ثقافة وفكر

فوزي القاوقجي وقصّة المشرق في النصف الأوّل من القرن العشرين/ حازم صاغية

 

 

عند أبناء جيلي ممّن ولدوا بعد 1948 حفّ باسم فوزي القاوقجي كثير من الغيم والغموض. المرويّات الشفويّة، وهي غالباً متناقضة، تذكره لماماً فيما المادّة المكتوبة لا تضيف الكثير، لا في المعنى ولا في انسجامه، كأنّما هناك ميل مقصود إلى التكتّم. فهل كان قائد “جيش الإنقاذ” وطنيّاً متفانياً أشعلته المرارات والهزائم التي نزلت بالمنطقة على أيدي الأوروبيّين الغزاة، أم كان خليطاً من مغامر وانتهازيّ، أم أنّه حلّ في منزلة بين المنزلتَين، أو في المنزلتَين معاً؟

 

الشيء الوحيد المؤكّد أنّ “تشي غيفارا العرب” كان حصاداً بالغ البؤس، يتكرّر مرّة بعد مرّة بشروط أسوأ من سابقاتها. وهو بقدر ما استحقّ تمجيد العروبيّين، لا سيّما الناطقين بلسان الرواية الرسميّة السوريّة، فقد استحقّ الهجاء والتخوين في الرواية الرسميّة الفلسطينيّة كما أسّسها الحاج أمين الحسيني، وعلى منوالها نُسجت سرديّات الإسلاميّين، خصوصاً أبرزها: مذكّرات معروف الدواليبي.

 

الباحثة ليلى بارسونز نفضت الغبار عن القاوقجي في كتاب بالإنكليزيّة أصدرته “دار الساقي” بعنوان: “القائد العسكريّ: فوزي القاوقجي والصراع لأجل الاستقلال العربيّ 1914-1948″، فماذا قالت في هذا الكتاب الكثير المعلومات القليل التحليل؟

 

زمن السلطنة الآفل

 

وُلد فوزي القاوقجي عام 1890 في طرابلس، في حيّ العطّارين. أبوه، عبد المجيد، سبق أن خدم في الجيش العثمانيّ، كما فعل بعض أبنائه من أشقّاء فوزي. ذاك أنّ أوضاعهم الماليّة لم تُتح لهم الدراسة في المدارس المدنيّة التي يقصدها أبناء النخبة العثمانيّة من ملاّكي أراض وتجّار. هكذا تعلّموا في المدارس المجّانيّة التابعة للجيش التي عجّت بأبناء الشرائح الدنيا من الطبقات الوسطى المدينيّة والسنّيّة، وكانت تتيح لهم فرص عمل مضمونة بعد التخرّج.

 

في سنوات العقد الأوّل من القرن العشرين، سُجّل فوزي في كلّيّة الحرب في اسطنبول، وهي من المدارس العسكريّة التي كان السلطان عبد الحميد الثاني قد وسّعها وحدّثها. هناك تلازم نهاره مع الصلاة اليوميّة في مسجد تابع للكلّيّة، كما شمل برنامج تدريسه الخطابة والفقه والأخلاق والنظريّة العسكريّة والتاريخ، فضلاً عن الألمانيّة والفرنسيّة. أمّا جدران الصفّ فزيّنتها صور القادة العسكريّين، كمحمّد الفاتح الذي استولى على القسطنطينيّة من البيزنطيّين في 1453، ونابوليون وبسمارك. وفي كلّ صفّ عُلّقت خريطة عسكريّة رسميّة تُظهر امتداد الإمبراطوريّة العثمانيّة من البلقان في الشمال الغربيّ إلى ما بين النهرين شرقاً، وصولاً إلى مصر والسودان وشبه الجزيرة العربيّة في الجنوب. لكنّ تلك الخريطة التي تقع اسطنبول في قلبها لم تكن تنقل واقع الحال يومذاك. فالكثير من البلقان كانت قد خسرته السلطنة في أواخر التاسع عشر، بينما بات البريطانيّون يحكمون مصر.

 

مع هذا، ظلّ الشعور بالمجد الإمبراطوريّ طاغياً، تجاوره إطلالة سهلة على حياة الغربيّين. فالمبنى الحجريّ النيو كلاسيكيّ لكلّيّة الحرب كان يقع فوق تلّة تشرف على البوسفور، في شمالها قصر عبد الحميد المسوّر، وقريباً منها القصور والحدائق الأقدم، كدولما بهجة وشيراغان. لكنْ أيضاً وعلى مقربة، تناثرت البارات والمطاعم التي يقصدها الأوروبيّون في حيّ بيوغلو، وكذلك ميناء غالاتا الذي اشتهرت شوارعه الجانبيّة بشاربِي البيرة وبيوت الدعارة التي تديرها عاملات هوى مسيحيّات. وكان تلاميذ المدرسة الحربيّة، وفي عدادهم فوزي الذي اختار سلاح الفروسيّة، يتدرّبون على بندقيّة ماوسَر الألمانيّة، كما يُرسَل بعضهم، تتويجاً لتدريبهم، إلى ألمانيا.

 

التلاميذ كانوا كلّهم تقريباً من المسلمين السنّة، يعودون في أصولهم إلى سائر مقاطعات السلطنة. وفوزي حين كتب مذكّراته لاحقاً تحدّث عن زملاء له من العرب والترك والألبان والشركس، ممّن ينظرون كلّهم إلى السلطان بوصفهم القائد والراعي. لقد جمعهم حسّ الانتماء إلى طبقة جديدة من الجنود العثمانيّين الذين يرون في الإمبراطوريّة وطنهم. مع هذا، وُجدت تمايزات ملحوظة، فكان بعض الأساتذة يعاملون التلاميذ الناطقين بالتركيّة الآتين من اسطنبول والأناضول بتقدير ومراعاة يفوقان ما يحظى به الناطقون بالعربيّة.

 

إنّها القوميّة…

 

في 1908، مع انقلاب ضبّاط “تركيّا الفتاة” وإزاحة عبد الحميد، لم يعد الأمر سرّاً. وسريعاً ما بدأ فوزي يسمع أخباراً عن تنظيمات عربيّة سرّيّة، كـ “الفتاة” و”العهد”، كما يلاحظ روابط، لم يكن على بيّنة منها، تربط بين الطلاّب الأتراك. وشيئاً فشيئاً راح ينتابه أنّ للعرب “أمّة مستقلّة وراءها جماعة وتاريخ ومجد ضارب في القِدَم”.

 

وحصل شيء من التنازع بين العثمانيّة التي نشأ عليها، وبقي يدافع عنها كضابط شابّ، والعروبة التي شرعت تستوطنه. ولئن تخرّج في 1912، فقد نُقل للخدمة في الموصل بالعراق، فكانت رحلته، التي وصفها بالتفصيل في ما بعد، الحدّ بين عثمانيّته وعروبته: فهو لم يكتف بتسجيل اختلاف اللغة والأسماء فسجّل أيضاً اختلافات بين الطبيعتين الجغرافيّتين. أمّا أحد المكوّنات الأساسيّة لقوميّته المستجدّة فكان تصوّره أنّ العشائر إنّما تمثّل جوهر الأمّة العربيّة.

 

لقد جاب القاوقجي أراضي السلطنة حين لم تكن هناك حدود تفصل بين الجماعات. مع ذلك كانت هناك سياسات ومشاعر قوميّة تتململ داخل السلطنة الواحدة. أمّا مدينة الموصل نفسها، الممتدّة على ضفّتي دجلة، وعلى بعد 250 ميلاً إلى الشمال الغربيّ من بغداد، فكانت عاصمة ولاية الموصل العثمانيّة، كما كانت مدينة للاختلاط والتداخل بين عرب وكرد وأشوريّين وأرمن وتركمان. وفوق هذا عُدّت تلك المدينة مركزاً مهمّاً للتجارة تبعاً لموقعها الجغرافيّ على طريق القوافل التي تربط الهند وفارس بالمتوسّط.

 

واستقرّت تناقضات الضابط الشابّ، العثمانيّ والقوميّ العربيّ في آن، عند إخماد التناقض في نفسه: فالعثمانيّة والعروبة تعاديان الاستعمار الأوروبيّ سواء بسواء، وهذا ما يتيح درجة من الاستقلال للعرب ضمن إمبراطوريّة يتربّع في سدّتها السلطان التركيّ. والحال أنّ القوميّة العربيّة آنذاك عنت أموراً مختلفة باختلاف حامليها: فالمسيحيّون العرب وباقي الأقلّيّات رأوها إيديولوجيا علمانيّة حديثة تشدّد على اللغة والتراث الثقافيّ العربيّين. أمّا الآخرون، خصوصاً منهم السنّة العرب كالقاوقجي، فبدا لهم الإسلام جزءاً وطيداً من تلك القوميّة التي تستلهم رموز الدين العربيّ. وفي 1914 انضمّ فوزي، في الموصل، إلى “العهد” التي كان أنشأها الضابط المصريّ في الجيش العثمانيّ عزيز علي المصريّ عام 1909 وأسماها في البداية “القحطانيّة” تيمّناً بالجدّ الميثولوجيّ للعرب.

 

لقد أقسم اليمين معصوب العينين، فيما على الطاولة أمامه نسخة من القرآن وسيف ومسدّس. بيد أنّه لم يذهب بعيداً في ولائه هذا إذ ساورته الشكوك في فعاليّة “العهد” قياساً بفعاليّة “الاتّحاد والترقّي” التركيّة.

 

في غضون ذلك كانت المهمّة العسكريّة الأولى التي كُلّفها موجّهةً ضدّ “عربه”: إنّها إخضاع قبائل شمّر الممتنعين عن دفع الضرائب للدولة والماضين في تخريب ممتلكات قبائل الجبور ونهبها. وبشيء من القوّة وشيء من النصح وعقد المصالحات أنجز المهمّة، فيما كانت مهامّ أخطر تداهم الدولة: ففي 1914، مع اندلاع الحرب الأولى، انضمّت الدولة العثمانيّة إلى ألمانيا في الحرب على بريطانيا وفرنسا. وكان للمشاركة في القتال أن أطلقت حماسة عربيّة دفعت بوالد فوزي، على رغم سنّه، إلى التطوّع للقتال في أرضروم.

 

والحال أنّ الحرب الأولى، في نظر فوزي، لم تبدأ باغتيال الأرشيدوق فرديناند في سراييفو. لقد بدأت أواخر 1914 مع الغزو البريطانيّ للعراق واحتلال البصرة والقرنة في جنوبه بما حمى مصالح لندن النفطيّة في الخليج. على أنّ الجيش العثمانيّ المهزوم لم يستسلم: ففي مطالع 1915 أُرسل القاوقجي، على رأس وحدة صغيرة من الخيّالة، من الموصل جنوباً لمواجهة الإنكليز. لقد كانت هذه الوحدة جزءاً من فرقة مشاة يقودها سليمان باشا العسكري الذي انتحر متأثّراً بعجزه عن أداء المهمّة، فيما جُرح فوزي وسُحب إلى مستشفى في بغداد ضمن قافلة جرحى آخرين.

 

رضّات وهزائم

 

هذه المعركة مع البريطانيّين المنتصرين لم تكن إلاّ الفصل الأوّل. فالقاوقجي سوف يراهم وهو يتألّم، ومعهم الجنود الأستراليّون، يتقدّمون تباعاً في الأراضي العربيّة العثمانيّة: في بئر السبع جنوب فلسطين، وفي القدس ورام الله وبيسان، وأخيراً في دمشق. وهذه كانت رضّات متتالية أصابت الجنود العرب في الجيش العثمانيّ، والذين كانوا أكثر كثيراً من زملائهم الذين ساروا وراء الأمير فيصل ولورنس والإنكليز، علماً بأنّ القصّة الأخيرة طغت على القصّة الأولى.

 

بعد علاجه في بغداد أُلحق القاوقجي بوحدته التي نُقلت إلى خطّ غزّة – بئر السبع حيث التصدّي للتقدّم البريطانيّ من مصر باتّجاه جنوب فلسطين. لكنّ فوزي، ولسبب غير واضح تماماً، آثر ترك وحدته والتوجّه إلى جبل لبنان، وتحديداً مقرّ القائد الأعلى جمال باشا في جونيه. هناك طلب ضمّه إلى وحدة خيّالة للدفاع عن جونيه في حال تعرّضها لهجوم بريطانيّ أو فرنسيّ، إلاّ أنّه أعيد إلى بئر السبع، ربّما لأنّ حذراً ساور جمال باشا حيال عروبته.

 

وفي رحلته الطويلة، التي كانت رداءة القطارات وقلّتها تزيدها طولاً، مكث فوزي مع أصدقاء له قرب نابلس، ثمّ في القدس حيث احتكّ بمجموعة من الضبّاط الألمان المقيمين في الفندق نفسه. وكان ممّا لفته أنّ أولئك الضبّاط يعاملونه باحترام وندّيّة مهنيّين لم يعهدهما في الجيش العثمانيّ.

 

ووصل القاوقجي، مطالع آذار (مارس) 1916، إلى بئر السبع، البلدة التي لم يكن سكّانها يتجاوزون المئات القليلة، وكانت آخر الخطّ الدفاعيّ العثمانيّ الذي يبدأ في غزّة. هناك بقي حتّى شتاء 1917 حين دفعهم البريطانيّون شمالاً نحو القدس، فتكشّف، هو شخصيّاً، عن ضعف بالمنطقة وجهل بتكتيكات سلاح الإشارة بحيث وقع في كمين بريطانيّ قُتل فيه بعض رفاقه وعاد الآخرون، وهو منهم، جرحى. ومع الزمن تحسّنت خبرته ومعرفته فقاد عمليّة ناجحة ضدّ البريطانيّين أكسبته ميداليّة الحرب العثمانيّة.

 

على أنّ أواخر تشرين الأوّل (أكتوبر) 1917 أنهت الكرّ والفرّ: فالهجوم البريطانيّ – الأستراليّ على خطّ غزّة – بئر السبع قصم ظهر القوّات العثمانيّة وأجلاها شمالاً. لقد تمركزوا في قرية النبي صمويل الصغيرة معتبرين أنّها مفتاح الدفاع عن القدس التي تقع إلى جنوبها. لكنّ النبي صمويل ما لبثت أن سقطت، ما أدّى إلى سقوط القدس نفسها في يد الجنرال البريطانيّ ألنبي. ولئن استمرّ الأتراك والألمان في شنّ هجمات مضادّة ومتفرّقة على المواقع البريطانيّة، فقد سُمّي فوزي ضابط الارتباط بين الطرفين الحليفين. ومن تلك الهجمات المشتركة بينهما استعيدت القرية ليوم واحد، وكوفىء القاوقجي بنيله ميداليّة الصليب الحديديّ الألمانيّ، لكنّ البريطانيّين ما لبثوا أن أجلوهم عنها. وفي 11 كانون الأوّل كان تاريخ دخول ألنبي وقوّاته إلى القدس الذي عدّه فوزي “الحدث السياسيّ الأهمّ في ذاك العام”. ومعروف أنّ “تصريح بلفور” كان قد صدر قبل خمسة أسابيع فقط على ذاك الاحتلال الذي دشّن 31 سنة بريطانيّة في فلسطين.

 

فون لايزر وجمال باشا

 

بعد أسابيع على سقوط القدس، وفيما وحدته لا تزال تتمركز إلى الشمال من رام الله، التقى القاوقجي بالجنرال الألمانيّ أوتّو ليمان فون ساندرز الذي تولّى قيادة الجيش العثمانيّ في فلسطين بدل إريك فون فالكنهاين. وكلّف فون ساندرز القاوقجي اختراق خطوط العدوّ وجمع معلومات عن قوّاته، ثمّ عيّنه مساعداً له. وبعلاقته المتينة هذه مع ضابط الخيّالة فون لايزر، بدأ فوزي يستعيد لغته الألمانيّة التي درسها في شبابه في الكلّيّة الحربيّة وحسّنها.

 

وصلة القاوقجي بفون لايزر تعود إلى 1916 حين قام جمال باشا بزيارة تفقّديّة للقوات العثمانيّة في فلسطين. يومذاك صحبه فون لايزر في جولته فيما تولّى فوزي الترجمة بين الاثنين. غير أنّ ما لمسه جمال من وجود بضعة ضبّاط عرب على خطوط التماسّ أثار غضبه وانعكس توتّراً في علاقته بالقاوقجي فاتّهمه بأنّه “مُحرّض” لمصلحة العرب. وهذا، بدوره، أثار فون لايزر الذي اعتبر أنّ انشغال جمال بالسياسات القوميّة وتشكيكه بولاء الضبّاط العرب يحرفان النظر عن الجهد الحربيّ وضرورة التركيز عليه. وكان ما أقلق القاوقجي وزاد في توتير العلاقة بين الضبّاط العرب والأتراك إعدامُ جمال للوطنيّين السوريّين واللبنانيّين في أيّار (مايو) من ذاك العام.

 

وبالفعل أمر القائد التركيّ بتوزيع الضبّاط العرب في فلسطين على جبهات أخرى، ثمّ اعتُقل القاوقجي نفسه بتهمة ارتكابه جرائم ضدّ الدولة العثمانيّة، بحيث باشر فون لايزر مساعيه ومناوراته لإطلاق سراحه. وهذا ما زاد في تقريب فوزي إليه، بل إلى الضبّاط الألمان عموماً، حتّى أنّ الأتراك شكّوا بعلاقته بالألمان، وبفون لايزر نفسه، خصوصاً وقد راحت علاقات برلين بأسطنبول تتردّى مع رجحان الكفّة الحربيّة نحو الحلفاء. وكان وسواس التآمر قد عصف قويّاً بالأتراك ابتداء بـ 1915، حين نُفّذت الجريمة بحقّ الأرمن. صحيح أنّ السكّان العرب لم يُنظَر إليهم بوصفهم أعداء كالأرمن، إلاّ أنّ القليلين الذين انشقّوا منهم كانوا مؤثّرين، لا سيّما مع انتفاضة الحجاز أواسط 1916. بيد أنّ القاوقجي لم يكن من هؤلاء فظلّ، رغم تذمّراته، على ولائه للدولة العثمانيّة إلى أن انتهت الحرب.

 

فهو، مثل مئات من الضبّاط العرب، لم ينضمّ إلى ثورة الهاشميّين ولورانس التي تشكّل معظم قوّاتها من عشائر البدو في شبه الجزيرة، ولم تستقطب إلاّ عدداً محدوداً من الضبّاط العرب من الولايات الشرقيّة للإمبراطوريّة، أي في يومنا هذا، العراق وسوريّا ولبنان والأردن وفلسطين/إسرائيل. ومعلوم أنّ بعض هؤلاء الذين انحازوا، كجعفر العسكري وصلاح الدين الصبّاغ، إنّما فعلوا ذلك بعدما وقعوا في أسر البريطانيّين. وفقط بعد التقدّم البريطانيّ من فلسطين إلى دمشق، هرب بعض الجنود العرب من الجيش العثمانيّ وانضمّوا إلى جيش فيصل بن الحسين.

 

وقد اعتبر فوزي في مذكّراته اللاحقة أنّ “الثورة العربيّة” تعبير عن مصالح البريطانيّين والفرنسيّين، فيما الهدف منها تعبيد الطريق لألنبي كي يصل إلى دمشق، وليس استقلال العرب عن الدولة العثمانيّة.

 

الانسحاب الدائم

 

في أواخر تشرين الأوّل 1917، وبعد الهجوم البريطانيّ على بئر السبع، بدأت وحدة القاوقجي تراجعها الطويل عبر فلسطين وسوريّا ولبنان: إلى القدس فرام الله فبيسان في الجليل، ثمّ إلى درعا فالكسوة فدمشق فالربوة فمجدل عنجر فرياق وأخيراً حمص. هناك حصل على مأذونيّة تتيح له مغادرة جيشه المتداعي لزيارة أهله في طرابلس حيث وصف انتشار الفقر والبؤس واليأس في آن معاً. ذاك أنّ المجاعة التي راحت تفتك بالسكّان كما بالجيش العثمانيّ إنّما زادها إيلاماً مقارنتها بأحوال الجيش البريطانيّ في مأكله وملبسه وساعات الفراغ والراحة التي يملأها الجنود بلعب كرة القدم.

 

في غضون ذلك، وفي أيلول (سبتمبر) 1918، حدث تطوّر بارز في حياة القاوقجي. فإذ أُمرت وحدته آنذاك بالتراجع من بيسان إلى درعا، كآخر محاولة للدفاع عن دمشق، عرف فوزي بوجود مجموعة صغيرة من ضبّاط الجيش العثمانيّ السابع ممّن أدّى التقدّم البريطانيّ إلى عزلها وجعلها عرضة للأسر. ولم يكن قائد الجيش السابع إلاّ مصطفى كمال، البطل اللاحق لغاليبولي الذي بات مؤسّس الجمهوريّة التركيّة الحديثة. وبالفعل تمكّن القاوقجي من أن ينتزع من قيادته أوامر تتيح له قصف البريطانيّين، ضدّاً على أوامر سابقة بتجنّب الاحتكاك بهم، لكنّ أحد أولئك الضبّاط الذين أُنقذوا كان مصطفى كمال نفسه الذي شكره بتقدير وحرارة.

 

ووصلت، في أواخر ذاك الشهر، وحدة فوزي إلى دمشق. كان ذلك قبل أيّام فحسب على وصول البريطانيّين وحلفائهم العرب. هكذا لمس الاضطراب والهرب بين جنود الجيش العثمانيّ الذين علموا بأنّ الإنكليز باتوا على مشارف المدينة. وهو ما لبث أن شاهد بعينيه، في ساحة المرجة، رفع العلم الهاشميّ ودعوة السكّان إلى الترحيب بالأمير فيصل والجيش العربيّ بوصفهم قادة سوريّا الجدد. وعلى أمل اللحاق بفرقة عثمانيّة كانت تتراجع نحو حلب، توجّه القاوقجي إلى مجدل عنجر في البقاع حيث يتجمّع جنود عثمانيّون كثيرون ينتظرون إرجاعهم إلى الوطن. بيد أنّ الضبّاط الألمان كانوا يمنعونهم ويصرّون على ضرورة الدفاع عن مجدل عنجر في مواجهة التقدّم البريطانيّ. ولئن تعاطف القاوقجي مع رغبات الجنود، فقد عانى معهم قصفاً جوّيّاً بريطانيّاً على معسكرهم لم يكن قد رأى مثله من قبل. أمّا السلاح الوحيد في مواجهته فكان الخوف والاختباء ثمّ الهرب إلى بلدة رياق. هناك استقبلهم السكّان المحلّيّون الذين تضربهم المجاعة بمحاولة سرقتهم والاستيلاء على مؤونهم.

 

يائساً وخائفاً من المستقبل انتقل فوزي إلى حمص حيث أقام مصطفى كمال مقرّه في محطّة قطاراتها، ومنها باشر تنظيم تراجع الجنود العثمانيّين وجلائهم. ومن حمص توجّه ثانيةً لزيارة أهله في طرابلس، لكنّ البريطانيّين كانوا أيضاً يسابقونه إلى مسقط رأسه.

 

وجاءت السياسة تكرّس ما فعلته الحرب. فبعد معاهدة مَدْرُس في 30 تشرين الأوّل 1918، فُتح الدردنيل والبوسفور أمام ملاحة الحلفاء المنتصرين وقوّاتهم. وبعد أشهر قليلة افتتحت معاهدة فارساي العمليّة التي حوّلت الاحتلال البريطانيّ – الفرنسيّ للأراضي العربيّة إلى انتداب. وبدوره بقي القاوقجي مع وحدته في الجيش العثمانيّ حتّى نهاية الحرب، يتابع قتال الأتراك ضد الأوروبيّين في الأناضول، واثقاً من أنّ العرب لن يستطيعوا فعل الشيء نفسه. لقد انتابه الفخر بالأتراك والحزن على العرب، بحيث تشكّلت لديه قناعة قاتمة لم تتغيّر قليلاً إلاّ مطالع العشرينات، مع تمرّد عبد الكريم الخطّابيّ على الفرنسيّين في المغرب.

 

مع فيصل… مع الفرنسيّين

 

لقد عرف فوزي أنّ الحفاظ على حياته المهنيّة، كضابط في جيش رسميّ، يعني واحداً من اثنين: إمّا أن يذهب إلى الأناضول وينضمّ إلى قوّات مصطفى كمال، وهو ما فعله كثيرون من الضبّاط العرب في الجيش العثمانيّ السابق، أو أن يبقى قريباً من مدينته وعائلته، يوالي الأمير فيصل وينضمّ إلى جيشه العربيّ في دمشق.

 

وفي أواخر شتاء 1918 زار الأمير فيصل مدن الداخل السوريّ ومنها طرابلس حيث توجّه أعيان المدينة للترحيب به في منزل عبد الحميد كرامي. ومع أنّ القاوقجي لم يكن بينهم، فقد أرسل إليه فيصل مندوباً يسأله الحضور. وبالفعل توجّه فوزي مصحوباً بثلاثة أصدقاء كانوا مثله في الجيش العثمانيّ وظلّوا على ولائهم لذاك الجيش. هناك طلب منهم الأمير الحجازيّ الخدمة في جيشه، مناشداً وطنيّتهم، ما رفع معنويّاتهم ودفعهم إلى قبول العرض. هكذا عاد القاوقجي من طرابلس إلى دمشق، طامحاً بدور جديد وكبير في الجيش العربيّ، فأُلحق بمكتب ياسين الهاشمي، وزير الحرب في الحكومة الفيصليّة والضابط العراقيّ الذي خدم في الجيش العثمانيّ وبقي على ولائه العثمانيّ حتّى اللحظة الأخيرة. وما لبث يوسف العظمة الذي خلف الهاشمي في الوزارة أن رقّى فوزي، وكان ذلك أواخر 1919، ليغدو قائد الفرقة الأولى في فوج الخيّالة.

 

عامذاك كان أحد أبرز وظائف الجيش العربيّ ضمان الأمن والاستقرار، خصوصاً في الأرياف. لكنّ القوّات الفرنسيّة المتمركزة في زحلة كانت قد باشرت تهديداتها باحتلال دمشق وتسريح حكومتها. وقد كُلّف فوزي بمهمّة استغرقت أسابيع في المعلّقة لثني شبّانها عن الانضمام إلى الجيش الفرنسيّ والانضمام، في المقابل، إلى الجيش العربيّ.

 

بيد أنّ المواجهة لاحت في كانون الأوّل (ديسمبر) 1919. فقد انسحبت القوّات البريطانيّة من سوريّا التي تتآكلها الفضوى والنزاعات، معبّدةً الطريق أمام دخول الجيش الفرنسيّ. وفي 25 نيسان (إبريل) 1920 فوّض المجلس الأعلى لدول الحلفاء فرنسا بالانتداب على سوريّا ولبنان، ثمّ في 14 تمّوز (يوليو) من العام نفسه، أصدر هنري غورو، الذي سُمّي مفوّضاً أعلى في سوريّا، إنذاره لفيصل. وبدورها ظهرت أصوات متباينة حيال الإنذار، فاقترح وزير الحرب يوسف العظمة، مثلاً، النسج على منوال الأتراك في المقاومة، فيما رأى وزير الحرب السابق ياسين الهاشمي أنّ الجيش العربيّ غير مؤهّل، وأنّه قد يمكن التعويل فحسب على العشائر. لكنّ القاوقجي بقي بعيداً عن تلك السجالات، مركّزاً على حفظ الأمن في الرقعة الجغرافيّة التي يُرجّح أن يخترقها التقدّم الفرنسيّ. مع هذا، كلّفه فيصل بالعمل مع نوري الشعلان، شيخ قبيلة الرولة، وقيادة وحدته ورجال الشعلان للعمل وراء خطوط الفرنسيّين. لكنْ لم تمض أسابيع حتّى تراجع الشعلان مشكّكاً بالقدرة على مواجهة الفرنسيّين الذين كانوا يتقدّمون، فهرع فوزي إلى دمشق للدفاع عنها فيما كانت المعركة الأكبر، في ميسلون، قد حُسمت لتوّها وقُتل العظمة.

 

لقد وصل فوزي إلى دمشق مساء 24 تمّوز الذي شهد معركة ميسلون. وبعد ساعات قضاها في محاولة حماية فيصل ومقرّه والتصدّي للّصوص وقطّاع طرق، دخل الفرنسيّون دمشق نفسها. وظلّ أكبر ألغاز حياته أنّه، وقد بقي في تلك المدينة، انضمّ إلى القوّات الفرنسيّة في سوريّا التي كان يقاتلها!

 

ما قاله فوزي لاحقاً في مذكّراته أنّه، ومنذ البدايات الأولى، حرّكته الرغبة بأن يخترق صفوف الضبّاط الفرنسيّين ويحظى بثقتهم قبل أن يتمرّد عليهم. وهذا ربّما كان صحيحاً، لكنّ الأصحّ أنّه كان في حاجة إلى عمل بعد رحيل فيصل وحلّ الجيش العربيّ. فالقوّات الفرنسيّة أمّنت له معاشاً ورتبة وفرصة لممارسة حياته كعسكريّ. وكونه تزوّج في 1918، وكان زواجاً مرتّباً من ابنة عمّه، ثمّ أنجب بسرعة ولدين، فهذا ما ضاعف أعباء حياته. وقد نقل عنه الذين عرفوه اعتقاده بأنّه إنّما كان ينضمّ إلى جيش وطنيّ، لظنّه أنّ الفرنسيّين لن يبقوا طويلاً في سوريّا. وفي الحالات كافّة فقد أرّقه لعقود هذا الحدث الذي عُيّر به في الأربعينات، خصوصاً أنّ الفرنسيّين استفادوا كثيراً من انضمامه وانضمام بضعة زملاء له إليهم.

 

وبعد كلام متشاوف من ضبّاط فرنسيّين ذكّروه باستحالة هزيمتهم أمام جيشه العربيّ السابق، عُيّن فوزي على رأس فرقة خيّالة في حماة، ثمّ رقّي استجابةً منهم لما طلبه بحيث استحقّ، في آذار 1922، رسالة تهنئة من جورج كاترو، الحاكم العسكريّ على سوريّا. أكثر من هذا، وبحسب موجودات الأرشيف الفرنسيّ عن تلك الحقبة، منحه كاترو وسام شرف برتبة فارس مقابل خدماته إبّان الحرب.

 

في الثورة السوريّة

 

إلاّ أنّ مذكّرات القاوقجي تحمل سرديّة موازية تؤكّد على تنامي استيائه من الضبّاط الفرنسيّين، وهو تحدّث خصوصاً عن الضابط مايك الذي سجن عدداً من أعيان العائلات في حماة لرفضهم تنفيذ طلباته، كما منعهم من رعي مواشيهم في المراعي العاديّة خوفاً من دعمهم انتفاضة ابراهيم هنانو في شمال المدينة. كذلك، وبحسب القاوقجي، رفع مايك الضرائب وأثار النزعات الطائفيّة وكان يملك كلباً يستخدمه لإخافة السكّان المحليّين. وإذ تعاظم استياء العائلات الحمويّة من مايك، خصوصاً منها الكيلاني، فقد نُقل وحلّ محلّه الضابط موربيو الذي عُيّن فوزي مستشاراً خاصّاً له.

