مقالات

صحافة أمريكا ضد ترامب ونصف جمهورها يلهث خلفه/ صبحي حديدي

 

 

اشتركت، أمس، قرابة 350 من الصحف والمواقع والمنافذ الإعلامية الأمريكية في حملة موحدة تستهدف الردّ على هجمات متواصلة يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد الصحافة؛ فيتهمها، على نحو خاص، بنشر «الأخبار الزائفة»، مما يجعلها «عدوة للشعب الأمريكي بأسره». وكما هو معروف، قادت صحيفة «بوسطن غلوب» هذا الهجوم المضاد، فنشرت افتتاحية بعنوان «الصحافيون ليسوا الأعداء»، جاء فيها: «لدينا اليوم في الولايات المتحدة رئيس ابتكر تعويذة مفادها أنّ أهل الصحافة الذين لا يؤيدون بشكل سافر سياسات الإدارة الأمريكية الراهنة هم «أعداء الشعب» (…) وهذه واحدة من أكاذيب كثيرة يلقي بها هذا الرئيس، تماماً مثل مشعوذ عفا عليه الزمن يرمي الثرى السحري على الحشد»! ولم يغب عن افتتاحية الصحيفة تذكير ترامب بأنّ «عظمة أمريكا تعتمد على دور الصحافة الحرّة في الجهر بالحقيقة أمام القويّ»، وبالتالي فإنّ وصم الصحافة بالعداء للشعب أمر «لا ـ أمريكي، بقدر ما هو خطير على اللحمة المدنية التي تشاركنا فيها على امتداد قرنين ونيف».

صحيفة «نيويورك تايمز»، في افتتاحية باسم هيئة التحرير تحت عنوان «الصحافة الحرّة بحاجة إليك»، كتبت: «نقد وسائط الأخبار ـ لأنها تختزل الموضوعات أو تضخمها، أو لأنها تخطئ في نقلها ـ أمر صحيح تماماً. مراسلو الصحف ومحرروها بشر، ويرتكبون الأخطاء. تصحيحهم جوهري في عملنا. ولكن الإلحاح على أنّ الحقائق التي لا ترضيك هي «أخبار زائفة»، أمر خطير على شريان الحياة في الديمقراطية. وتسمية الصحافيين «أعداء الشعب» أمر خطير، ونقطة على السطر». وإلى هذا، ضمّ العدد مقتطفات من عشرات الافتتاحيات التي نشرتها الصحف الأمريكية المشاركة في الحملة؛ وفي عدادها تلك التي تصدر في ولايات شهدت انتخاب ترامب بأغلبية مريحة؛ مثل «كانزاس سيتي ستار»، التي قارنت في افتتاحيتها بين ترامب وستالين من حيث إخراس الأصوات المعارضة.

ذلك، في المقابل، لا يعني إجماع الصحافة الأمريكية على الانخراط في حرب مضادة لتلك «الحرب القذرة» التي يشنها ترامب، وثمة انشقاقات ليست بالقليلة، وبعضها كبير وحاسم ودالّ. على سبيل المثال، صحيفة «وول ستريت جورنال» رفضت المشاركة في الحملة «، أو بالأحرى استبقت الحدث بمقالة كتبها جيمس فريمان وساجل فيها بأنّ من حقّ ترامب أن يمارس حرّية التعبير ذاتها التي تدافع عنها الحملة، وأن يرى في بعض الصحافة ما يراه، دون رقابة أو اتهام أو ضغط. توم تراداب، في موقع «تاونهيل» المحافظ، عاد إلى مشهد من فيلم «المواطن كين» الشهير، لكي يجادل بأنّ نزاهة الصحافة أمر خيالي وقصصي، وشبّه الحملة بمشهد من فيلم آخر هو «العرّاب»، حين يدعو دون كورليوني إلى اجتماع رؤوس المافيا! وختم هكذا: «على نقيض من الصناجات في «بوسطن غلوب»، لن أفترض مطالبة الناس بما يتوجب عليهم أن يعتقدوا أو يفعلوا. وبالنسبة إلي، مثل كثيرين سواي كما أظن، لن أنفق سنتاً واحداً على أية صحيفة ليوم 16 آب/ أغسطس».

على صعيد آخر، وفي قلب «الحشد» الذي ظنت «بوسطن غلوب» أنّ المشعوذ ترامب يرميه بالثرى السحري؛ قال استطلاع أوّل للرأي العام أنجزته جامعة كينيبياك أنّ 51٪ من الناخبين الجمهوريين يؤمنون بأنّ وسائل الإعلام «عدوة الشعب، أكثر من كونها جزءاً هاماً من الديمقراطية»، وأنّ 52٪ من مؤيدي الحزب الجمهوري لا يقلقهم أنّ نقد ترامب للصحافة يمكن أن يؤدي إلى أعمال عنف ضدّ الصحافيين. استطلاع آخر، لمؤسسة «إيبسوس» هذه المرّة، أعطى مؤشرات مماثلة مع فارق أنه وجد 23٪ من الجمهوريين، وقرابة واحد من كلّ ثمانية أمريكيين، على يقين من أنّ ترامب يجب أن يغلق منافذ إعلامية كبرى مثل CNN، و«واشنطن بوست»، و«نيويورك تايمز»؛ ونعم، قرأتَ صحيحاً: يغلق، وكأنه يمتلك هذه السلطة مثل أيّ دكتاتور وحاكم فرد!

والحال أنّ لجوء ترامب إلى استخدام تعبير «الأخبار الزائفة» لا يلغي صحة التعبير حين يؤخذ بعيداً عن مقاصد قائله، ولا يعني البتة أنه لا توجد أخبار زائفة هنا وهناك؛ ابتداءً من «بوسطن غلوب» و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» وCNN وسواهم، ربما مع استثناءات قليلة ونادرة. كذلك فإنّ صفة «عدوّ الشعب» يمكن، بالفعل، أن تنطبق على كثير من وسائل الإعلام، إذا اُخذت هنا أيضاً بمنأى عن تفسيرات ترامب لها، أو طبيعة العداء الذي تنطوي عليه، وكيف يُصاغ، وإلى أين يتوجه، وما يتقصد من أغراض. نسبية المفاهيم خلف هذه التعابير والتوصيفات تختصر، في نهاية المطاف، العلاقة الشائكة بين الصحافة، والمؤسسة (الرسمية أو الخاصة، ذات الصلة بالدولة أم برأس المال، الاقتصادية أم الاجتماعية أم الثقافية…)، والديمقراطية؛ كما تستولد سلسلة ميادين الصواب والخطأ، الحقيقة والزيف، الاستقلال أو الخضوع، وما إلى ذلك من وظائف مقترنة بصلة الوسيلة الإعلامية مع الشارع العريض، أو «الحشد» كما أسمته «بوسطن غلوب». وفي كلّ حال، ليس شيوع تلك التعابير والتوصيفات، وربما على لسان ترامب نفسه، وتحديداً، سوى وجهة صريحة تتجلى فيها اعتلالات الأنظمة الديمقراطية في الغرب.

الأرجح أنّ التطورات المتسارعة التي شهدتها الصحافة أتاحت ولادة نموذج الموقع الإعلامي المستقلّ نسبياً، في مقابل الصحيفة الورقية أو القناة المتلفزة مثلاً؛ حيث يكون الصحافي المحقق هو حجر الزاوية في استكشاف الحقائق (أي: إماطة اللثام عن الزيف، وكشف الفضائح…)، وتكون تحقيقاته أكثر خضوعاً للتدقيق والمصداقية من التقرير الصحافي المألوف أو حتى التحقيقات الاستقصائية التقليدية. هذه، لمَن يشاء المقارنة، هي الترجمة العصرية لمصطلح Muck raking، أي النكش في الطين، أو تقليب القاذورات وإظهار ما تُبطن؛ الذي اقترحه الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت سنة 1906، في وصف صحافة التحقيق. ومن المعروف أنّ تاريخ الصحافة الحديثة والمعاصرة شهد نماذج لامعة من هذا التفضيح للباطن المستور، على غرار صمويل هوبكنز آدامز في سلسلة تحقيقات «الدجل الأمريكي الأكبر»، حول التلاعب بالأدوية؛ وراي ستانارد بيكر، في كتابه «اقتفاء اللون»، حول التمييز العنصري؛ وشارلوت بيركنز غيلمان، حول إساءة تشغيل الأطفال؛ وأبتون سنكلير، في «الغاب»، حول تعليب اللحوم؛ ثمّ سيمور هيرش، الذي كشف مذبحة «ماي لي» في فييتنام، وفظائع سجن «أبو غريب» في العراق، بين قضايا أخرى كثيرة…

وفي المقابل، سوف تظلّ غالبية ساحقة من صحافة الـ«تابلويد» تقتات على طراز وحيد من استدراج القارئ، عبر التضخيم والإثارة والتلفيق، التي ليست سوى أنساق «الأخبار الزائفة» بعينها. وليس مفاجئاً أيضاً أنّ هذه المنافذ تحديداً هي الصديق الأصدق لأمثال ترامب، أو أي زعيم شعبوي على شاكلته. وبذلك فإنّ لأكثر من 350 صحيفة أو موقعاً أو منفذاً إعلامياً أمريكياً أن يثور على ترامب، وأن يخوض معركة مضادة أولى، في حرب تبدو مفتوحة. ولكن هيهات أن تلقى تلك المعركة آذاناً صاغية من «حشد» يلهث خلف هذا الرئيس، ليس لأنه انتخبه عن يقين وإيمان فحسب؛ بل كذلك لأنه قد يرى فيه المشعوذ الساحر على وجه التحديد، الذي تحتاج إليه الحشود في لهاثها خلف ما تراه صواباً. لهذا، وإلى جانب الـ»تابلويد»، لا يعدم المرء منبراً مكيناً لعله الأرسخ في إعلاء راية اقتصاد السوق، والليبرالية الوحشية، مثل «وول ستريت جورنال»؛ لا يجد أيّ تناقض بين حرّية التفكير (ترامب، بخصوص الصحافة) وحرّية التقييد (ترامب، حول الرسوم الجمركية).

وهكذا، صحافة أمريكا ضد ترامب، ولكنّ نصف جمهورها يلهث خلفه!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى