كتب الكترونية

عرق الضفدع/ أكيرا كوروساوا

 

 

 

 

عرق الضفدع/ فجر_يعقوب

في الكتاب الوحيد الذي خلّفه المخرج الياباني أكيرا كوروساوا، وأراده أن يكون شبيهاً بالسيرة الذاتية، لا سيرة كاملة رأى أنها لا تكتمل إلا مع غياب صاحبها بالموت، يقدم عنواناً مجتزأ منها بعنوان «عرق الضفدع». ويقول موضحاً إن كتابة السيرة الذاتية ليست بعيدة عن تجربة نوع من أنواع الضفادع كانت توضع في صناديق صغيرة مزودة بمرايا تدفعها حال رؤيتها صورها المنعكسة إلى التعرّق من شدة الخوف، وكانت هذه الافرازات تنزع مباشرة عنها بأيد خبيرة، لتصنّع منها مراهم خاصة بالحروق والجروح التي تتسبب بها الحروب، وقد شاعت عمليات «التغطيس» القسرية في اليابان ابان الحرب العالمية الثانية.

ما يخلص إليه صاحب «راشومون» هو امكان التعبير الخلاّق أثناء ممارسة عملية البوح والاعترافات التي يقدم عليها المرء في تقديمه لجزء مسكوت عنه في سياق الحياة والعمل وصناعة الأفلام حتى لو سيطر عليه الخوف. اليوم تبدو الصورة معكوسة تماماً. م

عظم ما يحدث على شاشة التلفزيون يجيء مخيباً للآمال، أقله لجهة السخرية المنظمة من الثقافة والفعل الثقافي. ليست الصورة التي وقف عندها كوروساوا بوصفها ذلك الانعكاس الناتج عن نشاط روحي يقلل أحياناً من النشاط الذي تفترضه السينما كآلة، اذ كان يروي متهكماً إن ابنه كان يسخر منه حين يستخدم الهاتف، لأنه بالكاد كان يجيد فعل ذلك. ما يحدث اليوم في عالم رقمي متجدد أن النشاط الروحي منعدم من خلالها، فقد تمكنت شركة كبرى مصنّعة للهواتف الخليوية من اجراء تجربة على 20 ضفدعاً وبثت من خلال شاشة هاتفها المبتكر الذي تعد به المستهلكين صوراً لديدان تربصت بها الضفادع المسكينة وأخذت ترتطم بالشاشة وهي تحاول التقاطها لعلها تحظى بوجبة افتراضية مستحيلة.

ليس في الترويج هنا أي نوع من البراءة. كثر من المخرجين الكبار وقفوا ضد هذه النوعية من الاعلانات التجارية لأنها في رأيهم تشكل سخرية من قيمة الانسان وجوهره، وفي هذا السياق التقطت مذيعة تلفزيون «الجديد» في نشرة صباحية قبل أيام المغزى من ذلك الترويج لبضاعة تتنافس على جيب الانسان ومخزونه الروحي المتبقي حين علّقت على الخبر المصور قائلة إن البشر أيضاً يتدافعون ويتزاحمون مثل هذه الضفادع لشراء الأجيال الجديدة من الهواتف. والأكيد أن هاتفاً نقالاً واحداً من ماركة تجارية معروفة بيع منه 4 ملايين قطعة في يوم واحد يغير من قدرة المرء على كتابة سيرة ذاتية منتهية أو غير منتهية طالما أنه يحظى بإعلان في آخر اليوم عن ضفادع تحاول أن تتشبه به، أو هو يتشبه بها حين يرتطم بواجهة الاستهلاك الوحشي الجنوني الذي تكرسه الشركات العملاقة.

ما بين ضفادع كوروساوا وضفادع الهواتف الخليوية بون شاسع لا يمكن تغطيته بسيرة غير منتهية لو قدر لصاحب «الران» أن يعيش حتى يراها في يومنا هذا.

