مراجعات كتب

قتل الأب وقتل الإبن: الشرق والغرب من منظار أورهان باموك/ بكر صدقي

 

 

تأخرت في قراءة أحدث روايات أورهان باموك، وفي ظني أنها تتحدث عن تجربة عاطفية. هذا ما أوهمني به العنوان،”المرأة ذات الشعر الأحمر”،قبل أن أغوص في صفحاتها المئتين، وأكتشف، طبقة وراء طبقة، “جيولوجيا الرواية” إذا جاز التعبير. وعلى رغم حجمها الصغير، بالقياس إلى رواياته الأخرى، فهي تتضمن حكايات وأحداثاً ومعانٍ تستغرق عمراً بحاله، فتغطي زمناً طويلاً من معادله التاريخي، من مطلع الثمانينات إلى العقد الثاني من القرن الجديد.

يشتغل باموك، في روايته الجديدة، على ثيمتي قتل الأب وقتل الابن، بصورة متقابلة، متجاوزاً معناه السيكولوجي الفردي إلى دلالته الاجتماعية التاريخية، أو أنه يتيح لنا، على الأقل، قراءة من هذا النوع. المعنى الأوديبي المباشر، وفقاً للتأويل الفرويدي، يحيل إلى نوازع غريزية ترتبط بالليبيدو. فالصبي الصغير يرغب بالاستحواذ الجنسي على أمه، فيقتل أباه، استيهاماً، لتحقيق تلك الرغبة الأولية المحرمة. ويكمن “التحرر” الفرويدي في تقبل الصبي الستاتيكو والاستسلام له بصورة مطلقة: الأم هي من نصيب الأب، وعليه أن يصرف النظر عن امتلاكها، بصورة نهائية، ويبحث عن بغيته في إناث غريبات. هذه التسوية الفرويدية قائمة على قهر الرغبة والاستسلام لموازين القوة القائمة. من خلال هذه التسوية، و”التصعيد” الناجم عنها، ينشأ الفرد “السوي” مع “أنا أعلى” هي ثمرة كبت الليبيدو المبكر.

غير أن قتل الأب، بمعناه المجازي، يحمل قيمة إيجابية هي تحرر الجيل الجديد من الموروث الثقافي للآباء (والأجداد..) وابتكاره عالمه الخاص بين المعاني ورؤيته الجديدة للعالم. وعلى المستوى الفردي، لا يمكن أن يتحول الكائن البشري فرداً ذات ملامح خاصة ما لم يتخلص مما تعلمه من أبيه، ويبتكر رؤيته الخاصة ولغته ومسالكه في الحياة. بذلك يكون قد “قتل أباه” الكامن في أعماقه وابتكر “أناه”.

ينتمي مفهوم “قتل الأب” بمعنييه الفرويدي والمجازي إلى الثقافة الغربية الحديثة. الغرب نفسه ولد على جثة أبيه اليوناني – الروماني، فكانت الحداثة التي نعرفها.

في حين أن أساطير الشرق تنفر من فكرة قتل الأب والزواج من الأم، على ما فعل أوديب في مسرحية سوفوكليس الشهيرة. ونجد مقابلاً لها في قتل الابن كما تحكي ملحمة رستم وزوهراب الفارسية، وصورها فن المنمنمات الشرقي الأصيل.

في رواية باموك نقرأ نفور الجمهور من قصة أوديب الذي قتل أباه وتزوج أمه، وحماسته لقصة مصرع زوهراب على يد أبيه رستم. وهو جمهور تركي، أي شرقي، بما يعني أن التكوين الثقافي للشرقيين يتقبل قتل الابن (قتل أي نزوع استقلالي لديه) ويرفض قتل الأب والزواج من الأم. وهو ما جعل ممكناً تأليف قصة رستم في إيران، مقابل استحالة تأليف قصة أوديب التي تتطلب بيئة ثقافية مختلفة وجدتها في اليونان الأوروبية.

بسلاسة وتشويق، يحرك باموك بطله في رحلة الحياة. حياة تدور مثل دوامة حول بؤرة مركزية هي فكرة قتل الأب. بطل الرواية فتى يافع يحلم بأن يمتهن الكتابة، بما يقربه من مواصفات المؤلف باموك، فيعمل، في عطلته الصيفية، في مكتبة يؤمن صاحبها بأن الفتى سيصبح يوماً ما كاتباً ذا شأن. ما دفعه إلى العمل هو أن أباه قد ترك الأسرة لمصيرها وارتبط بامرأة أخرى غير زوجته. فنشأ الفتى محروماً من رعاية الأب، وبحاجة إلى تأمين مصاريفه.

