الناس

عازف الناي: من النظام إلى داعش إلى قسد/ ملكة العائد

 

 

عازف الناي حكاية شاهدناها على التلفزيون عندما كنا أطفالاً. رجلٌ غريب يأتي إلى قرية، ولديه ناي سحري. يستخدم أهلُ القرية العازفَ للتخلص من غزو الفئران التي وصلت إلى عدد كبير دمر حياتهم وحقولهم. يعزف الرجل لحناً يجعل الفئران تتبعه، وتسلك طريقاً يؤدي بها إلى النهر، بحيث تسقط كلها هناك وتموت.

لكن أهل القرية أخلُّوا باتفاقهم مع عازف الناي، ولم يعطوه ما وعدوه، فعزف الرجل لحناً ثانياً جعل كل أطفال القرية يتبعونه إلى الأبد، وإلى جهة مجهولة.

في الرقة، في نهاية شارع الوادي الذي يقابل بيتنا، وصولاً إلى «دوار تل أبيض»، كنتُ أراقب أحد عناصر داعش يتوسط حلقة كبيرة من الأطفال الصغار.

كان عازفَ نايٍ من نوع آخر، يجرُّ وراءه أطفالاً غارقين في لحن نايه بذهن غائب وعيون حالمة. ذلك التونسي الداعشي الذي أنهى حفل تقديم جوائز لأطفال واقفين متحلقين حوله ليجيبوا عن أسئلة دينية بأغنية تعتمد على لحن وكلمات وصوت ولهجة حجازية: «الله أكبر تجلَّت، في سما الكون هلَّت، منها الكفر ذلَّت، راية الحق يحملها الرجال الشداد».

مثل هذه المشاهد كانت تتكرر كل فترة في أحد الشوارع. وكان «عازف الناي» يمشي على طول الشارع ويغني بصوت عال، مُلحَّن، ويمشي الصغار خلفه ويرددون. يسير في الحارات الفرعية، فيبهرُ المشهدُ أطفالاً آخرين فينضمون إليهم، ويلحقون بصاحب اللحن، الذي يتمايل رأسه مع اللحن. يستدير «العازف» كل حين لينظر إلى جمع الأطفال خلفه وينادي: تكبير، فيردُّ الجمع بصوتهم الطفولي: الله أكبر، ويتابعون ترديد الأغنية خلفه، التي تصور جنودهم أبطالاً أسطوريين. هذه الصورة تكبر أكثر في مخيلة الأطفال الحالمين، المسحوقين من رهبة الحرب، وأصوات الطائرات. تصبح هذه الصورة هي المعادل الوحيد في أذهانهم لما يمكن أن يهزم شبح الحرب والهزيمة. ويستمر لحن الناي في جرهم حتى يصلوا إلى الهاوية التي يرون صورتهم الأسطورية فيها، ولا يرون قاعها المظلم.

عازفُ الناي تبدّل، وتغير اللحن من أغنية الأبطال الأسطوريين المتشحين بالسواد وفوضى الهيئات التي لا يخيفها الموت. أصبح صاحب اللحن الأول، وعازف الناي، هو أغنية تتردد خوفاً من ظهور داعش، من دخولهم إلى المدينة مرة أخرى، أو خروجهم من الأنفاق حاملين سكاكينهم ليذبحونا.

نمشي الآن، ويمشي الأطفال، وراء العازف الجديد لنبتعد عن أشباح داعش. نتخيل وجودهم بين أكوام الدمار، في الشبابيك المظلمة، وفي بقايا البيوت المهجورة.

تلك الإشاعات تظهر كل فترة، وتختفي حسب حركة الشارع وانضباطه الأمني. ومع خروج مظاهرات سلمية مدعومة من قبل «لواء ثوار الرقة»، في شهر حزيران الماضي، تطالب بخروج «البي كي كي» من المدينة، بلغت هذه الإشاعات ذروتها بالقبض على عناصر متخفين في مكان ما، إلى إشاعة أخرى تتحدث عن دخول عناصر من داعش إلى المدينة. على إثر ذلك، تمت إذاعة بدء حظر تجول يمتد لأيام، وحصار تام للمدينة بمنع الدخول والخروج منها إلى الريف. وبهذا تمّ حصار «لواء ثوار الرقة» خارج حدود المدينة للتفاوض معهم على الانضواء تحت قيادة «قوات سوريا الديمقراطية»، ليكونوا جزءاً من «قسد»، أو تصيفتهم بذريعة وجود داعش داخل المدينة.

هذا ما كنتُ أفكر به وأنا جالسة في شرفة المنزل، بينما أقوم بتشغيل كشّاف الموبايل لأُنير المكان من حولي، وأطمئن لعدم وجود شيء في الشقق المُدمَّرة المحيطة بي.

تلك الإشاعات، وبالرغم من أن أغلب الناس يدركون سببها وغايتها، كانت تترك أثرها كأشباح الحكايات. وحتى عناصر «قسد» الذين انتشروا في المدينة، وعلى الحواجز، بدا الخوف في نظراتهم المضطربة من ظهور داعشي يفجّر نفسه فجأة على أحد حواجزهم. ومع بدء فرض حظر التجول، وإغلاق السوق، ظل الناس واقفين أمام الأفران للحصول على الخبز قبل الالتزام بالحظر، الذي لم يستمر بسبب خروج الناس المتكرر للحصول على الماء على الأقل، فهم لم يعتادوا أن يبقوا في المنازل عندما كانت الطائرات تقصف فوق رؤوسهم في الشوارع، فهل تلزمهم بذلك فكرة وجود عناصر من داعش، ومجرد حظر تجول. لعل الخوف الوحيد كان من افتعال مسرحية اشتباك لتأكيد الشائعة يذهب ضحيته مدنيون، وعناصر من «قسد» تم إقناعهم بوجود داعش ليتصرفوا بجدية الخوف. فإيجاد فوضى مفتعلة للتخلص من «لواء ثوار الرقة»، ونَسبِ ذلك إلى داعش. ويمكن أن يكون هدف الإشاعات إعادة «تربية» الناس المدنيين في الرقة، الذين بدأوا حراكاً سلمياً. يقول أحد الهافالات لزميله بعد خروج هذه المظاهرات: «ناس ما تستاهل الحرية… كان لازم نخلي داعش كمان خمس سنين… بلكي يتأدبوا».

بعد جلوسي لفترة أراقب شبكة النت، ظهر فجأة أمامي ضوء في الطابق الأرضي لإحدى هذه المباني المهجورة. ظهر الضوء واختفى عدة مرات، بما يوحي أن شخصاً كان يخرج من إحدى الغرف ويعود إليها. تسارعَ نبضي، وشعرتُ بما يشبه هبوط الضغط. الساعة متأخرة، والظلام دامس، والمنزل وكلّ ما حوله مهجور، فماذا يمكن أن يكون هذا غير «داعشي»؟ تمالكتُ نفسي، ووجهتُ ضوء الموبايل في اتجاه مصدر الضوء، فظهر الضوء من جديد. أصبح أكثر سطوعاً، وكأنه صعد على سطح المطبخ المتصل بالشرفة. وأخذ يقترب مني أكثر، بهدوء وبطء. وشيئاً فشيئاً ازداد عدد الأضواء، وازاد خوفي. أعرف أن مكاني مرتفع بالنسبة لهم، وتفصلنا مسافة فارغة مليئة بالأنقاض، ولا مجال لأن يصلوا إليَّ. ورغم خوفي، بقيتُ في مكاني، فأنا مصرّة على رؤية عناصر داعش هؤلاء الذين ظلّوا حتى الآن مجرد إشاعات متناقلة، فلم يتم تصويرهم، أو عرضهم في الشارع، مثلاً، لنتأكد من وجودهم. ولم يقل أحد من المدنيين إنه شاهدهم، أو شاهد من يقبض عليهم.

استمرّ تقدّمُهم، يمشون خلف أضوائهم الكشافة بالترتيب، ووراء بعضهم. لم أرتِّب في ذهني كيفية تعاملي مع اللحظة الأولى التي تتكشف فيها هيئاتهم أمامي، فأنا غارقة في صورة الشبح حالياً، ولم أخطط لشيء. أتابع اقترابهم مني، أو من المكان. اقتربوا أكثر حتى أصبحوا على بعد مترين، وانعكسَ عليهم ضوء شبّاكَيّ جارينا العجوزين، فانطفأت أضواءُهم التي كانت تلمع في الظلام، وتدلُّ عليهم، ليصبحوا ظاهرين تماماً. كانوا ستة أشخاص واضحين تحت الضوء، واحدٌ كبير، وخمسةٌ أصغر. كانوا قطة كبيرة وجراؤها الخمس. كانوا يعبرون من سطح البيت المهجور إلى البيت الآخر المهجور، حتى اختفوا من أمامي، وتركوا لي أشباح داعش، وإشاعات الهافالات.

موقع الجمهورية

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.