الحياة

أكيرا كوروساوا: عرق الضفدع/ عبد الكريم قادري

استطاع المخرج والناقد السينمائي الفلسطيني فجر يعقوب، الذي يعيش في السويد، أن يدخل القارئ إلى عوالم المخرج الياباني العالمي “أكيرا كوروساوا”، عن طريق الترجمة المهنية للكتاب الذي يشبه السيرة الذاتية، والمعنون بـ”أكيرا كوروساوا/عرق الضفدع”، الصادر عن “منشورات المتوسط”، ولقد قرّب المترجم في هذا المنجز سيرة السينما اليابانية ممثلة في مخرجها أكيرا كوروساوا من المُتلقي العربي الذي يكاد لا يعرف عنها شيئا، باستثناء المهنيين طبعا، ما زاد من أهمية الكتاب وقيمته، من هنا كانت ترجمته ضرورة ثقافية، ومطلبا سينمائيا وجب أن يتحقق، لا لشيء سوى أن المخرج “أكيرا كوروساوا”، واحد من الذين تركوا بصمتهم السينمائية في العالم أجمع، بل هناك من ذهب أبعد من ذلك حين تم تصنيفه من خلال الاستطلاع الذي أجري في مهرجان “كان”، بمناسبة الذكرى الخامس والثلاثين لهذا الحدث، أي تم تصنيفه من بين أهم عشرة مخرجين كبار في تاريخ الفن السابع، وطبعا هذا التصنيف لم يأت من فراغ، لأن المخرج استطاع فعلا أن ينقل السينما اليابانية من المحلية إلى العالمية، وجعل كل عشاق السينما ينظرون له من خلالها باحترام ورهبة كبيرين، نظرا لما قدمه لهم، من أفلام باتت مرجعا أساسيا، لهذا كما سبق وذكرت، أصبحت حياته وسيرته الذاتية مهمة للكثيرين، لأنها حتما ستكون مصدر إلهام وقدوة.

يقول المترجم في مقدمته عن هذا الكتاب ويفسر العنوان الذي يبدو بأن فيه نوعا من الغرابة، لكن سرعان ما يزول هذا الغموض بمجرد الفهم: “كوروساوا يترك لنا في “عرق الضفدع” ما يشبه سيرة ذاتية، وأسرار أفلامه اللاحقة، فالكتابة عنده غموض ياباني، تذكرة بالضفدع المتروك في علبة محاطة في داخلها بالمرايا التي تصور له تشوهات صوره وتعددها، فيفرز العرق الذي يتحول إلى نقيع مغلي يساعد على مداواة الجروح والحروق، المرايا كثيرة حول هذا المخرج الإمبراطور الذي يقف وحده في مواجهة “سوني، هيتاشي، سانيو، مازدا، كاسيو” وكل تلك القائمة الكبيرة من الماركات التجارية التي تعتصر ذاكرة الإنسان المعاصر”.

شيء من الصبي/ أشياء من الحلم

لم يكن أكيرا كوروساوا متحمسا لكتابة مذكراته، لأنه كان يعتقد بأن الأفلام التي أخرجها هي التي تتحدث عنه، لأنها تحوي جزءاً كبيراً من ذاته وحياته، وإن كانت تتفاوت من فيلم لآخر، “نصحوني كثيرا أن أكتب مذكراتي، ولم تكن عندي الرغبة لفعل ذلك، ودائما كنت أعتقد أن الأشياء التي تخصني وحدي لا يمكن لها أن تثير أحدا غيري”، لكنه غيّر رأيه فيما بعد، وتراجع عن هذه الفكرة، بعد أن قرأ مذكرات “حياتي وأفلامي” للمخرج الفرنسي جان رينوار، حيث خرج بنتيجة تفيد بأنه لا يريد سوى شيخوخة من شيخوخته، وعليه بدأ في كتابة ما يشبه السيرة الذاتية.

عاش أكيرا كوروساوا حياته بالعرض، يعني أنه خبر الكثير من الأشياء المؤلمة والمفرحة في سن مبكرة، وعايش العديد من التحولات الكبرى التي عرفتها اليابان، فقد كان ينتمي لأسرة قوامها والد عسكري منضبط وصارم، ووالدة حنونة ومتفهمة، وإخوة محتوون، رغم هذا لم يكن انضباط والده حجر عثرة في حياته، بل دافعاً مهماً ليكون ناجحا.

