ثقافة وفكر

الطائفية والطغيان: بحث في المعنى والسلطة/ ماهر مسعود

 

مقدمة:

على قدر ما تبدو الطائفية مسألة بسيطة أو واضحة أو مفهومة في الحس العام، على قدر ما هي إشكالية معقدة مفهومياً وواقعياً؛ حيث يتراكب في المفهوم الطائفي، وبالتالي الواقع الطائفي، كلاً من الدين والسياسة والثقافة والاجتماع والتاريخ، بطريقة تجعل المفهوم ذاته مشدوداً في كل مرة، إلى واحد من التفسيرات المتنازعة على احتكاره وفهمه، أو ردّه إليها وحدها واختزاله ضمن سياقها. والمشكلة الخادعة والمخادعة في المسألة الطائفية هي: إن رد الطائفية إلى الدين صحيح بذات الطريقة التي يكون ردّها إلى السياسة أو إلى الثقافة أو إلى المجتمع أو إلى التاريخ صحيح أيضاً، لكن الاكتفاء بواحد من تلك التفسيرات، يخفي أكثر مما يوضح، ويغيِّب أكثر مما يُظهر، ويعقِّد أكثر مما يحلل، وفي المحصلة يساهم في بقاء المشكلة أكثر من المساهمة في حلها.

أما في المقلب الآخر، فإن الدمج المغفّل للأصول المتعددة للمسألة الطائفية يحوّل المعرفة إلى أيديولوجيا سائلة، تنساق مع رغبات قائلها وأهدافه في إظهار جوانب معينه لإخفاء أخرى، ويحوّل الفهم الموضوعي إلى توجيه وتحشيد غرائزي.

سيحاول هذا البحث، قدر الإمكان، الابتعاد عن كلا الحديّن معاً، أي الاختزال الأحادي والدمج المغفّل، بهدف الوصول إلى أعلى مستوى ممكن من الموضوعية والفهم والتوضيح للمشكلة الطائفية، التي لن نتمكن من بناء إي مشروع وطني مستقبلي قبل مواجهتها وإيجاد الحلول المعقولة لها.

كل عمل أو تفكير في الطائفية لا بدّ أن يواجه مجموعة من الأسئلة من قبيل: ما هو معنى الطائفية؟ هل هي اشتقاق لغوي للدلالة على التعدد الطائفي والمذهبي ضمن دين معين، أو ضمن بلد معين؟ هل الطائفية مشكلة ثقافية أم سياسية، وهل تحيل إلى الثقافة أم إلى السياسة، وما الذي يفصل بين المعنى الثقافي والمعنى السياسي للطائفية؟ ما علاقة الطائفية في بلادنا بالإسلام تحديداً؟ وهل النظام الإسلامي للحكم هو نظام طائفي في أصله وفصله، أم هو نظام مساواتيّ يحل المشكلة الطائفية أكثر مما يعمقها؟ هل الوعي الطائفي هو المسؤول عن تفكك المجتمعات وتحول الدول إلى مستنقعات للتنظيمات ما دون- وما فوق الوطنية، أم أن هذا الوعي ذاته تم تشكيله وإنتاجه إنتاجاً من خلال الأنظمة الطغموية التي لم تعتن سوى بسبل بقائها في السلطة؟ هل الطغيان هو سبب رئيس للنزاعات الطائفية أم ضامناً لمنع المنازعات الطائفية؟ وعليه يصبح الطغيان نتيجة؛

بمعنى ما، للمجتمعات الطائفية القائمة في بلد معين؟ ما هو وجه التشابه بين الطائفية والعنصرية؟ وهل الطائفية هي عنصرية قائمة على الاختلاف الديني مثلما تنبني العنصرية على الاختلاف العرقي والجنسي؟ هل يتحدد الصراع القائم في الشرق الأوسط، وفي سوريا تحديداً، بأنه صراع طائفيّ بالأساس، وهل النظام السوري هو نظام طائفي أم أنه نظام علماني يحمي سوريا من الشقاق الطائفي؟ هل يعد التقسيم والتحاصص الطائفي حلاً في البلاد المكونة من مجموعة طوائف، وهل “الديمقراطية التوافقية” الموجودة في بلدان مثل سويسرا أو النمسا أو حتى ماليزيا قابلة للتطبيق في منطقة الشرق الأوسط المنقسم والمتعدد طائفياً؟

هذه الأسئلة وأخرى غيرها هي ما سيكون موضوع هذا البحث، في محاولة للفهم الواضح للطائفية وللصراع المعقد والمستمر في سوريا وفي شرق المتوسط منذ انبثاق الربيع العربي عام 2011 بشكل خاص. وعلى اعتبار أن سوريا ستكون الموضوع الأساسي المستهدف لهذا البحث، فإننا سنركز على بعض آليات صناعة الطائفية في سوريا، محاولين في هذا السياق فهم البُنى الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية التي أدت إلى انفجار الثورات العربية، وكيفية تحولاتها إلى صدامات طائفية موسعة طالت الإقليم برمته.

معنى الطائفية:

في كتابه ‘‘المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات‘‘، يعرّف برهان غليون الطائفية على أنها “الاستخدام السياسي للدين”، ثم يضيف في سياق آخر أن “الطائفية هي التعبير السياسي عن المجتمع العصبوي الذي يعاني من نقص الاندماج الذاتي والانصهار، حيث تعيش الجماعات المختلفة بجوار بعضها البعض لكنها تظل ضعيفة التبادل والتواصل فيما بينها”. بينما يكتب أسامة المقدسي في سياق تقديمه للترجمة العربية لكتابه “ثقافة الطائفية” أن الطائفية برزت “بوصفها تعبيراً مميزاً عن نوع معين من أنواع المساواة (ويقصد المساواة بين الأقليات والأكثرية) التي كانت هي ذاتها نتاجاً لتقاطع الإصلاح العثماني والتدخل الغربي والفاعلية المحلية”.

ثم يتابع “ولئن صح أن الطائفية كثقافة سياسية قد تراكمت وتركزت إلى الآن فوق رواسب تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، فإن الواقعة الأساسية بشأن الطائفية تبقى أنها ظاهرة أُنتجت إنتاجاً، وهذا يعني أن من الممكن تغييرها”. وفي مكان آخر من صلب الكتاب يقول مقدسي: “تنتمي الطائفية فكرة وممارسة إلى ما هو حديث.

وإذا كان التحديث العثماني والنفوذ الاستعماري الأوروبي قد هيأ المنصّة لبدايات ما دعوته ثقافة الطائفية في القرن التاسع عشر، فإن مصطلح الطائفية في القرن العشرين، وخاصة مع قيام الدولة الوطنية، قد سُكَّ ليشير إلى كينونة نقيضة للتطور الوطني الحديث”.

وفي اشتغاله على الموضوع ذاته، يعرّف ياسين الحاج صالح الطائفية بأنها “مركّب عمليات صراعيَّة متعددة الجوانب تتكون فيها الطوائف كفاعلين سياسيين متنازعين بدرجات متفاوتة”. أما نيكولاس فان دام، فيعرف الطائفية إجرائياً في كتابه “الصراع على السلطة في سوريا” فيقول: إن الطائفية هي “التصرف أو التسبب في القيام بعمل بدافع الانتماء إلى مجموعة دينية معينة”.

ربما يجد القارئ نفسه متفقاً مع إحدى تلك الرؤى والتعريفات المقدمة أعلاه، أو ربما يتفق مع توصيفاتها جميعاً، ولكن في الوقت نفسه يبدو من الواضح أيضاً أن معنى الطائفية لم ينجل تماماً ولم يفسر المطلوب منه تفسيره. ففي التعريف الأول يبقى برهان غليون منقسماً على نفسه بين ظاهرتين للطائفية من حيث هي “الاستخدام السياسي للدين” من جهة، أو هي “تعبير سياسي عن المجتمع العصبوي” نفسه، فمرة تكون استخداماً سياسياً، من فوق، للدين، ومرة تعبيراً، من تحت، عن المجتمع العصبوي. وفي المحصلة يبقى التعبير السياسي عن المجتمع العصبوي نتيجة للطائفية وليس تعريفاً لها، حيث لا يمكننا أن نكتفي بتعريف الشيء بأعراضه لأننا بهذا نضيّع جوهره.

أما مقدسي، فيبقى عالقاً في التاريخ، محاولاً شرحه بشكل جيد، واستقاء الحلول للحاضر عبر فهم هذا التاريخ، وفهم تغيراته التي آلت إلى ما أصبح عليه اليوم. هذا مهم، ولكنه لا يرقى إلى فهم التحولات النوعية للطائفية وقطائعها الايبستمولوجية بالمعنى المفهومي وليس التاريخي فحسب، حيث سنرى من خلال البحث ضرورة إجراء قطع معرفي مع مفهوم الطائفية كما تجلى في التاريخ القديم والحديث، إذا أردنا أن نؤسس وعياً معاصراً للإشكالية الطائفية كما تتبدى في الراهن، الآن وهنا.

ياسين الحاج صالح وعلى الرغم من سياسويته الشديدة في مجمل مقالاته حول الموضوع، إلا أن تعريفه للطائفية يبقى في حدود الثقافوية الاجتماعية حيث إن “العمليات الصراعية المركبة التي تحوّل الطوائف إلى فاعلين سياسيين متفاوتين”، ليست عمليات صراعية طبيعية أو ثقافية بين الطوائف، بل هي عمليات صراعية بين المستثمرين السياسيين للطوائف، الذين قد يكونوا مستثمرين محليين أو خارجيين، وهم يشرفون على تلك العمليات الصراعية ويصنعونها في غالب الأحوال.

وأخيراً يبدو تعريف نيكولاس فان دام مخادعاً على رغم البساطة الظاهرة له، وهو تعريف مُغرق في الثقافوية والجوهرانية، “فالتصرف بناء على الانتماء لدين أو لطائفة” ليس طائفياً إلا في شروط سياسية محددة، يغفلها فان دام ليضيع بين إدانة المجتمع أو إدانة السلطة، أو ليصل إلى نتيجة هي أقرب لدائرة “كما تكونوا يولّى عليكم” المعروفة، والتي لا مخرج منها تبعاً لجوهريتها ووقوعها في صلب ثقافة وتاريخ المجتمع الموصوف.

لذلك سأقوم مبدأياً بتركيب واستخلاص جوهر ما تقدَّم في التعريفات أعلاه بالقول: إن الطائفية هي ظاهرة اجتماعية، سياسية، تاريخية، تأسست على التمييز استناداً إلى الهوية الدينية والأصل المذهبي.

لكن التمييز القائم على الهوية الدينية والمذهبية كان موجوداً على طول خط التاريخ الإسلامي دون أن يسمى “طائفية”، ثم انتقل إلى مستوى أكثر بروزاً في التاريخ الحديث مع الإصلاح العثماني والتدخل الأوروبي (وظهور ما يعرف بالمسألة الشرقية) وصولاً إلى بدايات تشكل “الدول” في العالم العربي، دون أن يصبح مشكلة سياسية أولى أو أولوية سياسية وثقافية، بينما يمكن ملاحظة أن الطائفية كظاهرة، ارتفعت إلى مستوى نظام سياسي بعد استقرار الأنظمة العسكرية التي انقلبت على الحكم، وقد تم ذلك بعد مراحل متفاوتة من الاستقلال عن الاستعمار الخارجي. فمع تلك الأنظمة، ارتفع التمييز على أساس الهوية والانتماء إلى مستوى تمييز عنصري، واضح ومعلن مثلما عبر عن نفسه في لبنان، أو مضمر ومُغطّى مثلما عبّر عن نفسه في كل من سوريا والعراق.

مُذَّاكَ، باتت الطائفية عبارة عن آلية سياسية/اجتماعية للتمييز على أساس الهوية الدينية، وشكل مطابق للنظام السياسي، تستخدمها السلطة للسيطرة على المجتمع عبر تفريقه واللعب على انقساماته، والسيطرة على تعريف المجتمع لنفسه، ووعيه الذاتي لذاته، وبالتالي تاريخه وجوهر وجوده. أصبحت الطائفية إذاً، شكلاً للنظام السياسي القائم على مضمون عنصري. ولأن الطائفية قامت على التمييز على أساس الهوية الدينية والمذهبية للأفراد كما أسلفنا، فقد كانت الشكل الأنسب لنظام الحكم والسيطرة والسلطة، من حيث إن التمييز هو نظام السلطة الطائفية، وهو ما يجعلها طائفية، وما يساعدها على التماسك العصبوي والبقاء حَكَماً بين الأفراد والطوائف وحاكماً عليهم.

ولكي نفهم الفرق بين الطائفية في كلا التاريخين_ الإسلامي القديم، والتاريخ الحديث حتى خروج الاستعمار -وبين الطائفية الجديدة في الدولة العربية المعاصرة، لابد من مقارنتها بالعنصرية والعبودية، فمثلما كانت العنصرية والاستعباد نظاماً “شرعياً” في عصور سابقة، ثم أصبحت وصفاً لأقبح أنواع الأنظمة في التاريخ المعاصر، وباتت مُجرَّمة اليوم بالمعنيين السياسي والأخلاقي. كذلك يمكن القول إن الطائفية بوصفها تمييزاً عنصرياً على أساس الهوية الدينية كانت نظاماً “شرعياً” في التاريخ الإسلامي وحتى بدايات التاريخ الحديث وصولاً للاستقلال، أما الطائفية المعاصرة فهي إجرام محض بحق المجتمعات ومن خلالها، لا بد من تجريمها مثلما تم تجريم الأنظمة العنصرية في التاريخ المعاصر إذا أردنا التفكير بأي بناء وطني وعقد سياسي/اجتماعي جديد.

بين الثقافة والسياسة

يتداخل في الطائفيّة ما هو ثقافي بما هو سياسي، ويصعب في كثير من الأحيان الفصل المطلق بين ما هو ثقافي مجرّد، وما هو سياسي بحت، وهي محكومة بالأيديولوجيا والبروباغندا وتزييف الحقائق حيث يتداخل كلا المعنيين للطائفية ويصعب الفصل فيما إذا كانت الطائفية عاملاً أصيلاً في ثقافة المجتمعات أم هي صناعة سياسية مجردة. فالطائفية السياسية تتحول إلى ثقافة مجتمعية عندما يكون النظام ديكتاتوريّاً، وهو ما يجعل الطوائف تنسحب من المجال العام الواسع للدولة نحو طوائفها. وما ينطبق على الطوائف ينطبق على أي هويات أخرى إثنيّة أو جهوية أو عشائرية مكونة للمجتمعات.

هذا الأمر يطرح إشكالية لا بد من توضيحها والتوقف عندها، فإذا قلنا إنّ الطائفية هي مجرد شيء ثقافي يصيب المجتمعات في حالاتها المتخلفة، فنحن نؤبّد نظرية المجتمعات الثابتة الستاتيكية صاحبة الهويات الثابتة التي لا تتغير، وهذا بدوره يصب في إطار الصورة النمطية التي تحاول سياسات الدول المتقدمة نشرها عن مجتمعاتنا، لتؤبدها في تخلفها وتستهلك تلك الصورة الاستشراقية لصالح سياساتها ولصالح جمهورها.

أما إذا قلنا إنّ الطائفية هي مجرد سياسة فنحن نخلي عن أنفسنا المسؤولية، وندخل ضمن إطار نظرية المؤامرة التي تروجها أنظمتنا لتبقى ممسكة في زمام السلطة، وتمنع أي حراك ديمقراطي، وبهذا المعنى “المؤامراتي” تصبح الطائفية هي من صناعة الاستعمار بينما مجتمعاتنا خالية بالأصل من أي بعد طائفي. فنحن جيدون لكن الدول الأخرى تقوم بالمؤامرات ضدنا لتؤلبنا على بعضنا، وتفرقنا، وتحكمنا في المحصلة.

ولذلك، فإن أي إزاحة واعية للطائفية إلى حيز ثقافة المجتمعات يحوِّل الكلام حول حقيقة الطائفية إلى أيديولوجيا موجهة، تُعمي بدل أن توضّح، بالإضافة إلى أنه وقوع في فخ الثقافوية المتعالية التي تصبّ، من حيث لا تريد، في إطار المقولة الدينية؛ التي لا يحبها الثقافويون عادة، وهي “كما تكونوا يولَّى عليكم”.

كما إن أي إزاحة واعية للطائفية إلى الحيز السياسي وحده، أي “كما يولَّى عليكم تكونوا” يغفل حركة المجتمع وتاريخه وفاعليته في المسائل الطائفية ودوره فيها، وهو إذا كان يلقي اللوم على السياسيين، أفراداً ودولاً؛ وهم يستحقون اللوم والإدانة بالتأكيد، لكنه يتغاضى عن ثقافات دينية وعّرفية لها باع وتقاليد واسعة في المسألة الطائفية.

بالمعنى الثقافي، تشكل الطائفة جزءاً من هوية الأفراد، الأفراد يعطون الطائفة بنيتها واستمرارها ووجودها، وهي تتشكّل ضمن هويتهم الفردية. والوجود ضمن طائفة، هو مثل الوجود ضمن عائلة أو بيئة أو جغرافيا أو طبقة أو جنس معين، فجميع تلك الموجودات الرمزية والمادية غير مختارة، لكنها تشكل جزءاً من هوية الأفراد والمجتمعات وتؤثر بها على أكثر من صعيد. نسمّي هذا النوع من الهوية بالهوية العمودية “الشاقولية” للأفراد، وهي تختلف اختلافاً “كلياً” عن الهوية الأفقية التي يختار فيها الأفراد اختياراً حراً ما يصنع هويتهم وشخصيتهم المميزة على أساس واعي وحر ومسؤول.

هذا الوضع بالمجمل، لا يختلف بين مجتمع وآخر من حيث طبيعته الجوهرية، الشروط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هي التي تختلف من مجتمع إلى آخر، وتغير بالتالي شروط تكوين الهوية، أي تتغير علاقات الأفراد ونظرتهم لذواتهم وللآخرين في المجتمع المذكور، لكن تبقى الطائفة جزء من الهوية مهما ترقّى المجتمع أو مهما كان بدائياً. لكن السؤال البديهي الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي يجعل الطائفية أو الصراع الطائفي يظهر في مجتمع بذاته ولا يظهر في مجتمع آخر؟ الجواب يكمن في السياسة لا في الثقافة، بمعنى أن السياسة قد تعزز جزء من الهوية الفردية/الاجتماعية، وتبني نفسها عليه، أو على محاكات ذلك الجزء واللعب به وعليه، وإعطاءه الأولوية في الحضور والتمييز والامتياز، إلخ. فتصبح الطائفية إذاً مُحدداً نوعياً وسياسياً ووجودياً للأفراد، تعبّر هي عنهم، مثلما هم يعبرون عنها.

الآن، تقوم الدولة المعاصرة من حيث المبدأ على مفهوم المواطن، والمواطن هو كائن سياسي مجرَّد، تغيب عنه، أو تُزال منه كل اعتبارات الهوية الأولية، مثل اللون والجنس والدين والعرق والطائفة والعشيرة… إلخ، لتظهر السمة الكبرى التي تحدد علاقته بالدولة، وبالآخرين ضمن الدولة، وهي علاقة المواطنة، أي العلاقة القائمة على التساوي المطلق مع كل الآخرين في الكيان السياسي -المجرَّد أيضاً- والذي هو الدولة. هذا التساوي ليس تساوياً قيميّاً ولا وجودياً ولا طبقياً ولا وظيفياً، بل تساوٍ أمام القانون، فالناس ضمن المكان الجغرافي الذي تتحدد به الدولة، قد يكونوا مختلفين في كل شيء، ولكنهم متساوون من حيث الهوية المواطنية أمام الدستور الذي يحددوه لأنفسهم ضمن الدولة.

ما نريده هنا هو أن وظيفة الدولة الأساسية هي ضبط الاختلافات والنزاعات الدائمة بين الناس، وإدارة هذا الاختلاف على أساس الهوية المواطنية التي تربط الأفراد فيما بينهم، مثلما تربطهم جميعاً بالدولة، لكن عندما تقوم النخبة السياسية القائمة على الوظائف العليا والأساسية في الدولة، بالتمييز بين الناس على أساس إحدى هوياتهم الكثيرة الموجودة عندهم -الهوية الطائفية في مثالنا- يظهر ما يتم التمييز على أساسه إلى السطح، ويصبح مُحدداً لتوجهات الناس واختلافاتهم، فتتحول الدولة من كيان مجرّد وحيادي إلى كيان فاعل ومنحاز، أيديولوجي أو ديني أو طائفي أو قَبَلي، إلخ. وهذا الانحياز يلقي بظلّه على جميع مؤسساتها وفي المجتمع بشكل عام، لينبني على هذا الأساس مجتمعاً طائفياً يمارس طائفيته سراً أو علناً تبعاً للظروف السياسية المتاحة، لكن إخفاء الطائفية، كما كان الحال في سوريا البعثية، لا يعني على الإطلاق انعدام وجودها، بل وانتشارها، في بنية المجتمع والسلطة السياسية ومؤسسات الدولة جميعها.

أما الطائفية بمعناها السياسي المعاصر، فهي لا تختلف عن العنصرية، ولا بد من تجريمها مثل تم تجريم العنصرية. لكن مرة أخرى، المشكلة الصادرة عن النظرات الثقافية والثقافوية للطائفية –لا سيما عند العديد من القادة السياسيين والمحليين والمعلقين والكتّاب ومحرري الصحف في الغرب، إضافة لما في بلادنا- هي أنها ترى في مجتمعات المنطقة كمجتمعات طائفية جوهرياً، وتجعل من انتماء الشخص مُداناً بذاته من حيث هو الوجود الجوهري الباقي والأبدي، ويصبح تفسير وجود الحروب الطائفية قائم على أن مجتمعاتنا طائفية ماهوياً، والاختلاف والخلاف الطائفي خلافاً “أصيلاً” وقديماً، لا فرار منه، ولا يمكن منعه إلا بقوة دولة الاستبداد، فتنقلب العلاقة والحلول المقترحة رأساً على عقب، أي إنه عوضاً عن أن يكون الاستبداد هو مُحرض الطائفية وحاضنها و”خالقها”، يصبح الاستبداد نتيجة للطائفية. ما العمل إذاً؟ لابد من دعم الاستبداد حتى يحد من فوضى الحروب الطائفية! هذه هي النتيجة التي تصل إليها النظرات والنظريات الثقافوية، والتي يعتمدها القادة السياسيون في الغرب اليوم لحل مشاكل الشرق الأوسط، وسوريا بشكل خاص.

أخيراً، وبالمعنى السياسي أيضاً، نجد أن هناك شكلين للطائفية السياسية والنظام الطائفي في شرق المتوسط: الأول هو ما أسميناه نموذج السستم الطائفي (sectarian system) ويعد لبنان حالة نموذجية لهذا الوضع الطائفي، والثاني هو نموذج الحكم الطائفي (sectarian regime) ويعد كلّ من النظامين السوري في عهد الأب والابن، والعراقي في عهد صدام ومن بعده المالكي والعبادي، مثالين نموذجيين عن هذا النظام.

كلا النموذجين الطائفيين يقومان على أسس عنصرية، ويمارسانها بالفعل بغض النظر عن أساطير البناء الوطني والواجهة “العلمانية”. لكن أيضاً من المهم أن نعرف أن كلا النموذجين (أي الحكم الاستبدادي الطائفي والسستم المحاصصاتي الطائفي) لا يمكن لهما العمل ضمن إطار وطني، فالتبعية للخارج، أو جعل الخارج داخلاً في أي معادلة داخلية، هو ما يجمع الأنظمة الطائفية في سلة واحدة.

الطائفية والإسلام:

هناك من يحاول فصل الطائفية عن الإسلام، على اعتبار أن المثل الأعلى للطائفية في المنطقة بات هو النظام الأقلّوي السوري، بعد أن كان المثل الأعلى لبنانياً في الثقافة الجمعية العربية، لكن بتقديرنا إن الطائفية هي منتج أصيل من منتجات النظام الإسلامي في الحكم، فقد قام النظام الإسلامي منذ العصر الأول على رفع المسلمين فوق غيرهم من أبناء الديانات الأخرى بناء على هوياتهم الدينية، ثم حل هذا البلاء على عالم المسلمين نفسه عندما انقسم العالم الإسلامي إلى سنة وشيعة أولاً، ثم إلى العديد من الطوائف والمذاهب الإسلامية التي يدّعي كل منها أحقيته بالحقيقة الدينية والحقيقة السياسية خلفها، بل فوقها،

ويعدّ نظام الخلافة الإسلامية نظاماً طائفياً بامتياز من وجهة نظر معاصرة، وذلك من حيث اعتباره كل من ليس مسلماً هو في درجة أقل من المسلمين (أهل ذمّة، وأهل كتاب… إلخ) أقل حقوقاً وأقل مواطنة، وهذا ما يرفع التمييز إلى مستوى “الحق الطبيعي” للمسلمين دون غيرهم، ويجعل من المساواة المواطنية أمراً مستحيلاً في ظل الحكم الإسلامي وخارج دائرة المسلمين؛ السنّة أو الشيعة، أنفسهم.

ليس مجال بحثنا هو العودة التفصيلية لأصول الحقبة الإسلامية وعصر الإسلام الأول، يكفي أن ننظر إلى الحكم المعاصر لنرى كيف أن نظام صدام حسين السني كان نظاماً طائفياً بامتياز ضد الشيعة والأكراد، وكذلك نظام الخلافة لدى داعش أو النصرة حيث لا نجد أنفسنا بحاجة لشرح طائفية كل من الحركتين السنيتين، حتى لو كانت كل من الحركتين قد قتلت من أهل السنّة وحاربت العديد منهم أكثر من غيرهم، فهذا لا ينفي المبدأ الطائفي الذي قامت عليه كل من الحركتين، وهو مبدأ عزل السنّة الصراطيين واعتبارهم الأحق بالخلافة والحكم والسيطرة والوجود، مقابل جميع الآخرين الذين هم بدرجات أقل حسب ترتيبهم قياساً بالمثل الأعلى السنّي الأحق بالخلاقة في عين ذاته.

ليس هناك علاقة حصرية بين النظام الطائفي وحكم الأقلية، فالحكم الطائفي هو حكم “أقلّوي” يقوم على التمييز على أساس الهوية الدينية، سواء كان الحاكم من الأقلية أم من الأكثرية. نظام حافظ الأسد العلوي وابنه من بعده في سوريا ليس أقل طائفية من نظام صدام حسين السنّي في العراق أو نظام المالكي والعبادي بعده؛ وإن بصيغة مقلوبة، حيث تمّ رفع الشيعيّة إلى مستوى النظام السياسي الطائفي بعد أن كانه نظام صدام السنّي، وهذا ما ينطبق على النظام “المحاصصاتي” الطائفي اللبناني على طول خط قيام الدولة اللبنانية، مع أن تعريفنا للبنان يميل إلى وصفها على أنها “مجموعة دول في اللادولة” أكثر مما هي دولة أو كيان سياسي موحَّد.

بالعودة للنظام الإسلامي في الحكم، يمكن إجمال القول: إن الإسلام لا يمكن أن يكون دين ودولة في الوقت ذاته كما يدّعي فقهاءه دائماً. كان الإسلام دين ودولة في عهد الامبراطوريات الدينية القديمة، وربما استمر على هذا النحو بطرق محدَّثة في المخيال السياسي والثقافي لكل من السعودية وإيران بوجه خاص، لكن طبيعة السياسة والحياة المعاصرة تتجه نحو إثبات الفشل الهيكلي لأي دولة دينية، ولتفرض على كل من الدولتين إما التخلي عن الدولة والغرق في تشكيلات عصبوية ما قبل الدولة، أو التخلي عن الدين بوصفه السياسة الرسمية للدولة، وبالطبع بوصفه الدستور الرسمي والمرجعي لقوانينها وحياة مواطنيها.

لا يمكن للإسلام أن يكون دين ودولة اليوم، دون التخلي عن طابعه الديني والروحي، والتحول إلى ايديولوجيا سياسية ملوثة بكل أوحال السياسة وقذاراتها وانعدام احتكامها للأخلاق أو المبادئ الإنسانية القويمة، حيث أصبح من قبل البديهي اليوم أن المصلحة والثروة والسلطة هي أساسيات السياسة، وهذه بالمجمل ما يترفع عنها أي دين سماوي. (تجدر الإشارة إلى أن تحويل الإسلام إلى أيديولوجيا بديلة عن الأيديولوجيات اليسارية والقومية كان قد بدأ بالفعل مع ثورة الخميني في إيران).

