منوعات

عطر اليانسون يجمع الأمزجة الرائقة حول كأس العرق في الشرق

 

 

العرق مشروب يواجه اليوم منافسة قوية من المشروبات الروحية الأجنبية الأخرى خاصة في أوساط الشباب الذين عزفوا عن المشروب التقليدي.

 

عرفت الشعوب المشروبات الروحية منذ قديم الزمان، ففي الشرق الأوسط عرفت البلدان التي استوطنت فيها المسيحية واليهودية هذا المشروب الذي كتب عنه الشعراء العرب قصائد طويلة، وتطورت صناعته مع تطور الحياة، إلا أن الأجيال الجديدة أصبحت تفضل المشروبات الأجنبية، لأنها لا تتطلب إعداد طاولة غنية بالمأكولات كما العرق.

بيروت – للفرح طقوسه وتقاليده عند الشعوب، وإن كانت تلتقي حول بث الشعور بالسعادة، فإنها قد تختلف في بعض التفاصيل، وفي بلاد الشام والعراق يجتمع الأصدقاء والعائلات حول جلسات يعبق فيها مشروب العرق برائحة التقاليد، لا سيما حين يستحيل السائل الشفاف إلى أبيض لحظة خلطه بالماء ومكعبات الثلج برفقة الأطباق التقليدية الشهيرة في المنطقة.

والعرق مشروب روحي يستخرج من العنب المشبع باليانسون، وينتشر شربه في لبنان وسوريا والعراق والأردن وتركيا واليونان، وحتى في السودان حيث يصنع من البلح.

ويعتقد أن المشروب تم اختراعه من قبل المسيحيين واليهود في الشرق الأوسط، وأصبحت عملية تقطيره سهلة عندما استطاع العالم المسلم جابر بن حيان اختراع أداة التقطير.

ويعود تاريخ الخمر التقليدي في السودان إلى 7 آلاف سنة قبل الميلاد، ويعد الرجال العرق من البلح بدل العنب، أما بقية أنواع الخمور فتعدها الزوجة “الصالحة” لأن المرأة الناجحة هي التي تحسن إعداد الخمر لزوجها.

ويسمى في العراق وسوريا “حليب السباع”، لأن العرق بعد إضافة الماء له يصبح بلون الحليب، فالبعض يعتقد بأن شرب العرق من مظاهر الرجولة وهو شراب الشجعان، حتى أن البعض منهم يسخرون من شاربي البيرة والنبيذ، معتبرينهم مبتدئين، لكن النساء في العائلات المسيحية واليهودية يشاركن في جلسات العرق ويشربن منه كؤوسا قليلة.

 

هذا المشروب يواجه اليوم منافسة قوية من المشروبات الروحية الأجنبية الأخرى خاصة في أوساط الشباب، ما دفع بعض الشركات المنتجة للعرق في لبنان إلى تنظيم مهرجان يهدف للترويج للمشروب التقليدي وخصوصا بين الشباب لأن كبار السن ممن اعتادوا تناوله لا يتنازلون عنه لمعرفتهم بفوائده وأجوائه.

يقول كريستيان عيسى، الذي شارك في المهرحان الذي نظم مؤخرا في منطقة “تعانيل” شرق العاصمة بيروت، “أهم شيء في العرق هو أن أجدادنا كانوا يستخدمون الأعشاب لعلاج الأمراض وليس الطب”.

ويضيف، “إنهم يؤمنون بالأعشاب، ولذلك اختاروا صنع العرق مع اليانسون الأخضر لأنه يحتوي على الأنيثول، وهو مركب يساعد على الهضم”.

ويقول أن الشباب العربي اليوم يقبل على شرب الويسكي والفودكا لانها مشروبات لا تتطلب موائد طعام، خاصة وانهم اصبحوا يلتقون على عجل حتى في سهراتهم.

ويعتقد البعض من المغرمين بشرب العرق وخاصة من كبار السن، أنه علاج تقليدي لأمراض القلب، لكن مع ذلك لا نجده في الصيدليات، ولكن تجارب الأجداد الذين اعتادوا المداواة بالأعشاب يعتقدون أن فوائده كثيرة.

ويقطر العرق قديما في البيت، أما اليوم فيصنع في المصانع المخصصة من العنب بشكل خاص ويمكن صناعته من أنواع أخرى من الفواكهن كما يفعل السودانيون في استخلاصه من البلح.

ويقول نبيل معلم من حمص “صناعة العرق من التراث القديم، فكما هنالك من يصنع الرب ومن يصنع صابون الزيت وغيرهما من الصناعات التراثية التي ورثناها عن أجدادنا، كذلك صناعة العرق تعتبر من العادات والتقاليد التراثية في مُجتمعنا، وخاصة لدى العائلات المسيحية في سوريا ولبنان والعراق وتحديدا في المناطق التي تنتج عنبا جيدا، وتحتاج هذه الصناعة لمعرفة وإتقان شديدين”.

ويقول يونس شعبان من إحدى قرى حمص في سوريا “تتم عملية صناعة العرق من أفضل أصناف العنب التي يجب أن يكون مذاقها حلوا، ويتم وضعه بعد عملية عصره في براميل نعمل على تحريكها كل يوم لمدة 12 يوما ليتخمر العنب، وبعد ذلك تتم عملية نقل العنب إلى وعاء آخر لنضيف إليه كمية من اليانسون المناسبة ونشعل تحته نارا هادئة إلى أن تبدأ عملية التبخر”.

ويمر البخار عبر أنبوب يوضع في ماء بارد حيث يبدأ البخار بالتكاثف على شكل قطرات تشكل العرق.

ويؤكد أن هناك من يستعمل غاز الطهي اليوم لندرة الحطب، أما هو فمازال يحافظ على طريقة الأجداد التقليدية، ويقول عن تمسكه بهذه الطريقة رغم توافر العرق في السوق “الطريقة التقليدية لمن يريد كأسا نظيفة، أما العرق التجاري فليس فيه عنب، بل مجرد كحول مضافة إليها نكهات”.

وتختلف وصفة العرق البلدي عما تبيعه المصانع. ويقول شعبان “العنب واليانسون يوضعان في وعاء خاص يسمى الكلكة محكم الإغلاق، ويتركان فوق نار حطب هادئة، ليتقطر سائل صالح للاستخدام الفوري تصل نسبة الكحول فيه حوالي 65 بالمئة، أو ليعاد تقطيره ثلاث مرات حسب المزاج، ومن هنا يقال ‘عرق مثلث’”.

وعن طقوس تصنيع العرق يقول “أيام زمان كنت تجد تجمع الأصدقاء والأقارب حول الكلكة، في جو من الشواء والشرب والمرح، أيام كانت العلاقات والمودة أكبر”.

ويضيف “أنا أقوم بإنتاج استهلاكي الشخصي الذي أخزنه لموسم الشتاء، فالعرق يضفي جوا من الدفء على السهرات الشتوية، كما أني أقدمه هدايا للأصدقاء، فالذي يسكر لا يعد الأقداح”.

واليوم لا يوجد سوى القليل ممن يصنعون العرق في البيت، بل يفضلون شراءه من المحلات من المنتجين الصغار الذين يصنعونه بغرض التجارة، أو من المعامل الكبيرة التي تخصصت في صناعة المشروبات الروحية.

لمشروب العرق طقوسه الخاصة جدا باعتباره أحد الطقوس التقليدية للاحتفال، فنادرا ما يشرب لوحده في الجلسات أو السهرات، بل إنه رفيق ملازم لطاولة متنوعة من الأطعمة والفواكه، وهذا ما يميزه عن المشروبات الكحولية الأخرى، بل ينصح بعدم شربه على معدة فارغة.

وأكثر أنواع الطعام المفضلة مع العرق هي الفواكه جميعها  والخضروات وخاصة السلطات، ولا تغيب الأطباق الرئيسية من اللحومات وخاصة المشية والكبة.

ويحب البعض من عشاق العرق أنواع الجبن المختلفة، مع الزيتون والمخللات، والسر في ذلك بحسب العارفين يكمن في طعم ونكهة اليانسون الذي يجعل العرق شهي المذاق مع هذه الأنواع من الأطعمة. وغالبا ما يكون كأس العرق مقسما إلى ثلاثة أثلاث؛ عرق وماء وثلج، وهو أمر نسبي يختلف بين شخص وآخر، وتدق أسفل الكؤوس بعضها ببعض قبل بدء الشرب وهو دلالة على الاشتراك في المزاج ورائحة اليانسون.

ومن الطقوس المصاحبة لجلسة العرق عادة تغيير الكؤوس في كل مرة، فلا يعاد صب العرق في نفس الكأس مرتين، وهذه عادة وأسلوب في الشرب وليست قاعدة.

وتتحول جلسات شرب العرق إلى جلسات فرح، خاصة إذا كان هناك من يحسن العزف والغناء، أو عند تواجد فرق العازفين والمغنين في المطاعم.

العرق مشروب المزاج لذلك لا يحتمل شاربوه الغش الذي انتشر مؤخرا مع انتشار صناعته بغرض التجارة والربح السهل. ويقول إميل عوض مدير أحد مصانع العرق في سوريا “منتجنا يقلد في كل مكان، يعتقد الناس أنهم يتذوقون العرق، لكنهم يشربون شيئا مختلفا”.

ولشاربيه قصص طويلة مع العرق المغشوش ويكون عادة من النوع الذي يشترونه من المحلات التجارية ويكون دون شهرة محلية.

ويروي عوض أسوأ ما تعرض له لدى حضوره حفل زفاف، إذ اكتشف أن العرق المقدم على الطاولات كان مغشوشا، ولدى سؤال والد العريس اعترف بشرائه عرقا رخيص الثمن.

يقول سليمان حيدر من حمص “أشرب العرق منذ خمسين عاما، كان مذاقه طيبا، لكن اليوم لم يعد له المذاق ذاته، لذلك أشتري عرقا غالي الثمن فأضمن الجودة والمذاق”.

يبقى العرق مشروب أهل الشرق الذين يجتمعون على شربه في جلسات طويلة تجمعهم بعيدا عن انتمائهم الديني.

العرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.