفقها المعلن الوصول إلى مقايضة يتخلى فيها السوريون عن المطالب السياسية لقاء صلاحيات إدارية أوسع للمجالس المحلية في ما بعد. يُذكر أيضاً أن بشار الأسد نفسه صاحب براءة الاختراع نفسها من قبل، فبعد وعود الإصلاح التي أتى بها أعلن أنه يتعين البدء بالإصلاح الإداري، وبالطبع لم يكن هناك إصلاح من أي نوع. إجرائياً كانت مفاوضات المصالحة التي يشرف عليها الإيرانيون قبل مجيء الروس تتضمن وفداً من عسكر ومخابرات الأسد مع موفد إيراني لا تُعرف رتبته ولا يُعرف اسمه الحقيقي، وكان الأخير أكثر ليونة بالمقارنة مع ضباط الأسد، فضلاً عن أن المفاوضين من جهة فصائل المعارضة أو الأهالي كانوا يصرون على ضمانات إيرانية لتنفيذ الاتفاق في حال عقده، إدراكاً منهم لغدر الأسد المبيّت.

مع تدخلهم العسكري ورث الروس فكرة المصالحة بدون تعديلات، باستثناء امتلاكهم قوة تهديد أعتى من الإيرانيين، وإنشاء مركز علني للمصالحات خاص بهم في قاعدة حميميم. مرة أخرى، وبعنجهية أعلى، سيطرح الروس ضماناتهم للمصالحات التي تأخذ صدقيتها فقط من القناعة الأكيدة بزيف أية ضمانات يقدّمها تنظيم الأسد. وكما في نموذج المصالحات الإيراني لا يخفى ذلك التقاسم في الأدوار، حيث يُترك للأسد دور الشيطان الأكبر مقارنة بقوى الاحتلال الداعمة له.

سنتجاوز الإهانات المباشرة التي تلقاها الأسد من طهران وموسكو على التوالي، وصمت عنها مثل تابع ذليل، فالعبرة هنا في التقاسم الوظيفي وترك الأسدية على سجيتها رغم قدرة الحليف الإيراني ومن ثم الروسي على ضبطها، أي في استثمار الوحشية الأسدية للظهور بمظهر الأقل توحشاً. قد تذكّرنا هذه القسمة بما درجت مخابرات حافظ الأسد على ترويجه في زمن مضى، إذ كانت تردّ مساوئ ووحشية سلطته إلى أخيه رفعت، وهذا ما استأنفه موالو الأسد مع قمع الثورة في بداياتها عندما كانوا يهددون بأن ذلك القمع هو لبشار بينما الأخ المشهور ببطشه ماهر لم يخلع البيجاما بعد ليلبس زيه العسكري.

ضمن منطق صوري يُراد لنا الاقتناع بأن الإيراني أو الروسي أرحم من الأسدي، لأنهما يمتلكان قليلاً من السياسة التي لا يتمتع الأخير بأدنى حد منها. هذا القياس يشبه القياس الذي رُوّج ونصَّ على أن الأسد أفضل من داعش، وكأنه لا وجود لخيار ثالث أو رابع أو عاشر سواهما. فاعلية المقارنة بين الأسدي والروسي تقتضي إبقاء الوحش طليقاً مع الوعد بضبطه، من دون ضمانات بوضع الوعد موضع التنفيذ، وإنما فقط من باب الاقتناع بقدرة صاحب الوعد على التنفيذ.

لو صحت الوعود الروسية لكنا أمام حالة شاذة، يكون فيها الاحتلال الخارجي خلاصاً من الاحتلال الداخلي. رعاية الجريمة الأسدية والعمل على استمرارها لا تصب في مصلحة الاحتلال الروسي في المدى المنظور، ولا تصب في فرضية إعادة تأهيل بشار نفسه، وبالتأكيد لا تخدم أية تسوية مقبلة مهما كانت مجحفة لأن العيش في كنف الوحشية يكون قسراً ولا يحتاج تسويات. ربما يكون لدينا احتمالات أخرى للتفسير، منها أن تكون تلك الوحشية ضمانة لبقاء الاحتلال الخارجي، وهذه وصفة تضعف من احتمالات استقراره. وربما يكون استنزاف الوحشية مطلوباً ضمن مهلة لم تنقضِ بعد، ولغايات لم يكتمل تحقيقها، وهذا يفترض إلصاق كافة الشرور بالأسدية تمهيداً لطي صفحتها لاحقاً. بالطبع ثمة مساحة متداولة لفرضية التواطؤ الذي لن ينتهي حتى سحق السوريين وإبقاء الأسدية إلى ما لا نهاية، والغاية حسبها تطويع السوريين وتطويع كافة شعوب المنطقة برؤية ما حلّ بهم، إلا أن هذه الفرضية الشائعة إذا امتلكت بعض الصواب فهي ليست في صلب الاستراتيجيات أو المتغيرات الدولية والإقليمية المحيطة بالقضية السورية وفي مقدمها إعادة تقاسم النفوذ.

على الأرجح ثمة ما هو مزدوج في تسهيل الجريمة الأسدية، حيث الوجه الآخر للمقتلة دفعُ مرتكبيها إلى الانتحار السياسي. حتى حلفاء بشار الأقرب لم يبذلوا جهداً لإنقاذه من نفسه، مع إدراكهم أن إنقاذه من السقوط هو إجراء وظيفي مؤقت.

التحليلات الوفيرة التي تذهب علناً أو ضمناً إلى تجميل الاحتلال الروسي وشيطنة بشار وحده يفعل أصحابها بالضبط ما هو مطلوب روسياً، وربما دولياً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى بعض “المعارضين” المندفعين إلى التنسيق مع موسكو تحت مختلف الذرائع. مصيبة هؤلاء، فوق تعاميهم عن شريك أساسي في الجريمة، عدم فهمهم أن وظيفتهم ستنتهي قبل انتهاء وظيفة بشار؛ في الواقع لا يوجد اختلاف بين من يظن الأسدية مستقبل سوريا ومن يظن البوتينية حصتنا من العالم.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.