 

ويصعب تحديد الفترة التي انقلب فيها القاوقجي مجدّداً إلى ثائر على الفرنسيّين. ويقول سعيد الترمانيني، الحمويّ والضابط العثمانيّ السابق الذي كان أحد المقرّبين منه ممّن خطّطوا معه التمرّد، أنّ القاوقجي أراد “التحرّر من الحياة التي يحياها واستبدالها بحياة الكرامة والشرف”.

 

على أيّ حال ففي أوائل العشرينات تمرّد كثيرون من السوريّين على الحكم الفرنسيّ، كابراهيم هنانو وصالح العلي ورمضان شلاش، وأغلبهم كانوا ضبّاطاً سابقين في الجيش العثمانيّ اتّخذوا مصطفى كمال، الذي كان يقاتل الفرنسيّين وراء الحدود الشماليّة لسوريّا، قدوة لهم. كذلك كان فوزي مبهوراً وفخوراً بقتال كمال، الذي يعرفه، والذي يجري على بعد مئات قليلة من الأميال عن حماة. وهذا فضلاً عن تأثّره وإعجابه بثورة الريف في المغرب مطالع العشرينات.

 

لقد بدأ يتغيّر سلوك القاوقجي في 1923 و1924 فبات كلّ يوم جمعة يقصد الجامع، بزيّه العسكريّ، كما توجّه إلى مكّة للحجّ بينما راح يُكثر زياراته لعلماء الدين في حماة. وبدا غير مألوف في الضبّاط يومذاك أن يكونوا تقاة ورعاء، كما بدا غير مألوف للحمويّين المحافظين وجود ضابط كبير في مدينتهم من المسلمين السنّة العرب، فيما المألوف أن يكون الضبّاط العرب من الأقلّيّات الدينيّة أو القوميّة. وحين سأله موربيو عن زياراته لعلماء الدين وصلواته في المسجد، أجابه فوزي بأنّ اندماجه في البيئة المحافظة والمتديّنة لحماة يتيح له أداء مهمّاته المهنيّة على نحو أفضل، سيّما وأنّ بعض العلماء ينشرون شائعات عنه من أنّه ليس مؤمناً، بل متأثّر بطريقة الحياة الفرنسيّة. لكنّ القاوقجي أنشأ أيضاً صلات مع شبّان حمويّين معروفين بمناهضة الانتداب، بدأوا قلّةً ثمّ تكاثروا. ويذكر الترمانيني أنّ القاوقجي ما إن عاد من مكّة حاجّاً في 1924 حتّى جدّد التزامه بالإسلام وحماسته لمقاومة الفرنسيّين. وهو ينقل عنه تزايد تركيزه على الثورة ممّا استغربه في البداية وتوجّس منه، لأنّ فوزي “كان محبوباً جدّاً من الفرنسيّين حتّى اعتُبر فرنسيّاً أكثر منهم”.

 

وفي فترة لاحقة أقسم على القرآن كلّ من القاوقجي والترمانيني وعبد السلام الفرجي، الذي قدّمه فوزي للترمانيني على أنّه صهره، متعهّدين التخطيط للثورة في حماة، في سياق الثورة السوريّة. ويذكر الترمانيني أسماء رجال، في عدادهم معلّمون وقادة دينيّون وصحافيّون وأطبّاء، استقطبهم، هو والقاوقجي، للعمل الثوريّ. وكان الصحافيّ الحمويّ منير الريّس أحد هؤلاء الذين باتوا معروفين كما كتبوا تجاربهم في ما بعد. فما إن بدأت الأحداث في سهل حوران وجبل الدروز، على بعد مئتي ميل جنوب حماة، حتّى قرّر هؤلاء الشبّان التحرّك.

 

وسلطان الأطرش، الذي قاد التحرّك في الجنوب السوريّ، هو أيضاً ضابط عثمانيّ سابق قاتل في الحرب العالميّة الأولى، مثله مثل كثيرين انضمّوا إلى الثورة التي ما لبثت أن امتدّت إلى دمشق، ولا سيّما الغوطة، بينما كانت عشائر بدويّة تُبدي رغبتها في المشاركة. والقاوقجي كان مؤمناً بأهميّة انضمام العشائر التي عرفها وعمل معها منذ أيّامه العراقيّة، وقد وصفها بأنّها “شعلة نار الانتفاضة” التي بدأت في حماة مطالع تشرين الأوّل 1925. أمّا الوعود التي استُخدمت في جذب العشائر فكانت إعفاءهم من دفع الضرائب وأن تُدفع لشيوخهم ومقاتليهم مرتّبات ثابتة بمجرّد انتهاء الانتفاضة وانتصارها. بيد أنّه هدّد الشيوخ بأنّهم إن لم ينضمّوا سيصبحون هدفاً لجيش الثورة. ولأنّه أدرك أيضاً ضرورة كسب عائلات الأعيان وتأييدها، فقد زار نجيب البرازي، كما زار الترمانيني مخلص الكيلاني، والاثنان وعدا بالدعم وإن أبديا بعض الشكوك والتحفّظات. كذلك أرسل القاوقجي الترمانيني إلى دمشق ليقابل عبد الرحمن الشهبندر ونبيه العظمة، بأمل الحصول على دعم حزب الشعب، وهو ما أكّد الترمانيني أنّه ضَمنه، ثمّ أرسله إلى بحمدون حيث كان يقيم ابراهيم هنانو. وبعث فوزي موفدين إلى حمص وبعلبك وطرابلس وتدمر ودير الزور طلباً لدعم سكّانها وحضّاً لهم على القيام بانتفاضات مماثلة. وأهمّ من ذلك كان إيفاده منير الريّس ومظهر السباعي إلى حوران للقاء سلطان الأطرش.

 

لقد جمعت بين هؤلاء الثوّار عاطفة مناهضة للفرنسيّين إلاّ أنّهم افتقروا إلى أيّ تصوّر عن سوريّا ما بعد الثورة، وبدت كلّ محاولة لبلوغ تصوّر كهذا سبباً لخلافات بينهم ولحرف الأنظار بالتالي عن الهدف القتاليّ المشترك.

 

الانتفاضة في حماة

 

في أواخر أيلول، وإثر تلقّيه رسالة من الأطرش، قرّر القاوقجي ورفاقه إعلان الانتفاضة في حماة ليلة المولد النبويّ، في 30 من الشهر نفسه، إذ تكون الشوارع تضجّ بالناس والحركة. لكنّ مصطفى عاشور، الذي أنيطت به وبرجاله الثلاثين إحدى أكثر المهمّات خطورة، لم يظهر تلك الليلة ولا ظهر رجاله. أمّا القاوقجي، الذي كان يُفترض أن يجتمع بوجهاء المدينة في بيت آل البرازي، فتوجّه إلى البيت ولم يجد أحداً فيه. هكذا أوقف فوزي تنفيذ الخطّة، مع أنّ باقي الثوّار كانوا قد قطعوا أسلاك التلغراف. وإذ أصرّ الترمانيني على المضيّ في التنفيذ، قرّر القاوقجي تأجيل العمل أربعة أيّام، إلى 4 تشرين الأوّل 1925، وقت صلاة الفجر، علماً بأنّ احتمال الانكشاف قد صار كبيراً جدّاً. وعلى أيّة حال كان عدم التكافو كبيراً بين طرف مزوّد ببنادق عثمانيّة قديمة وقوّات فرنسيّة حسنة التدريب استخدمت سلاح المدفعيّة والقصف الجويّ وأسقطت مئة مقاتل من المتمرّدين فيما لم يسقط إلاّ بضعة جنود فرنسيّين.

 

كان عقاباً جماعيّاً ما أنزله الفرنسيّون بحماة التي لم يقاتل من سكّانها إلاّ قلّة قليلة. فقد دُمّرت بيوت كثيرة وسوقان شعبيّتان وبلغ مجموع القتلى 350 شخصاً. وهذا ما حمل الحمويّين على التنصّل من القاوقجي بلسان نجيب البرازي الذي سبق أن أيّد فكرة الثورة، بينما اعتبر فوزي تنصّله عملاً خيانيّاً. لكنّ البرازي جمع، في أحد بيوت آل الكيلاني، أعيان المدينة ووجهاءها، وكان القاوقجي والترمانيني في عداد الحاضرين، فقرّروا أنّ على فوزي ورجاله أن يغادروها بأسرع وقت ممكن كي لا يُنزل بها الفرنسيّون مزيداً من الأذى. وبالفعل ففي ليلة 7 تشرين الأوّل، غادر القاوقجي لاجئاً إلى الشيخ فارس العطور الذي شاركه الأعمال العسكريّة ضدّ الفرنسيّين، وبمشاركة مقاتلي عشيرته مضى يزعج بعض مواقعهم خارج المدينة إلى أن قضي الأمر تماماً.

 

وإذ باتت دمشق المركز الجديد لمقاومة الفرنسيّين، لم يغفر القاوقجي لأعيان حماة، خصوصاً آل البرازي، خيانتهم له. فهو، وفق روايته، تخلّى عن كلّ شيء في سبيل حماة، وإثر انحسار الثورة لم يعد في وسعه الرجوع إلى سوريّا إلاّ بعد الجلاء الفرنسيّ في 1946. إلاّ أنّ وثائق فرنسيّة ظهرت لاحقاً تؤكّد أنّه راسل أعيان المدينة وابتزّهم طالباً منهم تمويله ومهدّداً إيّاهم.

 

لقد غادر حماة ومحيطها باتّجاه الصحراء في الشمال الشرقيّ، وكطافرٍ سافر مع عصبة صغيرة من الرجال، كان ينضمّ إليها عند هذه النقطة أو تلك مجموعات متمرّدة أخرى على رأسها ضبّاط عثمانيّون سابقون كرمضان شلاش وسعيد العاص. وبين عشائر الزاوية الشماليّة الشرقيّة من سوريّا وشمال العراق، وهي منطقة يعرفها جيّداً، قضى أواخر ذاك العام. لكنّه ما إن التقى الشيخ نجراس القاعود، الذي سبق لفوزي أن أنقذ حياته قبل عشر سنوات، حتّى طلب مساعدته للوصول إلى دمشق. وبدوره وفّر القاعود للقاوقجي ورجاله جِمالاً ومؤناً يقطعون بها الطريق الصحراويّة الطويلة رجوعاً إلى دمشق. فهناك كان يتعاظم النشاط الثوريّ بقيادة الشهبندر ونسيب البكري وحسن الخرّاط كما يتعاظم الردّ الفرنسيّ بما فيه القصف الجوّيّ الذي دمّر أحياء بكاملها من دمشق.

 

وفي 1926 استقرّ القاوقجي في الغوطة وراح رجاله يهاجمون القوّات الفرنسيّة حيث تيسّر لهم ذلك. وهو بات لكثيرين من السوريّين بطلاً قوميّاً واستقلاليّاً، كما غدا لكثيرين غيرهم مصدراً للقلق والمتاعب وفرض الخوّات على ريفيّين فقراء. بعد ذاك أقام مقرّه في قرية دامر في جبال القلمون وفيها استقطب مقاتلين جدداً كما حاكم عدداً من السكّان المحليّين بتهمة التجسّس للفرنسيّين. وكان للتهمة هذه التي استخدمها القاوقجي وسواه أن زادت في تمزيق النسيج الوطنيّ للسوريّين: ذاك أنّ الفرنسيّين درجوا على اتّهام السنّة الريفيّين بدعم التمرّد فردّ المتمرّدون باستهداف الأقلّيّات الدينيّة والمذهبيّة. وفي ربيع ذاك العام وجّه القاوقجي رسالة تهديد إلى اسماعيليّي السَلَميّة يتّهمهم فيها بسلوك طريق الأرمن والاستعماريّين، ويحذّرهم من مصير كمصير الأرمن في تركيّا.

 

ويقرأ بعض المؤرّخين التفاوت في تأييد الثورة على ضوء الفوارق الإثنيّة والدينيّة. فإذا صحّ أنّ الكثيرين من السنّة أيّدوها، خصوصاً في الأرياف والمراكز المدينيّة الأشدّ تقليديّة، فالصحيح أيضاً أنّ الفرنسيّين أحرزوا مواقع لهم بين الأقلّيّات، وإن وقفت الأقلّيّة الدرزيّة في مقدّمة الثورة وتحالفت بقوّة مع التجّار السنّة والضبّاط العثمانيّين السابقين. كذلك انقسمت الطوائف المسيحيّة: فبعضهم، خصوصاً الأرثوذكس، أيّدوا الثورة علناً، بينما مال الكاثوليك بأكثريّتهم إلى الفرنسيّين. إلاّ أنّ الطبقة الاجتماعيّة كانت على العموم عنصراً مؤثّراً في تحديد المواقف. فالثورة كانت أقوى ما تكون في الأرياف وبين الطبقات المدينيّة الدنيا والوسطى الدنيا حيث السكّان الأقلّ استفادة من الحكم الفرنسيّ. وفي المقابل، استفاد كثيرون من أعضاء نخبة ملاّكي الأرض وأعضاء الطبقات المهنيّة فبدوا متضرّرين من أيّ انتصار تحرزه الثورة.

 

اكتمال الهزيمة

 

وتوالت الانتكاسات ابتداء بالعجز عن طرد الفرنسيّين من النبك، كما شرعت تتدفّق على العائلات الدمشقيّة رسائل قادة الثورة طالبةً المال والدعم، وراحت تظهر الخلافات بين قادة العمل الثوريّ في الغوطة، خصوصاً حول التكتيكات اللازمة لكسب السكّان. فهم في بعض الحالات لجأوا إلى العنف حيال القرويّين، وبعضهم استولوا على أموالهم وموادّهم الغذائيّة. وهو ما أرعب الريفيّين الذين دعوا الثوّار إلى فرض لون من الأمن والاستقرار، متذمّرين خصوصاً من رمضان شلاش الذي تعرّض لمحاكمة من رفاقه، لا سيّما نسيب البكري الذي كان أعنفهم في اتّهامه، وإن اتُّهم هو نفسه، على لسان سعيد العاص، بالغيرة من شلاش وبشقّ صفوف الثورة. وبالفعل طُرد الأخير من تلك الصفوف قبل أن يستسلم للفرنسيّين. ترافق هذا مع تصاعد الضربات الفرنسيّة الناجحة على الغوطة برّاً وجوّاً، والتي قتلت عشرات المنتفضين.

 

وفي أواخر ربيع 1926، حين عاد القاوقجي إلى الغوطة من القلمون، بدا الوضع مدعاة لليأس. لقد اختاره الثوّار هناك قائداً لهم لأنّه لم يكن معنيّاً بالخلافات التي شقّت قادتهم قبل قدومه. لكنّ قيادته أتت متأخّرة جدّاً تأخّرَ محاولاته تفادي الهزيمة بما فيها فرضه الضريبة على السكّان المحليّين.

