سياسة

مقالات تناولت حوار رياض الترك الأخير مع القدس العربي –متجدد-

 

 

 

 

 نص حوار رياض الترك الأخير مع القدس العربي

 

 

 

حول رياض الترك واليسار السوري: مقاربة نقدية/ ماهر مسعود

دأبت المعارضة اليسارية السورية منذ سبعينيات القرن الماضي على معاملة نفسها على أنها في موقع المنافس السياسي للنظام، وبالتالي معاملة النظام السوري على أنه في موقع الخصم السياسي، تحت سقف الوطن، وليس العدو.

أعطت تلك الخصومة صورة، هي أشبه بالخصومة السياسية بين أحزاب السلطة والمعارضة في أي بلد ديمقراطي، في الوقت الذي كان فيه النظام فعلياً هو الخصم والحكم، أي أنه هو من يملك البلد وسياسته، وهو من يحدد الخصوم، وهو من يحدد الأعداء. وقد أثبتت الأربعون سنة السابقة على قيام الثورة، أن الخصومة لم تكن إلا وهماً في رؤوس المعارضة اليسارية، أما في الواقع فقد كانت الحرب هي لغة النظام، إن كان مع المعارضة، أو مع الشعب السوري بشكل عام، وبالفعل أعلن النظام الحرب على المعارضة فقام بتصفيتها كليّا بين القتل والاعتقال في الثمانينيات، في الوقت الذي أعلن فيه أيضاً الحرب على الشعب، فقام بتركيعه تماماً، بعد أن جعل ممّا حصل في حماة عبرة لمن يعتبر.

منذ ذلك الوقت تحديداً، بدأنا بنظام البيعة، التي كان يفوز فيها الخليفة السوري بنسبة مئة في المئة، ولم يعد هناك أي معنى لكلمة حياة سياسية في سوريا، حيث السلطة لديها كل شيء، في حين ليس لدى المعارضة أي شيء، لا مقعد في البرلمان، ولا جمهور انتخابي، ولا حتى منبر صغير تخاطب عبره جمهورها المفقود.

لكن إصرار اليسار السوري المعارض على مبدأ الخصومة السياسية، يعود أصله لتقليد سياسي سوري ازدهر في الخمسينيات، ولا سيما في الفترة الديمقراطية بين عامي 54- 58، حيث مرّت الأحزاب السورية بمرحلة تنافسات هائلة وعلنية، وعاشت حتى مؤامرات ضد بعضها بعضا، لكنها بقيت رغم كل شيء ضمن إطار الحياة السياسية الفاعلة والفعلية.

وعلى الرغم من ابتعاد الواقع عن ذلك التقليد على نحو متواصل منذ انقلاب البعث أولاً، ثم استلام حافظ الأسد للسلطة ثانياً، والقطيعة المطلقة معه منذ أحداث الثمانينيات، بقي اليسار، الذي لم يطوّعه النظام – على طريقة أحزاب الجبهة التقدمية – مستمراً في النهج الخمسيني القديم ذاته، لكن بلا أنياب وبلا جمهور هذه المرة. وفي حين ذهبت المعارضة الإسلامية ممثلة بالإخوان المسلمين إلى السلاح كرد جدّي على غياب السياسة، رفضت المعارضة اليسارية التسلح، وفي حين كانت مواجهة النظام المُحتكِر للسلطة بلا سلاح ولا جمهور تساوي صفراً مكعباً، بقيت المعارضة اليسارية فخورة؛ على طريقة سقراط، بأن تبقى ضحية تُعذَب وتُسجن وتُقتَل، بدون أن تلوّث يديها بالسلاح!

وجدير بالذكر أيضاً، أنه بعد انتصار الأسد المزعوم في حرب أكتوبر/تشرين الأول، ثم استقرار سلطته والاعتراف الدولي بها بعد اتفاقية فصل القوات عام 1974 مع إسرائيل، أصبح من المتعذّر قيام المعارضة بأي دور بدون العودة للطوائف أو السلاح أو كلاهما معاً؛ وهو ما فعله الإخوان، حيث إن الاتكال على فكرة الحزب غير الطائفي، القائم على الأفراد بوصفهم أفراداً، لم يعد يُجدي نفعاً سياسياً، في ظل انغلاق أبواب السياسة واستنفار النظام للحرب الوجودية ضد أي معارضة ممكنة، بل إن النمط الحزبي غير الطائفي بات متعالياً ونخبوياً بالضرورة وموضوعياً، نتيجة أن اختيار الأفراد للانضواء تحت مظلة حزب يساري معارض وعابر للطوائف يعبّر عن أفكارهم، كان مجازفة لا يقوم بها إلا أشخاص متميزون ومنفصلون عن عقل الجماعات الطائفي، فهم يضعون أنفسهم تحت خطر الاعتقال، وربما الموت، على نحو دائم. وهذا النوع من الأحزاب سيبقى بدوره منفصلاً عن الجمهور، نتيجة شروط العمل السرية والبعيدة عن متناول الناس العاديين، كل ذلك كان يحصل فيما كان الانتساب إلى حزب البعث يصبح يوماً بعد آخر بمثابة الوضع «الطبيعي» الإجباري لأي مواطن سوري.

يمكن القول هنا، إذن، إن الأسد هو مُوجد الطائفية، بمعناها السياسي، في تاريخ سوريا الحديث منذ الاستقلال، حيث إن تحريم السياسة واختزالها في الحزب الواحد، ثم تناقض الأيديولوجيا العروبية الما فوق طائفية للحزب والدولة، مع البنية الطائفية لسلطة النظام المسيطرة فعلياً على الحزب والدولة، أديّا للانتقال من تحريم السياسة إلى تجريم الاعتراف بالواقع، فبات وصف الواقع هو العمل الطائفي، وليس الواقع ذاته كما فرضه النظام. ومع تعذّر القيام بأي عمل سياسي سلمي لتغيير السلطة أو تداولها، باتت خيارات التغيير، إما عبر المواجهة التي ستتخذ حتماً بعداً طائفياً، وإما عبر التدخل الخارجي، ولا ثالث لهما. وما حصل في الثورة السورية هو الدليل الساطع على ذلك.

يقال، عبر النقل الشفوي وغير المكتوب لآراء إلياس مرقص، إنه عندما التقى رياض الترك في بيروت بعد ثورة إيران الإسلامية عام 1979، التي كان يراها مرقص أكبر خطر مقبل من الشرق، قال مرقص للترك بأنه لم يعد يملك سوى خيارين: إما حل نفسه «أي حزبه» أو التوجه نحو السلاح، لكن الترك أبى أن يأخذ بأي من الخيارين فدخل السجن بعد عام واحد، وبقي فيه حتى عام 1998، بينما ذهب الإخوان المسلمون وحدهم نحو خيار السلاح والتحشيد على أساس طائفي، فرد الأسد بسحق الإخوان عسكرياً، وتصفية كل اليسار المعارض سياسياً بحجّة الإخوان، مع استثناء أحزاب الجبهة التقدمية، التي باتت معارضتها «نظامية» بدون أي تأثير أو حتى تدخل في سياسة البلد.

لكن التاريخ أعاد نفسه مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، وأعاد اليسار والإخوان السيناريو نفسه وكل من موقعه، حيث ذهب الإخوان مع الخيار الشعبي بالتسلح حتى آخره، واستثمروه جيداً في التحشيد على أساس إسلامي طائفي، ورفضت هيئة التنسيق، مسألة السلاح بشكل شبه مطلق، بل أدى رفضهم الاعتراف بالجيش الحر إلى انهيار الاتفاق الأهم الذي كان سيجمع الهيئة والمجلس الوطني في القاهرة 2012، في حين تحالف إعلان دمشق مع الإخوان راضياً بمسألة السلاح، وحتى الأسلمة، بدون أن يلوّث يديه فعلياً بأي منهما.

ومثلما كان من الطبيعي في الثمانينيات أن تكون الجهة الأولى التي تعرض السلاح على معارضة إسلامية، هي جهات إسلامية، كان من الطبيعي بعد الثورة أن تعرض الجهات الإسلامية ذاتها، أو أخواتها، السلاح على المعارضة الإسلامية ذاتها، أو أخواتها. ومثلما وقف العالم مع النظام في الثمانينيات، حفاظاً على أمن إسرائيل واتقاء لشرِّ ثورة إسلامية رديفة للثورة الإيرانية في سوريا، كذلك فعل بعد 2011، ولاسيما بعد انتصار الإخوان المسلمين في مصر واتجاههم السريع نحو أسلمة الدولة، لاسيما القضاء والتعليم والجيش، ووضوح مشروعهم الإقليمي الممتد من تونس إلى تركيا، الذي كان لابد من تحطيمه.

إذا كانت انتهازية الإخوان قد لعبت دوراً فاعلاً في أسلمة الثورة، فإن انتهازية اليسار المعارض لعبت دوراً لا يقل أهمية في عملية الأسلمة ذاتها وإن كان بالمعنى السلبي للعبارة، حيث إن الفراغ الذي تركه اليسار بعدم تبنيّه الصريح لخيارات الناس وعدم دخوله العملي المسلح في خيارات الثورة الإجبارية التي فرضها عنف النظام، جعل من القوى الإسلامية هي الأقوى على الأرض وفي السياسة، وجعل التمويل يتجه كعادته نحو الإسلاميين، ووضعَ اليسار عموماً في موقع المتفرّج والمشاهد والحَكَمْ، لا في موقع القرار وصنع الاستراتيجيات العسكرية والسياسية.

لقد ترفَّعَ اليسار وأراد أن يحصد النتائج، بدون أن تغوص أقدامه في الوحل، وأراد كعادته أن يلعب سياسة ضد من يعلن عليه الحرب صراحة، وفي وقت كانت فيه الكلمة الفصل، لأي سياسة مهما كانت، هي للحرب وموازين قوتها. كان إعلان دمشق؛ الذي يشكّل حزب الترك أحد أهم أعمدته، كمن يريد القتال بأدوات إسلامية للحصول على نتائج علمانية! فيما كانت هيئة التنسيق كمن يغني للعرس الديمقراطي في حفلة الدماء التي غطت أرض سوريا.

عودة إلى المسرح:

نشرت «القدس العربي» حواراً صحافياً مع المعارض البارز رياض الترك، أجراه محمد علي الأتاسي في باريس، وقد أشار الترك في اللقاء إلى عدة نقاط مهمة وموحية، أبرزت أهم آليات العمل المعارض بعد الثورة، وأشارت إلى نقاط الخلل والضعف والأخطاء الجوهرية التي صاحبت صعود مؤسسات المعارضة، ممثلة بشكل أساسي بالمجلس الوطني والائتلاف، كما دعا إلى إجراء مراجعة نقدية شاملة للعمل المعارض.

