ثقافة وفكر

شيزوفرينيا الموضة والإعلان: أوهام التجدّد والتغيير والتملّك والحرية/ علاء رشيدي

 

 

يتضمّن تعريف معجم علم النفس بالشيزوفرينيا ما هو مشابه للآثار التي تخلّفها الإعلانات التجارية على المتلقي، وكذلك مع النتائج التي تحيل إليها الموضة في عالمنا المعاصر، وذلك وفق ما أوضح كثر من الكتاب المفكرين والفلاسفة. حرفيّاً، تعني الشيزوفرينيا، بحسب قاموس لاروس لعلم النفس/ 1995: حالة مرضية تتسم بانقطاع التواصل مع العالم المحيط، وتتسم بتراجع الواقع، وتتسم بالفكر المتوحّد.

وهم التجدّد الدائم

في كتابه “طرق الرؤية” يتطرّق الناقد الفني “جون برغر” إلى وهم التجدّد الدائم الذي تحاول لغة الإعلانات التجارية الإيحاء به: في المدن التي نعيش فيها، كلنا نرى مئات الصور الإعلانية كل يوم، ليس هناك من صور أخرى تواجهنا بمثل هذا التكرار، ولا يوجد مجتمع آخر في التاريخ واجه مثل هذا التركيز في الصور، ومثل هذه الكثافة في الرسائل البصرية. قد يتذكر الواحد منا هذه الرسائل أو قد ينساها. لكنه يتلقاها للحظة، فتثير الخيال لديه من طريق الذاكرة أو الترقّب. الصور الإعلانية تخص اللحظة أي أن عليها أن تتجدّد على نحو متواصل وأن تكون عصرية.

لكن في الحقيقة، فإن الإعلان التجاري هو لغة تُستخدم دائماً لتقديم العرض ذاته. في إطار الإعلان، تُعرض الاختيارات بين هذا أو ذاك النوع من مستحضرات التجميل، هذا أو ذاك الطراز من السيارات، لكن الإعلان كمنظومة، لا يقدّم في الواقع سوى عرض وحيد.

لا تتحدث الإعلانات عن اللحظة أو الحاضر، بل غالباً ما تشير إلى الماضي، وتتحدث دائماً عن المستقبل.

يمتاز الإعلان من حيث الجوهر بكونه باعثاً على الحنين نحو الماضي، إذ عليه أن يبيع الماضي للمستقبل. فهو ليس قادراً بذاته على تقديم المعايير لدعاويه. لذلك فإن التلميحات للجودة التي يستخدمها، محكومة بأن تكون ماضوية وتقليدية. فهو يفقد الثقة والصدقية إن استخدم لغة معاصرة.

الصورة السريعة الزوال في الإعلان تستخدم صيغة زمن المستقبل فقط. فهي تقول في هذا المنتوج “ستصبح” سعيداً ومشرقاً، وفي هذه الظروف كل علاقاتك “ستصبح” سعيدة ومتألقة.

يتحدث الإعلان في صيغة المستقبل ومع ذلك فإن تحقيق هذا المستقبل مُرجأ دوماً. كيف يحافظ إذاً على صدقيته، أو بالأحرى على صدقية كافية لممارسة نفوذه؟ إن الحكم على صدقه لا يصدر عن الحقيقي بوعوده، بل عن الإستيهامات الصادرة عنه التي تتطابق مع استيهامات المشاهد – الشاري. ولا تنطبق هذه الاسيتهامات على الواقع، بل على أحلام اليقظة.

كما كشف “جون برغر” عن وهم الحركية الدائمة التي توحي بها الإعلانات التجارية، جهد عالم الإجتماع الألماني “جورج زيمل” ( 1858 – 1918) أيضاً على تفكيك وهم الحركية المستمرة في مجال الموضة. يرى جورج زيمل أن الموضة ظاهرة اجتماعية تحاول أن توحي بأنها لا تبقى على حالها أبداً، وإنما هي في صيرورة دائمة، هي تحاول أن تتسق مع مفهوم الحركة الدائمة، ولذا توحي بحال من التغير الدائم والأداء الأبدي لعملها، فالموضة توهم متابعيها بأنها أسلوب حياة في حالة من الثورة الدائمة اللانهائية، لكن هذه الحركة مدمرة لكل جمود للحركة، مدمرة فعالة وخبيرة.

يركّز “زيغمونت باومان” في كتابه “الثقافة السائلة” على هذه الحركية التي توحي بها الموضة، وتأثيرها في حركة التاريخ. فهو يجد أنه وفي كل حقبة من حقب التاريخ، وفي كل أرض من العمران البشري، وفي كل ثقافة، تعهدت الموضة بدور المُشغل الرئيس في إعادة تشكيل التغير الدائم وتحويله إلى حالة طبيعية لطريقة الحياة البشرية. ولكن طريقة التشغيل، تماشياً مع المؤسسات التي تخدم تشغيلها، تتغير مع الوقت. والشكل الراهن لظاهرة الموضة يحدده استعمار الأسواق الاستهلاكية واستغلالها لذلك الجانب الأبدي من الوضع الإنساني.

من الواضح أن تحوّل التركيز من التملك إلى نبذ الأشياء وتركها والتخلص منها يناسب تماماً منطق الاقتصاد الاستهلاكي. فالمستمسكون بموضة قديمة من الملابس، وأجهزة الكومبيوتر، والهواتف النقالة، هم بمثابة كارثة على اقتصاد يتمثل اهتمامه الرئيس، وشرط بقائه الضروري، في طرح سريع متسارع للمشتريات في عالم النفايات، فالعمود الفقري لهذا الاقتصاد هو التخلص السريع من النفايات.

وهم التغيير المنشود

يعرض الإعلان على كل منا أن نغيّر أنفسنا، أو حياتنا، بشرائنا المزيد، وهذا المزيد الذي يعرضه سيجعلنا أكثر غنى، على رغم أننا في الحقيقة سنصبح أكثر فقراً بهذا الإنفاق.

يقنعنا الإعلان التجاري بمثل هذا التغيير، بعرضه علينا أناساً قد تغيروا، فأصبحوا موضع حسدنا. أن يكون الإنسان موضع حسد هو ما يعزز عامل الفتنة Glamour، والإعلان هو عملية تصنيع هذه الفتنة.

يشدّد “جون برغر” على ضرورة ألا نخلط بين الإعلان والمتعة، أو المنافع التي يمكن الاستمتاع بها عبر الأشياء المعلن عنها. إن الإعلان فعّال تحديداً لأنه يتغذى من الواقعي ذاته. وهو يرى أن أي أعلان يبدأ عند بدء التلاعب بشهية الإنسان الطبيعية للمتعة. لكنه لا يستطيع تقديم الموضوع الواقعي للمتعة. وليس هناك من بديل مقنع في عباراته.

ليس الإعلان إذاً احتفاءً بالمتعة بحد ذاتها، بل هو يدور دائماً حول الشاري المقبل الذي يُقدّم له صورة فاتنة عن نفسه، وذلك عبر المنتوج، أو الفرصة التي يحاول الإعلان بيعها له. وهكذا تجعله الصورة حاسداً لنفسه قدر المستطاع. لكن ما الذي يجعله موضع الحسد؟ إنه حسد الآخرين. فالإعلان التجاري يدور حول العلاقات الاجتماعية وليس حول الأشياء. ووعده له، ليس المتعة بل السعادة التي يقدرها الآخرون خارجاً عنه، سعادة أن يكون محسوداً هي المتعة.

إن غرض الإعلان التجاري هو أن يجعل المشاهد غير راضٍ دوماً عن طريقة حياته الراهنة. لا في طريقة حياة مجتمعه، بل في طريق حياته هو داخل هذا المجتمع. فهو يوحي له بأن حياته ستصبح حياة أفضل، إن اشترى ما يعرضه له، وهو يقدم له بديلاً أفضل لما هو فيه.

إن الشروط الاجتماعية القائمة تجعل الفرد يشعر بأنه مغلوب على أمره، وتجعله يعيش في التناقض القائم بين وضعه الفعلي وبين ما يرغب في أن يكونه.

إن الهوة الماثلة بين ما يعرضه الإعلان فعلاً، وبين المستقبل الذي يعد به، تتطابق مع الهوة بين ما يشعر به المشاهد– الشاري، وبين ما يرغب في أن يكونه. فتتحول الهوتان إلى هوة واحدة، وبدلاً من أن يتجاوزها من طريق الفعل والتجربة المعاشة، فإنه يستبدلها بأحلام اليقظة الساحرة.

وهم الانتماء والتفرّد

عارض آخر من عوارض الشيزوفرينيا يظهر بوضوح حين يتحدث “جورج زيمل” عن رغبتين متعارضتين تعمل الموضة على التناقض بينهما في إيحائها بالحركية الدائمة، هما: رغبة في الإحساس بالانتماء داخل جماعة أو داخل تجمع، ورغبة في التميز عن عامة الناس والإحساس بالفردية والأصالة، حلم الانتماء وحلم الإستقلال، الحاجة إلى الدعم الاجتماعي وطلب الاستقلال، أمنية التماثل والبحث عن التفرد. بإختصار، كل هذه التناقضات تتلخص في الصراع بين الحاجة إلى الارتباط طلباً للأمان، والحاجة إلى الانطلاق طلباً للحرية. أو إذا نظرنا إلى هذا الصراع من منظور آخر، يمكننا القول إن الخوف من كون المرء مختلفاً، والخوف من فقدان الفردية، أو الخوف من الشعور بالوحدة والخوف من انعدام العزلة.

وبالتالي فإن جورج زيمل يثبت بالبرهان أن: الموضة هي شكل من أشكال الحياة الباحثة عن حل وسط بين نزعة المساواة الاجتماعية ونزعة نحو الانفصال والتميز الفردي.

توحي الموضة بأن رغبة التفرد، والتميز عن الحشود العامة، مرتبطان بالبحث عن أحدث الصيحات، بل تخلق أيضاً الإحساس بأن التأخر عن متابعة أحدث التجديدات، أو الإبطاء في الحصول على أحدث التنكولوجيات قد يدي إلى فقدان الفردانية. من المذهل كيف توحي الموضة بأن أحدث الموديلات على مستوى الأزياء، وأجدد تنزيلات شركات الهواتف النقالة، هي علامات دالة على “التقدم”، فلا بد من شرائها بسرعة. أما علامات الأمس فلا بد من إلقائها في كومة النفايات بأسرع وقت. كأن الموضة تقول: احذر مما هو قديم، وإياك أن تتأخر عن الأحدث، مما يؤثر بطريقة كارثية في البيئة، لكنها ليست موضوعنا هنا.

وهم الملكيّة

يوضح “جون برغر” أن الإعلان التجاري يحاول التلاعب بمسألة القلق عند الناس. فالمال هو الهدف الأخير، والحصول عليه يساعد على قهره. المال هو الحياة لا بمعنى أن الإنسان يموت جوعاً بدون المال، أو أن رأس المال يمنحه قوة طبقية تسود على حياة الجميع. بل بمعنى أن المال هو صفة مميزة للقدرة عند أي إنسان وبيان لها. فقوة إنفاق المال هو قوة العيش. ووفقاً لخرافة الإعلان فإن الذين تعوزهم قدرة إنفاق المال لا وجه لهم. أما الذين يمتلكون القوة، فيصبحون محببين من الناس.

ويتابع “جون برغر” أن الإعلان التجاري هو ثقافة المجتمع الاستهلاكي، فهو يروج عن طريق الصورة، باستخدام لغة التصوير الزيتي. فالتصوير الزيتي هو فن الاحتفاء بالملكية الخاصة أولاً بأول، فهو يستمد شكله الفني من المبدأ القائل: “أنت ما تملكه”. فالإعلان التجاري برأي برغر هو حياة الثقافة الرأسمالية، بقدر ما أن الرأسمالية لا تستطيع البقاء دونه، وهو في الوقت ذاته حلمها.

لكن في الحقيقة، فإن شروط العمل في المجتمع الرأسمالي هي ما يديم وضع الفرد على ما هو عليه، يكتب جون برغر: “فالدوام الطويل لساعات العمل الخالية من المعنى، تتم موازنته بمستقبل من الحلم يحل فيه النشاط المتخيل محل الحاضر الساكن. ففي حلم اليقظة الذي يعيشه العامل أو العاملة المستكينة يتحولان إلى مستهلكين فعالين، والذات العاملة فيهما تحسد الذات المستهلكة”.

وهم الحريّة الخادعة

يبين جون برغر أن للإعلان التجاري وظيفة اجتماعية مهمة أخرى، في تحويل عملية الاستهلاك إلى بديل عن الديموقراطية، فاختيار المرء ما يأكله أو يلسبه أو يركبه يحل محل الاختيار السياسي البالغ الأهمية. وتساعد الدعاية الجارية على إخفاء ما هو غير ديموقراطي في المجتمع، وتدفع تعويضاً عنه، وتتستر عن كل ما يحدث في بقية أرجاء العالم.

في الإطار ذاته، يتحدث زيغمونت باومان عن يوتوبيا الحياة المتمركزة حول الموضة المراوغة دائماً– على العكس من يوتوبيات الماضي، لا تمنح معنى للحياة، سواء كان أصيلاً أم زائفاً، إنها تساعد فقط على نفي الأسئلة المتعلقة بمعنى الحياة من العقول، لقد حولت رحلة الحياة إلى سلسلة لا نهائية من الهموم المتمركزة حول الذات.

هذا يتفق مع ما كتبه الكاتب المسرحي البولندي “سلافومير مروتسك” (1930– 2013) : عندما تتمركز أحلامنا وآمالنا تمركزاً كاملاً حول الأنا، وتختزل في اللعب بأجسادنا أو أرواحنا، فلن يبقى حينها من حدود لطموحاتنا وإغواءاتنا بتضخيم تلك الأنا، وسنرفض حينها القبول بأي حدود”.

يشبّه سلافومير مروتسك العالم الذي نسكنه “بدكان صغير يزخر بأثواب تنكرية، تحيط به حشود تبحث عن ذواتها… وبوسع المرء أن يغيّر الثياب بلا نهاية، فما أروع الحريّة التي ينعم بها الباحثون عن ذواتهم… فلنستمر في البحث عن ذواتنا الحقيقية، فيا لها من متعة رائعة، بشرط ألا نعثر على الذات الحقيقية أبداً، فلو بلغناها لانتهت المتعة.

درج

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.