 

وفي مذكّراته عاب القاوقجي على العائلات الدمشقيّة عدم دعمها الثورة وتفضيلها التفاوض مع الفرنسيّين. ومع هذا، استمرّ يخوض معارك متقطّعة في الغوطة فيما كان ثوّار جبل الدروز قد بدأوا، منذ صيف 1925، يفرّون إلى الأزرق في شرق الأردن حيث يقيمون مقرّ عمليّاتهم. على أنّ شتاء 1926 بدا حاسماً إذ فتكت المجاعة بالغوطة المحاصرة ولم تكن ذكريات مجاعة 1915-6 قد اضمحلّت. وما لبث فوزي أن غادر الغوطة مصحوباً بـ 16 رجلاً توجّهوا إلى جبل الدروز ثمّ إلى الأزرق للقاء الأطرش، ومن هناك هبطوا إلى عمّان التي كانت تعجّ بمنفيّي الثورة كالعاص والبكري ومعهم خلافاتهم وحزازاتهم القديمة. بعد ذاك، وفي أواخر العام، جال سرّاً في سوريّا واتّصل بجماعات وعشائر مؤيّدة للثورة كما ناوش الفرنسيّين هنا وهناك قبل أن يعود مصحوباً برجاله إلى عمّان. وإذ بدأ سياسيّو دمشق يفاوضون الفرنسيّين على إنهاء الثورة، كان فوزي يصرف الأشهر الأولى من 1927 محاولاً استجماع الدعم، الداخليّ والعربيّ، الذي يتيح له أن يجدّد شنّ الهجمات من جبل الزاوية في الشمال الغربيّ من سوريّا.

 

والاختيار الجغرافيّ هذا كان سببه قرب الزاوية من تركيّا التي قصدها صيف 1927 مراهناً على علاقاته القديمة فيها. وقد رافقه في تجواله الطبيب أمين رويحة الذي قاتل معه في الغوطة، وسعيد حيدر، القوميّ المهتمّ بتطوير العلاقة مع تركيّا. فهو سبق أن زار مصطفى كمال، عام 1920، في عداد وفد عربيّ فاوضه في إنشاء قيادة تركيّة – عربيّة مشتركة تطرد الاستعمار وتقيم دولة على غرار الإمبراطوريّة النمسويّة – الهنغاريّة. على أنّه لم يظهر على الإطلاق ما يوحي بإحراز تقدّم، إذ كانت أعين الأتراك شاخصة إلى الغرب الذي يقاتلونه وإلى تحصين دولتهم الجديدة وحدودها.

 

لقد زار القاوقجي اسطنبول في 1 تمّوز 1927، أي اليوم الذي زار فيه أتاتورك المدينة نفسها للمرّة الأولى بوصفه رئيس دولة. لكنْ بينما دخلها أبو الأتراك من البحر، على ظهر يخت “أرطغرل” الملكيّ، دخلها فوزي بهويّة مزوّرة تحمل اسم عمر فوزي عبد المجيد، وبوصفه تاجراً ينوي إنشاء معمل للنسيج فيها. ومن وسط الحشود، راقب وصول أتاتورك، فكتب لاحقاً عن تأثّره بالاحتفال وأنّه لم يستطع إلاّ أن يقارن “وضعنا بوضع الأتراك”.

 

لكنْ فيما القاوقجي في اسطنبول، أُسدل الستار الأخير على الثورة. فالبريطانيّون طردوا سلطان من الأزرق إلى وادي السرحان في الدولة الجديدة لابن سعود، أمّا القادة الآخرون فشُتّتوا بين عمّان والقدس والقاهرة. الأقلّ أهميّة عفا عنهم الفرنسيّون وسمحوا لهم بالعودة إلى قراهم، وبعض البارزين، كنسيب البكري، أعفي عنهم أيضاً وإن صودرت أملاكهم الزراعيّة ولم تُعَد إليهم. غير أنّ معظم القادة استقرّوا في المنافي تتهدّدهم أحكام فرنسيّة بالإعدام: هكذا كانت حال الأطرش ومحمّد الأشمر ومحمّد عزّ الدين الحلبي وسعيد حيدر وسعيد العاص، وكذلك فوزي القاوقجي الذي انتقل من تركيّا إلى الحجاز ليعمل مدرّباً للجيش السعوديّ الناشىء. فالثوّار السوريّون يومها كانوا يرون في عبد العزيز بن سعود حاكماً عربيّاً ومسلماً مستقلاًّ، أرضه لم تخضع للاستعمارين الفرنسيّ والبريطانيّ ولم تطأها بالتالي قوّات أجنبيّة، وسياستُه قد توفّر لهم الدعم الذي يتيح لهم استئناف الثورة.

 

في السعوديّة…

 

وصل فوزي إلى جدّة أواخر صيف 1928، كما وصل منير الريّس ونبيه العظمة وشكيب أرسلان، أمّا نجد فلجأ إليها سلطان والأشمر والعاص ممّن طردهم البريطانيّون من شرق الأردن، وكان حظّهم من التقريب الملكيّ أقلّ من حظّ الأوّلين.

 

وفي جدّة أقام القاوقجي وأرسلان عند فؤاد حمزة، الدرزيّ اللبنانيّ الذي كان من مستشاري عبد العزيز المقرّبين. هكذا عُبّدت طريقهما إلى الملك حتّى بات يصطحبهما، كجزء من الحاشية، في زياراته وجولاته ضمن مملكته. بيد أنّ جون فيلبي، والد العميل الشهير والمزدوج كِم، والمقرّب من ابن سعود الذي اعتنق الإسلام وتسمّى بـ عبد الله فيلبي، كان يرتاب بفوزي. وبدوره كان نبيه العظمة، الذي بات يساعد القاوقجي في تدريب الجيش، يرتاب بفيلبي ويُقلقه قربه من الملك فيحذّره منه. وإلى ذلك كان عبد الله سليمان، وزير المال السعوديّ، عدوّاً آخر للقاوقجي والعظمة، كرهَ “أولئك السوريّين النافذين” عند الملك وعند نجله فيصل. وفي النهاية، غادر العظمة المملكة في 1931، بعدما أثارت انتقاداته لـ “تخلّف” الجيش استياء الملك، فبقي فوزي وحده يحاول تحديث الجيش وتوسيعه مستعيناً بفيصل على سليمان.

 

وإذ تكاثر النقّاد ممّن رأوا أنّ فيصل خاضع للقاوقجي، وفّرت الأزمة الاقتصاديّة في 1930-31 الذريعة التي يريدها سليمان لعصر الإنفاق على برامج التحديث والتوسيع العسكريّين. وما لبث أن تقلّص دور فوزي الذي شكّك بالرغبة في بناء “جيش عربيّ قويّ” يكون “في خدمة القوميّة العربيّة”، لينتهي فرداً احتفاليّاً من أفراد الحاشية الملكيّة. لكنّ أموره زادت تدهوراً مع الأنباء عن مؤامرة يدبّرها الهاشميّون في الحجاز، والتي عمل سليمان على ربطها بـ “السوريّين”. هكذا اعتُقل فوزي، فحين أُطلق سراحه انتقل إلى بغداد عبر القاهرة. لكنْ في غضون ذلك كان بنو ثقيف، وهم قبيلة حجازيّة مؤثّرة، قدّموا لفوزي إحدى بناتهم لتكون زوجة ثانية له، زوجةً أنجبت له ابنة أسماها سوريّا.

 

سوريّا أم فلسطين؟

 

في أواخر 1932 حطّ القاوقجي في العراق الذي كان قد نال استقلاله الشكليّ من بريطانيا وانضمّ إلى عصبة الأمم. يومها كان نوري السعيد، أقرب ساسة العراق إلى البريطانيّين، قد استقال من رئاسة الحكومة تاركاً للملك فيصل أن يكلّف القوميّ العربيّ ناجي شوكت تشكيل الحكومة. هناك عُيّن فوزي مسؤول الفروسيّة والطوبوغرافيا في الأكاديميّة العسكريّة، مستأنفاً ولاءه لفيصل الذي بدأه في دمشق ومتمسّكاً بالتأويل القائل إنّ فيصل لم يهجر حلم إنشاء الدولة العربيّة المرتجاة. وعلى العموم، أتاحت له علاقته بالملك الهاشميّ وبالضبّاط العثمانيّين السابقين، ممّن شكّلوا أعمدة نظامه، قاطرة للنفوذ وإن ظلّ يُضعف نفوذَه كونُه غير عراقيّ. بيد أنّ ما أمعن في إضعافه كان طلبه من فيصل إذناً للاتّصال برفاقه السوريّين في سوريّا، ومطالبته إيّاه بالدعم لحركة ثوريّة قابلة للإشعال هناك.

 

على أنّ فيصل نفسه ما لبث أن توفّي، مثيراً كمّاً من الفوضى والانقسام في دوائر السلطة العليا. وبالاستفادة من هذا الوضع حاول فوزي إحياء مشروعه السوريّ، سيّما وأنّ العلاقات ساءت بين “الكتلة الوطنيّة” وسلطات الانتداب الفرنسيّ، ومن ثمّ الاستعداد، انطلاقاً من سوريّا، لمشروع مماثل في فلسطين. لكنْ لئن كانت زيارة سوريّا مغامرة قد تزجّه في السجن، فزيارة فلسطين بدت ممكنة وآمنة. هكذا زار القدس مرّتين في 1934 و1935، في الأولى التقى بعض القادة العرب واستكشف الإمكانات الثوريّة، وفي الثانية شغلته التفاصيل اللوجستيّة وتنظيم شؤون التمويل والتسلّح. أمّا الخطّة فكانت تقضي بإعلان ثورتين في الآن نفسه، على أن تشكّل سوريّا قاعدة لثورة فلسطين تمهيداً لتوحيد البلدين ضمن الحدود الطبيعيّة للأولى.

 

وبدت التطوّرات السوريّة ملائمة لما سوف يحصل في فلسطين عام 1936. فقد تفاقم خلاف “الكتلة الوطنيّة” والانتداب بحيث أعلنت الأولى إضرابها العامّ في كانون الثاني (يناير) 1936 والذي صحبته احتجاجات شعبيّة واسعة. غير أنّ الاتفاقيّة الفرنسيّة – السوريّة دفعت فوزي إلى تركيز اهتمامه على فلسطين، خصوصاً وقد حذّره أصدقاؤه السوريّون من أيّ عمل مسلّح فيما المفاوضات جارية في باريس.

 

وبالفعل ففي أواخر نيسان 1936 بدأ الإضراب الشهير في فلسطين فزارها مجدّداً والتقى بعض أصدقائه القدامى، لا سيّما منهم عزت دروزة الذي كان ينظر إلى فلسطين بوصفها جزءاً من سوريّا الكبرى. لكنّه التقى أيضاً مفتي فلسطين، الحاج أمين الحسيني، الذي ستربطه به لاحقاً علاقة شديدة السوء والعدائيّة. ووفقاً للقاوقجي، زار الحسيني بغداد مطالع صيف 1936 كي يضمن الحصول على مساعدته في تعزيز الانتفاضة التي انفجرت قبل أشهر. بدورهما كان الأخوان السوريّان المقيمان في عمّان والأقرب إلى فوزي، نبيه وعادل العظمة، قد أنشآ علاقات وطيدة بسائر الشخصيّات الوطنيّة الفلسطينيّة، خصوصاً دروزة وأكرم زعيتر اللذين كانا يؤسّسان “حزب الاستقلال” القوميّ العربيّ، ظانّين أنّ لا أمل لفلسطين إلاّ باستقلال سوريّا. ورأت بيئة الاستقلاليّين هؤلاء أنّ تقديم فوزي كقائد عسكريّ في النضال الفلسطينيّ يعرّب القضيّة الفلسطينيّة ويكسر محلّيّتها، وهو ما بدا للقاوقجي مُكمّلاً لتوافُقه في بغداد مع المفتي بوصفه القائد الأعلى لذاك النضال. لكنّ المفتي لم يكن من المؤمنين بأنّ فلسطين جزء من سوريّا الكبرى، وهو، ومعه فلسطينيّون آخرون، بدأوا، منذ انهيار دولة فيصل في سوريّا، يعملون لبناء حركة وطنيّة مستقلّة عن الوطنيّة السوريّة. وقد كان من تعابير هذه الاستقلاليّة مشروع الحسيني، في العشرينات والثلاثينات، ترميم قبّة الصخرة والمسجد الأقصى كرمزين للوطنيّة الفلسطينيّة، معهما ترتفع القدس إلى سويّة دمشق.

 

هكذا أسّس اختلاف النظر بين المفتي الساعي إلى دولة فلسطينيّة مستقلّة عن الجوار العربيّ، والقاوقجي الذي رأى إلى فلسطين كجزء من سوريّا، لخلاف لاحق وعميق بين الرجلين. ففوزي، بعد اجتماعه بالحسيني في بغداد، نظّم 300 مقاتل تحت قيادته بينما كانت الأحداث تتوالى في فلسطين: ففضلاً عن إدامة الإضراب، أبدى بعض الفلسطينيّين رغبتهم في مقاتلة البريطانيّين لإنجاز أهدافهم. وبالفعل ظهرت مجموعات صغرى، ريفيّة في أغلبها، تهاجم الجنود والمنشآت البريطانيّة صيف 1936. أمّا القاوقجي فكان قد حصل على دعم ياسين الهاشمي، الذي أصبح في آذار (مارس) 1935 رئيس حكومة العراق، وعلى دعم عسكريّين قوميّين آخرين مقيمين في بغداد، كصبحي العمري ومحمود الهندي. كذلك تولّى منير الريّس في دمشق، وعادل العظمة في عمّان، إعادة تجنيد رفاق قدامى من عهد الثورة السوريّة، وعمل حمد صعب، وهو درزيّ لبنانيّ قاتل مع القاوقجي في الغوطة، على تجنيد شبّان دروز، فيما بدأ محمّد الأشمر، الذي عُدّ بطل الثورة السوريّة في حيّ الميدان، بتنظيم مجموعته الدمشقيّة كي تلتحق بفوزي في فلسطين. واستطاع القاوقجي أن يجنّد سرّاً أفراداً من الأكاديميّة الحربيّة في بغداد، كما سرق وثائق تتناول التكتيكات الحربيّة البريطانيّة ممّا قد يُستخدم في فلسطين، وأزياء عسكريّة ومؤناً، متعمّداً الاختلاط الاجتماعيّ بمحيط العسكريّين البريطانيّين في بغداد. وهذا، بالمناسبة، ممّا استخدمه المفتي لاحقاً ضدّه، إذ اتّهمه، بصلات مشبوهة مع البريطانيّين كان فوزي يردّ عليها باتّهام المفتي، الذي عيّنه البريطانيّون مفتياً، بالبريطانيّة.

 

موسم الهجرة إلى فلسطين

 

أرسل القاوقجي المجموعة الأولى من المقاتلين العراقيّين إلى فلسطين، وعلى رأسها ضابطان هما خالد القنواتي وجاسم الكرّادي. كانوا حوالى مئة انطلقوا يوم 6 آب (أغسطس) 1936 من كربلاء في جنوب بغداد الغربيّ. وكان يُفترض أن يلتقوا في عمّان بعادل العظمة الذي جمع لهم بعض الأسلحة والمؤن، بيد أنّهم سيُضطرّون، لبلوغ عمّان، إلى عبور مئات الأميال في الصحراء. ولأنّ حرارة الصيف على أشدّها حينذاك، اتّصل فوزي بقبيلة شمّر كي تعينهم على تحديد آبار الماء في طريقهم.

 

في هذه الغضون وُضع القاوقجي تحت الرقابة البريطانيّة في بغداد، وفي مطالع آب استقال من منصبه في الخيّالة فيما ضغط عليه الهاشمي كي يتخلّى عن مشروعه الفلسطينيّ خوفاً من البريطانيّين. وما هي إلاّ بضعة أيّام تسلّل بعدها ليلاً إلى النجف، جنوب كربلاء، حيث كان رجال قليلون ينتظرونه هناك، وجميعاً سلكوا الطريق الصحراويّ غرباً، ليصلوا، في الأسبوع الأخير من آب، إلى تلال فلسطين، غرب نهر الأردن.

 

لكنْ بينما كان فوزي لا يزال في بغداد، كان الريّس ينظّم الوحدتين السوريّة واللبنانيّة في دمشق. وبمساعدة سعيد العاص تمكّن من تجنيد شبّان من حمص وحماة بينما كان حمد صعب يجمع شبّاناً دروزاً من جبل لبنان، ومحمّد الأشمر شبّاناً من دمشق.

 

وفي أواسط آب تلاقت المجموعات كلّها في قرية سما السرحان، قريباً من المفرق الأردنيّة جنوب الحدود السوريّة. وبعد شرائها بضع بنادق عثمانيّة قديمة من خيم أقامها البدو هناك، استأنفت المجموعات تقدّمها باتّجاه الجنوب الغربيّ، بما يواكب خطّ أنابيب النفط البريطانيّة، لتعبر نهر الأردن قريباً من بيسان. لكنْ هناك ظهرت مخاوف محمّد الأشمر، الشيخ السنّيّ والدمشقيّ المحافظ، من قيادة القاوقجي، ومن القتال إلى جانب عراقيّين لا يعرفهم، سيّما وأنّ معظم هؤلاء العراقيّين من الشيعة. أمّا الريّس، وكان أصغر سنّاً وأكثر علمانيّة، فذكّر الأشمر بأنّ الشيعة “إخواننا في العروبة”، وأنّه لولا الشيعة ودروز حوران لما قامت الثورة السوريّة أصلاً.

 

في 24 آب وصلوا جميعاً إلى فلسطين حيث كانت مجموعات محلّيّة يقودها فرحان السعدي وعبد الرحيم الحاج محمّد وفخري عبد الهادي وسواهم يهاجمون سكك الحديد ويقطعون أسلاك الهاتف وأنابيب النفط، بينما كان عبد القادر الحسيني يهاجم المنشآت البريطانيّة في القدس. غير أنّ الجنود المدرّبين الذين أتوا مع القاوقجي، خصوصاً منهم العراقيّين، أضافوا تطوّراً جديداً إلى القدرات القتاليّة العربيّة. واعتبر القاوقجي، على رأس قوّة يتراوح عددها بين الـ 200 والـ 300 عنصر، أنّ المجموعات المحلّيّة مجزّأة تفتقر إلى التناسق والوحدة. لهذا كان عمله الأوّل إنشاء قيادة موحّدة وبناء جيش عربيّ. هكذا قسّم قوّاته إلى وحدات أربع: عراقيّة يقودها جاسم الكرّادي، وسوريّة يقودها محمّد الأشمر، ودرزيّة يقودها حمد صعب، وفلسطينيّة بقيادة فخري عبد الهادي. أمّا منير الريّس فرأس وحدة خامسة مهمّتها الإعلام والمعلومات والاستخبارات وإصدار البيانات. وفي 28 آب صدر البيان الأوّل الذي وعد بالنضال ضدّ الانتداب البريطانيّ والهجرة اليهوديّة، لإقامة حياة سياسيّة وانتخابيّة في فلسطين التي هي “جزء من الأمّة العربيّة”. وكان موقّع البيان هو القاوقجي بوصفه “قائد الثورة العربيّة في سوريّا الجنوبيّة”.

 

لقد رأى كثيرون من الفلسطينيّين في القاوقجي بطلاً، وكتبوا عنه أغاني وقصائد شعبيّة، معتبرين قدومه لحظة أمل وبطولة. كذلك وجد كثيرون من أبناء الطبقة الوسطى المدينيّة، الذين لم يشاركوا في القتال، تعويضهم عن التقصير بتقديم التبرّعات له بدل تقديمها لمسلّحي الأرياف المتفرّقين ممّن لم يحظوا بتقديرهم. بيد أنّ أعضاء في النخبة السياسيّة المحيطة بالمفتي رأوا في وصف فلسطين بـ “سوريّا الجنوبيّة” عدواناً عليهم وعلى بلدهم ووطنيّتهم، سيّما وأنّ القاوقجي لم يُبد، منذ وصوله إلى فلسطين، أيّ إشارة توحي الولاء للحسيني، كما ضمّ إلى قيادته فلسطينيّاً واحداً هو فخري عبد الهادي الذي صدر عن البيئة المعارضة له. فوق هذا، لم ينسّق فوزي مع عبد القادر الحسيني، قريب المفتي، الذي كان يوالي عمليّاته في القدس جنوباً.

 

أرياف ومعارك

 

ما كان أكثر تعقيداً علاقةُ القاوقجي بالقرويّين الذين دعاهم للانخراط في تنظيمه العسكريّ ومدّه بالموادّ الغذائيّة والماء. فبعض شبّانهم أشعرهم القتال إلى جانبه بالفخر والنشوة، لكنّ عائلات كثيرة استشعرت العبء الثقيل لنقل مخزونهم من الغذاء إلى التلال التي كان يعيد تخزينه فيها. وكان بعض المخاتير حريصين جدّاً على علاقاتهم الجيّدة بالبريطانيّين، فبدا صعباً عليهم أن يتضامنوا مع القاوقجي ويحولوا، في الآن نفسه، دون هجمات انتقاميّة يشنّها الجنود البريطانيّون على قراهم. وما زاد المعقّد تعقيداً إنشاء القاوقجي، بعد أيّام على وصوله، محكمة في محيط جنين تحاكم المتّهمين بالتعاون وتقتصّ منهم. والحال أنّ هذه المحكمة، ومعظم قضاتها عرب غير فلسطينيّين ممّن رافقوه في رحلته، حكمت بالموت على كثيرين كان في عدادهم رشدي البرمكي من طولكرم. فحين أُعدم الأخير رمياً بالرصاص من دون محاكمة، غادر إلى القدس الفلسطينيّ بهجت أبو غربيّة، الذي سبق أن انضمّ إلى قيادة القاوقجي، لينضمّ احتجاجاً إلى تنظيمات أخرى.

 

لقد أثار شبح الاتّهام بالتعاون مع البريطانيّين جوّاً من الذعر في عموم البيئات الفلسطينيّة. فكلّ فرد معرّض للاتّهام تبعاً لأضعف الأسباب، وكلّ جار مكروه من جاره عرضة لوشاية كاذبة. وهذا ما كان تكراراً لما شهدته الثورة السوريّة في أشهرها الأخيرة، لكنّه سيكون مقدّمة للاتّهامات التي سيتبادلها، في الأربعينات، القاوقجي والحاج أمين.

 

على أنّه بعد أسابيع قليلة على انتقاله إلى فلسطين، خاض جيش القاوقجي معارك ثلاثاً مع البريطانيّين في قرى بلعة، حيث أسقط طائرتين بريطانيّتين، وجبعة وبيت أمرين. ولئن أصدر القاوقجي، بعد معركة بلعة، بياناً يعلن فيه النصر على البريطانيّين، وينوّه بجهود قوّاته بعد تسميتها باسمها الوطنيّ (الفلسطينيّين، السوريّين، العراقيّين) أو المذهبيّ (الدروز)، اعترض السوريّون على الوصف الذي أُسبغ على القوّة الفلسطينيّة، وزعم بعضهم أنّ الفلسطينيّين انسحبوا من المعركة بمجرّد أن احتدمت. وقد أورد خضر العلي محفوظ أسبابه لما سمّاه انسحاباً فلسطينيّاً، وهي أنّ الفلسطينيّين لم يكونوا معتادين على القتال، وخافوا المدفعيّة والقصف الجوّيّ البريطانيّين، كما لم يثقوا بالقاوقجي وضبّاطه السوريّين والعراقيّين. لهذا ظنّوا أنّ فوزي قادهم إلى فخّ رتّبه مع “أبو حنيك”، أي غلوب باشا، الضابط البريطانيّ الذي كان يدرّب الجيش البريطانيّ. بيد أنّ المؤرّخة سونيا النمر تحدّثت لاحقاً إلى فلسطينيّين شاركوا في القتال ممّن نفوا تماماً رواية القاوقجي وأكّدوا على ضعف الثقة به، وهو ما تبدّد في المعارك التالية حيث قاتلوا بقيادته من دون تردّد.

 

وكائنة ما كانت الحقيقة فقد تردّت العلاقة بين الفلسطينيّين وسائر العرب، بينما راح البريطانيّون يطوّرون سياسة انتقام جماعيّ أساسها هدم البيوت وتدميرها، وقد شهدت مدينة يافا أشهر أعمال التدمير هذه.

 

لكنْ أواخر صيف 1936 أعلن الحسيني و”اللجنة العربيّة العليا” استعدادهما للتوسّط بين البريطانيّين والفصائل المسلّحة للتوصّل إلى هدنة. هذا الموقف أتى نزولاً عند إلحاح مزارعي الحمضيّات الفلسطينيّين الذين يبدأ موسم حصادهم أواخر أيلول، وبضغط من نوري السعيد، الذي عاد إلى رئاسة الحكومة العراقيّة، وعبد العزيز بن سعود. ولئن بدأ بالفعل حلّ الفِرق المسلّحة، فقد انهال الضغط على القاوقجي كي يغادر فلسطين. وبحسب الريّس، وافق فوزي ورجاله على الهدنة مبدئيّاً لاعتقادهم أنّها ستكون مؤقّتة. وهم افترضوا أنّ “اللجنة العربيّة العليا” لم تُردها إلاّ لمفاوضة البريطانيّين للحصول على تنازلات، لكنّ البريطانيّين جادلوا بأنّهم لن يفاوضوا على أيّة هدنة فيما لا تزال هناك في فلسطين قوّات مسلّحة أجنبيّة كجيش القاوقجي.

 

هكذا أصدر الأخير بياناً يعلن التقيّد بالهدنة والتوقّف عن الأعمال الانتقاميّة من اليهود الذين “يفتقرون بطبيعتهم إلى الشجاعة والفروسيّة”، ومن البريطانيّين الذين يستحقّون وحدهم عداوة العرب، في انتظار أن تسفر المفاوضات عن الحلّ الوطنيّ المأمول. وفي أواخر تشرين الأوّل عبر فوزي ورجاله إلى الأردن، بعدما انتزعت “اللجنة العليا” موافقة البريطانيّين على تمريرهم بسلام حرصاً على الاحتمال السلميّ.

 

من المسؤول عن الخطأ؟

 

لقد أساء القاوقجي تقدير الموقف البريطانيّ والتزامه بالوجود اليهوديّ في فلسطين. ففي 1936 كان قد أصبح ما يقارب ثلث سكّان فلسطين من اليهود، ما يعني استحالة تسليم البلاد إلى العرب. وقبل عام كان قد صدر قانون المواطنة في ألمانيا الذي نزع عن اليهود الألمان مواطنتهم ثمّ مُنعوا من مزاولة أيّة مهنة. وبدورهم تعامل البريطانيّون مع التوتّر المتنامي في فلسطين، لا بالتفاوض على معاهدة كما فعل الفرنسيّون في سوريّا، بل بإرسال لجنة ملكيّة، برئاسة اللورد بيل، لتقصّي أسباب الثورة. أمّا الحلّ الذي اقترحته اللجنة فتقسيم فلسطين إلى دولتين عربيّة ويهوديّة.

 

هكذا كان للاقتراح البريطانيّ الذي أغضب العرب أن أنهى الهدنة، مؤدّياً إلى استئناف العمل المسلّح في أيلول 1937 مع اغتيال الثوّار للموظّف الحكوميّ البريطانيّ الرفيع لويس أندروز.

 

لقد صبّ فوزي نقمته، في السنوات اللاحقة، على المفتي متّهماً إيّاه بإجباره على مغادرة فلسطين، وهو الدور الذي كان قد حذّره منه عادل العظمة. لكنّه لئن اعتبر المغادرة قراراً خاطئاً، فقد اعتبر أيضاً أنّ بقاءه، مع قوّاته التي تتراوح بين 200 و300 مقاتل، كان كفيلاً بدفع البريطانيّين، وهم عشرون ألف جندي، إلى تقديم التنازلات التي لم يقدّموها.

 

وبالفعل عاد معظم المقاتلين إلى بلدانهم ومناطقهم، لكنّ فوزي، على رأس عدد محدود، توجّه إلى العراق، بعدما رافقته وحدة من الجيش الأردنيّ حماية له من البريطانيّين، وفقاً لطلبه من عبد الله، أمير شرق الأردن. بيد أنّه عومل في بغداد معاملة الأبطال، فتدفّقت الوفود إلى منزله في الكرّادة ونشرت الصحافة مقالات عن بطولته في فلسطين. وهو نفسه أصدر بياناً موجّهاً إلى البريطانيّين “النبلاء”، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1936، يطالبهم بالوقوف مع الفلسطينيّين الذين يناضلون ضدّ الصهيونيّة.

 

غير أنّ التوفيق لم يحالفه مرّة أخرى. فياسين الهاشمي كان قد أُبعد عن رئاسة الحكومة قبل أيّام على وصوله إلى بغداد. ذاك أنّ بكر صدقي كان قد نفّذ انقلاباً عسكريّاً جيء بنتيجته بحكمت سليمان إلى رئاسة الحكومة. وبفعل انقلاب صدقي، وهو الانقلاب الأوّل في العالم العربيّ، أُبعد الكثيرون من قادة العراق التقليديّين الذين كانوا ضبّاطاً عثمانيّين قبل أن يحيطوا بفيصل. لكنْ إلى المنافسة بين الضبّاط والسياسيّين، عبّر الانقلاب عن الصراع بين نظرتين، واحدة قوميّة عربيّة يرمز إليها ياسين الهاشمي الذي فرّ إلى دمشق وتوفّي فيها، ومعه أخوه طه الذي كان في تركيّا عند قيام الانقلاب فبقي هناك، وأخرى تمنح أولويّتها للوطنيّة العراقيّة واحترام تعدّديّة النسيج العراقي. ذاك أنّ صدقي كان كرديّاً وسليمان كان تركمانيّاً، ما عنى انحساراً في حظوظ العروبة التي ينطق القاوقجي بلسانها، سيّما وأنّ البريطانيّين كانوا يضغطون لتقييد حركته في العراق ومنع الصحافة من نقل أحاديثه وتصريحاته عن القتال في فلسطين. أكثر من هذا، نفي فوزي إلى كركوك في 23 كانون الثاني 1937 لأنّ سكّان كركوك، بحسب برقيّة رسميّة بريطانيّة، “أتراك وأكراد ممّن يُستبعَد أن يشاركوه  أيّاً من أعماله المسيئة”.

 

محاولة انقلاب في الأردن

 

على أنّ الإقامة في كركوك لم تطفىء وهج القاوقجي في الإعلام العراقيّ الذي مضى يحتفل به كقائد للثورة في سوريّا، وخصوصاً في فلسطين. وبدورهم رفع ريفيّون فلسطينيّون  صوراً له في احتفالهم السنويّ، عام 1937، بعيد النبيّ موسى، ما أغاظ المفتي الذي كان قبلاً يحتكر هذا التكريم وحده. وشرع فلسطينيّون كثيرون، بعد انهيار التفاوض والهدنة، ينتظرون عودته بوصفه المخلّص.

 

أمّا في دمشق فانتُخب فوزي غيابيّاً رئيساً فخريّاً لـ “النادي العربيّ” الذي كان أحد التنظيمات القوميّة العربيّة في العاصمة السوريّة، والتي نشأت ردّاً على ما اعتُبر “ضعفاً” تُبديه “الكتلة الوطنيّة” حيال الفرنسيّين. وأمّا أهداف النادي المذكور، المؤسَّس في 1937، فـ “إحياء تاريخ العرب ومجدهم، وتعزيز الروابط بين كافّة البلدان العربيّة، ونشر وتوحيد الثقافة العربيّة”.

 

ولم يمض عامان حتّى أُغلق هذا النادي الذي صُنّف “تخريبيّاً ومنحازاً للألمان”، وكان الحلفاء أعلنوا الحرب على ألمانيا وفُرض حكم عرفيّ في سوريّا. لكنْ قبل إغلاقه، اتُّهم بعض أبرز وجوهه، كالقاوقجي والريّس، بالتخطيط لإطاحة عبد الله في الأردن واستخدام الأردن “جسراً لتحرير سوريّا وفلسطين”. وهي رواية أكّدتها رسالة وجّهها الريّس إلى القاوقجي في تشرين الأوّل 1937 تتحدّث عن الانقلاب وعن ضابط أردنيّ اسمه محمّد العجلوني يُفترض أن يلعب فيه دوراً أساسيّاً. إلاّ أنّ الرسائل التي تمّ تبادلها تفيد أنّ الحاج أمين كان أيضاً على علم بالخطّة، وهذا ما حمل فوزي على تسجيل الملاحظة التالية: “يصرّ المفتي على أن يكون العجلوني هو القائد بدلاً منّي. هذا لا يصحّ. الأردن يتبع شيوخ عشائره، والذي يستطيع أن يجذب شيوخ العشائر إلى صفّه هو الذي يسيطر على كلّ الأردن”.

 

وعلى رغم تزايد التحذيرات من الخطّة الانقلابيّة العتيدة، بسبب الوجود البريطانيّ، أصرّ فوزي عليها وعلى تنفيذها بمشاركة العشائر. وفيما كان في بغداد، بعد انتهاء نفيه في كركوك، حمل عادل العظمة رسالة منه إلى ابن سعود أملاً في دعمه ورهاناً على العداء القديم بينه وبين الهاشميّين. لكنّ فوزي تلقّى ردّاً “مهذّباً” من عبد العزيز، كما بات شائعاً في الأردن أنّه يُعدّ لانقلاب يقف البريطانيّون له بالمرصاد. وفي الحالات كافّة فإنّ اندلاع الحرب في أوروبا، شتاء 1939، أنهى الموضوع برمّته.

 

الألمان من جديد

 

كان لخدمته العسكريّة مع الضبّاط الألمان في شبابه، معطوفةً على العواطف القوميّة العربيّة المناهضة للاستعمارين الفرنسيّ والبريطانيّ، أن عزّزت لدى القاوقجي فكرة السعي وراء دعم ألمانيّ. وفي صيف 1936، وقبل توجّهه إلى فلسطين، التقى في بغداد، للمرّة الأولى، السفير الألمانيّ فريتز غروبّا. من تلك اللحظة حتّى سقوط برلين في يد السوفيات، صيف 1945، ارتبط مصير فوزي بذاك السفير في العراق الذي كثيراً ما وُصف بـ “لورنس العرب الألمانيّ”.

 

ويبدو أنّ القاوقجي طالب السفير بدعم ألمانيّ لحملته في فلسطين لكنّ غروبّا، الذي تعاطف معه، اعتذر عن تقديم مساعدة ماديّة. فألمانيا كانت لا تزال يومذاك حريصة على دفء العلاقة ببريطانيا. ثمّ بعد عودته من فلسطين، زار القاوقجي غروبّا، ثمّ زاره في 1938 مرّات عدّة، إثر عودته من كركوك إلى بغداد، وكانت حكومة حكمت سليمان قد سقطت وتولّى جميل المدفعي رئاسة الحكومة. ووفقاً لمذكّرات فوزي، فإنّ غروبّا أوضح له، صيف 1938، أنّ الخارجيّة الألمانيّة باتت مستعدّة لدعم التنظيمات العربيّة التي تقاتل البريطانيّين، ويبدو أنّه وعده فعلاً بمعونات ماديّة معتبرة. لكنْ في ذاك الصيف نفسه أنشأ فوزي علاقة موازية مع جهاز مكافحة التجسّس الألمانيّ. فقد التقى في بغداد هيلموت غروثكُرس الذي كان مديراً للفرقة الثانية في الجهاز. بيد أنّ اكتشاف البريطانيّين أمر المؤامرة في الأردن وكون غروبّا قد أُجبر على مغادرة العراق، لعلاقته بمحاولة لتخريب أنابيب النفط، عطّلا اتّصالات فوزي بالألمان.

 

مع عودته إلى وزارة الخارجيّة في برلين عام 1939، ثمّ سقوط باريس في يد الألمان عام 1940، صارت إحدى مهمّات غروبّا تطويع القوميّين العرب للعمل لصالح ألمانيا. فقد خطّطت الخارجيّة الألمانيّة لاتّحاد عربيّ، في ما بعد الحرب، يكون معتمداً على ألمانيا وإيطاليا، كما أيّدت برلين فكرة الجهاد الإسلاميّ ضدّ البريطانيّين والفرنسيّين والروس. وقد ركّز الرسميّون الألمان على المفتي بوصفه الأداة الصالحة لهذا المشروع، فضلاً عن دعمهم الانقلاب العراقيّ في 1941 ضدّ البريطانيّين.

 

انقلاب العراق

 

ففي 1 نيسان 1941 أقدم أربعة ضبّاط عراقيّين عُرفوا بـ “المربّع الذهبيّ” على إطاحة الحكومة الموالية للبريطانيّين وتسمية رشيد عالي الكيلاني، المناهض للندن والقريب من المحور، رئيساً للحكومة.

 

وبدوره دعم المفتي، الذي كان منفيّاً في العراق، وكذلك القاوقجي، الانقلاب. لكنْ بعد أسابيع من القتال فرّ الانقلابيّون والحاج أمين إلى إيران، فيما ذهب القاوقجي بعيداً إذ مضى في القتال. لقد فعل هذا بوصفه قائداً لـ “قوّات الصحراء” التي أنشئت “للدفاع عن العراق” في مواجهة القوّات الأردنيّة التي تقدّمت من الأردن فضلاً عن البريطانيّين.

 

وفي وقت لاحق وصف صلاح الدين الصبّاغ، أحد الضبّاط الانقلابيّين الأربعة، كيف نشأت علاقاته السرّيّة مع فوزي، وكيف امتدّت لسنوات سابقة على الانقلاب. فالصبّاغ كان مَن ساعده في 1936 في الحصول على البزّات العسكريّة والأسلحة التي استُخدمت عامذاك في فلسطين، كما التقاه عدّة مرّات حين عاد، صيف ذاك العام، إلى بغداد، وأعانه في مشاريعه الأردنيّة والفلسطينيّة. أمّا الكثيرون ممّن قاتلوا في “قوّات الصحراء” فكانوا سوريّين وفلسطينيّين منفيّين في العراق، وكان بعض الفلسطينيّين منهم موالين للمفتي الذي عمل ضابط ارتباط بين حكومة الكيلاني و”قوّات الصحراء”، كما تردّد أنّه طالب بالإشراف على الأموال التي يرسلها الألمان للثوّار لعدم ثقته بالقاوقجي.

 

على أنّ “قوّات الصحراء” خاضت معارك صغرى مع البريطانيّين في بلدات تنتشر على امتداد الفرات، وعلى الجانبين الحدوديّين السوريّ والعراقيّ، كما استولت على قلعة الرُطبة التي تبعد ثمانين ميلاً عن الحدود مع الأردن. لكنْ حين عاود البريطانيّون والأردنيّون الاستيلاء على القلعة وجدوا أنّ الكثير من محتوياتها تعرّض للنهب. ووفقاً لمذكّرات القاوقجي فإنّ رجاله لم يتركوا الرُطبة إلاّ لأنّهم تمرّدوا مُصرّين على العودة إلى بغداد، فيما لم يستطع إقناع شرطة الرطبة بتزويدهم بالغذاء والوقود.

 

على أنّ السنوات التي تلت انهيار 1941 سجّلت الكثير من الاتّهامات التي وُجّهت إلى القاوقجي بسبب الرطبة والانسحاب السريع منها، ما جلب عليه تهمة الخيانة. وكان أكثر مُتّهِميه من المقرّبين من الحسيني: فمثلاً، ربطت مذكّرات كمال حدّاد، سكرتير المفتي، بين سلوك فوزي والانتصار البريطانيّ في العراق. وبعد عامين، وفي برلين، وزّع المفتي وثيقة على العاملين في الخارجيّة البريطانيّة تتّهم القاوقجي بأنّه جاسوس بريطانيّ.

 

لقد تساءلت تلك الوثيقة الاتّهاميّة عن السرّ الذي جعل فوزي، لدى انسحابه من الرطبة، لا يدمّر القلعة، ولا يسمّم البئر بحيث لا يستخدمها البريطانيّون، وعن السبب وراء اختفائه بضع ساعات أثناء القتال، وعن علاقته برئيس الحكومة الموالي للبريطانيّين جميل المدفعي، كما طرحت تساؤلات تشكيكيّة أخرى. لكنّ المعروف، في المقابل، أنّ القاوقجي قاتل البريطانيّين في الصحراء خلال الأسابيع التي تلت الرطبة، وهذا بعدما كان المفتي قد فرّ إلى طهران بحماية الإيطاليّين. والحال أنّ فوزي لم يوقف قتاله إلاّ بعد جرح بليغ أصابه به سلاح الجوّ البريطانيّ قرب تدمر، في الصحراء السوريّة، وكان ذلك أواخر حزيران (يونيو) 1941.

 

لقد تحدّث القاوقجي عن انسحابه شرقاً عبر هيت، وكيف تردّى الانضباط بين رجاله لأنّهم، في رأيه، كانوا متطوّعين، لا جنوداً مدرّبين. بيد أنّ مذكّراته، ومذكّرات باقي الذين عاصروا المرحلة والتجربة، طمست الدور الذي لعبته السرقة والنهب كحافز على الانضمام إلى قوّات القاوقجي. في المقابل، أشارت الوثائق العسكريّة البريطانيّة إلى أنّ كافّة محطّات الضخّ على الجزء العراقيّ من طريق النفط قد نُهبت.

 

على أيّ حال، فبعد بضعة أيّام في ضواحي هيت، تقدّم فوزي ورجاله شمالاً في خطّ الفرات، متوقّفين في حديثة وعانه والحصيبة التي تقع على الحدود مع سوريّا. إلاّ أنّ الحلفاء بدأوا غزوهم لسوريّا في 8 حزيران وأنهوه في 12 تمّوز حين استسلمت قوّات فيشي.

 

إصابة فوزي

 

بعد سقوط حكومة الكيلاني ودخول البريطانيّين مجدّداً بغداد، عاد الوصيّ عبد الإله وشكّل المدفعي حكومة جديدة ثمّ اتّصل بالقاوقجي هاتفيّاً طالباً منه أن يوقف القتال ويعود إلى بغداد، لكنّ فوزي رفض قائلاً إنّ مقاتليه السوريّين والفلسطينيّين سيكونون مُهدّدين وإنّه وعدهم بممرّ آمن إلى سوريّا. وحين طلب منه المدفعي تسليم الأسلحة إلى محافظ عانه رفض القاوقجي. لكنْ في يوم المكالمة الهاتفيّة نفسه كان حمد صعب يصل من دير الزور إلى مخيّمهم في عانه ويخبر القاوقجي ورفاقه بأنّ الضبّاط الألمان في دير الزور مستعدّون لتزويدهم بالسلاح والمؤن. في الفترة ذاتها أجرى فوزي اتّصالاً بالديبلوماسيّ الألمانيّ رودلف راهن، وربّما تمّ ذلك بمساعدة من غروبّا الذي كان حينذاك في الموصل يحاول أن ينسّق إيصال المعونات للمتمرّدين العراقيّين. وراهن هذا كان قد أُرسل إلى سوريّا في أيّار 1941 كـ “ضابط سياسيّ” لمساعدة سلطات فيشي هناك. لكنْ يبدو، من جهة أخرى، أنّ فوزي فكّر بقبول عرض المدفعيّ، خصوصاً أنّه محكوم بالإعدام في سوريّا بسبب دوره في ثورة 1925، إلاّ أنّ راهن نجح في حمل سلطات فيشي على إلغاء عقوبة الإعدام بحقّه، ما فتح الباب لتعاونه مع تلك السلطات، على الحدود السوريّة مع العراق، بهدف صدّ غزو الحلفاء لسوريّا.

 

الأسابيع القليلة التي تلت قضاها القاوقجي متنقّلاً بين عانه العراقيّة ودير الزور السوريّة، ومشتبكاً بين وقت وآخر مع جنود بريطانيّين في الحصيبة والبوكمال. على أنّ الخوف على محطّات الضخّ والبنية التحتيّة لشركة نفط العراق دفع الطيران الحربيّ البريطانيّ إلى قصف القاوقجي ومسلّحيه. وبدوره أقام فوزي معسكراً له في الميادين، جنوب دير الزور، فتدفّق إليه هاربون من العراق بعد فشل الانقلاب، كعادل العظمة وأكرم زعيتر، طمأنَهم إلى انتفاء السبب لخوفهم من الفرنسيّين لأنّ جماعة فيشي هي التي تتولّى الأمور. وإذ وافق على طلب ضبّاط فيشي، الذين ربطته بهم صداقة وثيقة، أن ينتزع محطّة الضخّ المعروفة بـ تي 3 من البريطانيّين، وهي القريبة من تدمر، فقد أصيب آنذاك إصابته البالغة التي نُقل على أثرها إلى المستشفى. غير أنّ فوزي استنتج لاحقاً أنّ ضبّاط فيشي الفرنسيّين خانوه وأخبروا البريطانيّين الذين هاجم قافلته من الجوّ. ووفقاً للريّس الذي يؤيّد رواية القاوقجي، فإنّ أولئك الضبّاط ما لبثوا، مع احتلال قوّات فرنسا الحرّة دير الزور، أن كشفوا علاقتهم السرّيّة بفرنسا الحرّة. بيد أنّ وثائق المخابرات البريطانيّة ذكرت أنّها كانت تعترض التواصل اللاسلكيّ بين قوّات فيشي وتتنصّت عليه.

 

لقد قُتل في الهجوم البريطانيّ حمد صعب وسائق فوزي الذي توزّعت إصاباته الخطيرة بين الظهر والرأس، ما استدعى نقله إلى مستشفى أشدّ تأهيلاً في حلب التي كانت لا تزال مسرحاً للمعارك بين فيشي والحلفاء. ويوم 3 تمّوز 1941 نُقل القائد الجريح إلى برلين بترتيب أشرف عليه راهن بمساعدة من غروبّا. وفي العمليّة التي أجريت له هناك انتُزع من جسمه 19 رصاصة وقطعة معدنيّة. أمّا الرصاصة التي استقرّت في رأسه فتركها الجرّاح خوفاً من التسبّب بعطب دماغيّ.

 

في برلين…

 

في 1995 كتب المؤرّخ الألمانيّ غيرهارد هوبّو مقالة عن القاوقجي وحياته في برلين بين 1941 و1947، فأظهر أنّ اهتمامه بالقوّة الألمانيّة لم ينجم عن لاساميّة لديه، أو عن التزام بالإيديولوجيا النازيّة. لقد كانت طريقه إليها رغبته في تخليص الشرق الأوسط من الفرنسيّين والبريطانيّين. وقد تناول علاقة القاوقجي بمنفيّين عرب كالمفتي ورشيد عالي الكيلاني ويونس البحري، فضلاً عن آخرين أقلّ شهرة كصديقه منير الريّس. والحال أنّ المنفيّين في برلين لم يقتصروا على العرب. فهناك أيضاً عاش القوميّ الهنديّ سُبحاس شندرا بوس والقوميّ الإيرلنديّ شِن راسل مراهنَين على انتصار ألمانيّ يأتي بالاستقلال لبلديهما.

 

في البداية، كان احتكاك فوزي بالضبّاط الألمان سبباً لقناعته بأنّهم سوف يغزون المنطقة. فرومل كان يقاتل في شمال أفريقيا، وقبل أسبوعين على وصوله إلى برلين كانت ألمانيا قد غزت روسيا. لكنّنا نعرف أيضاً أنّ الحكومة النازيّة بدأت، صيف 1941، تخطّط لمحرقة اليهود الأوروبيّين، قبل ستّة أشهر على مؤتمر وانسي الذي أطلق “الحلّ النهائيّ”، إلاّ أنّنا لا نعثر في مذكّرات القاوقجي على أيّة إشارة إلى الحدث الكبير، علماً أنّه عاش في ألمانيا حتّى 1947. أمّا الصفحات القليلة التي تناولت إقامته هناك فركّزت على العالم الضيّق لمفاوضاته ومفاوضات باقي المنفيّين العرب مع الألمان.

 

مع هذا كانت أسابيعه الأولى في المستشفى البرلينيّ صعبة ومؤلمة، سيّما وقد توفّي آنذاك ابنه مجدي بمرض بقي غامضاً، وإن فسّره فوزي بتسميم الضبّاط الألمان لمجدي لأنّه، هو، لم يكن يتعاون معهم إلى الحدّ الذي يريدون. لكنّ مرارة الوفاة تراجعت مع تعرّف فوزي على فتاة ألمانيّة أُغرم بها في المستشفى ثمّ صارت السيّدة قاوقجي.

 

وعلى نفقة الدولة الألمانيّة سافر فوزي والريّس إلى باريس حيث التقيا شبّاناً سوريّين ورسميّين في سفارة ألمانيا هناك، كما اصطدما برسميّ ألمانيّ قال إنّ شرق المتوسّط سيكون، بعد انتصار المحور، حصّة إيطاليا.

 

وفي برلين، عام 1941، وضع القاوقجي تقريراً مطوّلاً لوزارة الخارجيّة الألمانيّة بعنوان “عادات وتقاليد العشائر في سوريّا والعراق”، بوصفه الخلفيّة المعرفيّة الضروريّة لعمليّة غزو ألمانيّ، مُركّزاً على العشائر التي يُقدّر أن تدعم غزواً كهذا، غزواً يُنهي الاستعمار الفرنسيّ – البريطانيّ ويضمن استقلالاً كاملاً لسوريّا والعراق. لقد تحدّث التقرير عن جبل الدروز وجبل الزاوية وجبل القلمون، مركّزاً على العشائر التي قد توالي غزواً ألمانيّاً. فوق هذا، أعدّ تقارير أخرى للألمان تستند إلى تجارب قتاله ضدّ البريطانيّين في العراق، مع تفاصيل عن المعارك والتكتيكات الحربيّة والطوبوغرافيا. وهو كان يوضح في تقاريره أنّ ألمانيا معرّضة لخسارة مؤيّديها في الشرق الأوسط إن هي امتنعت عن مساعدة حلفائها القوميّين العرب لإلحاق الهزيمة ببريطانيا في العراق.

 

الأمور ساءت مع وصول المفتي والكيلاني إلى برلين، أواخر ذاك العام، إذ استقطبا معظم الاهتمام الألمانيّ. وقد شكا القاوقجي من تجاهل المفتي له، وهي شكوى شاركه إيّاها الكيلاني. وتضاءل نفوذ الإثنين في موازاة تضاؤل نفوذ غروبّا الذي راح يشيع أنّ الحسيني يطلع مقرّبيه على أسرار العسكريّة الألمانيّة، مستشهداً بالقاوقجي والريّس. وبدوره، وفي محاولته تحطيم خصومه، بعث المفتي إلى وزير الخارجيّة الألمانيّ تقريراً يتّهم القاوقجي بأنّه جاسوس بريطانيّ، وهي التّهمة التي كان يُفرط في استخدامها ضدّ الخصوم والمنافسين. هذا التقرير، الذي يتألّف من 22 صفحة، كتبه بدري قدح الذي كان ضابطاً في “قوّات الصحراء” في العراق ومستشاراً عسكريّاً للمفتي. وذهب التقرير أبعد، إذ شكّك في أن يكون فوزي عربيّاً.

 

ولم يعرف القاوقجي بهذا التقرير إلاّ في 1946، علماً بأنّ التقرير، وفقاً لمذكّراته، ساعده على إقناع الروس، الذين سجنوه في برلين بوصفه عميلاً لألمانيا، بأنّ الألمان لا يثقون به. لكنْ في أواسط 1943 كانت محاولات المفتي قد أثمرت: فغروبّا فُصل من عمله وأُرسل إلى باريس للعمل كأرشيفيّ، وغادر فوزي وزوجته برلين إلى بيت صغير في الريف.

 

في الأسر الروسيّ

 

لقد نشأ بين القاوقجي والألمان خلاف حول وظائف المعسكر التدريبيّ الذي أراد الأوّل إقامته في أثينا، كما عجز المفتي والكيلاني، ومعهما فوزي، عن دفع الألمان والإيطاليّين إلى إصدار بيان صريح يتعهّد دعم الاستقلال العربيّ. كذلك اتّهم القاوقجي المفتي بالعمل مع برلين على إحياء الخلافة ممّا رآه عملاً سخيفاً وعديم الجدوى. والحال أنّ بعث الخلافة كان أحد الأوهام التي شرعت تعصف بالنازيّين بعد الهزيمة في العلمين والانكفاء عن ستالينغراد، على أمل كسب المسلمين في الهند البريطانيّة. وقد اختير الحسيني ليكون ذلك الخليفة، بعد إقناع عبد المجيد، آخر السلاطين الأحياء الذي كان يقيم في باريس، بتوقيع تنازل وبنقل الخلافة المزعومة إلى المفتي.

 

بيد أنّ القاوقجي وسائر العرب في برلين هُمّشوا أو استُبعدوا لتُترك الصدارة للحاج أمين. لكنْ بينما بدأ أولئك القوميّون العرب يغادرون برلين في سنتي الحرب الأخيرتين، مع اشتداد القصف عليها، بقي القاوقجي هناك لسبب غير مفهوم، اللهمّ إلاّ إذا كان هذا السبب زواجه من ألمانيّة.

 

وإذ دخل الروس، اختبأ فوزي وزوجته وطفلهما نزار ومرافقه حامد الصافي، ليقعوا، في أيّار 1946، في أيديهم.

 

ومضت فترة قصيرة قضتها العائلة في معسكر اعتقال، ثمّ استجوب الروس فوزي فكان ما أنقذه تقرير المفتي بأنّه جاسوس بريطانيّ. لكنْ خلال فترة الاستجواب التي دامت شهراً، عرف القاوقجي باستقلال سوريّا وبالدعم الغربيّ لدولة يهوديّة في فلسطين. وكان ما ضاعف آلامه وفاة ولديه نزار ويُمني بوباء ضرب برلين بعد الحرب، فدفنهما قرب أخيهما مجدي في المقبرة الإسلاميّة هناك.

 

في أواخر صيف 1946 راسل فوزي صديقيه في دمشق، عادل ونبيه العظمة، شارحاً سوء حاله وخدماته في سبيل القوميّة العربيّة، وطالباً منهما بذل الجهود كي توفّر له البعثة السوريّة في باريس جوازات سفر تتيح له ولزوجته ومرافقه الانتقال إلى فرنسا، ومنها إلى لبنان. لكنّ الوثائق البريطانيّة تقول إنّه، أواخر ذاك العام، راسل الحكومة العسكريّة البريطانيّة في برلين فأكّد أنّ سوء وضعه يدفعه إلى مصالحة البريطانيّين وطلب مساعدتهم على الهرب من القطاع الروسيّ في برلين. بيد أنّ البريطانيّين لم يستسيغوا عودته إلى المنطقة، وخصوصاً إلى فلسطين، كما شكّوا بكونه جاسوساً روسيّاً.

 

وأمكن، في النهاية، الحصول على جوازات سفر سوريّة عبر رسميٍّ يعمل في الإدارة العسكريّة الفرنسيّة ببرلين. عندها تسلّل القاوقجي وزوجته ومرافقه إلى القطاع الأميركيّ، وكان ذلك في 8 شباط (فبراير) 1947، وانتقلوا إلى بيت صديق لبنانيّ سفّرهم إلى باريس.

 

الطريق إلى فلسطين

 

في باريس كان القاوقجي كثير التصاريح، معلناً في واحدة من مقابلاته الصحافيّة: “الآن، أنا أكرّس نفسي للنضال بهدف تحرير الأرض العربيّة من ربقة الأجانب. فأنا أسيرٌ للأحداث والمصالح العربيّة، وحين يدعوني النضال إلى أيّ مكان يحتاجني فأنا جاهز لتلبية الدعوة”.

 

لكنّ حدثاً غريباً حفّ بتلك الرحلة من باريس إلى القاهرة ومنها إلى اللدّ. فالطائرة الحربيّة الصغيرة حملت ثمانية ركّاب: فوزي وزوجته ومرافقه المتّجهين إلى القاهرة، وخمسة أعضاء يعملون في الوكالة اليهوديّة بفلسطين، على رأسهم ديفيد هورويتز، مدير الدائرة الاقتصاديّة في الوكالة، وهم سيُكملون طريقهم إلى اللدّ. لكنّ الطائرة، وبطلب مُلحّ من هوروفيتز، حطّت في اللدّ قبل القاهرة، ما شكّل فرصة ذهبيّة للسلطات البريطانيّة كي تعتقل القاوقجي، لدوره في انتفاضتي فلسطين في 1936 والعراق في 1941. إلاّ أنّ البريطانيّين لم يفعلوا، إمّا لأنّهم لم يتعرّفوا إليه أو لسبب آخر.

 

والأمور في مطار القاهرة الحربيّ لم تكن سهلة. فالحكومة المصريّة رفضت دخول فوزي، لكنّ اتّصالين هاتفيّين بعزّام باشا، أمين عامّ الجامعة العربيّة، وحليم عزّ الدين، رئيس البعثة اللبنانيّة في مصر، ضمنا له إقامة لا تتعدّى الـ 24 ساعة، استطاع لاحقاً أن يستخدم علاقاته ومعارفه لتمديدها.

 

على أنّ بريطانيا كانت قد أعلنت، قبل أيّام على وصوله إلى القاهرة، عن نيّتها للانسحاب من فلسطين. هكذا حضر الحاج أمين إلى مصر في الوقت نفسه سائلاً الدعم والمؤازرة. وبطلب من فوزي، التقاه المفتي مرّتين، إلاّ أنّه لم يكترث بما أعلنه من استعدادات للقتال في فلسطين.

 

لكنّ الدراما بلغت ذروتها في محطّتها الطرابلسيّة. فقد وصل القاوقجي إلى مدينته طرابلس في آذار 1947، فيما كانت تستعدّ لمعركة انتخابيّة محتدمة تتنافس فيها عائلتا كرامي والمقدّم. هكذا استقبله الطرابلسيّون استقبالهم لبطل مخلّص، لكنّ التباري بين العائلتين المتخاصمتين، ورغبة كلّ منهما في التماهي مع العروبة من خلال القاوقجي، قلبا العرس إلى مأتم: فقد قُتل 16 شخصاً وجُرح أكثر من سبعين. أمّا هو، حين علّق لاحقاً على تلك الأحداث، فلحظ حماسة الجماهير وكيف ينبغي تحويلها في اتّجاه فلسطين.

 

العرب: القاوقجي لا المفتي

 

قضى فوزي صيف 1947 في دمشق، يستقبل الوفود والمتحمّسين لتحرير فلسطين. هناك عاش على نفقة الحكومة السوريّة كما قدّم له وزير الدفاع أحمد شراباتي فيلاّ يقيم فيها. وقد شرع آنذاك مجدّداً يُعدّ العدّة لما أسماه الجيش الشعبيّ للقتال في فلسطين، إذ كان عديم الثقة بقدرة الجيوش العربيّة على إنجاز المهمّة، فيما لاحظ تقرير بريطانيّ أنّ فساد العلاقة بين القاوقجي والمفتي يوحي بأنّ مجموعتين عربيّتين مسلّحتين ستقاتلان حين يتدهور الوضع في فلسطين.

 

لقد التقى القاوقجي، بُعيد وصوله  إلى دمشق، شكري القوّتلي، رئيس الجمهوريّة السوريّة، فقدّم له خدماته التي سيبذلها في فلسطين. وفي تشرين الأوّل 1947 دُعي إلى حضور قمّة عاليه لمناقشة الوضع الفلسطينيّ، والتي حضرها القوّتلي وصالح جبر، رئيس حكومة العراق. أمّا عبد الله، الذي لم يحضر، فحاول ممارسة تأثيره على المؤتمرين من خلال الوفد العراقيّ. والأهمّ أنّ الفلسطينيّين لم يكونوا مدعوّين، بمن فيهم المفتي.

 

ولم تكن للقاوقجي صفة رسميّة، لكنّ القادة العرب كانوا يستشيرونه ويشركونه في مداولاتهم. وهم اقترحوا إنشاء جيش من المتطوّعين العرب تتولاّه اللجنة العسكريّة التابعة للجامعة العربيّة. لكنْ ما إن اقتُرح اسم القاوقجي حتّى اعترض المفتي، الذي حضر فجأة إلى عاليه، بقوّة وإصرار. وقد جادل الحسيني، المتشكّك بالنوايا العربيّة وبدور القاوقجي، بأنّ القيادة ينبغي أن تبقى في يده، لكنّ رئيس اللجنة العسكريّة في الجامعة، اسماعيل صفوت، رأى أنّ خبرة فوزي العسكريّة تخوّله لهذا الدور. ووجد صفوت في صالح جبر، الذي رفض اللقاء بالمفتي، داعماً لرأيه. هكذا تأكّد الحاج أمين من أنّ القادة العرب، خصوصاً جبر والقوّتلي، ينوون سحب القضيّة من يد أصحابها الفلسطينيّين، فيما يقتصر الدور العربيّ، والحال هذه، على الإمداد بالسلاح والمال.

 

على أيّ حال لم يُعيّن القاوقجي رسميّاً قائداً لـ “جيش الإنقاذ العربيّ” حتّى 6 كانون الأوّل 1947، بينما استمرّ المفتي في كيده له ولمهمّته الجديدة. ولاحقاً كتب المؤرّخون الكثير عن انقسام المواقف العربيّة، السوريّة والعراقيّة والأردنيّة، تبعاً لرغبات دولها، وعن تموضع الخلاف بين المفتي والقاوقجي في السياق هذا.

 

المفتي أيضاً وأيضاً

 

في 26 أيلول 1947 أعلن البريطانيّون أنّهم سيُتمّون الانسحاب في 14 أيّار 1948، وفي 39 تشرين الثاني مرّرت الأمم المتّحدة قرار التقسيم. وأحسّ فلسطينيّون، على رأسهم المفتي، أنّ من غير المرغوب دخول الجيوش العربيّة فلسطين لخوفهم من قضمهم أرضها دون دعمهم استقلالها. لكنْ بقي الخلاف على قيادة “جيش الإنقاذ” جزءاً أساسيّاً من قصّة النكبة في 1948، وإن بسّطتْه الروايات العربيّة اللاحقة تحت وطأة الهزيمة التي طالت الجميع.