سأكتفي هنا بالإشارة النقدية إلى نقطتين إشكاليتين في طرح الترك، تعبران عن خلل جوهري في علاقة المعارضة اليسارية بالسلطة، أي النظام، أولاً، ثم علاقتها بالشعب السوري ثانياً، ثم علاقتها بالعالم أخيراً. يقول الترك في الحوار المشار إليه أعلاه: «إن الخلل الرئيسي اليوم لم يعد في بقاء الأسد من عدمه، أو في التمديد له سنتين أو أكثر، الخلل الرئيسي والحلقة المفصلية اليوم هي في الاحتلال، وضرورة النضال في سبيل إنهائه». وعندما يسأله الصحافي؛ المُحب والنديم؛ علي الأتاسي إن كان يدعو إلى تسوية سياسية مع النظام، يجيب بما معناه أن وجود النظام ليس سوى وهم في رؤوس البعض، ويستخلص ما يلي: «رأيي أن الكلام الغربي عن تسوية سياسية مقابل إعادة الإعمار، لا يصلح هو الآخر كأساس للحل، الأهم اليوم هو ألا تبقى سوريا فارغة من أبنائها، وعلينا أن نعمل من أجل تسوية سياسية تسمح بأن يعود السوريون إلى بلدهم. من أجل ذلك فإن المعركة اليوم هي مع المُحتل، وليس مع النظام، لأنه لم يبق هناك نظام يحكم، ولكن هناك بلد محتل ومحكوم من الأجنبي». وهنا نضع بعض الملاحظات:

*أولاً، إن الكلام عن الخلل الرئيسي باعتباره «لم يعد في بقاء الأسد من عدمه أو التمديد له سنتين أو أكثر» هو كلام يقوله مؤرخ من برجه العاجي، لا سياسيا عضويا وعاملا على أرض السياسة. فاليوم الذي يمضي على السوريين الآن هو بمثابة دهر، فما بالك بسنتين أو أكثر. وإن لم يكن عمل السياسي مُخططا على ما يمكن فعله اليوم، قبل غد، فلا نفع من عمله، ولن يصدقه أحد، في خطابه التاريخي القائم على المستقبل، فأي استراتيجية تاريخية يمكن أن يقيمها حزب في العالم، على بقاء الأسد لعام 2021، ثم التمديد له لسنتين، أو أكثر؟

*ثانياً، إذا كانت رؤية الترك بأن «المعركة اليوم هي مع المُحتل، وليست مع النظام لأنه لم يبق هناك نظام يحكم، ولكنْ هناك بلد محتل ومحكوم من الأجنبي» هي تحليل سياسي، فتلك مصيبة، ولكن إذا كانت رؤيته تلك هي برنامج عمل سياسي فالمصيبة هنا مثل الوعد، لا تُرَدُّ ولا تزولُ، حيث إن توجيه معركة السوريين نحو أي عدو آخر غير النظام الذي ثاروا ضده، هو عبارة عن نكوص يساري جديد نحو معارك قديمة؛ لم يخضها، ضد الاحتلال، وعودة للتعالي على الشعب، والانفصال عن موازين القوى، فحتى لو كان صحيحاً أن سوريا بلد محتل من عدة قوى أجنبية متضاربة، وهو صحيح، فإن الهدف الجامع لتلك القوى، هو حماية الطرف الأقوى الذي يحمي بدوره مصالحها ويحقق لها الاستقرار، فكيف يُطلب من أي شعب في العالم، أن يقاوم ويقاتل قوىً تحمي قاتله، بينما لا يستطيع المتكلم نفسه العودة إلى سوريا بدون وساطة دولية مع القاتل إياه! وكيف تطلق خطاباً يعادي جميع القوى المتدخلة في سوريا، ثم تطلب من القوى ذاتها أن تنصرك في تسويتك الميتافيزيقية العادلة مع النظام! لقد اختار النظام على الأقل اثنتين من تلك القوى المحتلة، مع أنه يعرف أنها محتلة، كحلفاء له، بينما خسرت أنت جميع الحلفاء، وتريد من الشعب قتالهم جميعاً، أي دونكيشوتية تلك؟ وأي طواحين هواء تحارب؟

*ثالثاً، إذا كانت عدمية الإسلاميين هي عدمية معادية للعالم جوهرياً، وعلى أسس حضارية لا يفهمها إلا أمثال هنتنغتون، وإذا كانت معاداة الغرب تحديداً لم تجلب للإسلام ولا للمسلمين سوى الهزائم والكوارث المتلاحقة منذ الثورة الصناعية، فلماذا على حزب يساري معارض، يتنطع لقيادة ثورة لم تخرج إلا للدخول في أتون العالم الحديث، والتصالح معه، واستجلاب ديمقراطيته لتصبح جزءًا من حياة الشعب الذي أرهقه الاستبداد، لماذا على هذا الحزب أن يعادي الغرب والشرق باعتبارهما معاً قوى أجنبية تحتل سوريا؟

نعتقد أنه إذا كان على المعارضة السورية بجميع أجنحتها نقد ومراجعة تجربتها، كما يطلب الترك نفسه في المقابلة، فإن على اليسار السوري المعارض تحديداً، مراجعة الأسس الفكرية والأيديولوجية التكوينية التي بنى نفسه على قواعدها، وإعادة تقويم القيم الأساسية التي دافع عنها ليرى مدى حداثتها أو قدامتها، خدمتها للفاشية أم الديمقراطية، معاداتها للعالم الديمقراطي والليبرالي أو مساوقتها وتبنيها الجدي للقيم المعاصرة. أما الاكتفاء بالإشارة لخطأ هنا وخطأ هناك، برنامج صحيح هنا وآخر خاطئ هناك، فتلك جميعها ليست سوى أعراض، لن يجدي تغييرها إلا بتغيير الوجوه القائمة عليها، الأجدى هو مراجعة جوهر العقيدة اليسارية ونقدها جذرياً، وإعادة بناء علائقها على نحو مختلف وأسس جديدة، إن كان مع الشعب، أو مع فكرة السلطة، أو مع العالم الخارجي.

كاتب سوري

القدس العربي

 

 

رياض الترك.. مراجعة ضرورية لكنها ناقصة/ دلال البزري

يطرح القيادي الشيوعي المخضرم رياض الترك، في مقابلته مع الصحافي علي الأتاسي، والتي نشرت في صحيفة القدس العربي (2/9/2018)، عناوين المرحلة النقدية المقبلة للثورة السورية. وقد غابت عن هذه المراجعة العناوين الأصعب على نفسِه، وعلى نفس أي عقائدي، قيادياً كان أم عضو خليةٍ بسيطا. أعني نقد الذات، بدايةً، وضعَ العناوين العريضة له، في مقابلةٍ مطوّلة أتاح له فيها الأتاسي التعبير عن كامل أفكاره. ومن حلقة “الذات” الحزبيّة، نقد الحلقة الأقرب، أي حاملي ما يشبه هذه العقيدة؛ ومنهم تلك المروحة الواسعة من الأحزاب والجمعيات والتنسيقيات والشخصيات؛ الشيوعيون، الاشتراكيون، العلمانيون، التقدميون، الديمقراطيون، الليبراليون.. وجميعهم معارضون للنظام. وكانت هذه الدائرة الأقرب تستحق عنواناً نقدياً حقيقياً، وليس ذاك النقد المكرَّر الشائع، والدائر حول الثلاثي: عسْكرة، تدخل خارجي، أسلمة. الخطأ الأول، العسْكرة، يستسهل الترك نقده، بالحجج المعروفة أيضاً، ويرفع من شأن حزبه من أنه نأى بنفسه عن حمل السلاح. وكأن جميع الذين حملوا السلاح، في بدايات الثورة، كانوا يصيبون العسْكرة التي نعرفها الآن. أما التدخل الخارجي، الخطأ الثاني، فهو أيضاً من بنات عقل إرادوي، يرى أنه، أي التدخل، “ليس حتمياً”. وأنه كان يمكن تفاديه (كيف؟ بمجرّد الوعي به؟). وما يضيفه الترك عن التدخل الخارجي هو مباركة حزبه الذي يقوده على الحذر من هذا التدخل، والتنبيه المبكر من نتائجه السلبية على الثورة. ثالث الأخطاء، الأسلمة، ويروي رياض الترك عنها قصّة تسلّل الإخوان المسلمين السوريين إلى الأطر التمثيلية للمعارضة، منها “المجلس الوطني”، وقد ملؤوه بوجودهم، عبر أقنعة الجمعيات والعشائر.

لا شيء طبعاً عن الفصائل الإسلامية، عن التنظيمات السلفية، عن المجموعات العسكريةالجهادية، ولا أيضاً عن بيئاتها الحاضنة، وعن الهيمنة الفكرية للإسلام الاصولي، وعن مظاهر الأسلمة المتجدّدة لدى النظام. كل الموضوع تنظيميّ عنده، يقتصر على العالم الإداري الضيق للحزب الناشط بتحالفاتٍ أو لقاءاتٍ مع أحزابٍ وجمعياتٍ أخرى. كان الأجدر بالترك أن يرسم الخطوط العريضة للذين يشبهونه، قبل أن يتعرّض لخصمه اللدود، حليفه المفترض ضد بشار الأسد، ويدعوه هو أيضا إلى مراجعةٍ نقديةٍ لتجربتهما المشتركة منذ اندلاع الثورة السورية. هنا يبدو الترك مستعجلا، يقفز فوق التفاعل مع الرفاق الأقربين، وليرسم تحالفاته مع “الإخوان المسلمين”، كأنه يريد حرق المراحل. ولكنه أيضا بطيء، ما زال متوقفاً عند خلافاته الأخوية الأولى مع أولئك الأبعدين؛ والتي تبقى جوهريةً من منظاره الحزبي السحيق. فيغيب المدى القريب عن مخيّلته. ولا يراوده السؤال من أن انكبابه على مراجعة التجربة مع الإخوان المسلمين قد تبعدُه عن الأقربين، وتساهم بتشتّتهم وبعثرتهم فرقاً صغيرة، ولا مجال ساعتها غير معاملة “الإخوان” بصفتهم “الكتلة الأكثر حضوراً” في مجالس المعارضة السورية.

الترك رجل مفوّت، والتفويت طبيعي لديه، وكلنا مهدّدون به مع مرور الوقت. هو الوقت المسؤول الأول عن ثبات العقيدة على ما كانت عليه أيام عزّها. في نص المقابلة كلماتٌ مثل الكليشيهات القديمة من نوع “إنها جولة من جولة الصراع ولم نخسر المعركة”، أو “شعوبنا اليوم هي من يصنع التاريخ”. وهذا الكليشيه بالذات العائد إلى زمن الاستقلالات، حيث كانت الشعوب تنهض للتحرّر من الاستعمار، ليس له مكان للترجمة على أرض الواقع السوري، والعربي أيضاً. بل انقطاع أهل هذه الأرض عن التاريخ أصبح صارخاً، يطنّ الآذان. ومع الكليشيهات تعيش أفكار عتيقة، مثل الحياء من الطائفية، وإنكارها. على سؤالٍ بشأن “الشرخ الطائفي السوري”، يجيب الترك بعباراتٍ كلها صحيحة، منها أن العلويين دفعوا أيضا ثمن الحرب، وإنه هو غير مقتنع بأن الطائفة العلوية تتمثل ببشّار. أفكار صحيحة، ولكنها مثل حجابٍ يريد أن يستر العيوب الخلقية للدولة؛ وهذه ممارسةٌ اعتمدها يساريون كثر في قديم الأيام؛ تجنباً لوصمة التخلّف، أو لخدش حياء العقيدة الحداثية. ولكن هذه العقيدة بعيدةُ عن السؤال والجواب، وعن الواقع نفسه.

فضلاً عن تناقضٍ صارخ، لا يبدو رياض الترك منتبهاً له، ربما من شدّة شفافيته: فهو الخارج

من سورية، بعد ثلاثة أيام من المشي شمالاً، والتخفّي، ومساعدة أصحاب شهامة؛ والواصل إلى فرنسا، ناجياً.. هو نفسه الخارج لتوه من سورية.. يعيد ويزيد على امتداد المقابلة إن الأولوية الآن لدى السوريين المخلصين هي العودة إلى سورية، والثبات فيها، فمن قلبها سوف يقاومون ويغيّرون. وسؤال التناقض بسيط: يخرج من سورية ويدعو الناس إلى العودة إليها. ربما هناك دور يريد أن يلعبه، وهو في هذا الخارج، دور مفيد للثورة السورية. يكتب عنه علي الأتاسي بإعجاب وحميمية، ويصفه بـ”الأيقونة”. فهل يكون دوره أيقونةً وحسب؟ ونكون ساعتها أمام “أنا” سورية معارِضة أخرى، تُضاف إلى “أنوات” سبقتها؟

ليست المراجعة كلها عيوبا: فأن تكون أولوية السوريين الآن هي مقارعة الاحتلالات كلها، فهذه فعلا بداية مراجعة. ولكن أن يمنع الترك على الثورة العسكرة والتدخل الخارجي، وأن يرفض، في الوقت نفسه، وضع الديمقراطية جنباً إلى جنب مع مقاومة الاحتلال، ويدلي بذلك كله بنَفَس “حركات التحرّر العربية”، العائدة إلى عصر الاستقلالات… فهذا جدير أيضًا بالنقاش، وبالتركيز على “الكيفية”: كيف نقارع؟ كيف نقاوم؟ بأية أدوات؟ ضمن أي صيَغ؟ عبر أي هيئاتٍ تمثيلية؟ الكيف له الأولوية الآن. وليس “الماذا؟”، الرائج، السهل.

هل يكون مبكّراً الغوص في هذه الصعوبة؟ ربما، فرياض الترك، الآن، مثل ملايين السوريين، خارجٌ من الحرب، وبه تعبٌ عميق. مناخ نفسي- سياسي لا يثمر فيه النقد، ربما. ثم إنه زعيم حزبي قديم، أي أنه صاحب سلطة، هو أيضاً، على مجموعةٍ من الناس، هم أعضاء حزبه. وصاحب السلطة هو آخر من يستطيع الخوض في نقد تجربته؛ إلا بضغط. في المقابلة، بعد تبيان أخطاء الآخرين، لا أخطائه، كان شديد الحرص على “تفسير” حادثةٍ معروفةٍ، عبّر فيها عن تسلّطه: تبريره قساوة توبيخه رزان زيتونة، على مشاركتها في مؤتمر رأى فيه “تدخّلاً”، والتلميح إلى خطأ قرارها بالعمل في دوما… ثم إلحاحه على “الشباب” لينخرطوا في الثورة، مثل تعويذة تبعد عنه الطابع التسلّطي.

وفي المقابلة، على الأقل، لم يكن أبداً مضغوطاً…

العربي الجديد

 

 

نقاش مع ابن العم/ عمر قدور

ربما يكون الزميل محمد علي الأتاسي قد استعجل إجراء حوار مع رياض الترك، بعد أسبوعين فقط من وصوله إلى منفاه الفرنسي، وهذا حق وسبقٌ له بالمعيار الصحافي. لكنه من جهة أخرى ربما لا يمنح فرصة جيدة لابن العم كي يكون قد استراح بدنياً ونفسياً من رحلة الخروج الشاقة، وفرصة للتفكر في الوضع السوري من زاوية جديدة، بخاصة مع تشعب الحوار ليطرح إمكانية مساهمته في خلق إطار جديد للمعارضة السورية انطلاقاً من الخارج، أو حتى قيادته هذا الإطار وفق التمنّي الذي يصرح به الزميل الأتاسي.

الحوار استدعى تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، وأيضاً بعض الردود والتعقيبات الصحافية، وفي هذا دلالة على مكانة الرجل لدى محبيه وخصومه في آن، وهو يُسجّل للحوار حتى إذا اتخذ صفة الاستعجال أو العمومية. وقد يكون ضرورياً التنويه بأن نسبة عظمى من الاصطفاف لها تاريخ من الاختلاف أو الاتفاق مع الترك وتوجهه الحزبي، وتحديداً من موقفه القديم “الذي يبدو متجدداً” إزاء الإخوان المسلمين، أما ما تبقى من نقاش فالاختلاف فيه مما لا يفسد للود قضية!

يعترف الترك في الحوار بأن الإخوان المسلمين قد تحايلوا على تركيبة المجلس الوطني، الذي انطلق باتفاق سبعة أطراف في مقدمها إعلان دمشق والإخوان، فهم تسللوا للحصول على الأغلبية التمثيلية من خلال هيئات تتبع لهم فعلياً من دون أن تظهر كذلك شكلياً، بخلاف الاتفاق المبدئي الذي كان يعطي حصة مماثلة للأطراف الستة الباقية. جدير بالذكر أن لإعلان دمشق تحديداً تجربة سابقة مع الإخوان، إذ كان أول تجربة سياسية ديموقراطية تنفتح سياسياً على الجماعة، وسرعان ما فاجأ الإخوان أعضاء الإعلان بتحالفهم مع عبدالحليم خدام في ما يُعرف بجبهة الخلاص الوطني. لاحقاً، وعندما سيكون بعض من شخصيات إعلان دمشق في المعتقلات، سيبادر الإخوان بوساطة أردوغان للتقرب من حكم بشار الأسد وعرض المصالحة وطيّ صفحة الماضي، بذريعة التصدي لإسرائيل. ذلك درس سياسي كان ينبغي لأعضاء إعلان دمشق الانتباه إليه مبكراً، وإذا فاتهم في موعده الأول فقد كانت لديهم فرصة مواجهته بعد انكشافه خلال شهرين لا أكثر من عمر المجلس الوطني.

يبني الترك وتياره الحزبي على واقع وجود الإسلاميين وحيثيتهم التمثيلية، ما يعني إدماجهم في عملية التحول الديموقراطي، أو حتمية الاشتباك السياسي معهم. وعند هذه النقطة يبدأ الشقاق في صفوف يساريين سابقين وآخرين علمانيين على اختلاف تجربتهم الجيلية. فخصوم الترك الأقل شراسة يعتبرون الإسلاميين أعداء على نفس درجة الأسد، بينما غالبيتهم تعتبر الأسدية أقل شراً، من دون أن يفكر الطرفان في حل معضلة امتلاك الإسلاميين حيثية اجتماعية لا يندر أن يقوم العلمانيون أنفسهم بتضخيمها والتهويل من احتمال سطوتها. القول بأن الأسد أيضاً يمتلك حيثية اجتماعية لا تمنع المطالبة بإسقاطه لا يستقيم للمقارنة، فالأسدية موجودة في السلطة منذ خمسة عقود، وأتيح لها ضمن احتكارها الفضاء العام ومصادر السلطة والثروة ما لم يُتح للإسلاميين الذين قضوا معظم تلك الفترة بين العمل السري والمعتقلات والمجازر والمنافي.

استكمالاً لتهويل العلمانيين ترى نسبة ساحقة من الإسلاميين أن شرعيتهم الشعبية طبيعية، وأنها في مصاف البديهيات عطفاً على الواقع المذهبي. ووفق هذا التصور يُخرج الإسلاميون حيثيتهم الاجتماعية من السياسة، ولا يقرّون تالياً بقابليتها للتبدل صعوداً وهبوطاً. إننا هنا أمام مظهر بارز من مظاهر عدم الاعتراف مسبقاً بالديموقراطية، وعدم الاحتكام المستمر إليها، على افتراض أن العملية الديموقراطية هي التي ستتكفل كل مرة بتحديد الأكثرية والأقلية، وأنها هي التي تكفل كل مرة للأقلية أن تتحول إلى أكثرية. على صعيد متصل، ينبغي أن نأخذ في الحسبان أن معظم تيارات الإسلام السياسي النشطة عابرة للحدود، ما يضع عائقاً بينها وبين المسألة الوطنية في العديد من البلدان. يساعد على تعزيز هذا التناقض عدم وجود خطاب صريح ونهائي يفرّق بين الأمة الإسلامية كمفهوم تاريخي ثقافي حضاري وبين الأمة بمفهومها السياسي المعاصر الذي يتماهى كلياً مع الدولة الوطنية.

ومما لا يجوز تجاهله أثر المعركة التي تخوضها تيارات الإسلامي الجهادي العدمي ضد الغرب، وعدم اتخاذ موقف حازم منها من قبل التيارات الموصوفة بالاعتدال. وإذا آمنّا بوجود نوايا غربية خبيثة لوضع كل التيارات في سلة واحدة فإن الحركات الإسلامية تساعد تلك النوايا بعدم وجود تمايز واضح في خطاباتها إزاء الغرب، وأيضاً بعدم تمييزها بين الغرب كمفهوم حضاري معاصر والغرب كحكومات وسياسات لها ما لها وعليها ما عليها.

خارج المظلومية السنية، وخارج رهاب الإسلام السني، هذه العقدة المتكاملة بحاجة إلى تفكيك لا تكفي معه دعوة ابن العم الإخوان إلى إجراء عملية نقد ذاتي أسوة بغيرهم من أطراف المعارضة. فالإسلاميون فشلوا في أن يكونوا سوى ما دأبوا أن يكونوا عليه، وهذا يعني أيضاً فشل الاشتباك السياسي معهم في دفعهم إلى التغيير، أما أصحاب الجهادية العلمانية فلا بأس بالاعتراف لهم بالنجاح بلا بذل مشقة فكرية طالما بقي بشار حامياً لخوفهم من الإسلاميين. ظاهرياً على الأقل هذه العقدة موجودة في منشار المعارضة، ولم تتسبب بقسط من الفشل خلال سنوات الثورة فحسب، وإنما من المحتمل جداً أن تقف عائقاً أمام لملمة شتات المعارضة والثورة لاحقاً، والانقسام النابع منها حول حوار الترك الأخير يشي بحجمها وبحجم الشرخ الذي تخلّفه.

التنصّل مما بات يُسمى عسكرة وأسلمة الثورة، كما ورد في إحدى إجابات الترك، لا ينفع إلا إذا كان يهدف إلى النأي بالنفس أو تبرئتها. السؤال الذي تجدر الإجابة عنه هو ما الذي فعلته مجمل قوى الثورة والمعارضة إزاء حركة الواقع؟ ما الذي فعله أولئك الذين تعففوا عن العسكرة، سوى هجائها أو عدم الانخراط فيها؟ ألم يكن هذا يعني ترك الساحة لقوى منافسة كي تركب موجة الواقع؟ ومَن يؤمن حقاً لا زيفاً بإمكانية إسقاط الأسدية بالطرق السلمية؟ وما الذي يعنيه أيضاً التعفف عن الارتباط بأية جهة أجنبية مع وجود عشرات القوى الأجنبية على الأراضي السورية؟ ألا يعني ذلك ترك علاقة الداخل بالخارج “التي أصبحت حتمية” لقوى أقل وطنية، بما فيها قوى ارتزاق محض؟ ثم إذا كان “هدف الغرب الحقيقي هو كسر إرادة التغيير الديموقراطي لدى شعوبنا” كما يقول ابن العم، وكانت قوى الشرق الكبرى داعمة علناً لبشار، فمن أين سيتم تحصيل الدعم الدولي الذي يشير إليه في إجابة أخرى؟

مع التأكيد على المكانة الرمزية المستحقة لابن العم، يجوز القول أنه تورط في تقديم إجابات شاملة، وبدا كأنه صاحب تصور ومشروع متكاملين، بينما كان في إجاباته يجاري عجزنا عن صياغة الأسئلة الأكثر إلحاحاً وتركيباً بدل الاندفاع إلى تقديم الأجوبة المبسّطة.

 

 

 

في الجدال حول عسكرة الثورة السورية/ جلبير الأشقر

كان من الطبيعي جداً أن تثير أول مقابلة مع المناضل رياض الترك بعد خروجه من سوريا، اهتماماً واسعاً وجدالاً حامياً لما يحتلّ الرجل من مكانة في المعارضة السورية، وهو أبرز وجوهها التاريخية على يسار خارطتها السياسية. وثمة الكثير ممّا يستحق التعليق في المقابلة التي نشرتها «القدس العربي» يوم 3 أيلول/سبتمبر الماضي، لكنّني آثرتُ اليوم مناقشة موضوع «العسكرة» الذي خضّتُ فيه شخصيا للمرة الأولى بصورة مستفيضة أمام لقاء «هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي» في حلّتها الأولى، وقد انعقد بالقرب من العاصمة السويدية ستوكهولم في أوائل تشرين الأول/أكتوبر 2011 وشارك فيه عدد من نشطاء الداخل والخارج البارزين. وقد نشرتُ فحوى مداخلتي بعد اللقاء، في مقال صدر في صحيفة «الأخبار» البيروتية (التي كان خالد صاغية يترأس تحريرها آنذاك) بتاريخ 16 تشرين الثاني/نوفمبر، تحت عنوان «سوريا: بين العسكرة والتدخّل العسكري وغياب الاستراتيجية».

كان قد سبق لي أن علّقت على مصير الثورة السورية في وقت مبكّر، وذلك في مقابلة أجرتها معي ديما شريف ونشرتها صحيفة «الأخبار» ذاتها في 22 حزيران/يونيو، أي بعد ثلاثة أشهر ونيّف من بدء الحراك السوري. سألتني ديما في نهاية المقابلة: «ما الحلّ الواقعي الذي يمكن أن تنتهي إليه الأزمة في سوريا؟»، فأجبتها:

«بصراحة، تضاءلت احتمالات انتقال منظّم للسلطة مع الزمن، بسبب وحشيّة القمع في سوريا. خلق ذلك طلاقاً وعداوة شديدين بين قسم واسع من الشعب والسلطة القائمة. كذلك توريط الجهاز العسكري بقمع شرس، خلق لدى أرباب هذا الجهاز مصلحة عضوية بالتمسّك بالنظام، لأنّ اي سقوط للنظام يعني محاكمتهم. لا أرى خطّ رجعة للنظام، فقد رأيناه يصعّد في القمع، ومن شأن ذلك تجذير الحالة. رأينا أنّ كل ساحة بدأت بمطالب إصلاحية وتعرّضت لقمع، تحوّلت الى المطالبة بإسقاط النظام. وحيث تعامل النظام مع الحراك الجماهيري بذكاء مثل المغرب والاردن، بقيت المطالب ضمن إطار الإصلاح. اليوم في سوريا، اقلّ ما يمكن ان تقبل به الحركة الاحتجاجية هو تغيير الدستور وانتخابات حرّة، لكن لا أرى النظام السوري بتركيبته الحالية يقوم بذلك. لو استمرّ الأسد في إصلاحاته التي بدأها بعد وصوله الى السلطة، لتجنّب الوضع الحالي. لا أرى سوى احتمالين في سوريا: إما أن يستمرّ النظام بصورة دموية أكثر وأشرس، وباستبداد مضاعَف، او سنكون أمام حرب أهلية. سقوط الحكم يمكن أن يكون عبر انفجار الجهاز المسلّح. وإذا حصل ذلك، فسندخل في حرب أهلية».

والحال أن بعد تلك المقابلة بشهر وأسبوع جاء الإعلان عن مبادرة عدد من المنشقّين عن الجيش السوري إلى تأسيس ما أسموه «الجيش السوري الحرّ»، جاء ذلك الإعلان يثبت صحّة التقدير الذي كنتُ قد أدليتُ به. وصحّة التقدير هذه لا علاقة لها بقدرة خارقة على التنبؤ أو قراءة المستقبل في فنجان القهوة، بل تتعلّق بإدراك خصائص النظام السوري وسواه من الأنظمة العربية التي تتملّك فيها الجماعة الحاكمة جهاز الدولة وتسيطر عليه سيطرةً كاملة بحيث يكون سيناريو إزاحة الحاكم من قِبَل الجهاز، مثلما حصل في تونس وبعدها في مصر، شبه مستحيل. بل إن المصير المحتوم لأي مسعى شعبي لإزاحة الجماعة الحاكمة في مثل تلك الأنظمة هو أن يواجه قمعاً دموياً شرساً يضعه أمام أفق الهزيمة وما يرافقها من قمع رهيب، أو المواجهة المسلّحة وبالتالي السير نحو الحرب الأهلية مثلما حصل في ليبيا قبل سوريا، ويكاد لا يكون ثمة ثالثٌ لهذين الاحتمالين.

وفي مقالي المستند إلى مداخلتي أمام اجتماع «هيئة التنسيق»، كتبتُ:

«ولو كانت للانتفاضة السورية قيادة تحمل تفكيراً استراتيجياً (وهنا نلمس حدود «ثورات الفيسبوك») لعمدت منذ البداية إلى مدّ شبكات معارضة داخل الجيش، مع الحرص على الّا يتمرّد العسكريون أفراداً ومجموعات صغيرة، بل بأكبر الاعداد الممكنة. وبغياب القيادة والاستراتيجية، بدأ الجنود والضباط أنفسهم بالانشقاق عن الجيش بنحو غير منظّم، وقد اتّسعت رقعة الانشقاقات في الشهرين الأخيرين، ولا تزال تتّسع. وقد خلقت تلك الانشقاقات إرباكاً لدى المعارضة السياسية، بين من ينتقدها على انّها تهدّد بتحويل الانتفاضة عن مسارها السلميّ، ومن يحيّي المنشقّين لكنّه يدعوهم الى الاكتفاء برفض الاشتراك في الحملات القمعية، بدون حمل السلاح في وجه النظام، وهي وصفة انتحارية من حقّ العسكر المنشقّين أن يسخروا منها.

ولا يتناقض هذا المحور الاستراتيجي مع التظاهرات الشعبية وسلميّتها. فهنا ايضاً تجمع الحالة السورية عناصر من الحالتين المصرية والليبية، أي الحشود الجماهيرية السلمية والمواجهات العسكرية. فإنّ سلميّة التظاهرات الشعبية كانت ولا تزال شرطاً أساسياً لزخم الحراك الجماهيري والمشاركة الواسعة فيه، بما فيها المشاركة النسائية. وهذا الزخم بدوره هو العامل الحاسم في اقناع عناصر الجيش بالتمرّد على النظام. والمعضلة الاستراتيجية الأكبر في الساحة السورية هي كيفية التوفيق بين الحشد الجماهيري السلمي وتوسيع صفوف المعارضة العسكرية في اتجاه توسيع رقعة الصدام المسلّح الذي بدونه لن تندحر قوى النظام المسلّحة ولن يسقط أبداً».

هذه الخلفيّة جعلتني أفهم الكلام الذي جاء نقلاً عن رياض الترك في المقابلة المذكورة أعلاه على أنه إشارة إلى غياب الاستراتيجية الذي تأسّفتُ له أمام المجتمعين في السويد. فقد قال المناضل المخضرم في تعداده للأخطاء التي ارتكبتها المعارضة السورية:

«الخطأ الثاني كان استسهال مقولة الدفاع عن النفس في وجه عنف وبربرية النظام، من دون أي رقابة أو تنظيم أو تخطيط مُحكَم. نحن من جهتنا في الحزب وفي إعلان دمشق لم ننخرط في أي عمل مسلّح، ولم نرتبط بأي جهة أجنبية، لكن غيرنا انخرط منذ البداية في العمل المسلّح، وكانت له امتدادات إقليمية ودولية. وبالتالي تقدّم الكثيرون إلى الساحة تحت مسمّيات إسلامية، وتمّت شيئا فشيئا عسكرة الثورة ومن ثم أسلمتها لصالح أجندات العديد من الدول الإقليمية الراعية للتنظيمات الإسلامية المسلّحة، وهذا بدوره أدّى في النهاية إلى الانحراف عن توجّهات الثورة الأساسية وإلى نوع من الوصاية الدولية على مؤسسات المعارضة».

وقد قرأ بعض المعلّقين كلام رياض الترك على أنه أسفٌ ليس على أن العمل المسلّح تطوّر «من دون أي رقابة أو تنظيم أو تخطيط مُحكَم» كما قال، وهو كلامٌ دقيق وصحيح، بل وكأنّه أسفٌ على العسكرة جملةً وتفصيلاً. فراح بعضُهم يلوم القائد التاريخي لجناح «المكتب السياسي» في الحزب الشيوعي السوري، «حزب الشعب الديمقراطي» لاحقاً، على أنه لم يحذّر من العسكرة ولم يعمل على تداركها. وهذا بكل بساطة بمثابة لومه على عدم الدعوة إلى إيقاف الحراك السوري والاستسلام للنظام.

فكيف بأي مُدركٍ لديناميات النضال الثوري في وجه أنظمة إجرامية أن يدّعي أنه كان بالإمكان للثورة السورية والتظاهرات المحلّية أن تستمرّ بل وتتوسّع في وجه نظام قرّر منذ بدء الحراك الشعبي في درعا أن يزجّ بالجيش في قمعه وإغراقه بالدماء، بما أدّى إلى زيادة عدد ضحايا القمع عن الألف قتيل بعد شهرين فقط، والمجزرة تتعاظم يوماً بعد يوم لاسيما بعد أن بلغ الحراك في صيف 2011 حجماً بات يرى فيه النظام تهديداً جدّياً لديمومته. هذا وقد انضاف إلى آلاف القتلى آلاف المعتقلين الذين سوف يتم قتلهم تحت التعذيب في ظروف جعلتهم بالتأكيد يتمنّون لو قُتلوا على الفور أثناء اعتقالهم، وهو المصير الذي كان ينتظر جميع الذين شاركوا في الثورة لو توقّف الحراك وتمكّن النظام من شنّ حملة اعتقالات انتقامية واسعة كما كان سيفعل لا مُحال.

لقد ارتكبت المعارضة السورية الرسمية أخطاء فادحة في إدارتها للصراع، لكنّ تشجيع حمل السلاح لم يكن بينها، والحال أن «المجلس الوطني السوري» ظلّ يحذّر من العسكرة لأشهر عدّة قبل أن تُقنعه الظروف، وبعد فوات الأوان، أنه كان كمن يواجه نهراً يفيض فيناشد المياه عبثاً أن تتوقّف عن الفيضان بدل السعي الحثيث وراء إنشاء السدود وشقّ القنوات كي يتمّ تحويل الفيض إلى طاقة يمكن ضبطها والاستفادة منها.

 

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

 

 

في دعوة رياض الترك إلى انطلاقة ثورية جديدة/ خليل عيسى

ليس سهلاً أن تكون معارضاً سورياً للأسد وحلفائه في هذه الأيام. لم تعد مشكلتك الوحيدة إجرام عدوّك الفاشي ووحشية حلفاء روس وإيرانيين يفوقونه خسة. باتت الآن هنالك صعوبة «موضوعية» في قدرة السِيَر الذاتية للمعارضين السوريين، المليئة بلحظات الإخفاق وقصر النظر والأخطاء السياسية الفادحة، على إقناع الناس بأنّه يمكن هؤلاء أن يكونوا قيادة سياسية في المرحلة المقبلة. يحاصِرُك إرهاق جمهورك وانفضاضه عنك في لحظة يشعر فيها الجميع بأنّ الثورة مهزومة. ترتفع الأصوات المحتجة، متوعّدة كل معارض بحجة محاسبة تأخّرت كثيراً. هو ربع الساعة الأخير من ليل واحدة من أكبر الثورات جرأة وتراجيدية في تاريخ البشرية الحديث.

ثمة الكثير من المرارة والغضب. بعض يريد محاكمة المناضل الثوري على ما يعتبره كارثة يومية تحلّ به في المنافي البعيدة أو في مخيمات اللاجئين. بعض آخر يكاد يحرق حيّاً أي معارض بكلامه لأنّ المرارة باتت أجبن من أن تتجرأ على لوم الأسد لحظة الهزيمة. بعض آخر يريد أن يتقرّب من المنتصر المنتظَر عبر شتم المعارضين «الذين يعيشون في الفنادق». بعض أيضاً يستميت في الدفاع عن نظرياته ومواقفه السابقة التي أثبتت فشلها بتعالٍ أجوف لا يصمد أمام الواقع وتحوّلاته. وكثير ممن كانوا ضدّ النظام بات من مصلحتهم أن يساووا بين النظام ومعارضيه. «الطرفان دمرا البلد». «لا يوجد أحد أفضل من أحد». يصل الأمر في كثير من الأوقات إلى حدّ التماهي مع الدعاية الأسدية التي تجعل كل معارض «إرهابياً» محتملاً يقرب أو يبعد من التنظيمات الجهادية الموجودة. لهذا، كان لا بدّ من شجاعة مناضل استثنائي بقي داخل سورية كل هذا الوقت مثل رياض الترك للكلام عن المهمات التي تطرح على السوريين. قال الترك إن النضال يجب أن ينتقل من حرب تشنّ ضد نظام إلى حرب تحرر وطني تشنّ ضد محتلين مستعمرين من إيرانيين وروس وأتراك وأميركيين وغيرهم. «لم يعد هناك في سورية شيء اسمه نظام بشار الأسد. هذا وهم موجود في رؤوس البعض… هناك عصابات مرتبطة بولي نعمة روسي وعصابات مرتبطة بولي نعمة إيراني وعصابات مرتبطة بولي نعمة أميركي أو تركي… هناك احتلال مباشر» (من مقابلة مع محمد علي الأتاسي في «القدس العربي»، 3 أيلول/ سبتمبر 2018).

لكن البعض اعترض على توصيف الترك لتركيا بالمحتلّ كما هو معمول به في حالة كلّ من روسيا وإيران و «حزب الله» وباقي الميليشيات العراقية. لكن، لو أردنا تنشيط ذاكرتنا سريعاً فإنّ بركات أردوغان على السوريين تغمرهم منذ أن أخرج المقاتلين من حلب لتوظيفهم مرتزقة في»درع الفرات»، ما عنى حينذاك تسليم المدينة للروس. بعد ذلك، كانت الغوطة واحتلال جرابلس وتهجير عفرين وأهلها. لقد كان مفعول أردوغان السياسي ضد الثورة السورية دوماً أقوى بكثير من المفعول السياسي لحلفاء الأسد. مرتزقته الذين لم يقاتلوا النظام يوماً أفسحوا المجال للأسد خلال هجومهم على عفرين لكي يستحوذ على أقسام واسعة من محافظة إدلب. وفي الواقع، فإنّه من دون التنسيق التركي مع الروس والإيرانيين خلال السنوات الماضية لم يكن للمعارضة أن تخسر بالحيلة السياسية ما اكتسبته بكثير من التضحيات البشرية والبطولات العسكرية. لكن الخطر المميت اليوم هو أنّ الثورة السورية تخسر بسبب الطيب قرارها السياسي. تفقد ذاتها السياسية. وليست ضغوط أردوغان الأخيرة على مقاتلي «هيئة تحرير الشام» للاستسلام إلا مثلاً أخيراً ولن يكون آخراً على هذا.

عندما نتذكر أنّ الاستعمار إنّما هو مفهوم سياسي وليس مجرد توصيف عسكري، فإنّنا نستنتج أنّ ما قام به أردوغان فعلياً من منظور وطني سوري إنما هو احتلال سياسي للتفكير الثوري يفوق أحياناً خطورة الاستعمار العسكري المباشر. الأمر ذاته، ولو على مستوى أكثر ترسخاً، نراه في العراق، حيث لدينا بالاسم حكومة وبرلمان وانتخابات منذ عام 2003، لكن الواقع يقول أن العراق تحتله إيران: هذا ما يعرفه جيداً أهل البصرة المنتفضة اليوم. فقط من خلال الوضوح والموضوعية في توصيف شكل الاحتلال التركي ومعناه عند ذكر الاحتلالات الأخرى تبدأ عملية استعادة الإجماع الوطني في نضال ضروري ضد المحتلين جميعاً. هو إجماع وطني إذا ما تمّ بناؤه يمكنه أن يعرف حتى من ذاك الجمهور السوري الصامت الذي يعتبره البعض موافقاً في شكل سلبي على بقاء النظام، تماماً كما افترض البعض أن سكان البصرة من الشيعة هم في جيب إيران طوال السنوات الماضية. وحده فهم دقيق لأشكال الاستعمار الموجودة في سورية والعراق لا يعتبر الأتراك «حليفاً ضالاً»، هو ما سيسمح بالتفكير جدياً في عقد تحالفات تحررية ومسارات متقاطعة ونضالات موحّدة من سورية حتى اليمن. وسيسمح هذا إذا ما تجرأ المعارضون السوريون على اتخاذ وقفة نقدية منه، كما يقول الترك، برؤية القضية السورية من منظور عربي وبالخروج من حالة الإحباط القاتلة. في قلب هزيمة الثورة السورية هناك بذور تتيح تحويل الهزيمة إلى مشروع يعيد الأمل إلى الديموقراطيين العرب وليس السوريين وحدهم.

من هو الأقرب إلى السوريين في إدلب اليوم: شباب البصرة الذي حرق القنصلية الإيرانية أم أردوغان الذي يتلذذ بحبات «الكاجو» على الطاولة ذاتها مع روحاني وبوتين؟

* كاتب لبناني

الحياة

 

 

 

ملاحظات على مقابلة رياض الترك: النقد شامل ومخلص/ علي العبدالله

يستحق رياض الترك التقدير والاحترام لأسباب كثيرة منها مواظبته سنين طويلة على النضال من أجل أهداف آمن بها، وتحمله، برضا وطيب نفس، تبعات ذلك النضال، سجن طويل وحرمان من الاستقرار الشخصي والأسري، بالإضافة إلى مواصفات شخصية مبهرة، جلد وتحمّل صنوف المعاناة والمرض والشيخوخة. لكن ذلك كله لا يجعله خارج النقد، خاصة وانه دعا في المقابلة الطويلة التي أجراها معه الأستاذ محمد علي الآتاسي (القدس العربي:3/9/2018)، إلى «تقبل النقد ومساءلة الناس لنا وتقبل الآخر».

تنطوي المقابلة على خطأ منهجي ارتكبه الصحافي والضيف في آن. فقد كشف التقديم (وما «إبن العم» كما يلقبه «السوريون»، إلا واحد من أهم وأصلب رموزه ……. ولا يضر الترك شيئا أن يكون السبّاق إلى نقد تجربة الثورة والدعوة إلى استخلاص النتائج والعبرّ، ومراجعة الدور الذي لعبه هو شخصيا ولعبه حزبه، وإعلان دمشق في صفوف الثورة…… واليوم بوجود مثل هؤلاء الأشخاص داخل وخارج البلد، وبوصوله إلى باريس، هناك فرصة لأن يكون للمعارضة السورية، عنوان وحضور وشخصيات ذات ثقل رمزي، متجردة من الأهواء والطموحات الشخصية، تعمل من أجل الدفاع عن القضية السورية في المحافل الدولية)، والأسئلة السهلة التي طرحها عليه، أن الصحافي حريص على عدم إحراج الضيف بالتدقيق في إجاباته فقد تركه ينظم خياله ويقول كلاما مرسلا وقويا في القضايا العامة ويتهرب من النقاط الشائكة التي تستدعي التصريح بالقرارات والمواقف الخاطئة التي صدرت وكان شريكا فيها، هذا بالإضافة إلى الانطباع العام الذي يتكون في ذهن القارئ المطلع انه ليس على اطلاع كاف بالموضوعات التي سأل عنها.

أما الضيف فكانت إجاباته على أسئلة حول قضايا دقيقة وحساسة عامة وناقصة، وغير مخلصة. أولى هذه القضايا قوله عن الخطأ الثاني «كان استسهال مقولة الدفاع عن النفس في وجه عنف وبربرية النظام، من دون أي رقابة أو تنظيم أو تخطيط محكم. نحن من جهتنا في الحزب وفي إعلان دمشق لم ننخرط في أي عمل مسلح، ولم نرتبط بأي جهة أجنبية، لكن غيرنا انخرط منذ البداية في العمل المسلح، وكانت له امتدادات إقليمية ودولية»، قول فيه تجاهل لطبيعة القوى الاجتماعية التي فجرت الثورة، قوى غير منظمة غير متفقة على خطة عمل، وطبيعة اللحظة السياسية ومفاعيلها. نعم كان ثمة استسهال وانسياق خلف شرعية الدفاع عن النفس في ضوء تقدير خاطئ بحتمية تدخل خارجي أسوة بما حصل في ليبيا. لكن يبقى السؤال الأهم هو: أين صوت أحزاب المعارضة ومنظريها، لماذا لم يرتفع صوت واحد يحذر من العسكرة ومن وهم حتمية التدخل الخارجي، علما أن الوقائع تشي بأكثر من الصمت؛ يكاد يصل حد المباركة والتأييد، ونقد أخطاء كثير من الفصائل وجرائمها ضد المواطنين. لقد كانت المعارضة، بما في ذلك «إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي»، الذي كنت عضوا منتخبا في أمانته العامة ومجلسه الرئاسي، حزب الشعب ضمنا، تعيش حالة شقاء وعي؛ فهي لم تفجر الثورة وتريد، في الوقت نفسه، أن تعتبر جزءا منها، حتى لا نقول قائدتها، لكن دون انخراط فعلي ودفع ثمن لهذا الانخراط، لذا لم تكن تجرؤ على نقدها فتكشف أنها غير فاعلة أو مؤثرة فيها. أما ثانية هذه القضايا فحديثه في أكثر من فقرة عن تشكيل «المجلس الوطني السوري» ودور «الإخوان المسلمين» فيه؛ وفي الثورة، وقفزه على تعامل قيادة «الإعلان» الحذر معهم وغض الطرف عن ممارساتهم وانعكاساتها السلبية على الثورة، حيث سيطرت النزعة المحافظة التي تربت عليها الأحزاب السورية، اليسارية بخاصة، والمحكومة بالخوف على الشكل ولو دمر المضمون(في الفترة من شهر يونيو/حزيران 2011، تاريخ خروجي من السجن ومتابعة دوري في «الإعلان» إلى أواخر عام 2013، تاريخ انسحابي منه، أرسلت قيادته رسالة واحدة إلى قيادة «الإخوان المسلمين» تنتقد فيها إدارتهم لأموال صندوق الإغاثة). أما ثالثة هذه القضايا، ثالثة الأثافي كما تقول العرب، فما قاله عن رزان زيتونة، فبعد المديح والثناء والحديث عن العلاقة المتينة حمّلها مسؤولية الابتعاد عنه «بعد أن وجهت لها نقدا شديدا لمشاركتها في مؤتمر أنطاليا، وكان هذا في رأيي واحداً من أول المؤتمرات التي عقدت برعاية دولية، في محاولة لاحتواء الشباب. رزان وقتها لم تتقبل نقدي وآثرت الابتعاد». قول تنقصه الدقة، وكذلك الإخلاص. حيث لم يقل، بعد مرور كل هذه السنين ومصير رزان المجهول، ما يجب أن يقال، فقد كانت أحزاب المعارضة السورية تشعر بكعب آخيلها: لم تفجر الثورة وليست لها هيمنة أو سيطرة على قواها وفعالياتها، فانتابها رُهاب نشوء كيانات سياسية تقود الثورة فتنهي وإلى الأبد دورها السياسي والوطني، وهذا ما حاولت التنسيقيات، وخاصة «لجان التنسيق المحلية» التي لعبت رزان دورا بارزا في تأسيسها، تجسيده، فلجأت الأحزاب إلى تكتيك خبيث: التقرب من التنسيقيات ومحاولة احتوائها؛ ولكن دون انخراط فعلي في الثورة خوفا من دفع ثمن لذلك، اختلفت مقاربة حزب الشعب الديمقراطي قليلا في ضوء العلاقات الشخصية والنضالية التي ربطت كثيرا من محازبيه برزان ووائل وناظم ومازن وأسامة… الخ، على خلفية نشاطهم المشترك طوال سنوات في «الجمعية السورية لحقوق الإنسان»، ترتب عليه التباس لدى كثير من هؤلاء الشباب الذين اعتبروا «اللجان» امتدادا للحزب، في حين انخرط قسم من محازبيه في «اللجان» لأنه افتقد برنامجا خاصا لحزبه في الثورة، أما القسم العارف منهم بطبيعة العلاقة فسعى إلى تجيير نشاط «اللجان» للحزب. الترك، الذي يعطي للحزب ودوره تقديرا مبالغا فيه، خاف من خسارة «الحزب» لهؤلاء الشباب فحمل على التنسيقيات بعامة و»اللجان» بخاصة، وأخذ يشنع عليها في أحاديثه، اعتبرها ظاهرة فيسبوكية غير ذات مضمون أو جدوى، منعته العقلية الحزبية التي تربى عليها من إدراك طبيعة الظاهرة ومتطلبات اللحظة السياسية. أما ربطه ابتعاد رزان بنقده الشديد لمشاركة «اللجان» في مؤتمر أنطاليا فكلام مستغرب لان «الإعلان» نفسه شارك في المؤتمر العتيد وكان للترك «شرف» متابعة تطوراته وتوجيه مندوبي «الاعلان» فيه، عبدالرزاق عيد وانس العبدة.

يبقى أن نقول إن مشكلة المعارضة السورية، بمن في ذلك رياض الترك، أنها تعرف ما لا تريد؛ ولكنها لا تعرف ما تريد، والحديث عن النقد وأهميته وضرورته يحتاج إلى اجتهاد للخروج من أسار هذه الخلفية العاجزة، لأنها ستؤثر في النقد وفي استنتاجاته، كما يستدعي أن يكون مخلصا وشاملا وأن لا يتستر على الأخطاء ولا يخفي ولا يموه ولا يجزئ الوقائع.

كاتب سوري.

القدس العربي

 

 

 

 

ثورة رياض الترك/  محمد حجيري

ينطلق الزميل محمد علي الأتاسي، في مقابلته مع المعارض رياض الترك (مانديلا سوريا) من اعتباره واحداً “من أهم وأصلب رموز الثورة”،  ولا يضره “أن يكون السبّاق في نقد تجربة الثورة والدعوة الى استخلاص النتائج والعبر”، و”مراجعة الدور الذي لعبه هو شخصياً ولعبه حزبه…”. ويسترسل الأتاسي: “لم نشهد لدى سياسيي المعارضة(..) القدرة لأن يحذوا حذو الترك في مراجعة تجربته والاعتراف بأخطائهم”، و”سوريا كانت وستبقى..” (وهي كلمات نسمعها كثيراً من بعض وجوه النظام)، والترك “ليس استثناء سوريا المعارض”. ويفرط الأتاسي في التفاؤل إذ يعتبر أن الترك “بوصوله الى باريس، هناك فرصة لأن يكون للمعارضة السورية، عنوان وحضور وشخصيات ذات ثقل رمزي، تعمل من أجل الدفاع عن القضية السورية في المحافل الدولية”.. وما يستخلصه القارئ أن المحاوِر في لاوعيه يعتبر أن الترك، الذي غادر سوريا أخيراً متسللاً عبر تركيا إلى فرنسا، سيكون “مخلّصاً” ومنقذاً لمسار الثورة وناسها، وسيكون صوتها “المغيّب” في العالم، وما على الجمهور سوى انتظار “الفرصة”، لأن الرجل (وشخصيات أخرى معارضة) “متجرد من الأهواء والطموحات الشخصية”…

وبغض النظر عن حماسة الزميل محمد علي الأتاسي في التقديم، وآماله التي هي آمال ملايين السوريين، يجد القارئ في مقابلة “ابن العم” (وهو عنوان فيلم أنجزه الأتاسي عن رياض الترك)، جزءاً من الكلام السياسي السوري “غير الاستهلاكي” إذا جاز التعبير، وجزءاً من التوصيف لما آلت إليه الأمور بعد سنوات من الصراع الدموي. وحضور رياض الترك ونشاطه السريّ، ينبهنا إلى مشهدية كانت مفقودة طوال الأزمة السورية أو الثورة السورية. فرغم كثرة الشخصيات المناهضة للأسد ونظامه، ورغم كثرة الشخصيات في الائتلاف الوطني السوري، بقيت المعارضة من دون شخصية جامعة، من دون زعامة كاريزماتية حقيقة، ومن دون دور حقيقي. لم تنفع الرعايات الخارجية في فرز زعامة حتى الآن، وتأرجحت الصورة الثورية للمعارضة السورية بين أركان الفنادق والمنتجعات والاستتباع، وبين مليشيات الخنادق والسراديب والمبايعات، وما بينهما من صفقات وولاءات. بل إن السياسة الدولية والإقليمية، أفرزت “داعش واخواتها” قبل أن تعود وتطبق عليهم.

وبخصوص حوار الترك، لا شك أن فيه الكثير من الإيجابيات التي تشكل منطلقاً للنقاش، ويبدو صائباً في مواقفه السياسي الراهنة، اذ يعتبر أن الخلل الرئيسي لم يعد بقاء “مجرم الحرب بشار الأسد”… فالقضية السورية أصبحت في مكان آخر و”الحلقة المفصلية هي إنهاء الاحتلال الأجنبي”، وهو احتلالات وولاءات إيرانية روسية…، والأخطر هو “دور إسرائيل” الذي قد يكون “البديل والحليف للروس في تعويم النظام وحمايته”. ويشير الترك إلى أسباب فشل الثورة، وإن بشكل مجتزأ ويعتبر أن “الرهان على الغرب كان معاكساً لمصالح الثورة”، و”لن تقوم قائمة لأي معارضة إذا لم تنجح في أخذ مشروعيتها من الداخل” الذي تم إفراغه. ويعدد الترك أخطاء الثورة، بدءاً من “الاستعجال في تحقيق وحدة القوى وتشكيل المجلس الوطني بناء على اتفاق بين عدة أطراف سياسية”(…) و”استسهال مقولة الدفاع عن النفس في وجه عنف وبربرية النظام(…) وبالتالي تقدم الكثيرون إلى الساحة تحت مسميات إسلامية”.. فهو يستسهل التوصيف، كيف لا، والنظام الأسدي لم يترك وسيلة عنف إلا واستعملها، من البراميل المتفجرة إلى الغازات السامة، ومن الإعدامات الميدانية الى السجون الفتاكة ومحارقها.

ومنذ البداية، سعى النظام الى صراع الصورة واللغة في وجه المعارضة، وسعى إلى أسلمة الحراك وعسكرته وتدعيشه. وهذا حصل بالتزامن من بدء الصراع على سوريا وتمدد الأيدي الأجنبية في ربوعها. فلا سلمية الثورة ستنجو من المحرقة الأسدية الروسية، ولا التشكيلات السياسية ستصل الى ضفة الآمان، ولم يُسمح للبندقية بإسقاط الأسد. في المقابل كانت الولايات المتحدة تراهن على جعل سوريا بؤرة لتدمير خصومها واستنزافهم، خصوصاً السنّة والشيعة، ومن دون أن تخوض الحرب. ولاحقاً تحولت سوريا بؤرة لتصدير الصراعات وتجريب السلاح وتمرين العسكر والبحث عن الأدوار… وبالطبع لا يمكن لرياض الترك، من خلال مقابلة واحدة، تقديم جردة شاملة لسبع سنوات من الثورة.

وأحسب الترك كثير التفاؤل، حين يصف الواقع الطائفي في سوريا: “أنا ما زلت غير مؤمن بطغيان هذا الانقسام الطائفي(..) ناهيك عن أني غير مقتنع بأن الطائفة العلوية تتمثل في بشار الأسد أو أنها ستجدد الولاء له”. ويبدو الترك مثالياً حين يعتبر أن “الثورة منتصرة ولو هزمت”، و”خسرنا جولة من جولات الصراع، لكننا لم نخسر المعركة”، و”المعركة ما زالت مستمرة”.

لم يقل الترك رأيه في الكثير من المواضيع الشائكة والمعقدة والسجالية، ولم يُسأل عنها. ومع الأيام سنقرأ الكثير من المواقف المعارضة لمضمون مقابلته، خصوصاً من اليسار الأسدي أو “السوفياتي- البكداشي”. هؤلاء سينسون سبع سنوات من العدوان والهمجية الأسدية، وسيعودون الى اتهام الترك بعلاقة مع الإخوان المسلمين في مواجهة الأسد الأب. معزوفة التخوين جاهزة وبائسة، وقد تجاوزها الترك منذ زمن، لكن خصومه “التاريخيين” وقفوا عندها بمثل ما توقف مسارهم السياسي عند تعابيرهم الخشبية.

وبغض النظر عن المقابلة ومضمونها وتوقيتها، تبقى إيجابية الترك البارزة، أنه لم يكن من معارضة الفنادق، ولا من رواد الاستتباع للعواصم، ولم يختر حزبه السلاح والخنادق على حد قوله. هو يساري معارض للاستبداد الأسدي. حتى حين كان النظام في عز تشدده، قال كلاماً له وقعه: “حتى لا تبقى سوريا مملكة الصمت” بحسب عنوان مقالة له، وفي العام 2001 أغضب النظام البعثي عندما قال عن موت حافظ الأسد “مات الديكتاتور”. ولديه مواقفه السياسية خارج النمطية السائدة لدى بعض “اليسار البراميلي” الذي يتوهم بوتين بديلاً من الاتحاد السوفياتي (الشاعر نزيه أبو عفش نموذجاً)، وبعض اليسار التونسي والأردني والمصري الذي يؤيد الأسد ظناً منه أنه “علماني”.

المدن

 

https://www.youtube.com/watch?v=cfqQRccCBUQ

 

 

 

 

رياض الترك:وهم النظام والعودة/ إياد الجعفري

علّق كثيرون على مضمون مقابلة المعارض السوري رياض الترك، في “القدس العربي”. وتعرض الرجل لحملة انتقادات واسعة، وصلت بأحدهم إلى اعتبار أن “صلاحية” الترك كسياسي، قد انتهت. فيما ركز آخرون على ما اعتبروه تجارب فاشلة، كان الترك يخرج من إحداها إلى الأخرى، ليتحمل برفقة آخرين من المعارضين السوريين، مسؤولية ما آل إليه المشهد السوري الراهن. كذلك تناول فريق واسع من المعلّقين جوانب من تجربة الترك خلال الثورة، وما قبلها، تدل، حسبما يرون، على سلطوية الرجل، وحرصه على إبقاء أكبر قدر ممكن من خيوط اللعبة السياسية المعارضة، في قبضته، على صعيد تياره، والتيارات الأخرى القريبة منه. وكانت أكبر “وصمة عار”، في نظر الكثيرين من منتقدي الترك، هي تحالفه مع الأخوان المسلمين، الذي يعود، حسب رأي الكثيرين، إلى الثمانينات، والذي تجدد بشكل علني، عام 2005، وتُوج عام 2011، في المجلس الوطني السوري المعارض.

وإذا أردنا تغطية كل جوانب الانتقاد التي نال بها منظّرون ونشطاء سياسيون، من حديث الترك الأخير، لن نستطيع الإحاطة بها كلها، من دون أن ننسى، أنه على الضفة الأخرى، لم يفقد الرجل رمزيته العالية، لدى فريق واسع من النشطاء السوريين، الذين تبرعوا للدفاع عنه، في مواجهة منتقديه، في جدالات، بدأت، ولم تنتهِ، عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن، كان من الواضح، أن أولئك الذين ناقشوا ما يتعلق بالمستقبل في حديث الترك، الأخير، كانوا قلّة. وذلك رغم الأهمية العالية لما تضمنه هذا الجانب، في حديث رجل يمتلك خبرة عتيدة في العمل السياسي المعارض بالداخل، امتدت لأكثر من نصف قرن. لذلك، فإن نقطتين بارزتين، في حديث الترك، غابت عن معظم المعلّقين عليه. نقطتان تتطلبان الوقوف عندهما مطوّلاً. ولا يجب بطبيعة الحال، تبنيهما. بل يجب إيلاؤهما، درجة عالية من الاهتمام والبحث.

فالترك، في حديثه الطويل، قدّم توصيفاً محدداً للمشهد الحالي في سوريا، وأسّس عليه رؤية مبدئية لكيفية التعامل معه. هذا التوصيف مهم جداً، لأنه يحدد كيف يجب أن يتحرك السوريون من نشطاء، في الفترة القادمة. فالترك يعتقد أن النظام السوري، اليوم، هو مجرد وهم. وأن سوريا في حالة احتلال مباشر. وأن استراتيجيات السوريين في المرحلة القادمة يجب أن تتمحور حول كيف يمكن التخلص من هذا الاحتلال؟ وليس حول كيف يمكن التخلص من النظام؟. فالنظام انتهى فعلياً. وبناء على هذا التوصيف، يقترح الترك رؤية مبدئية، بتشجيع عودة السوريين إلى الداخل، تمهيداً لنشاط مناوئ للاحتلال، من هناك، وليس في المنفى، حيث لا يمكن التأسيس لأي معادلة مستقلة عن أجندات الداعمين الإقليميين والدوليين، وتقلبات سياساتهم.

قد لا يتفق الكثيرون مع توصيف الترك. لكنه يستحق قدراً كبيراً من النقاش والبحث. فأن نقول بأن النظام السوري بات وهماً، وبأنه غير موجود، حقيقةً، فهذا يعني أن توجيه بوصلة النضال ضده، حتى لو كان ذلك يعني الاستعانة بالروسي، في سبيل كسب النقاط عليه، هو مسار خاطئ. فالنظام، حسب توصيف الترك، تحلل إلى “عصابات وهياكل” اتخذها الروس والإيرانيون واجهة لهم. وبناء على هذا التوصيف، فإن الحراك باتجاه مقارعة النظام، هو عبث، لأن النظام بات مجرد حجابٍ، يحاول من خلاله الروس والإيرانيون ألا يكون احتلالهم لسوريا، سافراً.

وهنا قد تكون الوقفة أمام مقولة أن النظام بات وهماً، تتطلب الكثير من التدقيق. لكنها تستحقه. إذ يمكن اعتبار رياض الترك، منظّراً فريداً من نوعه، خَبِر السياسة في الداخل السوري، عملياً، ولعقود طويلة. ولا يعني ذلك بطبيعة الحال، تبني ما يقوله. فالكثيرون من المنظّرين المعارضين، يناقشون اليوم سؤالاً مهماً: “ماذا نفعل في المرحلة القادمة؟ رياض الترك يقدم رؤية مبدئية لذلك. العودة إلى الداخل، والتشجيع عليها. فالعمل من الخارج أثبت أنه يعني ارتهان المعارضة لأجندات الخارج، وتعرضها للتضحية بها، في حال توافقت تلك الأجندات مع الروس والإيرانيين في سوريا.

هذه الرؤية، “العودة إلى الداخل”، تتطلب بدورها الكثير من البحث، حول الآليات التي يمكن أن تكفل ألا تكون هذه “العودة”، تعني القبول بحالة “التدجين” التي يحاول الممسكون بسوريا اليوم، إعادة تفعيلها حيال السوريين. الترك، طرح آلية مبدئية، قد تكون منفّرة للكثيرين. إذ تقوم على تسوية سياسية تسمح بعودة السوريين إلى بلدهم. لا يجوز، حسب الترك، أن تبقى سوريا فارغة من أبنائها. وبعد “العودة”، يجب التأسيس لرحلة كفاح جديدة، يكون الهدف فيها منصباً على تحرير سوريا من الاحتلال، وليس من النظام الذي بات “وهماً”.

هل النظام بالفعل بات “وهماً”؟، وهل يمكن تحقيق تسوية تسمح بـ “عودة” السوريين، بما فيهم من نشطاء ومعارضين، بصورة تكفل القدرة على التحرك مستقبلاً ضد “الاحتلال” الروسي – الإيراني؟.. هذا هو السؤال الذي لم يقدم الترك له جواباً. وهو سؤال، يستحق الكثير من النقاش. وهذا النقاش يجب أن يتمحور حول طرح الترك، وليس حول ما مضى من تجربته السياسية.

المدن

 

 

 

متى سيقول السوريون كلمتهم حول من تاجر بالثورة؟/ محمود الحمزة

يُفكّر السوريون اليوم في كل ما جرى خلال سبع سنوات من تضحيات وانتكاسات، وقد تحدّثوا عن النظام الأسدي ودوره الإجرامي ضد الشعب، وعن حلفائه من نظام الملالي وأذنابهم الطائفيين، وعن حليفة النظام وحاميته روسيا، وتحدّثوا بدرجة أقل عن اللاعبين الإقليميين والدوليين لاعتبارات مختلفة. لكنهم لم يتحدثوا بعدُ عمّن باع الثورة وما زال يتاجر بمصيرها، حيث ما يزال الكثيرون يتحدثون باسم الثورة من هيئات، يفترض بها أن تتحمل مسؤولية الدفاع عن الثورة وتمثيل الشعب من فصائل سياسية وعسكرية. لقد مُنينا بهزائم كثيرة عرّت بعض الملتبسين والمندسين والمتاجرين بالثورة، ولكن بقي مَن هم أخطر وينتظرون أدوارهم في مراحل قادمة.

هؤلاء المندسون أو المتخاذلون، ممن يسمّون “الضفادع”، ما زالوا يزاودون على كل الناس، بقيم الثورة ومبادئها. والأنكى من ذلك أن بعضهم صاحب قرار في هياكل المعارضة!

نسمع أن هناك أشخاصًا مؤثرين في كل تنظيم من تنظيمات المعارضة، في وقت فشلت فيه المعارضة وهُزمت، ولكنهم موجودون أحياء يرزقون، منهم من صمَت، ومنهم من يستمر في عمله وكأن شيئًا لم يكن. وهناك من ارتزق باسم الثورة، وأصبح صاحب ملايين ويعرفه السوريون؛ فلماذا لا يتم فضحهم؟!

قد يقول مخلص للثورة: لمّا يحن الوقت لفتح الدفاتر وتعرية هؤلاء المتخاذلين والانتهازيين، ممن ثبت عليهم استغلال صفتهم في الكسب من وراء الثورة أو في خيانة الثورة. وأقول لهؤلاء، مع تقديري لإخلاصهم ووفائهم للثورة: لقد صمتنا في سنوات الثورة الأولى عن الأخطاء التي نبهَنا إليها بعض الأشخاص من الأعداء والأصدقاء ولكلٍّ غايته. وسبب تحفظنا على الحديث الشفاف وكشف الأوراق هو عدم إعطاء فرصة للعدو لاستغلال تلك الأخطاء. سكتنا عن (جبهة النصرة) وحتى عن (داعش) في البداية، وهناك من أشاد بهما. سكتنا عن مهازل المجلس الوطني والنهب الذي رافق عمله، سكتنا عن هيمنة بعض الفئات السياسية على مقاليد المعارضة، وعن بناء هياكل عسكرية، وعن شراء ولاءات بأموال قدمت هبات للثورة. صمَتنا عن بيع أسلحة مخصصة للجيش السوري الحر، ومعروف من تاجر بها، صمتنا عن بيع ذمم البعض وتبعيتها المطلقة لجهات خارجية، وما زلنا نصمت عن كل هؤلاء. سكتنا عن الفساد السياسي في الائتلاف الذي تحدثت عنه كثير من وسائل الإعلام، لكن المعارضين أنفسهم الذين كانوا شهود عيان ما زالوا صامتين.

صمتنا وصمتنا وصمتنا، والنتيجة كانت أن مواقفنا ألحقت الضرر بالثورة، التي ضحى من أجلها الملايين وعرضوا حياتهم للخطر.

لا الأحزاب راجعت أداءها في الثورة، ولا التجمعات التي هيمنت على هياكل الثورة، من مجلس وطني سوري، إلى الائتلاف، إلى الهيئتين التفاوضيتين. نسمع أطراف الحديث عما جرى في كواليس المجلس الوطني، وكيف تم تأسيسه، ومن هيمن عليه، وكيف صرفت أمواله، ولماذا ابتعد عن الشعب السوري، ولماذا بقي ستة أشهر ينتظر التدخل الأجنبي، علمًا أن أحدًا لم يعدهم بذلك. ولماذا تأسس الائتلاف الوطني، ومن أسسه، وبأي ثمن رضي المجلس الوطني المشاركة فيه، ومن هي المجموعات التي دخلت الائتلاف، ومن أين أتت؟!

سمعنا الكثير عن هيئة التفاوض القديمة والجديدة والمواقف المختلفة داخلها، ولم نعرف بالضبط من كان متهادنًا على ثوابت الثورة، وكيف تأسست هيئة التفاوض 2، ولماذا جرى انقلاب على رياض حجاب؟

لا أتّهم كل من أساء إلى الثورة بالخيانة أو بأنه بالضرورة استفاد ماديًا، فالخيانة تقررها المحاكم العادلة، ولكن هناك من ألحق الضرر بالثورة، ليس فقط ماديًا وإنما سياسيًا.

يجب علينا تقديم مراجعة للشعب السوري، وتوضيح دور الهيئات والشخصيات بعينها. فيُقال -مثلًا- إن الأموال التي قدمت للثورة تُقدر بالمليارات. ولست متأكدًا من هذه الأرقام. ولكن على أي حال وردت مبالغ كبيرة لقوى المعارضة والثورة، لم نعرف مصيرها ولو بالخطوط العريضة. من المسؤول عن تسليم مستودعات مليئة بالأسلحة للنظام في الفترة الأخيرة؟ أليست هذه جريمة بحق الثورة؟ دول اعتبرت نفسها صديقة لنا قدمت السلاح والعتاد للفصائل المسلحة، من أجل مقاومة النظام الأسدي؛ فقامت تلك الفصائل بتسليمها لتلك العصابة ليقتلوا بها السوريين! وهناك من يسمي نفسه معارضًا ويدافع عن هؤلاء الخونة. لماذا لم يحرقوا المستودعات؟

لماذا لا نتحدث بصراحة عمّا جرى في حلب من صفقة دولية، ومن المسؤول عنها؟ وكيف تصرفت قوى المعارضة والثورة؟ من الذي قال إن حلب ستكون مقبرة للنظام؟ أين هو؟ ولماذا باعوا حلب وبعدها الغوطة ودرعا؟

واليوم، نسكت عن الوضع الحقيقي المتبلور في إدلب. وبعضنا يدافع حتى عن (جبهة النصرة)، ويتحدث عنها وكأنها فصيل معارض مسلح. وبعد أن تتغير الأمور نفتح نار الإدانة، ليس على من امتلك القرار وتصدر المشهد وصمت، بل على المقاتلين والناس البسطاء الذين لم تكن بيدهم إدارة الأمور.

لا أريد أن أشوه سمعة أحد، لأننا قد نخطئ بحق البعض. ولكن يجب أن تتداعى هيئات حقوقية سورية، ولا مانع من مشاركة هيئات حقوقية دولية مستقلة، ويشكلون لجنة تحقيق محايدة، تجري جردًا في الثورة، على الأقل على مستوى الهيئات لأنها حية ترزق، ويجب تعريضها للمساءلة القانونية والمالية والسياسية.

لاحَظ السوريون كيف عجزت هيئات المعارضة في حالات كثيرة، ولم تستطع تقديم موقف صريح وواضح من أحداث سياسية مهمة. والسبب هو التخاذل والخوف على مصالحهم الشخصية، وليس حرصهم على مصلحة الثورة. لنتذكر الموقف من مؤتمر سوتشي في بداية هذا العام، كيف طالب الشعب السوري بعدم المشاركة فيه لأنه خطر على الثورة. ومع ذلك تجرأ أعضاء في الائتلاف والهيئة التفاوضية وقاموا بتأييد المشاركة، وذهب وفد لحضور سوتشي، وبعد ذلك مباشرة بدأت هيئة التفاوض والائتلاف تنفيذ مقررات سوتشي التي تعتبر التفافًا على مقررات جنيف ومجلس الأمن، واختصرت كل المطالب بمطلب تشكيل لجنة دستورية وانتخابات. وتحاول روسيا وحلفاؤها -بمباركة من قيادات المعارضة- نسيان بند التغيير السياسي الوارد في قرار مجلس الأمن 2254. هل كل ذلك صدفة أم أن هناك من هو مزروع في الهيئات ليهيئ الأجواء للتنازلات واحدة بعد الأخرى! فمن هم هؤلاء الذين يبيعون ويشترون باسم الشعب السوري وباسم أعظم ثورة؟ لماذا يستمرون في اغتصاب حق تمثيل الشعب السوري؟ ومن الذي اختارهم لهذه المهمة؟ ألم ينته دورهم بعد 7 سنوات؟ أم أن المسألة إلى الأبد.

كل الدول أخطأت بحق الثورة السورية، ولكن البعض في قلب المعارضة ما زال يُروّج لمواقف هذه الدولة أو تلك. فما هو الثمن يا ترى؟ أو ما هي الحيثيات؟ هل هناك أي اعتبار لمصلحة الشعب السوري ولمستقبل سورية الحرة؟ أم أن هؤلاء في وادٍ والشعب والثورة في واد آخر.

تشوهت الثورة ليس فقط في مجال الاختراق الأمني والفساد، وإنما إعلاميًا وسياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا. لماذا سمحنا ونسمح للبعض بتشويه شعارات الثورة الوطنية المدنية التي تنادي بوحدة الشعب بكافة مكوناته، بعيدًا عن الطائفية والتحيز والتعصب القومي والديني؟ لماذا لم نناقش خطر وجود أشخاص “شرعيين” في هيئات المعارضة، ولولا الخجل لعينوا شرعيًا للمجلس الوطني السوري والائتلاف وهيئة التفاوض. أشخاص أميين يفتون للفصائل والثورة. هل يعقل هذا؟ ولهم من المواقف ما يندى له الجبين، لأنهم بحثوا عن مصالحهم الشخصية. مثلًا، مسألة توحيد الفصائل أكثر من عارضها شرعيو الفصائل. من عيّنهم؟ ومن أين جاؤوا؟ ألم يكن لدينا قضاة مدنيون محترفون وذوو خبرة، يمكن أن يقوموا بهذه المهمة؟

لماذا سكتنا عن تسمية أيام الجمع بأسماء دينية، مع احترامي لكل الديانات السماوية، مع أن الثورة شعبية وطنية لا دينية؟! أمور كثيرة جرت بعضها ملتبس وغامض ويحتاج إلى تفسير.

كل ذلك لا ينتقص من الثورة والثوار الناشطين الحقيقيين الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الحرية والكرامة. ولكننا ندعو إلى أن يقول السوريون كلمتهم، من أجل دماء الشهداء وعذابات المعتقلين والمفقودين والجرحى والمعاقين، ومن أجل أطفال سورية الذين دفعوا أثمانًا باهظة وهم أطفال صغار، فحُرموا من أقرب الناس ومن المدارس ومن الطفولة، ولكي يُحاسَب الذين تاجروا بتلك المعاناة الإنسانية التي لم يسبق لها مثيل.

الفيس بوك

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.