سياسة

واشنطن التي لا تعرف الأسد!/ عمر قدور

 

 

لعل التصور الذي أدلى به جيم جيفري، الممثل الخاص للولايات المتحدة في سوريا، يوم الجمعة الماضي يعكس السياسة الأمريكية إزاء الملف السوري، ما لم يخرج رئيسه ترامب بمفاجأة ما جرياً على خفّته وهوسه بالاستعراض. أهم ما في تصريح جيفري لوكالة رويترز تهديد الأسد بعزلة تشمل العقوبات الاقتصادية، إذا عرقل بشار العملية السياسية الرامية إلى إنهاء الحرب، وإذا تقاعس عن التعاون في إعادة كتابة الدستور تمهيداً لإجراء انتخابات.

يدرك جيفري أن فرض عقوبات دولية، من خلال قرار دولي ملزم، غير ممكن بسبب الفيتو الروسي. لذا هو يهدد باستخدام قدرة بلاده على استقطاب مجموعة واسعة من الحلفاء الذين سيلتزمون بتطبيق العقوبات. والطريف في الأمر أن واشنطن تخوض الآن اشتباكاً سياسياً مع الاتحاد الأوروبي بسبب إعادة فرض العقوبات على إيران، ورغم نجاحها النسبي بسبب هيمنتها على أسواق المال والتأمين الأساسية دولياً إلا أنها لم تحقق نجاحاً معنوياً وسياسياً مماثلاً بسبب هذا الخلاف، وأيضاً بسبب قدرة إدارة ترامب على استقطاب المزيد من الأعداء الذين لن يتوانوا على التعاون في ما بينهم.

من أجل التهويل يهدد جيفري بعزل الأسد على النحو الذي عُزلت فيه إيران قبل عام 2015، وهنا مصيبة إضافية ضمن تصوره، فهو كأنما يعتبر تلك العقوبات قد نجحت في انتزاع تنازلات من نظام الملالي. أو هو لا يريد الإقرار بأن طبيعة النظام الإيراني ليست من النوع الذي يرضخ أمام أسلوب الضغط هذا، لأن الرضوخ وبدء تقديم تنازلات يهددان طبيعته ذاتها. وفي مثال آخر لم نلمس أثراً يُذكر للعقوبات الغربية على موسكو، بسبب احتلالها القرم وتدخلها في أوكرانيا، بل على العكس زاد منسوب العدوان الروسي ليصل إلى سوريا بمباركة أمريكية.

وإذا استرجعنا تاريخاً ليس بالبعيد فالعقوبات الدولية على نظام صدام قد تكون الأشدّ، وقد يكون الالتزام بتطبيقها مثالاً على التوافق الدولي. تلك العقوبات لم تدفع صدام إلى التراجع عن بنية نظامه، وكان مستعداً ولو على سبيل النكاية لبناء المزيد من القصور الرئاسية الفاحشة التكاليف، وبالتأكيد لم يكن ليخطر في باله إطلاقاً التنحي لإنقاذ بلاده. وكما نعلم كانت الشرائح الأضعف والأفقر هي الأكثر تضرراً من العقوبات، بينما حافظت طبقة السلطة على امتيازاتها، وبالتوازي مع ذلك حافظت على قدرتها على القمع.

إذا اعتبرنا الهدف النموذجي لسياسة العقوبات والعزل هو إفقار شرائح واسعة من البلد المستهدف، ومن ثم تأليبها على الثورة ضد السلطة التي تسببت بالعقوبات، فإن هذا الهدف لم يتحقق لمرة واحدة في أنظمة الاستبداد كي يُبنى على نجاحه. أكثر من ذلك؛ يحتمل الربط بين شدة الإفقار والثورة من شبهة التبشير الماركسي أكثر مما يحتمل من الفكر الليبرالي، وبالتأكيد لا يحتمل أدنى شبهات العدالة ما دام يضغط على الفئات الأضعف.

من يطّلع على تصور جيم جيفري هذا سيكون أمام احتمالين؛ فإما أن واشنطن لا تعرف الأسد، أو أنها تتجاهل ما تعرفه. فآخر تهديد يمكن أن يذعن له من قتل وتسبب بمقتل حوالي مليون سوري هو التهديد بعقوبات لن يتأثر بها هو، أو الدائرة الحساسة من بنيته العسكرية والمخابراتية، أي البنية الصلبة التي ستبقى جاهزة لممارسة القمع. وإذا تجاوزنا الفشل السابق لسياسة العقوبات؛ لا يُتوقع من مجتمع سوري خُذل للتو من المجتمع الدولي أن ينتفض وكأنه مغرم بكونه ضحية الإبادة العلنية.

ربما ينبغي التذكير بأن هذه العصابة الحاكمة قد ساعدت من قبل نظام صدام للتحايل على العقوبات الدولية، من خلال تهريب النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى تركيا، ولديها خبرة أيضاً بتهريب الثروات الطائلة المودعة في الخارج إلى مخابئ آمنة. وفي حال تعرّضها للعقوبات سيساعدها حلفاؤها في لبنان للتحايل عليها، وستكون الحدود مع العراق منفذاً آخر لتبادل منافع التهريب. عوائد التحايل والتهريب لن تعود بالنفع على الفئات الضعيفة، بل على تجارها وعلى الطبقة المستهلكة القادرة على الدفع، وستنحصر هذه التجارة في بعض المواد ذات المنشأ الغربي، بينما ستبقى خطوط التجارة الاعتيادية مفتوحة مع الصين وروسيا وسواهما.

لقد كان من قبل فرض عقوبات غربية على أشخاص وكيانات من تنظيم الأسد مجرد إجراء معنوي أو إعلامي، والمشمولون بها ربما لم يخسروا سوى فرصة زيارة الدول الغربية. التلويح الأمريكي بعقوبات أشد لا تخرج جدواه عن هذا الإطار، أي أنه في حال حدوثه واتفاق الغرب عليه لا يعدو كونه إبراء ذمة من شبهة التعاطي مع سفّاح والتواطؤ على إبقائه. إلا أن هذه ستكون فرصة للأخير كي يبرر عجزه وفساده معاً، فخلال سنوات الثورة الماضية كان تبرير التردي الاقتصادي والمعيشي أمام مؤيديه هو نفقات حربه على “الإرهابيين”، ومن المؤكد أن العقوبات ستكون ذريعة في وقتها للقول بأنها سبب التردي المعيشي الذي يُتوقع تفاقمه.

ينبغي ألا ننسى ما هو مطلوب أمريكياً من بشار لقاء عدم فرض العقوبات، وهو يقتصر على عدم إعاقة كتابة دستور جديد، يشارك هو في كتابته وربما يملك حق الفيتو على ما لا يروق له، ومن ثم إجراء انتخابات لم يقل أحد أنه تستثنيه من المشاركة فيها. ضآلة التنازلات المطلوبة منه هي الفضيحة الأمريكية، وعدم قبوله بها هو منتهى الإخلاص لما كان وسيبقى عليه. وإذا كان لا بد من التذكير فإنه فضّل فقدان سيطرته على جزء من الأراضي السورية على فقدانه جزءاً من سطوته الكلية على الأراضي التي يحكمها، ومن المؤكد أنه يفضّل السيطرة الأمريكية على جزء من الأراضي السورية “فيه جزء معتبر من ثروات البلاد” إذا كانت استعادتها تشترط وجود شراكة في المفاصل الفعلية للسلطة.

في أقصى لحظات ضعفه رفض بشار مبدأ المشاركة، ولم يتعاطَ وفده في جنيف مع المفاوضات بأدنى جدية. في الواقع لسنا نحن، ولا واشنطن أو سواها، من يحدد خريطة تغيير هذه العصابة، فهي ومؤيدوها أعلنوا ويعلنون باستمرار استهتارهم بكافة أساليب الضغط بما فيها الضربات العسكرية المحدودة، وأنهم لن يتغيروا إطلاقاً، وكأنه يلزم لإفهام المجتمع الدولي أن يظهر بشار ليعلن بصراحة أن السياسة الوحيدة التي يؤمن بها وتنفع معه هي تلك يستخدمها إزاء الثائرين عليه.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.