حياة كوروساوا في السنوات الأولى من حياته لم تكن تسير في الطريق الصحيح، غير أنها كانت دافعا قويا له ليكون شخصا مميزا، نظرا إلى سخرية زملائه التلاميذ منه حين كان في الإعدادي، لصغر بنيته الجسدية، ونموه وإدراكه البطيئين، لكن سرعان ما تبددت هذه السخرية مع الوقت والسنوات، وأصبح يشاكس في الصف، ومصدر بلاء في الكثير من الأحيان، “كنت بريئا حتى الغباء، أقوم ببعض البلاء في المدرسة، وأرفع يدي مباشرة عندما يسأل المربي: من المسؤول عن هذه البلوى؟ يفتح دفتره بهدوء ويسجل صفرا في السلوك. مرة جاء مربّ جديد، واصلت أنا في اعترافاتي عنده عن كل ذنوبي، وكان يقول إنني أمضي بالاتجاه الصحيح، فأنا لا أتهرب من المسؤولية ويضيف إلى سجلي مائة عن السلوك، لا أعرف من هو المحق، لكن المربي الذي كان يضيف “المئات” يعجبني أكثر بطبيعة الحال”.

وسط كل هذا كان هناك دائما الدافع القوي من الأسرة التي دعمته من كل جانب، خصوصا والده الذي كان يأخذه إلى دور السينما، لأنه كان يحمل وعيا كبيرا بهذا الفن، ويعتبره أداة من أدوات المعرفة، وهناك تعرف أكيرا على العديد من الأفلام الكوميدية، التي كان يحبها، على عكس أفلام الدراما التي لم يكن يطيقها، حتى أنه كان يحتج على عرضها في الكثير من الأحيان، لكن الحياة لم تكن بالنسبة له مآسيَ وأفراحاً تعكسها الأفلام، بل الواقع كان بطلا  واقعيا، فقد كان شاهدا على العديد من المآسي، سواء تلك التي تتعلق به كطفل، أو التي تجري حوله في اليابان، والتي نقشت في ذاكرته ولم تُمحَ، مثل الحادثة التي وقعت لكلبه الأبيض، “أذكر جيدا، شيئا واحدا كأنه لا يزال ماثلا أمام عيني، مكان الحدث: تقاطع طريق تقطعه سكة حديدية، أبي وأمي وأخواتي يقفون خلف الحاجز في الجهة المقابلة، وأنا أقف في الجهة الأخرى وحيدا،  كان يعدو بيننا كلبنا الأبيض، سعيدا فرحا ويهز ذيله، قطع السكة مرات عديدة، وحدث أنه اتجه نحوي مع ظهور القطار، أغمضت عيني وعندما فتحتهما كان القطار قد مرّ، لأرى الكلب مقطوعا إلى نصفين”، ورغم أن عائلته حاولت تخفيف الصدمة عنه، حيث أحضرت له كلبا أسود، غير أنه لم يقبل به.

من جهة أخرى، كان شاهدا على الزلزال الكبير الذي ضرب اليابان سنة 1923، وسنّه وقتها لم تتجاوز 13 سنة، وفي نفس الوقت عرف خبث النظام، الذي استغل هذه الحادثة والفوضى التي خلفها، وقام بتصفية خصومه اليساريين واحداً تلو الآخر، عن طريق عمليات منظمة، أظهرتهم كضحايا للزلزال، وهذا من الأشياء التي بقيت محفورة في ذاكرته.

البحث عن الذات

في بداية حياته، انخرط أكيرا في العديد من الحركات الفنية والأدبية اليسارية، فناناً ورساماً، حتى وصل به الأمر إلى نيابة رئاسة تحرير إحدى الصحف اليسارية السرية، لكنه سرعان ما خرج منها، لأنها لم تعكس ما كان يصبو إليه، ناهيك على أن الرسم لم يكن يعكس ما بداخله، بل اتخذه فقط إرضاء لوالده الذي كان يوفر كل شيء من أجل أن يتميز، خصوصا بعد أن تم رفضه من معهد الفنون، بعدها بفترة لم يجد ما يقتات منه، ولم يجد مكانا يأوي إليه، بعد أن استقل عن أسرته، لهذا ذهب إلى أخيه “هييغو” الذي كان يستأجر غرفة، وعاش معه فترة قصيرة، كي يعيد ترتيب حياته من جديد، وقد كان هذا الأخ يشتغل كمفسر أفلام في عهد السينما الصامتة، وأصبح مدير المفسرين في إحدى قاعات السينما، وقد ذكر أكيرا بأن الفضل يعود لهذا الأخ في اكتشاف العديد من الأفلام المهمة التي شاهدها في بداياته، حيث كان يقدم له قائمة بالأفلام المهمة، خصوصا أن له ذوقا خاصا في السينما، لكن بعد أن دخلت السينما عهدا جديدا، على إثر اكتشاف الصوت، تم التخلي عن المفسرين، وعليه قام هؤلاء ومن بينهم “هييغو” بشن إضراب عام، بعد فترة اكتشفوا أن الإضراب لا يجدي، ومن هنا انتحر “هييغو” وهو في سن الـ27، لأنه كان يقول دائما إن الشخص الذي يتجاوز سن الثلاثين يصبح أبلها.

يعود الفضل في علاقة أكيرا كوروساوا بالسينما إلى والده أولا، الذي لم يكن يبخل عليه بأخذه لحضور الأفلام، وثانيا، إلى أخيه “هييغو” المثقف والقارئ النهم والنشيط، وقد كانت بدايته الفعلية مع السينما عبثية بدرجة كبيرة، حيث قرأ إعلانا في إحدى الصحف، عن نية إحدى شركات الإنتاج فتح مسابقة لاختيار مساعدي إخراج، وقد شارك أكيرا في هذه المسابقة، نجح في الامتحان الأول الكتابي، والثاني من خلال المقابلة، إلى أن تم تعيينه مساعد مخرج ثالثاً، رغم تردده في بادئ الأمر، غير أن والده شجعه كثيرا، وقال إنه لن يخسر شيئا من التجربة، ومع الوقت تقدم في العمل، إلى أن أصبح مساعد مخرج أول، وقد تحدث أكيرا في هذا الكتاب، عن الأهمية الكبرى التي يحملها مساعد المخرج، وأن هذا الدور لا يجب أن يستهان به أبدا، لأنها مهنة مستقلة، وتحمل في طياتها الكثير من الإثارة، ولقد سمحت له هذه المهنة بالاحتكاك بالعديد من المخرجين، إلى أن شرب مهنة السينما، وتعلم مفاصلها، وكان يرى أن أي شخص يتطلع إلى الإخراج عليه أن يمر بالعديد من المراحل، وتعلم العديد من المهن التي تعتبر مفاصل السينما، من بينها كتابة السيناريو، والمونتاج، وحسن إدارة الممثل، وهي أشياء تعلمها كوروساوا من خلال مزاولته مهنة مساعد مخرج لسنوات، وقد كتب وقتها العديد من السيناريوهات، قبل أن يدخل عالم الإخراج.

العالم كله وطني

“في أي بلد أحل به، لا أحسّ بنفسي غريباً، مع أنني لا أعرف لغة أجنبية واحدة. الكرة الأرضية هي مسقط رأسي، ولو رأى بعضهم المآسي التي ترتكب بحق البشرية في هذا العالم لتوقفوا عن الزعم بخصوص مسقط الرأس”.

كان أكيرا يؤمن بأن العالم كله وطنه، وفي نفس الوقت لا يؤمن بالحدود الجغرافية التي رسمها البشر، ورغم هذا فإن أفلامه حافظت على محليتها، ونقلت للعالم عادات اليابان وتقاليدها وهويتها، من هنا شكّلت بصمتها وتميزها، ونالت قبولا كبيرا بين جميع الأوساط، حتى إن العديد من أفلامه تم اقتباسها، وأصبحت تحمل نكهة أخرى، ناهيك عن حصوله على أعلى الجوائز وأرقاها، من السعفة الذهبية، إلى الأوسكار، والعديد من الجوائز الأخرى، كما تم تكريمه في بلدان عدة بأعلى الأوسمة، التي لم يحصل عليها سواه.

*ناقد سينمائي من الجزائر

ضفة ثالثة

عرق الضفدع لأكيرا كوروساوا اسمها حياة، اسمها خبرة/ محمود عبد الغني

-1- ركام من الأسرار

السيرة الذاتية رُكامٌ من الأسرار الذاتية، لذلك يتردّد الكُتّاب كثيراً في كتابتها. ويُضاف إلى شخصية هذا الجنس الأدبي، انعدام النّفع وارتياب الكاتب في كون سيرته ستقدّم منفعة لقارئها. نجد هذين النوعين من الحكم في السيرة الذاتية للمخرج السينمائي الياباني “أكيرا كوروساوا” الصادرة في ترجمة عربية تحت عنوان “عرق الضفدع”، أنجزها فجر يعقوب ونشرتها منشورات المتوسط. يقول الكاتب: “…دائماً كنت أعتقد أن الأشياء التي تخصّني وحدي لا يمكن لها أن تثير أحداً غيري” (ص.13). لكنه سرعان ما تجاوز هذا الاقتناع الكابح بطلب من أصدقائه: “نصحوني كثيراً أن اكتب مذكّراتي، وأنا لم تكن عندي الرغبة لفعل ذلك” (ص. 13).

الكثير من الأشياء حدثت وكفى، ولا داعي لسردها على الآخرين. هذه هي قناعة كوروساوا. وهي قناعة خاطئة متوارثة، وُجدت في أغلب الثقافات: “السيرة الذاتية رُكامٌ من الأسرار التافهة”. كيف سيغيّر صاحب فيلم “القطار الهارب” موقفه ويخطّ كتاباً ذاتياً مليئاً بالشعر والحقيقة؟ سينقلب على قناعته السابقة مباشرة، بعد أن قرأ مذكّرات “حياتي وأفلامي” لـ”جان رينوار”، أيام شرعت اليابان تبني نفسها من منطلق غربي خالص: “لكنني لا أخفيكم أنه ظهرت لديّ هذه الرغبة بعد أن قرأت مذكّرات “جان رينوار”. وعلى هديٍ من رينوار يقرر كتابة سيرة حياته كاملة، وليس فقط عن مرحلة معينة، رغم عمومية العنوان “عرق الضفدع”، على غرار الغموض الياباني.

-2- مذكرات وليست سيرة ذاتية

بعد أن راكمت نصوصاً عدّة، شرقاً وغرباً، بدأت السيرة الذاتية تؤسّس لبويطيقا خاصة بها، لنظرية واضحة تشتمل على قواعد وعناصر بنائية تميّرها عن غيرها من الكتابات الذاتية المجاورة (الشقيقة): المذكرات، اليوميات، إذا أردنا الاكتفاء فقط بذكر هذين النوعين المنافسين.

يسمي كوروساوا نصّه الذاتي الذي بين أيدينا “مذكرات”. ووضعت الدار الناشرة (المتوسط) على غلاف الكتاب تجنيساً غير مسبوق “ما يشبه السيرة الذاتية”، وبذلك تكون منسجمة تماماً مع نيّة المؤلّف. إن مخرج الأفلام إذن على بيّنة تامّة من خصائص الجنس الذي يؤلّف ضمنه. فالمذكرات لا تخضع لبناء صارم يفرض حبكة (تنظيماً) للأحداث. كما أن الطريقة الاسترجاعية التي نتذكّر بها ما حدث لنا في الماضي، تختلف بين المذكّرات والسيرة الذاتية. المؤلّف والناشر لم يُخطئا الطريق، فالنص مذكرات تقترب في أحيان كثيرة من السيرة الذاتية التي تُكتب كما تُكتب الرواية تماماً، من حيث البناء وتنظيم الأحداث والسرد. أما المذكرات فهي تعتمد الانتقالات المفاجئة، وتجتنب التسلسل الزمني والحدثي. في المذّكرات تتدفّق الذاكرة من دون علم بالمسالك التي تجتازها. أما كاتب السيرة الذاتية، فهو فنّان يبني حبكة ويشيّد أحداثاً وتسلسلاً زمنياً يتّسم بالتنظيم لا بالفوضى. إضافة إلى عنصر في غاية الأهمية، وهو أن كاتب السيرة الذاتية يتذكّر حياته الماضية وحيداً، في حين أن كاتب المذكرات يطمع في مساعدة الآخرين على التذكّر. وهذا ما فعله كوروساوا تماماً في “عرق الضفدع”، فقد خصّص صفحة ونصف الصفحة ليشكر أصدقاءه الذين قدّموا له يدَ العون من أجل أن يتذكّر ماضيه الشخصي، وهم لا يتجاوزون في صفاتهم الإخراج، والنقد السينمائي، والإنتاج، وكتابة السيناريو، والتأليف الدرامي، وتصميم الديكور، والتأليف الموسيقي، والتمثيل، وتسيير المقاولة. وهي لائحة من التخصصات توهمنا أن المؤلف يضع كتاباً في السينما وليس كتاباً ذاتياً يعتمد التذكر بالأساس. ولعلّ هذا الاعتراف من الكاتب نفسه يوضح صعوبة التذكر بعد بلوغه عمراً متقدّماً: “ثمة حوادث أخرى، وهي أشبه بلحظات فيلمية مصوّرة على شريط من دون ضبط الوضوح البؤري جيّداً، فأضحت غامضة ضبابية، ومعتكرة”. إن كوروساوا يُبرئ ذمّته من الغموض أو الخلط الذي سيكتنف- من دون شك- صفحات كتابه، فالكل يعرف أن “الذاكرة ليست آلة تبريد تحتفظ بالذكريات طازجة” رغم السنين، حسب تعبير المسرحي “بيتر بروك” في مقدمة سيرته الذاتية “لننسى الزمن”. إن الكاميرا (الذاكرة) لم تضبط مستوى الوضوح في ما يخص الطفولة: “مثل سنوات الشباب؟” يتساءل كوروساوا. لقد أطلّ على طفولته، لكنه لم يرَ سوى شريط مليء باللقطات الغامضة والضبابية. واستنجاد الشيخ بقارئه واضح من خلال مخاطبته مباشرة ليساعده، ليس على التذكر، فذلك أمر مستحيل، بل ليجيب عن سؤاله ويبدّد عجزه: “من يعرف لماذا السنوات التي بدأتُ أذهب فيها إلى دور حضانة الأطفال ليست واضحة…؟” وإن أطبّاء الذاكرة هم وحدهم المؤهلون من أجل الجواب العلمي على هذا السؤال المحيّر. لذلك فالكتابات الذاتية تُعتبر اختباراً جديداً للإنسان/المؤلّف الذي سيجد نفسه يطرح أسئلة جديدة لم يطرحها من قبل وهو يؤلّف ضمن كل أشكال التأليف الأدبي المعروفة.

-3- متى نتذكّر جيّداً؟

على القارئ أن يكون في كامل اليقظة وهو يغوص في الطبقات الأركيولوجية العميقة لمذكرات كوروساوا. فالمؤلّف نفسه يعترف بصعوبة هي من أكبر الصعوبات الماحقة التي تعترض كاتب السيرة الذاتية: إنها تشوش الذاكرة وتأكل الذكريات في الماضي الزمني السحيق. لكن فجأة تتوضّح الصورة “كما لو أن عدسة الكاميرا ضبطت وضوحها البؤري من تلقاء نفسها، وبدأت البانوراما” (ص. 27). لكن متى ضبطت الذاكرة/الكاميرا وضوحها؟ هناك لحظة مفصلية عصيبة حدث هذا الوضوح. إن الأمور تتضح بعد الصدمات والأزمات القوية التي يرتجّ لها الكيان. في حالة كوروساوا حدثت مباشرة بعد اعترافه بضعفه الإدراكي داخل المدرسة على خلاف باقي زملائه. لقد كان يشعر وهو في عامه السابع بأن المدرسة زنزانة، وهو يوجد فيها رغماً عنه. عند هذه النقطة الفاصلة انقشع الضباب، وكأن صاعقاً كهربائياً أصاب ذاكرته، فبدأ الضباب ينقشع عن وعيه. بعدها بدأ يتذكّر بشكل جيّد. وبدأت المذكرات تُكتب بلغة جديدة مختلفة عن لغة الصفحات السابقة.

إن مراحل “عرق الضفدع” شبيهة بمراحل التقويم الياباني. كل فصل يتلاءم مع مستوى وعي المؤلف ورؤيته للعالم، كما يتلاءم التقويم الياباني، عادة، مع اسم الملك: مرحلة ميدجي، مرحلة تايشو، مرحلة شوفانا التي بدأت منذ سنة 1912 وما زالت مستمرة إلى اليوم.

لقد شرع كوروساوا في التذكر القوي، الدّقيق والمليء باليقين. وقف عند مختلف الأسماء التي أطلقها عليه زملاؤه في الصف، فمرة اسمه “برغوت الصمغ”، وأخرى “كروتشان”. لكن لحظة التذكّر الجيّد، الكامل، هي لحظة انطلاقه وتخلّصه من عقدة النمو والإدراك البطيء، وقد فوجئ هو نفسه من السرعة التي انطلق بها حتى إنه تجاوز زملاءه. وقد أرجع المؤلف سبب تقدّمه إلى وجود شقيقه الأكبر “هييغو”، الذي يمكن القول إنه كان شيئاً مفيداً لسرد المذكرات، قوة دفع ظهرت باكراً في المذكرات وساهمت في استقامة التذكر، وقوة الاعتراف.

-4- خبرة في الأدب الذاتي

من الصعب كتابة المذكرات والسيرة الذاتية واليوميات والرحلات من دون خبرة. مثلما يجد صعوبات ماحقة من يكتب الرواية أو المسرحية أو القصيدة من دون خبرة جيدة في قراءة هذه الأجناس الأدبية. ورغم محاولة أكيرا كوروساوا إقناع قارئه بأنه كتب كل شيء بواسطة الكاميرا، وأن تجربته الجديدة في الكتابة هي فطرية، لكن حين نصل إلى الصفحة 50 من “عرق الضفدع” يتبيّن لنا أن ذلك مجرد تواضع وتهيّب. فكوروسوا قرأ الأدب الياباني الكلاسيكي، بل فهو محيط ببعض أعماله الكبرى في جنس المذكّرات. يذكر أنه قرأ في سنّ مبكّرة “أخبار غندجي” لـ”موراساكي شيكيبو”، و”مذكرات تحت المخدّة” لـ”سي شونا عون”، وهما كاتبتان يابانيتان عظيمتان من القرنين السادس والسابع: “عندما قررت أن أكتب اعترافاتي، التقيت بـ”كينو سكي ويكوسا” لنتكلم، ونستعيد ذكريات الماضي. وأصرّ هو في معرض حديثه ذات مرة على أنني عندما كنّا في “كورودا”، وبينما نحن نتمشّى، قلت له:

– أنت “موراساكي شيكيبو”وأنا “سي شوناغون”…لا أذكر مطلقاً هذه الممازحة.. فمن غير المعقول أن نكون قرأنا في هذه السنّ “أخبار غندجي”، و”مذكرات تحت المخدّة” (ص. 50).

وكينو سكي ويكوسا هو كاتب ومؤلف درامي وجّه له الشكر كوروساوا في بداية كتابه. إنه صديق طفولته ومثقف ذائع الصيت ذهب إلى الهدف مباشرة، بتذكيره بكتب المذكرات التي كان قد قرأها منذ الصغر، الشيء الذي أكسبه خبرة وإيماناً بدور كتب الاعتراف في تقريب جمهوره العالمي من شخصيته وحياته. لقد عقد الرجلان جلسات للاستذكار، رغم اختلاف ذكرياتهما. لكن أكيرا يعترف بأن “كينو سكي” أقدر منه على التذكر واستعادة تفاصيل لم يعد هو يتذكّرها. وهذا مبرّر آخر لتوجيه الشكر له.

ضفة ثالثة

 

لتحميل الرواية اتبع الرابط التالي

 

عرق الضفدع/ أكيرا كوروساوا

 

صفحات سورية ليست مسؤولة عن هذا الملف، وليست الجهة التي قامت برفعه، اننا فقط نوفر معلومات لمتصفحي موقعنا حول أفضل الكتب الموجودة على الأنترنت

 

كتب عربية، روايات عربية، تنزيل كتب، تحميل كتب، تحميل كتب عربية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى