سياسة

من يحكم “الجيش السوري”؟/ إياد الجعفري

 

 

 

قبل أيام قليلة، أبرق الأسد إلى جيشه، في عيده السنوي، مستفيضاً في الحديث عن انتصارات هذا الجيش على “الإرهابيين”. لكن، بعيداً عن الخطاب الرسمي غير الواقعي لنظام الأسد، تكشف لنا تجارب سابقة في تاريخ هذا الجيش، أنه، بعيد كل خضّة نوعية للحكم في البلاد، تتعرض المؤسسة العسكرية لعملية غربلة عنيفة، وإعادة ترميم، تنفذها الفئة الغالبة، التي تحكم في العادة مستقبل سوريا في السنوات التالية.

ومقارنةً بالتجارب السابقة، منذ تأسيس هذا الجيش في الأول من آب، عام 1946، كانت سنوات ما بعد ثورة 2011، هي الامتحان الأشد لهذه المؤسسة، التي تعرضت لاهتراء غير مسبوق في بنيتها، وفي هيبتها، وأيضاً، في حصرية نفوذها على الساحة الداخلية. وكانت الخضّة التي تعرض لها نظام الحكم في دمشق، هي الأشد في تاريخ البلاد المعاصر، برمته. لذلك، يصبح السؤال عن نوعية الغربلة وإعادة الترميم التي سيشهدها “الجيش السوري”، أمراً مبرراً، خاصة أن النتيجة التي آلت إليها سنوات الثورة السبع، عكست المسار الذي أسس لاستقرار مديد، لنظام حكم الأسد، بعد العام 1970. فذلك المسار قام على التأسيس لنخبة عسكرية من العلويين، منسجمة داخلياً، بصورة كفلت استقرار النظام الحاكم، حتى العام 2011. هذه النخبة كانت بلا منافس في الداخل السوري. لكن، هذا المسار انعكس اليوم. فمع ظهور نفوذ روسي وإيراني، متناقض، وقوي، داخل الجيش، لكل منه مراكز قوته العسكرية، إلى جانب حاجة هذا الجيش للترميم العددي، الذي يبدو أنه سيؤول إلى الأكثرية من السُنة، أيضاً، وسيعتمد أساساً على المنشقين عنه سابقاً، الذين قبلوا التسوية معه.. في ضوء ما سبق، يصبح التساؤل عن حصرية سيطرة النخبة المنسجمة من الضباط العلويين، على الجيش، مشروعاً.

ولفهم مستقبل “الجيش السوري”، أكثر، يجب أن ندرس تاريخه. ومن أبرز الدراسات التي تناولت تطور النخبة العسكرية السورية، كانت دراسة “الصراع على السلطة في سوريا”، للأكاديمي الهولندي، نيقولاس فان دام.

يفيد تتبع التطور الذي شهدته النخبة العسكرية السورية، وفق الدراسة المشار إليها، باستخلاص جملة نتائج، أبرزها على الإطلاق، أن الاستقرار السياسي المديد، الذي حظي به نظام الأسد، منذ نهاية العام 1970، وحتى العام 2011، تأتى عن سيطرة نخبة عسكرية على السلطة داخل الجيش. هذه النخبة كانت من الضباط العلويين، وكانت منسجمة داخلياً، وحصدت السيطرة المطلقة في الجيش، بعد تصفية كل الجماعات المنافسة، حتى من العلويين، أنفسهم.

عمليات التصفية تلك، والتي يمكن تسميتها بـ “الغربلة وإعادة الترميم”، كانت السمة التي ميزت اللحظة التي تلي انتصار فئة ما في صراعها على السلطة في سوريا، خلال السنوات التي أعقبت عام 1946. لكن هذه السمة تفاقمت بصورة نوعية، بعد انقلاب البعث عام 1963.

وتعرّض “الجيش السوري” لأولى عمليات الغربلة، في عهد أديب الشيشكلي (1951 – 1954)، والذي عزّز حضور الضباط السُنة من أبناء المدن، في المواقع الحساسة داخل الجيش، على حساب الضباط المتحدرين من الأقليات، والذين كانوا يشكلون نواة الجيش، منذ عهد الانتداب الفرنسي، تحت مسمى “القوات الخاصة للشرق الأدنى”، حينها.

وكنتيجة لإجراءات الشيشكلي تلك، لعب الضباط السُنة، خاصة منهم الدمشقيون، دوراً بارزاً في السنوات التي سبقت الوحدة مع مصر، عام 1958. ولاحقاً، كانوا هم رأس الحربة في الانقلاب على الوحدة، في أيلول 1961.

وخلال السنتين اللتين تلتا الانفصال، شهد الجيش عمليات تصفية متبادلة، بين الكُتل السُنية، على أساس مناطقي. حيث وقف معظم الضباط السُنة ضد نظرائهم الدمشقيين. الأمر الذي جاء لمصلحة ضباط الأقليات، والذين كانوا بدورهم، رأس الحربة، في انقلاب البعث عام 1963. وفي السنوات التالية حتى العام 1966، شهد الجيش ثلاث خضات متتالية على الأقل، كانت نتيجتها، غربلة الضباط السُنة، لصالح ضباط الأقليات، وتحديداً منهم العلويون.

وبين عامي 1966 – 1970، انحصر الصراع بين الضباط العلويين أنفسهم، لتكون الغلبة للزمرة الموالية لـ حافظ الأسد، الذي استولى على السلطة، وشن حملة غربلة داخل الجيش، على حساب العلويين الموالين لمنافسه السابق صلاح جديد.

وبعد العام 1971، لم يعد هناك مجموعات أو تكتلات داخل الجيش، يمكن أن تنافس التكتل العلوي الجديد، فعلياً. ذلك التكتل أحكم بشكل مطلق، سيطرته على المؤسسة العسكرية، عبر استراتيجيات محترفة، أتقنها حافظ الأسد، بصورة منعت حدوث أي انقلاب عليه، لاحقاً، حتى من الضباط العلويين أنفسهم. إذ كان هناك اختلاط داخل الألوية والفرق العسكرية، بين ضباط علويين، وعسكريين سُنة، بصورة تجعل من الصعب على أي طرف تحريك تلك الألوية، بشكل منفرد. الأمر الذي جعل السلطة مطلقة في قبضته، وقبضة كبار الجنرالات العلويين المقربين منه، داخل الجيش.

استراتيجية الأسد الأب، تلك، أسست لاستقرار طويل نسبياً، للحكم داخل سوريا. لكن اليوم، يبدو أن استمرار تلك الاستراتيجية، سيكون موضع تساؤل. فـ “الجيش السوري”، لأول مرة منذ الانتداب الفرنسي، يخضع لنفوذ قوى خارجية.

تشير كل المعلومات المتوافرة عن التطورات داخل المؤسسة العسكرية، مؤخراً، أن “الجيش السوري” بات يتضمن مراكز قوى مدعومة من الإيرانيين، وأخرى مدعومة من الروس. هذه الظاهرة التي قضى عليها الأسد الأب، وهي وجود تكتلات متناحرة داخل الجيش، عادت للحياة مجدداً. أما المعطى الآخر، فهو يتعلق بالحاجة للترميم العددي، لهذا الجيش، والذي يظهر جلياً أنه سيعتمد على مقاتلين سُنة، كانوا قبل أسابيع أو أشهر قليلة، من المتمردين على الحكم، الأمر الذي يشكل سابقة على مؤسسة تعودت الانسجام والهدوء الصارم داخل صفوفها، حتى في خضم تحديات خطيرة واجهتها، من قبيل مجازر حماة 1982، حينما راهن الأخوان المسلمون على حصول انقسام داخل الجيش، إلا أن إجراءات الأسد الأب، وشقيقه رفعت، حينها، ضمنت بقاء العسكريين والضباط من السُنة، تحت السيطرة.

تتحدث الأنباء اليوم عن منافسة بين ألوية الجيش على المجندين الجدد، وتحديداً بين الفيلق الخامس المدعوم روسياً، وبين الفرقة الرابعة، التي تتبع لـ ماهر الأسد، والذي يعتقد البعض أنه يحظى بدعم إيراني. هي ظاهرة جديدة تماماً في مؤسسة عسكرية زاخرة بتاريخ حافل من التوترات والانقلابات والصراعات الدموية. فهل نستطيع أن نقول اليوم، أن آل الأسد يحكمون “الجيش السوري”، برفقة جنرالاتهم العلويين المقربين، كما كانوا خلال أربعة عقود سابقة؟، أم أن “الجيش السوري” مقبل على مرحلة “غربلة وإعادة ترميم”، لا نعرف إلى من ستؤول المحصلة فيها؟

سؤال يبقى جوابه مفتوحاً في المرحلة القادمة، مع دخول النفوذ الخارجي، بشكل مباشر، على خط الاستقرار السياسي الهش لحكم نظام الأسد.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى