مراجعات كتب

سيرة الجهادية الشامية في السبعينات والثمانينات/ حسام جزماتي

 

 

مذكرات أيمن الشربجي وثيقة بالغة الأهمية لقراءة تجربة تنظيم «الطليعة المقاتلة» الذي فجّر «الأحداث» في القرن الماضي. فمؤلفها من قدامى أعضاء التنظيم، ثم أميره في دمشق، فقائده العام حتى قُتل. ظهرت المذكرات على حلقات على الإنترنت عام 2010، ثم جُمعت في ملفات عديدة بعناوين مختلفة، حتى صدرت عام 2017 في كتاب مطبوع بعنوان محايد هو «على ثرى دمشق»، خلافاً للذي كان صاحبها قد وضعه وهو: «تاريخ العمل المسلح في مدينة دمشق».

وقد أبدى السوريون، ولا سيما منذ اندلاع الثورة، رغبة كبيرة في فهم هذه المرحلة الدموية من تاريخهم، بعد أن احتكرت السلطة تقديمها بشعارات عامة في تجريم «عصابة الإخوان المسلمين» الذين تهرّبوا، عملياً، من رواية قصة تلك السنوات كذلك، فيما قُضي على تنظيم «الطليعة» وتفرّق من نجا من أعضائه.

بدأت الحكاية مع مهندس زراعي حموي هو «الشيخ مروان حديد»، انتمى مبكراً إلى الإخوان المسلمين وكان دائم الدعوة، في إطار الجماعة، إلى تنفيذ الجملتين الأخيرتين من شعارها «الله غايتنا, والرسول زعيمنا, والقرآن دستورنا, والجهاد سبيلنا, والموت في سبيل الله أسمى أمانينا». ولذلك قاد تمرداً مسلحاً ضد حزب البعث، في مدينته حماة، في ما عُرف بأحداث جامع السلطان، عام 1964. وبعد نجاته من حكم بالإعدام، إثر ذلك،  قرر تحريض شباب الجماعة على الجهاد، وعمل على تدريب من اقتنع منهم في مخيمات الفدائيين الفلسطينيين، مشكلاً كتلة غير واضحة الحدود كان أعضاء التنظيم العام يطلقون عليها «جماعة الشيخ مروان»، فيما يقول المقدّم المجهول لكتاب الشربجي إن النشرات الداخلية لهذه المجموعة كانت تحمل توقيع «الطليعة المقاتلة لجند الله»، وهو اسم يجمع مصطلح «الطليعة» الذي يتردد كثيراً في كتابات سيد قطب، ووصف «جند الله» الذي هو عنوان كتابٍ منهجي وضعه للإخوان السوريين منظّرهم الحموي الشيخ سعيد حوى، القريب من حديد.

في عام 1973 سيلعب الشيخان دوراً مركزياً في الاعتراض على الدستور الدائم للبلاد الذي طرح للاستفتاء وبدت فيه معالم العلمانية فخلا من تحديد دين رئيس الدولة. سيكتب حوى فتوى برفض الدستور ويجمع عليها تواقيع معظم مشايخ دمشق وحلب وحماة وحمص، مما سيؤدي إلى اعتقاله. أما حديد فسيلقي خطبة حادة في تكفير حافظ الأسد ودستوره ووجوب الجهاد ضده، ويتوارى عن الأنظار متفرغاً لتحويل مجموعته إلى تنظيم مسلح متمايز عن جماعة الإخوان، وإن استقطب أكثر أفراده من أعضائها.

في دمشق سيصبح المنزل الذي توارى فيه الشيخ مروان، في حي العدوي، محجاً لمريديه القدامى ولآخرين يميلون إلى التوجه الجهادي. ومن هؤلاء شاب من حي الميدان، هو أيمن الشربجي، نشأ على التدين في جامع الدقاق، وتعرّف إلى حديد وانتسب إلى تنظيمه المسلح قبل أن يتم عامه العشرين.

عام 1975 ستصل السلطة، عبر أحد المخبرين، إلى مخبأ الشيخ وتعتقله، قبل أن يستكمل خطة العمل التي وضعها من أربع مراحل: التعريف الفكري؛ الاستيعاب التنظيمي؛ الإعداد والتدريب؛ الصدام مع النظام. وإثر دخوله السجن، ثم مقتله/وفاته فيه، سيقود المجموعة طبيب أسنان حموي من أوائل المتأثرين بدعوته هو عبد الستار الزعيم. وفي عهده سيأخذ التكتل الهلامي نسبياً شكل تنظيم سري صارم، وسيتبنى استراتيجية حرب عصابات المدن طويلة الأمد، وسيصدر بيانه الأول بالاسم المؤدي للالتباس «الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين».

يشرح الشربجي أن سبب ورود اسم الجماعة الأم في تعريف التنظيم المسلح لنفسه هو تحديد مرجعيته الفكرية، دون أي ارتباط تنظيمي. غير أن هذا لن يعفي الجماعة من تبعات مسؤولية هذا الوليد أمام السلطة وأمام الرأي العام، ولا سيما حين رأت نجاح عملياته وشعبيتها في أوساط سنّية مدنية، وفعّلت خطوطها معه لدعمه مقابل الحصول على ولائه وإعادة استقطابه.

مع عبد الستار الزعيم انتقلت قيادة التنظيم إلى حماة، وقسّمت سورية إلى ثلاثة قطاعات تقود كل منها لجنة عسكرية، هي قطاع حماة وحمص، وقطاع حلب وإدلب ودير الزور والساحل، وقطاع دمشق وريفها. أما عملياً فكانت المدن النشطة هي حماة وحلب ودمشق، على الترتيب.

بدأ التنظيم بتنفيذ الاغتيالات في حماة منذ 1976. واستهدف من استطاع الوصول إليه من مسؤولي النظام العلويين. إذ كان أبرز منطلقات «الطليعة» أن النظام «نصيري»، وبالتالي فإن الشخصيات السنّية فيه لا قيمة لها و«غير ثابتة في السلطة، فهي عرضة في أي لحظة للتغيير والتبديل، وعلى هذا فسيقتصر عملنا على الرؤوس المدبرة في السلطة السياسية، والجيش، والمخابرات»، كما ينقل الشربجي عن الزعيم.

بعد التشديد الأمني في حماة، إثر عدد من الاغتيالات، سينتقل المنفذون إلى العاصمة حيث كان فرع التنظيم يتوسع ببطء. وهناك سيفتتحون نشاطهم بإطلاق رصاصات مميتة على رئيس جامعة دمشق الدكتور محمد الفاضل، «مستشار رئيس الجمهورية للشؤون القانونية… وأحد العقول المدبرة في الطائفة النصيرية»، كما كتب الشربجي الذي يصف العملية بدقة ويسمّي منفذيها، كما هي عادته في مذكراته الزاخرة بالعمليات وتفاصيلها.

سيستمر التنظيم في سياسة «اضرب واهرب»، بالاغتيالات والعبوات المحدودة، محاذراً الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في ظل الاختلال الكبير في ميزان القوى، حتى صيف 1979. فقد كانت ظروف الملاحقة والاعتماد على المراسلين الشخصيين وصعوبة اللقاءات قد دفعت الزعيم إلى إعطاء الفروع صلاحية واسعة في اختيار الأهداف والتنفيذ، فكان من قيادة حلب أن «اجتهدت» في مجزرة مدرسة المدفعية، والتي لم يكن الزعيم نفسه يعلم بها، معلقاً بقلق: «نسأل الله أن يجعل العواقب إلى خير»، مشدداً من جديد على عدم التصعيد.

سيُقتل عبد الستار الزعيم بعد وقت قصير، وسيخلفه عدد من القادة الحمويين الذين سيلقون حتفهم تباعاً كذلك. وستتصاعد دائرة العنف المتبادل في حلب وحماة، وصولاً إلى مجزرة 1982 في الأخيرة، عندما لن يبقى من «الطليعة» إلا فرع دمشق الذي آلت إليه الأمور. سيحافظ الشربجي على تنظيمه بدقة «اليد التي لا تخطئ» كما وصفه خصمه المباشر محمد ناصيف، رئيس فرع الأمن الداخلي في إدارة المخابرات العامة. يقول مقدّم الكتاب إن التنظيم في دمشق كان، بعد مجزرة حماة، في وضع من القوة لم يصل إليه من قبل، ولديه كوادر مؤهلة لإحياء فروع المحافظات الأخرى، لكن محدودية الإمكانات المادية الذاتية جعلته في حاجة إلى دعم الإخوان الذي لم يأت. بلهجة أقل حدّة من لهجة عدنان عقلة، قائد «الطليعة» في حلب قبل سنوات، سيرسل الشربجي رسالة عتاب مريرة إلى قيادة الجماعة في الخارج، منشورة في الكتاب، وسيحرص على تسيير الأمور وفق المتاح وفي حالة سبات، إلى أن يُقتل في كمين عام 1988، ويتولى القيادة بعده عاطف القهوجي حتى قُتل، أيضاً، عام 1990.

تقدّم مذكرات الشربجي نمطاً من «الطليعة» يختلف عن صورتها المعروفة في حماة وحلب، حيث تحول التنظيم إلى حركة شعبية، في حين ظل محدود العدد في دمشق بسبب تشدده في معايير العضوية. وربما بسبب ذلك نلاحظ، من السير الكثيرة التي يوردها القائد لمن قُتل من رفاق دربه، أن التنظيم توسع بحذر عبر التوثق الشخصي في بؤرتين أساسيتين هما حي الميدان ومحور ركن الدين-المهاجرين. كما يظهر أنه قام على أبناء عائلات محافظة من الطبقة الوسطى، من مواليد منتصف الخمسينات غالباً، كثير منهم طلاب في كليّتي الهندسة والطب.

في معلومة مفاجئة يكشف مقدّم الكتاب أن آخر مجموعة من «الطليعة» بقيت في دمشق حتى 1997، إلى أن خرجت من البلاد في نهاية ذلك العام بعد مفاوضات، لا يفصح عن تفاصيلها، مع أحد الأجهزة الأمنية. وعندها سيقول ضابط المخابرات الشهير هشام بختيار: «هلق ارتحنا وارتاحوا».

لكن لا أحد في سورية المعاصرة سيرتاح كما يبدو… ففي صيف 2012 سيُقتل بختيار بتفجير «خلية الأزمة»، وسيُنشر على يوتيوب تسجيل مصور يعلن فيه عشرات الشبان المسلحين الملتحين، بعصائب سوداء، عن تشكيل «كتائب الطليعة المقاتلة»، والتي حملت أسماء حديد وعقلة وسواهما.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.