مراجعات كتب

«صيف مع العدو» لشهلا العجيلي… ملحمة السنين/ ابراهيم عبد المجيد

 

 

■ منذ روايتها الأولى «عين الهر» يقفز أمامك عالم النساء الوحيدات. يتنقل بين التاريخ والمكان إلى العصور الوسطى في رواية «سجاد عجمي» حيث الحرب حول مصحف عائشة إلى عصرنا في «سماء قريبة من بيتنا»، روايتها الفذة التي رصدت فيها سنوات ما قبل التاريخ الكولونيالي إلى ما بعدها في سوريا والشام عموما، وعالمنا العربي وظهور «داعش».

مفتتح الرواية هو نهايتها في العنوان رغم السنين والآلام، فالسماء قريبة من بيتنا حاسمة لأمر هؤلاء المجرمين القاتلين باسم الإسلام.. ثم تأتي هذه الرواية الساحرة، «صيف مع العدو». بلاد الغرب التي يعدها الإسلامويون عدوا فرحلت إليه الشعوب المسلمة هجرة أو لجوءا بسبب ما تفعله فينا هذه الجماعات.

تأخذنا شهلا العجيلي في روايتها الصادرة عن منشورات (ضفاف/ مجاز/ الاختلاف) 2018، من تحت قبة كاتدرائية في كولونيا إلى قصص الحرب العالمية الثانية وقبلها، وأحيانا إلى الحرب الروسية العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر. وتصل بنا إلى الشرق الأوسط من خلال حكاية الجدة كرمة». التي كانت تعمل في فرقة بديعة مصابني. ونرى الحياة في فلسطين والشام ومصر وفي القلب منها مدينة الرقة في سوريا.

الجدة كرمة تنجب نجوي أم لميس ونجيب خالها ونجوي تنجب لميس فنكون أمام ثلاثة أجيال. لميس تتنقل بنا، هي التي استقرت أخيرا في كولونيا في ألمانيا، بين التاريخ والبلاد وبين الماضي والحاضر من خلال سردها أو حكايات شخوص روايتها. لكل من شخصيات الرواية عالمه وأصدقاؤه، ورغم تعددهم حولك فالرواية تسيطر على موضوعها، ولا تتبعثر بك كما يتبعثر الأحباء، ليس خلف آمال، لكن من جراء إحباط ورعب وحصار وخيانة. عائلتها تظهر ابتداء من الجدة إلى الأب والأم والخال وأصدقائهم وأصدقائها، وأكثرهم حضورا صديق طفولتها «عبود» الذي ينتهي إلى تشيكوسلوفاكيا أيضا، والذي عاشت على ذكرى إثم لم يحدث معه حين أقنعها، وهما طفلان أن يرتدي هو جورب أمها القديم في رأسه ويطل على جدتها من النافذة ليخيفانها فيجدونها في الصباح قد ماتت. وقرب نهاية الرواية حين تقابل عبود مرة أخرى خارج البلاد تصرخ لأنها لا تنسى ما فعلاه، بينما الحقيقة أن الجدة ماتت بشكل طبيعي وليس الأمر أكثر من صدفة.

«أحب حكايات جدتي عن القدس وبيت لحم! وتنثال الحكايات التي تجعل للرواية أفقا في السماء، وأسأل جدّتي: لماذا يعيش الناس مع بعضهم وهم لا يحبون بعضهم؟ تقول: هناك ما هو أبقى من الحبّ! وتردّ أمي: ليس هناك ما هو أبقى من الحبّ».

ونعرف في ما بعد أن الأم أخرجت الأب من غرفة «أحلام» وقد أصيب بجلطة أثناء مضاجعتها. نقلته إلى المستشفى، وادّعت للأطبّاء أنّه كان معها. «بقي الأمر طيّ الكتمان إلى أن سمعتها تصرخ في وجه جدّتي، وتقول لها الحقيقة. لم تعد أمي إلى البيت بعد شفاء أبي، وكانت أيّامنا ينطبق عليها وصف الجحيم. بعد أكثر من سنة، التحق أبي بعمّي فارس في اليونان. احتضنني قبل السفر. ثماني سنوات في الخارج ثم يموت هناك». لم يعد هناك مكان للبشر إلا بلاد العدو. وتفقد لميس أو «لولو» كما كانوا ينادونها وهي طفلة أمها في الطريق، تموت تحت القصف وبين الألغام.

من جيل الوسط نيكولاس الألماني الذي وفد إلى الرقة ليقوم برصد السماء في الموقع الذي يحاكي مرصد الفلكي العربي «البتاني»، الذي عاش بين أنطاكية والرقة في القرن الثالث الهجري، وصحح الكثير من أوهام بطليموس عن الأبراج والنجوم وحركة الأرض.

يبني نيكولاس مرصدا ويصبح محور اهتمام وحب النساء بمن فيهم أم لميس نفسها التي خانها زوجها. والخيانة حديث يتجدد مع كارمن في ألمانيا بعد قصة حبها في سوريا لبسام الفلسطيني واكتشاف خيانته. الخيانة حديث النساء كأنه مصير.

تعنى شهلا العجيلي بالتفاصيل الصغيرة للمكان وتعنى أكثر بالتفاصيل الصغيرة في عالم النساء حتى تظن أنها تقترب من الواقعية الجديدة التي سادت في أوروبا في الستينيات حين صار للمكان البطولة، لكن هنا رغم حضور المكان الطاغي والمفردات الصغيرة، لا تشعر بانفصال بين الأشياء والشخوص، لكنها تصبح جزءا من الشخوص. من تكوينها الروحي رغم أنها كثيرا، في ما يخص الناس، ما تدور حول الأزياء والزينة والعطور، وما إلى ذلك من عالم النساء، بل نحن نرى المباني والطرق والحدائق ومباريات كرة القدم، وكل ما يجعل من الحياة حياة، رغم ما يبدو من مآس وراء الشخصيات القادرة على التجاوز والنجاة. هي إذن اللغة التي تتميز بها شهلا، التي هي صورة رغم انهمار السرد. كل وصف هو شعر في تراكم المفردات. تمشي شهلا مع كل شخصية أحيانا وحدها فتحكي تاريخا لها ولما حولها وتعود إلى الحاضر، لا يسبب هذا الحكي أي ارتباك للقارئ، وحين تحكي إحدى الشخصيات أو تتحدث، وتأخذ مساحة كبيرة بضمير المتكلم الذي تستخدمه الكاتبة في ما تحكيه لميس، تشعر بأنك انتقلت إلى لغة أخرى غير لغة البطلة الساردة. شهلا العجيلي تعرف وتؤكد كما أكدت من قبل في رواياتها تعدد لغات الشخوص، لتكون الرواية محفلا لها، وليس مجرد حكاية يحكيها الكاتب من الخارج.

تجد ذلك في كل الحكايات التي بضمير المتكلم، سواء كانت الجدة أو كارمن التي وفدت اليهم مع نيكولاس وهي في العشرين من عمرها، وفي لعبة فنية ماهرة تقول «في كلّ مرّة نحكي كنت أتمنّى أن تخلي كارمن وفاضها، وتغلق ملفّ الخيانة نهائيّاً. إنّها تعيدني إلى هناك، إلى منطقتي المعتمة التي أخاف الاقتراب منها. أنا لست مثلها، لست كاتبة، لكنّ لديّ منطقتي المعتمة أيضاً، هي تقول إنّها تستفيد من حوارنا في الكتابة، وأنا لا أعرف ما الذي يمكن لامرأة مثلي، مع كلّ ما تحمله من الفوضى والضياع أن تمنح كاتبة مثلها».

وتتنقل شهلا بين الشخصيات العابرة في لغة تجسدها أمامك مثل، أبو ليلى الذي حين يُسأل لماذا تزوجت أربع نساء، يجيب لأرضي أعمامي الأربعة وأتركهم وأعيش بعيدا، فلا أميز بينهم ولا أظلمهم! والرواية لا تبتعد عن الحياة السياسية، فنرى كيف اعتقل خالها نجيب وما جرى له، وغير ذلك من أحداث، فترى الرواية عالما لا ينحاز إلى رؤية سياسية، لكنها الأحداث والبشر صانعة هذا العمل الكبير. صيف مع العدو فيها من سمات الملحمة الكثير وهي أكبر من أن تكون شهادة على عصر، بل هي تجل باهر لهذا العصر. تحتاج الرواية إلى دراسة أكبر لا يتسع لها المقال، لكن المتعة التي حصلت عليها فائقة، وبين الصفحات تتناثر مقولات حاسمة لرؤى الكثيرين للحياة، لا تجدها بعيدة عما تقرأ وترى وتتوقف لحظات معها تتأمل كيف صنعت الحياة من أبطالها حكماء ببساطة مدهشة.

«صيف مع العدو» تتجاوز الفصول الأربعة لتكون حياة لعصرنا. رواية لا تقارنها بغيرها من الروايات في فهم صاحبتها للأدب والبشر، وفي بناء العمل الفني الذي لا شك بذلت فيه الكثير جدا من الجهد لنقرأ نحن بسلام ومتعة.

٭ روائي مصري

القدس العربي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق