شهادات

مقدمات الثورة السورية (8): اعلان دمشق حجر في بركة راكدة/ وائل السواح

 

 

مقدمات الثورة السورية 8

لا يمكن فهم العقد الأول من الألفية من دون تأمل أمرين كبيرين هزا المنطقة هزا عنيفا وأثرا إلى حد كبير في حركة المجتمع المدني في سوريا. وكان لهذين الحدثين وجهان: وجه إيجابي وآخر سلبي. أما الحدث الأول فهو سقوط حاكم العراق السابق صدام حسين والحرب في العراق الذي يوضّح الوجهين المتناقضين. فمن جانب، كان لسقوط الدكتاتورية في البلد المجاور لسوريا وانتعاش حرية التعبير ونشوء منظمات المجتمع المدني الوليدة هناك دور في إلهام الناشطين المدنيين في سوريا ودفعهم لبذل مزيد من الجهد في إطار التأسيس لحركة متجددة للمجتمع المدني. ومن جانب آخر كان لحمامات الدم والقتل المجاني وتشريد ملايين العراقيين والغباء الأمريكي المطبق في ارتجال قرارات مصيرية للبلد والتدخل الخارجي الدولي والإقليمي في العراق والخوف من تقسيم البلد دور مناقض في اتخاذ العراق كمثال جيد للديمقراطية في المنطقة بالنسبة لممثلي المجتمع المدني. وعلى النقيض، فقد خفّف الوضع المأساوي هناك من حماسة المثقفين السوريين، ودفعت بعضهم للخشية من أن السعي وراء الديمقراطية يمكن أن يؤدي في سوريا إلى نتائج مماثلة.

أما الفاعل الثاني الذي أثر في عملية النشوء والانتكاس فكان صدور القرار الدولي 1559 واغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، وما تلا ذلك من انسحاب للقوات السورية من لبنان، تحت وطأة التحركات الشعبية اللبنانية التي أطلق عليها أنصارها “ثورة الأرز،” والتي أثّرت بشكل أو بآخر على المجتمع المدني السوري. وقد لمسنا أن وطأة الضغط الأمني التي مارستها الحكومة السورية على المجتمع المدني في سوريا قد خفّت بشكل ملحوظ، واستعاد المجتمع المدني شيئا من الثقة بالنفس خلال عامي 2004 و2005، ولكن ليس طويلا. ولا بأس من القول إن الشارع السوري شهد في هذه الفترة انفراجا كبيرا، وتراجع دور الأجهزة الأمنية وكذلك طريقة تعاملها مع ناشطي المجتمع المدني ومع المعارضة السورية بشكل عام. وحظي الشارع السوري بحرية نسبية لم يعرفها منذ عقود طوال. وراح السوريون يناقشون أدقّ الشؤون السياسية وأكثرها حساسية في المقاهي والأماكن العامة. كما ظهرت في تلك الفترة ظاهرة جديدة: الاعتصامات.

كان أول اعتصام رئيسي تقوم به حركة المجتمع المدني في سوريا يوم 8 آذار/مارس 2004، حيث اعتصم حوالي مئة شخص أمام مجلس الشعب السوري، بدعوة من لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا، بمناسبة مرور إحدى وأربعين سنة على إعلان حالة الطوارئ، الذي أعلن ببلاغ عسكري صبيحة يوم 8/3/1963، واستمرّ ساريا بدون توقف حتى العام 2011 نظريا، وحتّى اليوم عمليا. وعلى الرغم من الطبيعة السلمية للاعتصام، بادرت قوات الأمن إلى تفريق المعتصمين بالإقناع أو بالقوة.

وقامت قوات الأمن بالاعتداء “على المعتصمين بالضرب واعتقال أكثر من ثلاثين معتصما عرف منهم: أكثم نعيسة، الناطق باسم لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا- مزن مرشد- دانييل سعود- مانية عنبراوي- راشد صطوف- أحمد خازن – سميرة خليل- ياسين الحاج صالح- أسامة نعيسة-  عبد الكريم ريحاوي- أحمد الحجي- كنان أحمد- عبده قندلفت- عزت عبد الرزاق- حسن هويدي- محمد طيباني- باسل عبد الله- نبيل ملكية- فؤاد إيليا دانيال- نزار رستناوي- رشا عنبراوي- سمير الشحت- سعيد البرغوثي- نضال درويش- قيس شاهين- حسيبة عبد الرحمن- شادي كردية- أيمن غيبور- جمانة حيدر- رشاد كيوان- أحمد شويداني- إسماعيل جاموس- زياد الملا- عبد الكريم ضعون.”

ويبدو أن الأمن السياسي الذي تولى عملية التفريق لم يلجأ إلى القوة المفرطة وأن الموقوفين قد أطلق سراحهم بعد بضع ساعات.

بعد اعتصام 8 من آذار، بدأ ناشطو حقوق الإنسان والمجتمع المدني بتنظيم عدد كبير من الاعتصامات التي جرت قبالة مجلس الشعب ورئاسة مجلس الوزراء وقصر العدل وفي الحدائق العامة، وكانت في كل الحالات تفرّق بالطريقة نفسها، ويتمّ توقيف عدد من الأفراد ليطلق سراحهم فيما بعد. وصار الاعتصام رمزا للفعل المعارض، كما أصبح رمزا للتعاون بين قوى المعارضة السرية: العربية والكردية، وخاصة بعد أن جرت حادثة مؤسفة في مدينة القامشلي شمال شرق البلاد، وفيها أغلبية كردية، حيث أقدم جنود ورجال شرطة على إطلاق النار الحي على جمهور من الأكراد في ملعب رياضي كان يشجع فريقه الرياضي في ملعب المدينة، في 12/3/2004. وتحولت ذكرى 12 آذار لتصبح مناسبة سنوية يعبر فيها بضع مئات من المعتصمين عن مطالبهم المدنية والحقوقية والسياسية. وفي 12 آذار 2006،

في الذكرى الثانية للأحداث الدامية، حاول ثلاثة من المتظاهرين تسليم رسالة إلى رئيس الوزراء السوري آنذاك محمد ناجي العطري للمطالبة بالإفراج عن معتقلين سياسيين من العرب والأكراد، لكن قوات الأمن منعتهم وضربتهم واعتقلت خمسة منهم، في مقدمتهم النائب السابق رياض سيف الذي كان خرج لتوّه من الاعتقال. وقد جرح عدد من المعتصمين يومها جرّاء اعتداء رجال الأمن عليهم.

غير أن حدة تعامل رجال الأمن ازدادت بشكل تصاعدي بعد ذلك، وصار استخدام الضرب. ومن ثم تم ابتكار طريقة جديدة لتفريق المعتصمين هي تسليط عناصر موالية للسلطة من منظّمات الشبيبة والطلبة التابعة لحزب البعث، كما جرى في العاشر من آذار، 2005، عندما تجمع العشرات من الناشطين السوريين المطالبين برفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية. وعلى عكس ما جرى في العام الفائت أمام البرلمان، وما تكرر في ساحة عرنوس وساحة الشهبندر، لم تتدخل السلطات الأمنية لتفريق المعتصمين، وإنما جاءهم من حيث لا يحتسبون جيش من عناصر اتحاد الطلبة ليوسعوهم ضربا ويجبروهم على التفرق. ولم يميّز “الطلبة” بين المعتصمين والإعلاميين الذين جاؤوا لتغطية الخبر، كما لم يميزوا بين السوريين والأجانب، فالجميع كانوا “خونة يقومون بالتظاهر ضد الدولة ويطالبون بالتفاوض مع إسرائيل والتدخل الأمريكي في سوريا.” ووصف أحد الكتاب ما جرى بأنه “خصخصة للقمع،” قائلا إن “السلطة السورية التي، ومن خلال رؤيتها الخاصة للإصلاح، كانت فوضت جزءا من صلاحياتها الاقتصادية وأرباحها إلى توءمها في القطاع الخاص، تقوم الآن بتفويض هذا التوءم بالقيام بالدور الذي كانت تقوم به سابقا في حشد “الجماهير” للتعبير عن الرسالة نفسها وهي الدعم الكامل للسلطة السورية في أي قرار تتخذه.” على نفس الأرضية، يمكننا أن نفهم ما جرى يوم 10 من آذار، حيث قام القطاع الخاص الموالي للحكومة بتفريق المعتصمين المسالمين.

وفي هذه الأثناء كانت حركة سياسية تتطور بهدوء من خلال نقاشات جرت بين أحزاب وشخصيات سياسية مستقلة، أدت في نهاية المطاف إلى ولادة تحالف سياسي واسع أعلن في دمشق في 16 تشرين الثاني/أكتوبر، 2005، تحت اسم “إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي.”

وجاء في الإعلان أن سوريا “على مفترق طرق بحاجة إلى مراجعة ذاتها والإفادة من تجربتها التاريخية أكثر من أي وقت مضى. فاحتكار السلطة لكل شيء، خلال أكثر من ثلاثين عاماً، أسس نظاماً تسلطياً شمولياً فئوياً، أدى إلى انعدام السياسة في المجتمع، وخروج الناس من دائرة الاهتمام بالشأن العام، مما أورث البلاد هذا الحجم من الدمار المتمثل بتهتك النسيج الاجتماعي الوطني للشعب السوري، والانهيار الاقتصادي الذي يهدد البلاد، والأزمات المتفاقمة من كل نوع. إلى جانب العزلة الخانقة التي وضع النظام البلاد فيها، نتيجة سياساته المدمرة والمغامرة وقصيرة النظر على المستوى العربي والإقليمي وخاصة في لبنان، التي بنيت على أسس استنسابية وليس على هدى المصالح الوطنية العليا.”

وقال الإعلان إن “إقامة النظام الوطني الديمقراطي هو المدخل الأساس في مشروع التغيير والإصلاح السياسي. ويجب أن يكون سلمياً ومتدرجاً ومبنياً على التوافق، وقائماً على الحوار والاعتراف بالآخر،” مطالبا بنبذ “الفكر الشمولي والقطع مع جميع المشاريع الإقصائية والوصائية والاستئصالية (…)ونبذ العنف في ممارسة العمل السياسي.”

وطالب الإعلان باعتماد “الديمقراطية كنظام حديث عالمي القيم والأسس، يقوم على مبادئ الحرية وسيادة الشعب ودولة المؤسسات وتداول السلطة، من خلال انتخابات حرة ودورية، تمكن الشعب من محاسبة السلطة وتغييرها.”

وطالب بإيجاد “حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في سوريا. بما يضمن المساواة التامة للمواطنين الأكراد السوريين مع بقية المواطنين من حيث حقوق الجنسية والثقافة وتعلم اللغة القومية وبقية الحقوق الدستورية والسياسية والاجتماعية والقانونية، على قاعدة وحدة سورية أرضاً وشعباً. ولابد من إعادة الجنسية وحقوق المواطنة للذين حرموا منها، وتسوية هذا الملف كلياً.”

وطالب بإلغاء “كل أشكال الاستثناء من الحياة العامة، بوقف العمل بقانون الطوارئ، وإلغاء الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية، وجميع القوانين ذات العلاقة، ومنها القانون / 49 / لعام 1980، وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، وعودة جميع الملاحقين والمنفيين قسراً وطوعاً عودة كريمة آمنة بضمانات قانونية، وإنهاء كل أشكال الاضطهاد السياسي، برد المظالم إلى أهلها وفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد.”

كما دعا إلى “انتخاب جمعية تأسيسية، تضع دستوراً جديداً للبلاد، يقطع الطريق على المغامرين والمتطرفين. يكفل الفصل بين السلطات، ويضمن استقلال القضاء، ويحقق الاندماج الوطني بترسيخ مبدأ المواطنة.”

ووقع على البيان التجمع الوطني الديمقراطي في سوريا (وهو تجمع يساري قومي، يضم حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، والحزب الشيوعي – المكتب السياسي بزعامة رياض الترك، وحزب العمال الثوري، وحركة الاشتراكيين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي)؛ والتحالف الديمقراطي الكردي في سوريا؛ ولجان إحياء المجتمع المدني؛ الجبهة الديمقراطية الكردية في سوريا؛ وحزب المستقبل، بزعامة الشيخ نواف البشير.

أما الشخصيــات الـوطنيـــة المستقلة التي وقعت الإعلان فكانت النائب السابق المعتقل وقتها رياض سيف والشيخ جودت سعيد وعبد الرزاق عيد وسمير النشار وفداء الحوراني وعادل زكار وعبد الكريم الضحاك وهيثم المالح ونايف قيسية.

وخلال ساعات من إعلان الإعلان، سارعت عدة تنظيمات وقوى وأفراد في داخل البلاد وخارجها إلى تأييد الإعلان والانضمام إليه. ومنهم: جماعة الإخوان المسلمين وحزب العمل الشيوعي والمنظمة الآثورية وحزب الإصلاح السوري.

وواقع الحال فإن إعلان دمشق خلق حالة من الحراك في الأوساط السياسية المعارضة للحكومة، ما بين مؤيد ومعارض. فبينما منعت السلطات السورية مؤتمرا صحافيا للمعارضة السورية والعديد من القوى المدنية الفاعلة للكشف عن الإعلان قال المحامي حسن عبد العظيم الناطق الرسمي باسم التجمع الوطني الديمقراطي في سوريا، أكبر القوى السياسية المشاركة في الإعلان: إن الإعلان يهدف إلى “نقل سوريا من النظام الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي، ويمهد لمؤتمر وطني.” وقال جورج صبرة القيادي في حزب الشعب الديمقراطي في تصريحات مماثلة إن هذا الإعلان يحوي خطة واضحة وهو مفتوح لجميع القوى الوطنية لأن التغيير هو فعل ضرورة لتلبية حاجات الشعب، وهو دعوة لكل من يقبل التغيير من النظام والمعارضة أفرادا وجماعات من أجل تكوين ائتلاف شعبي ديمقراطي يضع برنامجا للانتقال بسوريا من دولة أمنية إلى دولة سياسية.

وقال الكاتب والناشط المعروف ميشيل كيلو “إن إعلان دمشق اليوم هو استمرار الخط الوطني الديمقراطي الذي يريد إخراج سوريا من المأزق الداخلي والخطر الخارجي وإعادة بنائها كبلد للحرية والمواطنة يتساوى فيه جميع المواطنين أمام القانون،” ليضيف بخطابه المعتدل المعروف “في الواقع كنا نتمنى أن تستجيب السلطة للأخطار بطريقة تقنعها بقبول مصالحة وطنية تقوم على رؤية ديمقراطية ووطنية واضحة لكن هذا لم يحدث للأسف الشديد ، وآثرت السلطة أن تواصل انفرادها بالحقل السياسي وأن تملأه بتدابير قمعية وزجرية وألا تتفق مع القوى الوطنية والشعبية لمواجهة الأخطار وحماية الاستقلال الوطني.”

بالمقابل انتقد مثقفون معارضون إعلان دمشق، بسبب عدم وضوح خطه السياسي، وبسبب تحميل برنامجه أجزاء من برامج سياسية مختلفة بينها برنامج الإسلاميين السوريين.

كما انتقد البعض إشراك جماعة الإخوان في العمل الديمقراطي من أجل التغيير. ولكن أحد قادة الإعلان دافع فيما بعد عن هذا القرار بقوله إن ” الإضافة المهمة التي كانت وراء فكرة إعلان دمشق وصيغته كإطار وطني أوسع هي انضمام جماعة الإخوان المسلمين، وذلك بعد التطور الفكري والسياسي الذي تجلى في وثائق الإخوان ومراجعاتهم وبخاصة تأكيدهم على نبذ العنف وعلى قبول التعددية وحق الاختلاف، والمرجعية السياسية التي تقررها الأكثرية والدولة المدنية، والتداول السلمي للسلطة.”

ووجه بعض المنتقدين انتقادا آخر إلى توقيت ظهور للإعلان، رابطين بين ظهوره وبين تطور الأحداث المتلاحقة في المنطقة، وخاصة ظهور تقرير ميليس الأول. وقد جاء هذا الانتقاد من داخل الإعلان، عندما وجه حسن عبد العظيم، الذي سوف يجمّد عضوية حزبه في الإعلان، الاتهام إلى “بعض الأطراف” داخل الإعلان بأنها “كانت تراهن على المستجدات والمتغيرات الإقليمية والدولية بما فيها تقرير ميليس من حيث التوقيت ومن حيث النتائج، وكان رأينا أن المشروع الوطني للتغيير الديمقراطي هو مشروع تاريخي متواصل لا يجوز أن يرتبط بأي رهان أو ظرف خارجي.”

ولكن ماركسيا وقوميا عنيدا من طراز آخر، هو عبد العزيز الخيّر، عبّر عن رأي مخالف. “إذا كان وهم ميليس المعزز أمريكياً قد زوّد بعض السوريين (قوى وشخصيات) بالأمل والاندفاع الضروريين كل الضرورة لتحقيق شكل ما من أشكال التحالف العريض، يفصح عن استعدادات سياسية ما، بوضوح نسبي، فلا بأس في ذلك إطلاقاً، ولا جديد فيه تاريخياً في الحقيقة، فلطالما اندفعت قوى وجماهير عريضة أيضاً، بفعل اقتناعها بوهم ما (وعي زائف ما، حلم طوباوي ما) إلى ميدان الفعل السياسي والتاريخي،

لتنجز أو لتحاول إنجاز مهمة تتطلبها ضرورة اجتماعية أو سياسية أو تاريخية معينة، بصرف النظر عن علاقتها (الضرورة) أو عدم علاقتها بذلك الوهم أو الوعي الزائف، وبصرف النظر أيضاً عن محتوى النصوص وفحواها. وما يجعلني اليوم قليل المبالاة تجاه “وهم ميليس” قصر عمره، وافتضاح المحتوى الفعلي للمشروع الأمريكي في المنطقة، على ضوء الدرس العراقي الدامي والمروّع.”.

لقد شابت مسيرة إعلان دمشق صعوبات حقيقية، يعود بعضها إلى الضغوطات التي مارستها السلطة عليه، ويعود بعضها الآخر إلى التباينات الكبيرة بين مختلف اتجاهات الإعلان التي تضم تيارات قومية وإسلامية ويسارية وليبرالية. وفي حين تعامل حزب الاتحاد الاشتراكي مع الإعلان كأنه امتداد للتجمع الوطني الديمقراطي، الذي يلعب الاتحاد فيه دورا نافذا، كان الليبراليون يسعون إلى تحويل الإعلان إلى اتجاه سياسي جديد كليا على الساحة السورية منذ النصف الثاني من القرن الفائت.

والواقع أنه على الضدّ من جميع الدول والمجتمعات السياسية في العالم، ينتمي كل من السلطة والمعارضة إلى الجذور الاجتماعية والفكرية ذاتها. فالسلطة السورية تعود، في جذورها التاريخية على الأقل، إلى البنية الاجتماعية التي نشأت عليها المعارضة. فهي ترجع إلى الفئات الريفية التي تعلمت وهاجرت إلى المدينة، فالتحمت مع مثقفي الطبقة الوسطى المدينية الذين كانوا يبحثون عن حلول اجتماعية لمشكلاتهم الروحية؛ ولقد وجدوا تلك الحلول، وهم الذين درسوا في فرنسا ودول أوروبية أخرى، في النظريات التي كانت سائدة في أوروبا آنذاك، والتي يمكن جمعها في مجموعتين نظريتين إحداهما قومية (جاءت كفعل أو رد-فعل على نشوء النظرية القومية الألمانية وتتويجها الهتلري النازي) والأخرى هي النظريات الاشتراكية بتلويناتها المختلفة من فوضوية وبلانكية وسانسيمونية وكونتية وأهم من ذلك كله، ماركسية. وإنما من هاتين المجموعتين العريضتين، المنفصلتين أحيانا والمتداخلتين أحيانا، نشأت الحركات السياسية التي شكلت حركة التحرر الوطني والتي تقاسمت منذ نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات مقاعد السلطة والمعارضة. ولذلك تجد أن الأحزاب في السلطة والمعارضة تحمل نفس الاسم، فثمة حزبان باسم حزب البعث وعدة أحزاب باسم الاتحاد الاشتراكي، وكذا الأمر بالنسبة لحركة الاشتراكيين العرب والشيوعيين وغيرهم.

من هنا جاءت أهمية محاولة بعض الأطراف الليبرالية، التي – أبعد مما تتهم به من قبل بعض الأطراف القومية والماركسية – لم تحاول سحب البساط من تحت أقدام الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل الشيوعي، وإنما حاولت إعادة الاعتبار لمفهوم ثنائية السلطة/المعارضة، من خلال طرحها لبرنامج سياسي مختلف، لا يقوم على محورية القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي والاشتراكية والعداء لأمريكا والغرب. لذلك، سعى التيار اللبرالي إلى تعزيز موقعه من خلال توسيع دائرة اتخاذ القرار، من خلال تشكيل هيئة تشريعية للإعلان، هي المجلس الوطني. وسيكون لذلك سيرة أخرى.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.