هذه الحاجة دفعته إلى قبول عرض مغر من حفار آبار في أرض خالية قرب إسطنبول. فقد عرض عليه العمل معه في حفر بئر، قد يستغرق بضعة أسابيع، مقابل أجور تعادل أضعاف ما يتقاضاه في المكتبة طوال العطلة الصيفية. وهو ما كان، على رغم اعتراضات أمه الخائفة عليه.

يحفر باموك، أو بطل قصته، في طبقات نفسه، بصورة موازية لحفر البئر، لكنه لا يصل إلى الماء – بغية حفار الآبار الذي حل، في نفسه الفتية، محل أبيه الغائب. وفي ليالي التعب، يحكي الفتى لمعلمه شيئاً من محفوظاته مما كان يقرأه في المكتبة. ومن ذلك مسرحية أوديب لسوفوكليس. ينفر المعلم بشدة من هذه القصة لأنها تتضمن محرمات لا يمكنه قبولها: قتل الأب والزواج من الأم، حتى لو كان ذلك بسبب جهل أوديب بمن يكون ضحيته ومن تزوجها.

غير أن الثيمة الأبرز في قصة أوديب إنما هي قدرية الأحداث: لا فكاك مما حصل لأوديب! هو قدر كتب له “على الجبين” كما يقال. ربما هذا ما سيجعل فرويد أشد إعجاباً بعمل سوفوكليس وأشد إخلاصاً له في تحليله. فالقدرية تعني أن الأمر لا يرتبط بشروط خاصة، ولا هو حادث فردي، بل هو الشرط الإنساني، الممر الإجباري ليتحول ذلك الكائن غير المتمايز الذي يكونه كل طفل (أو الدودة وفقاً لتعبير جاك لاكان) إلى شخص ذي ملامح خاصة، إلى رجل يعيد سيرة أبيه أو يتجاوزها.

وهكذا، بصورة قدرية لا فكاك منها، يندفع بطل قصة باموك إلى البلدة المجاورة لمنطقة الحفر، حيث “سيصادف” المرأة ذات الشعر الأحمر التي لا تعدو كونها جزءاً من قدره. المرأة التي سيتعلم منها الجنس ويتعلق بها عاطفياً طوال السنوات التالية. ليس من قبيل المصادفة، أيضاً، أنها ممثلة مسرح! فباموك، مثله في ذلك مثل سوفوكليس وفرويد، لا يترك شيئاً في روايته هذه للمصادفات. البنية الصارمة للرواية بنية قدرية إذا جاز التعبير، لا يمكن لكل حدث أو علاقة أو مصير، فيها، إلا أن يكون على النحو الذي كتبه باموك! المفاجآت التي يخبئها باموك لقارئه، وهي كثيرة، تجعل الأخير يضرب على جبينه ويقول: ياااه! كان عليّ أن أتوقع ذلك! أليس هذا منطقياً داخل بنية الرواية؟

من الرحلة، مع حفار الآبار – بديل الأب الغائب – في أعماق الأرض، ينتقل بطل الرواية إلى “رحلته الشرقية” إلى إيران حيث سيتعرف إلى ملحمة رستم وزوهراب عن قرب، برفقة زوجته الشابة التي لا ملامح لها. تكاد هذه الزوجة أن تكون مجرد كلمة بلا جسد، مقابل الحضور الطاغي للمرأة ذات الشعر الأحمر على رغم السنوات التي انقضت وبطلنا بعيد عنها وعن أي خبر بشأنها.

يكرر بطل رواية باموك مصير أوديب سوفوكليس، فيقوم، بصورة ملتوية أقرب إلى المجازية، بقتل أبيه والزواج من أمه، لكي يكسب ملامحه الشخصية وينجح في عمله، ولكن برفقة شعور دائم بالذنب. أما موت الأب، في “واقع” السرد الروائي، فيبدو باهتاً وخالياً من المعنى إلى حد كبير. فالموت الواقعي للأب لا يمكنه أن يضاهي عظمة قتله على المستوى الرمزي. وهو ما سيدفع ثمنه غالياً في نهاية الرواية، بخرق التقليد الشرقي المتمثل في قتل الأب لأي نوازع تحررية لدى ابنه، إذ يصبح كل ابن صورة طبق الأصل عن أبيه، فيمتنع أي تطور في المجتمعات الشرقية.

ربما هذه النزعة الاستشراقية لدى باموك، كما يظهر من هذا التأويل لقصة زوهراب ورستم، هي ما تستحق النقد. هل صحيح أن “مجتمعات الشرق” (لنلاحظ خراقة هذا التعبير!) غير قابلة للتطور؟ وأن سبب ذلك هو التربية الصارمة (الثقافة الموروثة) التي تنتج أجيالاً متناسخة بعضها عن بعض بلا أي إضافات؟ هل “الاستبداد الشرقي” هو نظام بطريركي يتكرر في سيرة كل فرد في مجتمعاتنا، فلا فكاك منه؟ أهو قدر كقدر كل من رستم وأوديب؟

يُدخِل باموك في هذه الرواية التراجيدية عناصر سياسية تبدو مقحمة في السياق. فحتى حين يتحرر الابن 1 من ميراث الأب، بقتله، على المستوى الرمزي، ويكوّن شخصيته المستقلة (الناجحة في مجال البزنس، وإن فشل في تحقيق حلم المراهقة في أن يصبح كاتباً)، يأتي الابن 2 الذي جرفته الأفكار القومية المتطرفة، ليقتص منه. هل كان ضرورياً أن ينتمي الأخير إلى بيئة الإيديولوجيا القومية التركية لكي يكرس فكرة الشرق الراكد ذي التاريخ الدائري، أو اللاتاريخ؟ أم أن الكاتب أراد إبراز تباينات في المشهد التركي الممزق بين الشرق الراكد والغرب الديناميكي، بين التقليد والحداثة، أو بين رستم وأوديب؟ ألا يجازف، بهذا الإقحام السياسي، بتمييز تركيا عن الشرق كما عن الغرب، كما لو كانت “جسر الوصل والعبور” الشهير والمبتذل بين آسيا وأوروبا؟ هل تركيا وحدها ممزقة بين قطبي التقليد والحداثة؟ أليست إيران مثلها؟ أليست معظم الدول “الشرقية” مثلهما أيضاً، كل على طريقته ووفقاً للتعرجات التاريخية المميزة الخاصة بكل بلد؟ ألا يخترق الخيط الفاصل بين التقليدي والحديث كل هذه المجتمعات التي خرجت من ركودها المديد على أصوات مدافع الغزاة الأوروبيين، فلم تعرف من الحداثة إلا بعض أعراضها، لكنها فقدت، بالمقابل، تماسكها واتساقها التقليديين؟ فلم تدمج هذه المجتمعات عناصر الحداثة في بنيتها التقليدية إدماجاً عضوياً لتنتج نموذجها المميز، بقدر ما تمزقت بين جزر متعازلة متجاورة من التقليدي والحديث. ولا تشذ تركيا، في ذلك، عن البلدان الأخرى.

“المرأة ذات الشعر الأحمر” أقرب، في بنائها إلى الحكاية منها إلى الرواية. لا نجد في النص حوارات. تكاد الشخصيات لا تتكلم بصورة مباشرة. بل هناك فقط أحداث تتلاحق، سريعة الإيقاع غالباً، تتباطأ في بعض الأحيان، كأنما لكي يلتقط القارئ أنفاسه. بطل القصة هو الراوي الذي، على رغم معرفته بكل شيء، لا يعطينا إلا بمقدار، وينقلنا عبر الزمن، وما يرافق الأحداث من مشاعر وأفكار وهواجس تدور في ذهن البطل، فنعرفها أولاً بأول. وعلى رغم السنوات الطويلة التي تغطيها أحداث الحكاية، فهي تحكى بصورة موجزة شديدة الإيجاز. بلا أي تفاصيل ديكورية إذا جاز التعبير.

في النتيجة، رواية تثير كل هذه التأملات والأسئلة، ذات بناء متماسك، كتبت بأسلوب رشيق ومشوق، تستحق القراءة.

درج

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.