شهادات

مقدمات الثورة السورية(6): حين رفض النظام أن يغيّر جلده: نهاية ربيع دمشق/ وائل السوّاح

 

 

مقدمات الثورة السورية – 6

لم يطل الوقت حتى أثبت بشار الأسد أن خطاب القسم الذي أدّاه لم يكن سوى كلمات جوفاء بلا مضمون. فما إن انتشرت ظاهرة المنتديات السياسية والثقافية. وجاء ردّ النظام كما يمكن تخيّله، عنيفا وباردا وبدون معنى.

في 7/2/2001، ألقى رضوان زيادة محاضرة بعنوان ” المأزق السياسي وإشكالية التعثر الديمقراطي في سوريا،” نالت قسطا كبيرا من عناية الحضور والتغطية الإعلامية، بسبب كونها أول محاضرة في المنتدى تدخل في حيّز معالجة الوضع السوري مباشرة دون استعارات من دول عربية أخرى ودون تعميم ضبابي. وشارك أكاديميون بعثيون في الحوار مما جعل النقاش ساخنا ومتوتراً، وقد استمرّ على امتداد خمس ساعات متواصلة، كان يتقطع في بعض الأحيان نتيجة الحوارات الثنائية الحادة بين أحد البعثيين وأحد الحضور، وبحضور أحد الصحفيين الأمريكيين الذي طلب الكلام ليشكر التجربة السورية في هذه المنتديات، وليقول إن هذه التجربة لا مثيل لها في الولايات المتحدة بحكم سيطرة وهيمنة وسائل الإعلام والشركات العملاقة. ولكن الرجل قوطع من قبل أستاذ بعثي في كلية الحقوق-جامعة دمشق، الذي اتهم بشكل غير مباشر المحاضرة برمتها بأنها ورقة أمريكية.

في اليوم التالي للمحاضرة، وضعت حكومة الأسد شروطا جديدة لتقييد نشاط المنتديات أو بالأحرى وقفها نهائياً، إذ طُلِبَ من المسؤولين عن تنظيم هذه المنتديات تقديم اسم المحاضر ونص المحاضرة وأسماء الحضور، إلى غير ذلك، قبل 15 يوماً من موعد المحاضرة، ثم الانتظار حتى الحصول على الموافقة، الأمر الذي عنى حقيقةً وقف نشاط المنتديات. وترافق ذلك مع تعميمٍ من القيادة القومية لحزب البعث الحاكم تتهم فيه المثقفين السوريين بأنهم “عملاء ومرتبطون بالخارج”، وقام أعضاء القيادة القطرية بجولة على المحافظات السورية للتحذير من الأطروحات التي تدعو إلى “المجتمع المدني”.

وكانت الخطوة التالية أن أقدم رئيس مجلس الشعب آنذاك عبد القادر قدورة على رفع الحصانة عن النائب رياض سيف وذلك أثناء فترة عطلة المجلس وسمح بذلك بتحريك دعوى النيابة العامة ضده، كردّ على تأسيسه لحركة السلم الاجتماعي، حيث مثل أمام قاضي التحقيق لعدة جلسات تمحورت معظمها حول خلفيةِ ورقته التي تدعو إلى “السلم الاجتماعي”، وعلى أثر هذه التقييدات المختلفة أعلنت الكثير من المنتديات وقف نشاطها، واستثني “منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي”، بسبب تصريح أعطاه بشار الأسد لجريدة أردنية، امتدح فيها المنتدى بشكل غير مباشر، ما منع الأجهزة من التعامل معه بنفس الطريقة. ولكن ذلك لن يستمر طويلا بطبيعة الحال، فما لبثت السلطات أن أمرت بإغلاقه بعد سنوات قليلة.

أما “منتدى الحوار الوطني” فأوقف نشاطاته في 12 آذار/مارس 2001 في بيان أظهر فيه الضغوط التي تعرض لها وأعلن أنه سينتظر الفرصة لاستئنافه مجدداً في ظروفٍ مشرّفة،

وكان ذلك الإعلان نهاية “ربيع دمشق.” وعبّر صحفيون مثقفون وسياسيون عن قلقهم من نهاية أمل كان يحدوهم. وقال الصحفي شعبان عبّود في جريدة النهار إن “ما شهدته الحياة العامة على مستوى الحوار الديمقراطي “المنزلي” في العاصمة دمشق وبعض من المحافظات الكبرى في طريقه إلى الأفول،” متسائلا: “هل انتهى “ربيع دمشق” الديمقراطي الخاص هذا وبهذه السرعة دون أن تشعر به غالبية السوريين، بل دون أن يلحظه حتى الجوار ممن كانت تعقد في بيوتهم الصغيرة المنتديات الحوارية؟”

بيد أن الحكومة نبّهت الصحفيين بأخذ الحذر من طريقة تغطيتهم لأخبار المنتديات. وجاء هذا التحذير على لسان مسؤول إعلامي محسوب على “تيار” الإصلاح داخل الحكومة، الذي أخبر الصحفيين أن “العين محمّرة” عليهم وأن طريقتهم في تناول ما يجري في هذه المنتديات من حوارات باتت عبئا يزعج الكثير من المسؤولين، وعليهم الانتباه والحذر لأن ليس كل ما يجري عبر هذه المنتديات هو كل المشهد.”

في هذه الأثناء، كانت الحياة العامة، وبخاصّة بين النخب المثقفة، تمر بأحداث كبيرة ومهمة. ففي آب 2001، ألقى الأمين العام للحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي (المعروف الآن باسم حزب الشعب الديمقراطي) رياض الترك محاضرة مهمة بعنوان ” مسار الديمقراطية وآفاقها في سورية: الصراع على السلطة وضوابط صندوق الانتخاب وحق العمل السياسي”، شكلت هزة في الأوساط السياسية لكونها أول خطاب يتحدث بالملوس حول نقد المرحلة السابقة والدعوة إلى مصالحة وطنية تؤسس لبناء نظام سياسي جديد يقوم على أساس ضوابط صندوق الانتخاب وحق العمل السياسي. وبُدئ بتأسيس جمعيات لحقوق الإنسان كان أهمها جمعية حقوق الإنسان في سورية، وطرحت لجان إحياء المجتمع المدني بياناتها المتوالية، كان بينها بيانها المهم “نحو عقد اجتماعي وطني في سورية: توافقات وطنية عامة”، وبدأ النائب الدمشقي مأمون الحمصي يتبنى مقولات معارضة للحكومة، ويطالب بإصلاحات ديمقراطية كبيرة. أما في الخارج فأصدر الإخوان المسلمون ما أسموه “ميثاق شرف وطني للعمل السياسي”، أعلنوا فيه أنهم يختارون الحوار والعمل الديمقراطي ويؤكدون على نبذ العنف.

ولكن أهم ما جرى في تلك الفترة لم يكن فعلا سياسيا أو مدنيا، بل كان متابعة اقتصادية، قام بها النائب رياض سيف لقضية عقود الهاتف الخليوي في سورية، حيث بدأ يقوم بحسابات رياضية أثبت فيها أن الدولة ضحّت بمليارات الدولارات (حوالي 8 مليارات دولار) لمصلحة شركتين خاصتين، يملكهما ابن خال الرئيس بشار الأسد ودائرة من المقرّبين منه، احتكرتا عقود الخليوي. ولقد نجح في إثارة الموضوع داخل أروقة مجلس الشعب وقرر المجلس تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في هذا الموضوع، وأعدَّ دراسة مطولة ودقيقة حول الموضوع نفسه تُظهر وبالأرقام أن هذه العقود قد أضاعت على الخزينة السورية مبلغاً لا يقل عن 400 مليار ليرة سورية.

بهذه الدراسة، أدخل رياض سيف نفسه في ” في حجر الأفاعي بنفسه” كما عبّر عن ذلك أحد الكتّاب، مضيفا أن “مسألة لدغهم إياه هي مجرد مسألة وقت، وهذا ما حصل بالفعل.”

في آب 2001، بدأ النائب مأمون الحمصي إضراباً عن الطعام كي تتحقق مجموعة من الأهداف أهمها رفع حال الطوارئ وقانون الأحكام العرفية وتشكيل لجنة لحقوق الإنسان في مجلس الشعب وإلغاء عقود الخليوي، فكان رد السلطات اعتقاله والحكم عليه بالسجن خمس سنوات، لأسباب لا علاقة لها بالسياسة، بل بقضايا اقتصادية منها التهرب من الضرائب.

وفي بداية شهر أيلول، اعتقل رياض الترك بعد مشاركةٍ له في برنامج “بلا حدود” على قناة “الجزيرة” القطرية. وحاولت لجنة منتدى الحوار الوطني ومعها الكثير من المتضامنين والمؤازرين دراسة سبل الرد على اعتقال مؤسس المنتدى ومواصلة العمل، ولكن السلطات الأمنية السورية سربت لائحة بأسماء ثلاثين شخصا تخطط الأجهزة لاعتقالهم، وقد ضمّت اللائحة معظم أعضاء “لجنة منتدى الحوار الوطني” أو الناشطين في حواراته. وسارعت السلطات إلى اعتقال عدد من ناشطي المنتدى، هم عارف دليلة ووليد البني وكمال اللبواني وحسن سعدون وحبيب صالح، وألحقتهم بعد أيام بفواز تللو وحبيب عيسى الناطق باسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي. وقمعت الاعتصامات والأشكال الأخرى للتعبيرات المدنية بقوة.

أغلق منتدى الحوار الوطني أبوابه، وتلته بقية المنتديات التي انتشرت على كافة رقع البلاد السورية، وانتهى ربيع دمشق.

هل كان من الممكن ألا يواجه ربيع دمشق المصير الذي آل إليه؟ هل كان من الممكن تجاوز حالة الاستعصاء هذه؟ نظريا نعم. يعتقد بعض المثقفين السوريين أن حركة المجتمع المدني التي بدأت ملامحها تظهر في العام 2000 قد أخطأت عندما خلطت بين مهامها كحركة مدنية وبين مهام سياسية كان على عاتق السياسيين والأحزاب السياسية الاضطلاع بها. وأنه كان من واجبها الانتباه أكثر إلى دورها كأداة مجتمعية مهمتها التركيز على قضايا الثقافة والفكر والتنمية والتدريب والتأهيل والتعبئة وترويج مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. وتعتقد وجهة النظر هذه أن حظ المجتمع المدني بالنمو والبقاء كان أكبر بكثير لو أنه، لم يحمل مهام الأحزاب السياسية ولم يطرح برامج سياسية في التصدي للحكومة، كما يقول أحد مؤسسي حركة المجتمع المدني في سورية.

ويرى بعض هؤلاء النقاد أن الخطأ الكبير كان يكمن أساسا في تدخل السياسيين في ظاهرة نشوء المجتمع المدني في سورية منذ نهاية التسعينات.

وهؤلاء يرون أن السياسيين أرادوا استخدام المجتمع المدني كحصان طروادة لمهاجمة النظام السياسي القائم في سورية. ووضع أحد السياسيين ذلك بكلمات أوضح حين اعتبر المجتمع المدني فرقة استطلاع تتقدم الجيش المعارض بطبيعة الحال.

ويضيف هؤلاء أن دعاة المجتمع المدني الحديث في سورية هم السياسيون السابقون والحاليون. وبالنسبة لوجهة النظر هذه، فإن المشكلة أن المجتمع المدني لم يحاول التأسيس لثقافة مجتمعية ومواطنية، لذلك بقيت الحركة محصورة ببضع مئات من المثقفين تراهم أنفسهم في كافة المنتديات والمحاضرات والاعتصامات والبيانات ووسائل الإعلام والمحاكمات والنشاطات الثقافية، وهم أنفسهم الذين يشكلون القوى السياسية المعارضة في البلد. وبالتالي فإنه كان من المستحيل عمليا الفصل بين نشاط المعارضة السياسي ونشاط المجتمع المدني.

ولكن آخرين يرون أن ذلك لم يكن خطأ. ولكن الخطأ بالنسبة إليهم قصر المجتمع المدني واختزاله في مجموعة المنظمات غير الحكومية التي تأسست حديثاً في سياق العولمة، والتي تنشط وفق رؤية عالمية للمنظمات غير الحكومية المتمركزة في الغرب أساسا. على العكس من ذلك، فالمجتمع المدني هو نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى. ولئن كان البنك الدولي ومعه أنظمة النيو-ليبرالية في الغرب تريد من المجتمع المدني أن يلعب أساسا دورا تنمويا واقتصاديا، ليريح الحكومة من هذا العبء الاجتماعي، فإن رؤية البعض الآخر أن المجتمع المدني هو حركة المجتمع الاجتماعية والثقافية والتنموية التي تقع في الحيز الفعال بين الدولة من جهة والأسرة من جهة أخرى، وهو يقوم بهذا النشاط بمعزل عن الدولة ولكن ليس في مواجهتها.

ولا يمكن للمجتمع المدني أن يحقق هذا النشاط بمعزل عن القيم الديمقراطية. وبالتالي فإن مطالبة مؤسسات المجتمع المدني بترويج قيم الديمقراطية هو جزء أساسي من مكونات هذا المجتمع. ذلك أن الإدارة السليمة للصراع والمنافسة هي جوهر مفهوم المجتمع المدني، كما استخدمه هيغل وماركس وتوكفيل وغرامشي. وعلى الرغم من أن مؤسسات المجتمع المدني تمتنع عن العمل السياسي المباشر، ولا تسعى إلى المشاركة أو الوصول إلى السلطة السياسية، إلا أنها من أشد المدافعين عن الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، وهذا ما سوف يدفع إلى الخلط بين الحقلين.

وإذا كان ثمة من أساء فهم الدعوة للديمقراطية كإطار لا محيص عنه لنشاط المجتمع المدني وخلطه ذلك باعتباره فعلا سياسيا فإن الخطأ يقع على الطرف الآخر، وهو الحكومة هنا.

وفي هذا الصدد يرى جاد الكريم الجباعي، الباحث اللامع في قضايا المواطنة والمجتمع المدني وأحد مؤسسي لجان إحياء المجتمع المدني إن “الأهم في البلد هو التغيير الثقافي وليس التغيير السياسي، لأن التغيير السياسي له شروطه غير المتوفرة في البلد، أنا دائما أقول ما فائدة القيام بعمل سياسي مادام الثقافي هو السائد، لهذا كان عملي دائما ضمن تغيير آليات التفكير وآليات المواطنة في بعدها الثقافي: قبول الآخر والكياسة والاقتناع بإمكانية الخطأ والعمل المشترك.”

ويقول مثقّف سوري مقرّب من السلطة السورية وعضو سابق في مجلس الشعب، جورج جبّور، إن العلاقة بين السياسي والمدني ليس مثلبة “أبدا، لكن عليه أن يحسب حسابا وعلى الدولة أيضا أن تتعامل معه على هذا الأساس، أنت لا تستطيع أن تمارس السياسة وأن تشهر في الوقت نفسه سلاح أنك مجتمع مدني لا تتدخل في السياسة (فيا أيتها السياسة ابتعدي عني.)”

ليس الوصول إلى قرار نهائي في هذا السؤال سهلا، ولا هو مهمة هذه المقالة. ولكن مجرد طرح السؤال جدير بالتفكير في إجاباته المتعددة: هل كان من المكمن ألا ينزلق المجتمع المدني السوري باتجاه السياسة؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.