 

لقد شنّ المفتي حملة جديدة على القاوقجي في شتاء 1947، ركّزت، هذه المرّة، على الجوانب الأخلاقيّة. فهو سكّير وزير نساء وتاجر باع خدماته للبريطانيّين والفرنسيّين. كذلك سرت شائعات في دمشق، عزّزتها معلومات عراقيّة، بأنّ الحسيني يعمل على اغتيال القاوقجي ويدفع المال لذلك. ومعروف أنّ المفتي كان وراء اغتيال النقابيّ الفلسطينيّ سامي طه في أيلول من العام نفسه.

 

ووفقاً لمذكّرات طه الهاشمي، الذي كان يدعم فوزي، فإنّ المفتي صارح القوّتلي برغبته في أن يكون عبد القادر الحسيني القائد الفعليّ. وعلى العموم كان هذا الخلاف من تعابير سوء التقدير، لدى القادة العرب، في شأن المعركة المقبلة وطبيعتها. فشعورهم بالانتصار السهل كان طاغياً، بحيث انصبّ معظم اهتمام المفتي على تركيبة السلطة في فلسطين بعد هزيمة القوّات اليهوديّة.

 

ويبدو أنّ القاوقجي، ردّاً منه على أفعال المفتي بما فيها نشره التقرير القديم، أوصل إليه رسالة تهدّده بنشر شائعات مضادّة حول أموال جمعها في ألمانيا وإيطاليا في الأربعينات، وبإطلاع العرب على مشروعه بأن يغدو خليفة المسلمين. ولم يكن فوزي عديم التأييد فلسطينيّاً، إذ دعمته “جماعة نابلس” من القوميّين العرب في “حزب الاستقلال”.

 

لقد ترافق تعيين فوزي مع تنظيم شبّان فلسطينيّين جيشاً من المتطوّعين بقيادة عبد القادر الحسيني. وعلى خطّ موازٍ بدأ القوّتلي يبدي حذره من القاوقجي، وبدأ التذمّر والتذمّر المضادّ يتصاعدان من بطء الالتزام العربيّ بالتدريب والتموين، سيّما وأنّ الحرب، هذه المرّة، نظاميّة، على عكس ما كانته في 1936، ما يستدعي أيضاً دفع مرتّبات للجنود. والنواقص هذه كان يكمّلها تردّد الجامعة العربيّة، وطقس بارد وممطر على نحو استثنائيّ، وانتشار الكوليرا في دمشق، حيث تُفتح المكاتب ويتمّ التدريب، فضلاً عن اعتراض القائد الفلسطينيّ الأوّل على ما يجري.

 

مع هذا ظهرت حماسة لـ “جيش الإنقاذ” فافتُتحت مكاتب تدريب في بغداد والقاهرة، وتطوّع أبناء عشائر من الأردن والعراق وسوريّا، بل وصل أفراد من تونس والمغرب ونجد، وسط احتفال وحماسة إعلاميّين. بيد أنّ عدد المتطوّعين لم يتجاوز الأربعة آلاف معظمهم سوريّون وعراقيّون، كما أنّ كثيرين كانوا يعودون أدراجهم بسبب قلّة التموين أو عدم دفع المرتّبات، بينما تذمّر آخرون من نقص التدريب بسبب قلّة المدرِّبين. هذه العوامل مجتمعةً أدّت إلى انعدام التنسيق وغلبة المبادرات العسكريّة الخاصّة لقادة الفِرق. هكذا مثلاً تصرّف الضابط السوريّ أديب الشيشكلي، الذي حكم سوريّا لاحقاً، على هواه، بينما تمسّكت الفرقة الدرزيّة الصغيرة التي يقودها شكيب وهّاب باستقلالها عن القيادة المركزيّة.

 

وكان للبرقيّات التي تمّ تبادلها بين القاوقجي وقادته في نيسان وأيّار أن كشفت القلق الذي ساورهم بسبب نقص التموين وتردّي المعنويّات، وهذا فيما راحت تسقط في أيدي الهاغانا كبريات مدن فلسطين، كطبريّا وصفد وعكّا وحيفا ويافا. وهكذا اختلفت البرقيّات عن تلك التي كان يتمّ تبادلها في كانون الثاني وشباط، حيث ساد الاهتمام بتأمين اللوجستيّات وباقي الشروط، وإن تحدّثت بضع برقيّات عن مقاتلين كانوا يخمرون ويطلقون الرصاص في الهواء، مثيرين احتجاج القرويّين الفلسطينيّين وكاشفين عن استياء بعض الوجهاء من ضبّاط “جيش الإنقاذ”.

 

وبدورها ذكرت برقيّات قليلة أخرى أنّ ثمّة قادة فلسطينيّين انضمّوا إلى “جيش الإنقاذ” رفضاً منهم للمفتي، كما نقل ريفيّون فلسطينيّون تذمّرهم لقادة ذاك الجيش لأنّ الفلسطينيّين الذين يقودونهم خصوم لعائلاتهم. وإذ عبّر القاوقجي غير مرّة عن استيائه من عدم سيطرته على المجريات العسكريّة والسياسيّة، فقد ساد في الجانب العربيّ عموماً ميل إلى تضخيم عدد القتلى من الأعداء. وهذا ما كان جزءاً من استراتيجيّة عمل الجميع بموجبها، بهدف رفع معنويّات الجنود والرأي العامّ. وكانت الصحف العربيّة بدورها تضخّم الانتصارات العربيّة والخسائر اليهوديّة. لكنْ في ما بعد، مع تكشّف الحقائق، كان لتلك الممارسات أثر معاكس، إذ عمّت السخرية من الجيوش العربيّة و”جيش الإنقاذ” معاً.

 

قبل ذلك، كان لا بدّ من موافقة أردنيّة على عبور “جيش الإنقاذ” إلى فلسطين. لكنّ مواقف عبد الله، وقد صار ملكاً، بدت مكمّلةً للوحات الغرابة المحيطة بالحرب. فحين التقاه القاوقجي في 4 آذار أسرّ له الملك بأنّ لا ثقة لديه بالقوّتلي الذي “يقف ضدّ الوحدة السوريّة”، كما أخبره أنّه مستعدّ للقتال من أجل فلسطين لأنّه يريدها جزءاً من شرق الأردن. ذاك أنّ الأردن بحاجة إلى ميناء، وحيفا صالحة أن تكون هذا الميناء.

 

ولاحقاً ذكر مؤرّخون أنّ القاوقجي كان يخوض معركة عبد الله ضدّ القوّتلي، وإن أكّد آخرون على حياده وحياد قتاله عن الصراعات العربيّة. وفي الحالات جميعاً، كان الأردنيّون وغلوب باشا شخصيّاً من أمّنوا عبوره إلى فلسطين، الأمر الذي فُسّر بوجود رغبة بريطانيّة، من بين رغبات أخرى، في انتصار عربيّ ما. لكنّ المؤكّد أنّ إلرِد كلايتون، المستشار الخاصّ لرئيس القّوات البريطانيّة في الشرق الأوسط، المقيم في القاهرة، كان متحمّساً لقيام دولة فلسطينيّة. بيد أنّ أغلب الموظّفين البريطانيّين في المنطقة تعاطفوا مع تسليم عبد الله أمر عرب فلسطين.

 

في هذا المناخ السياسيّ عبر القاوقجي وجيشه، إلا ّأنّ المناخ الطبيعيّ كان أسوأ، فتحطّم أكثر الشاحنات والسيّارات التي تنقل الرجال والمؤن، ما أثار مبكراً جوّاً من التشاؤم المُقلق. وتتابعت المصاعب التي لا بدّ من مواجهتها، كضبط الأمن ووقف السرقات، وعلاج المتطوّعين الذين أصيبوا بنزلات صدريّة، ومكافحة دعايات المفتي الذي طالب الفلسطينيّين بعدم التعاون مع القاوقجي، فحاول الأخير إغراءهم بالمال والبزّات العسكريّة. لكنْ لوحظ أيضاً أنّ “جيش الإنقاذ”، الذي تمركز في الشمال، لم يصطدم بأيّ موقع عسكريّ بريطانيّ فيما كان البريطانيّون يتهيّأون للجلاء.

 

أمّا أولى المعارك التي خيضت فكانت قصف مستعمرة مِشمار هايمِك، وكان عفيف البزري ضابط مدفعيّته. لكنْ لم يخل الأمر من أصوات تقول إنّ القاوقجي حرّك تلك الجبهة لأنّ عبد القادر الحسيني كان يسرق ضوء المقاومة وحده. وهذا لم يُلغ تحليلاً آخر يقول إنّه إنّما حاول تخفيف الضغط عن الحسيني. على أنّ جنوده ما إن دخلوا المستعمرة، إثر قصفها، حتّى انسحبوا منها بذريعة الطقس ونقص الإعداد للقتال ليلاً.

 

وفي نيسان قُتل عبد القادر في معركة القسطل التي تلقّى القاوقجي في أثنائها مناشدات بالتدخّل. لكنّ فوزي لم يفعل ما يكفي وما هو مطلوب لأنّ دمشق طالبته بأن لا يتدخّل في عمليّات عبد القادر.

 

لقد أدّى مقتل الأخير إلى انهيار في المعنويّات الفلسطينيّة، وظهرت مناشدات للقاوقجي بأن يتولّى القيادة بما يحول دون سقوط القدس. وإذ استجاب بقصف القدس الغربيّة، تدخّل البريطانيّون وهدّدوه بالتدخّل. بيد أنّ مذبحة دير ياسين، في 9 نيسان، التي أودت بالمئات وأطلقت موجة نزوح فلسطينيّ كثيف، رافقها تقدّم يهوديّ نحو مواقع القاوقجي التي سقطت في 15 نيسان، كما قُتل أحد أبرز معاونيه، مأمون البيطار. والحال أنّ القاوقجي بقي متمسّكاً بالهدنة التي عقدها مع الهاغانا بعد المواجهة الأولى، فيما لم تحترمها الهاغانا.

 

لكنّ المعركة في مِشمار هايمِك ومحيطها لم تخلُ من مناشدات لدمشق كي تزوّد المقاتلين بالذخائر، مناشداتٍ بقيت من دون استجابة بينما كان بعض المقاتلين غير المدرّبين يفرّون من ساحة المعركة. وعلى عكس ما حاول قوله القاوقجي لاحقاً، حين عدّ تلك المعركة انتصاراً، فإنّ ما حصل كان كارثة محقّقة. ففي أعقابها انتقل الييشوف من الحصار والدفاع إلى الهجوم، كما دُمّر عدد من القرى الفلسطينيّة.

 

وبالفعل شاعت روايات كثيرة، بعضها إسرائيليّ، تتّهم فوزي بالتواطوء مع الهاغانا، وتوحي بأنّه فعل ما يقارب فعلة شكيب وهّاب الذي أوحى لبعض مقاتليه بالانتقال للقتال في صفوف الهاغانا.

 

سقوط يافا و… النهايات المُرّة

 

في النصف الثاني من نيسان والنصف الأوّل من أيّار سقطت نهائيّاً مدن طبريّا وصفد وعكّا وحيفا ويافا، وانهارت معها المعنويّات الفلسطينيّة ومعنويّات “جيش الإنقاذ” فيما كانت تنفجر موجات الطرد والنزوح. وبدأ القاوقجي يطالب دمشق بإرسال موادّ غذائيّة، فيما يطالبه بعض وجهاء القرى بمنع الشبيبة من النزوح ودفعها للبقاء والقتال. وفي مناخ الانهيار هذا، وخوفاً من المجاعة، فاوض بعض القرويّين القوّات اليهوديّة متعهّدين عدم المقاومة، مقابل تمكّنهم من الوصول إلى حقولهم.

 

“جيش الإنقاذ” نفسه بدأت تفرّ منه أعداد معتبرة من مقاتليه، كما راح بعض أفراده يبتزّون القرويّين الفلسطينيّين ويهدّدونهم طمعاً بانتزاع أموالهم القليلة. وفي يافا خصوصاً بلغ الاستياء من ذاك الجيش حدّ العداء زالكراهية، واتُّهم ضبّاطه السوريّون والعراقيّون بالتعالي على الفلسطينيّين واحتقارهم. وبدورها تفسّخت وانهارت قوّة هذا الجيش في يافا بينما كانت الهاغانا توالي هجومها.

 

ومع اكتمال الهزيمة حاولت الخارجيّة السوريّة مصالحة المفتي، الذي كان في القاهرة، والقاوقجي. وقد استجاب الإثنان “رسميّاً”، لكنّ المصالحة تأخّرت كثيراً. فالمعارك الضارية التي خاضها فوزي في الشمال، للسيطرة على طريق القدس، لم يعد في وسعها تعديل توازن القوى المنهار.

 

ففي 14 أيّار انتهى الانتداب، وفي 15 أُعلنت دولة إسرائيل ودخلت الجيوش العربيّة فلسطين وسط التعويل على أنّها ستستعيد المفقود من الأراضي. في هذه الغضون كان قد بقي ما بين ألف وألفين من “جيش الإنقاذ”، فيما مضى فوزي في مناشداته للحصول على الدعم والمؤن، مقدّماً استقالته مرّتين لعزّام باشا الذي رفضها. وقد خيضت آنذاك معارك صغرى أهمّها معركة قرية المالكيّة التي حال تنسيق الجيشين السوريّ واللبنانيّ و”جيش الإنقاذ” دون سقوطها. لكنّ الميليشيات التي صار اسمها “جيش الدفاع الإسرائيليّ” ما لبثت أن استولت على اللدّ والرملة والناصرة، فضلاً عن عشرات البلدات والقرى الأصغر. واستمرّ الكرّ والفرّ هنا وهناك حتّى كانت “عمليّة حيرام” في أواخر تشرين الأوّل التي أكملت السيطرة الإسرائيليّة على الجليل. هناك حصلت مقاومة ضارية من القرويّين ومن “جيش الإنقاذ” الذي سقط منه مئتا قتيل وأُسر آخرون. وبعد مذابح متفرّقة أنزلها الإسرائيليّون بالسكّان المحليّين، انسحب القاوقجي ومقاتلوه إلى النبطيّة في لبنان. لكنْ بعد أيّام حُلّ “جيش الإنقاذ” وأعفي القاوقجي من مهمّاته، وقُسّمت فلسطين التاريخيّة بين إسرائيل والأردن ومصر.

 

المفتي أقام في غزّة “حكومة عموم فلسطين”. القاوقجي، بعد 1948، عاش في شقّة متواضعة في بئر العبد، جنوب بيروت. لقد وفّرت له السعوديّة إعانة ماليّة بسيطة مقابل تدريبه جيشها في الثلاثينات، كما قدّمت له الحكومة اللبنانيّة إعانة أخرى بوصفه مستشاراً عسكريّاً. لقد راسل شكري القوّتلي عام 1957 طالباً مساعدة تعادل “معاش منظّف الأرض في قصرك”، ولم يُجبه القوّتلي. إبّان الحرب اللبنانيّة انتقل إلى العيش في فردان الأكثر أمناً. بعد أشهر فقط، وتحديدا في 15 كانون الأوّل 1975، مات فوزي القاوقجي. زوجته الألمانيّة أناليس قالت إنّها سمعته قبيل وفاته يتحدّث بالتركيّة، كما لو أنّه يتناقش مع ضبّاط زملاء في الجيش العثمانيّ. الدفن كان في طرابلس بحضور ممثّل عن منظّمة التحرير الفلسطينيّة اسمه أبو طعّان.

درج

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى