سياسة

ماذا قال أوباما لبوتين؟/ عمر قدور

 

 

مع يوم غد تنقضي ثلاث سنوات على التدخل العسكري الروسي في سوريا، التدخل الذي أتى ظاهرياً إثر تصريح بشار الأسد بأنه مع حلفائه من الميليشيات الشيعية غير قادر على السيطرة سوى على جزء من الأراضي السورية. وبعد بدء التدخل سيُعلن أنه قد أرسل لبوتين يطلب نجدته، ثم تأتي التسريبات لتكشف بأن اجتماعاً سرياً بين بوتين وقاسم سليماني هو الذي ناقش ومهّد له، ومن المتوقع أن ذاك الاجتماع ناقش قضايا تفصيلية تتعلق بالتنسيق بين الميليشيات الشيعية على الأرض “بصفتها القوة الرئيسية المدافعة عن بشار” والقوة الجوية الروسية القادمة، ومن المتوقع أيضاً أن قرار التدخل على المستوى السياسي كان سابقاً عليه وعلى إعلان بشار إفلاسه.

ما يبقى غامضاً حتى الآن كلمة السر التي التقطها بوتين من أوباما، كي يقرر التدخل مطمئناً إلى عدم وجود نوايا أمريكية لعرقلته، أو على الأقل كلمة السر التي نطقها جون كيري وزير خارجية أوباما أمام نظيره الروسي. يكفي على سبيل المثال أن يُعرب بوتين عن رغبته في المشاركة في الحرب على “الإرهاب” في سوريا وأن يوافق أوباما أو يصمت، مع فهم الطرفين لمغزى المشاركة. في ما مضى كانت سفيرة الولايات المتحدة قد قالت عبارة لصدام حسين، فاطمأن إليها واجتاح الكويت، وإذا كنا لا نستطيع مقارنة صدام ببوتين، ولا العراق بروسيا، فإن حضور القوات الأمريكية في سوريا كفيل بمنع تدخل روسي ما لم يكن برضا أمريكي تم التعبير عنه مسبقاً صراحةً أو مواربةً.

كما نعلم، بخلاف بعض الآمال والأوهام، أثبتت إدارة أوباما ومن بعدها إدارة ترامب تمسكهما بالتفاهم الذي أفضى إلى التدخل الروسي، فلم نشهد أية عملية ضد القوات الروسية يمكن اعتبارها رسالة تحذير أمريكية. وفي حين انقلب ترامب على سياسة سلفه إزاء طهران بقيت السياسة إزاء موسكو على حالها، بل تعززت بالصمت على قضم مناطق سيطرة المعارضة واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى تسليم جبهة حوران التي كانت برعاية أمريكية مباشرة.

خلال ثلاث سنوات كنا أمام معطيات تدل جميعاً على تسهيل المهمة الروسية، والعثرات التي طرأت أحياناً كانت من صنع موسكو لا من صنع واشنطن، أو نتيجة استخفاف الأولى بالوضع السوري المعقد، والقناعة بأن تحقيق نصر سريع حاسم أمر ممكن بسهولة. لهذا السبب تدرجت التصريحات الروسية المرافقة للتدخل، بدءاً من اعتبارها مهمة تنقضي خلال أشهر، ومن ثم الإدلاء بإعلان عن النصر وسحب جزء مهم من القوات الروسية سرعان ما يتبعه إعلان آخر عن تعزيزها، أو الاضطرار إلى إرسال الشرطة العسكرية الروسية لتدير بنفسها بعض المناطق التي أُعيدت إلى سيطرة الأسد.

في سياق موازٍ تطورت المطامع الروسية ليترسخ التدخل العسكري كقوة احتلال، من خلال معاهدات طويلة الأمد تتعلق ببقاء القواعد الروسية، مع توسيع النطاق الجغرافي والأمني لها. وبدل الحديث الأول عن مكافحة “الإرهاب” بدأت موسكو تتحدث عن “السيادة” على كل الأراضي السورية، بما فيها ضمناً تلك الخاضعة للنفوذ الأمريكي. وفي العديد من المرات استقبلت بشار الأسد على نحو مهين له، من أجل تعزيز الانطباع بأنها القوة الوحيدة المسيطرة على الأرض. لكنها في الوقت نفسه تصرفت على منوال بشار إزاء الواقع السوري، إذ من المرجح أنها رفضت فتح خطوط اتصال مع المعارضة رغم وساطات إقليمية، ولم تخفِ تصريحات المسؤولين الروس النيةَ في سحق المعارضة نهائياً.

جردة حساب ثلاث سنوات من الاحتلال الروسي لا يكفيها القول بحدوثه ضمن تسهيلات دولية وإقليمية استثنائية، بسبب ازدحام القوى الخارجية الموجودة في الساحة، ما لم يُستكمل هذا القول بأن المصلحة من الانتصار العسكري الروسي تشرف على نهايتها. فبوتين أدى تقريباً كامل المهمة المطلوبة غربياً لجهة التخوف من فوضى السلاح ومن المنظمات المصنّفة إرهابيةً بقرار دولي، وهو أيضاً أدى ما يتمناه هو ويتمناه بعض القوى الإقليمية لجهة سحق الفصائل الإسلامية، سواءً أكانت معتدلة أو راديكالية. عند هذا الحد يصطدم التدخل الروسي بأفقه الأقصى، ما لم تتدخل تلك القوى التي باركت وجوده لإنقاذه من نصره!

إن أقصى ما يمكن لبوتين تحقيقه بمفرده هو السيطرة على كامل الأراضي التي لا تخضع للنفوذ الأمريكي، والتوقف هنا يعني تكذيب ما واظب على إعلانه حول السيادة على كامل التراب السوري، ويعني أيضاً عدم الاستفادة من ثروات أساسية متواجدة في تلك المناطق، مثل النفط والغاز والمياه والزراعة تالياً، في وقت تشتد فيه الحاجة إليها مع الانهيار الاقتصادي لتنظيم الأسد، ومع الديون المتراكمة أثناء الثورة لصالح موسكو وطهران. ما كان يُكرر سابقاً عن السيطرة على “سوريا المفيدة” جيوسياسياً قد حققه بوتين بالفعل، إلا أنها ليست سوريا المفيدة اقتصادياً أو استراتيجياً، وفي الأصل ارتبط هذا المفهوم بالسيطرة على المناطق التي تخدم امتداد النفوذ الإيراني من طهران إلى الجنوب اللبناني، ولا يمكن تصريفه خارج تلك المصلحة المحدودة.

بحسب المواقف الغربية المعلنة ليست هناك رغبة في مساعدة بوتين على استكمال نصره، مثلما ليست هناك نية لإزعاجه في منطقة نفوذه الجديدة. الغرب حتى الآن لا يريد التطبيع مع فكرة بقاء تنظيم الأسد على النحو الذي كان عليه قبل الثورة واستمر أثناءها، ولا يريد دعم منظومة المخابرات والفساد الأسدية من خلال مشاريع إعادة الإعمار. كل ما أُشيع في السنوات الأخيرة عن قبول غربي ببقاء بشار مشروط بوضعه تحت وصاية صارمة، وضمن إطار الشروع في الحد الأدنى من التغيير الذي طالب به السوريون، والذي هو أيضاً حاجة لمختلف الحكومات الغربية كي تحفظ ماء وجهها فلا تبدو كأنها تطبّع علاقاتها مع سفّاح لم يسبق لغيره أن ملأت صور وأخبار مجازره وسائل الإعلام.

السلبية والتلكؤ الغربيين كافيان لمحاصرة طموحات بوتين، ولجعل احتلاله جزءاً من سوريا بمثابة خدمة لطهران والأسد أكثر مما يخدم المصالح الروسية نفسها. ما يلخّص الوضع الحالي ذلك الاستعجال الذي أبدته موسكو في أكثر من مناسبة لإبرام تسوية مع الغرب في الملف السوري، بينما لم يتجاوب الغرب مع تلك المساعي، ولم يحاول عرقلتها أيضاً إدراكاً لعدم قدرة بوتين على فرض الحل الذي يشتهيه. وطالما استمرت هذه الحال فسيبقى بوتين في ورطة، لا ينقذ صورته منها حصوله على مستعمرة ناقصة ومدمّرة بالمناصفة مع طهران.

قصدَ ذلك أوباما، أم لم يقصده، فالنتيجة أن التواطؤ الأمريكي مع التدخل الروسي يحتمل من الخبث بقدر ما يحتمل من تسهيل الحصول على منطقة نفوذ لموسكو. الطريف في الأمر هو عدم وجود رئيس أمريكي حالي تعتمد عليه موسكو في وضع استراتيجياتها، سواءً إيجاباً أو ضداً، ولو كان يُعوَّل على أقوال ترامب أو تغريداته على تويتر لحقق بوتين مبتغاه، أما وأن الواقع ليس كذلك فربما لا يخفف عنه ورطته السورية سوى ورطته بالتدخل لصالح ترامب في الانتخابات الرئاسية.

المدن

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.