يمكن للإسلام أن يكون دين ودولة على طريقة الفاتيكان ليس إلا، وهي دولة دينية بالمعنى الرمزي أكثر من أي معنى واقعي للدولة الحديثة ومقوماتها، (حيث لا تزيد مساحتها عن 0.44 كم وعدد سكانها عن 800 نسمة). وما ينطبق على الإسلام ينطبق بذات المعنى على اليهودية، حيث يرغب الصهاينة بتشكيل دولة ودينية في فلسطين، لكن هذا المشروع، بالإضافة إلى طائفيته وعنصريته ضد غير اليهود، فهو مشروع محكوم بالفشل المطلق للاعتبارات ذاتها التي تكلمنا عنها فيما يخص الإسلام.

الطائفية والطغيان:

لن نقول أن الطغيان هو مُوجد الطائفية وصانعها من العدم، فمجتمعاتنا هي مجتمعات طائفية بشكل ملموس، ينتمي أفرادها إلى طوائفهم ومذاهبهم وأديانهم وإثنياتهم انتماء قوياً، وتحكمهم عادات وأعراف تلك المذاهب والأديان بشكل راسخ، حيث لم تعرف مجتمعاتنا بعد نظاماً ديمقراطياً واحداً يساوي بين المواطنين دون النظر إلى هوياتهم وأصولهم، لكي تتجاوز بشكل فعلي انتماءاتها الطائفية، ومن هنا يمكننا القول: إن الطغيان هو معزز الطائفية ومؤبدها، كما إن أول وأقصر طريق لإنهاء الطائفية في بلادنا هي القضاء على الطغيان، وايجاد نظام حكم ديمقراطي.

الطغيان بحاجة للطائفية لكي يستمر، على اعتباره نظاماً قائماً على التمييز والإمتياز، بالمعنى الأصلي للعبارة، وإن لم يجد في المجتمع طوائفاً ومذاهباً متعددة، سيخترعها لكي يعيش عليها، فمن دون زراعة التمييز والتفريق والتجهيل والإنقسامات لن يحصد الطغيان الاستمرار.

إلا أن الطغيان في الحالة السورية لم يكن طغياناً هرمياً نموذجياً من الأعلى إلى الأسفل فحسب، أو طغياناً يمكن فهمه حسب نموذج الشجرة ذات الجذور المتشعبة في تاريخ المجتمع، بل كان طغياناً جذمورياً بحسب التعبير الدولوزي. بمعنى أنه طغياناً متشعباً بشكل عامودي وأفقي وبيني، ليس له مركز أو جذر واضح يساعد في فكفكته أو يجعلها عملية واضحة وسهلة، هو طغيان متشعب في أرض المجتمع السياسي والمدني والأهلي وسطحه وطبقاته جذمورياً، حيث إن “الشجرة تفرّع، لكن الجذمور تحالف”.

وعلى سبيل المثال عندما نجد أن مدير مكتب الوزير قد يكون بالفعل أقوى من الوزير نفسه تبعاً لعلاقاته الطائفية أو الأمنية، أو نجد معاوناً في المخابرات أهم من ضابط قيادي_ وغالباً أهم من مجمع ضباط في الجيش السوري_ فذلك يعني أنه لا هرمية واضحة في طبيعة الطغيان الطائفي السوري، فنحن لا نعرف بشكل واضح إن كنا أمام “مشكلة طائفية؟ أم صراع طبقات؟ أم هو ثأر الأرياف؟ أم نظام عسكري؟ أم سلطة البعث؟ أم إسلام ثوري/رجعي؟…

حيث لم يكن حافظ الأسد مهتماً بتأسيس نظام حكم (ومن هنا تأتي صعوبة اقتلاعه من قبل معارضيه” هذا ما جعل ويجعل وصف النظام السوري بالنظام الطائفي فقط، لا يسمن ولا يغني من جوع، أي لا يكفي ولا يملأ الفراغ الواضح في التعريف، حيث إن للنظام عدد كبير ومتشعب من الوجوه، يستطيع أن يستخدم كلّ منها في مناسبة معينة حسب الحاجة، وتكون كلها صحيحة ومنافقة في الوقت نفسه، فهو نظام طائفي في أحدى وجوهه لكنه نظام طبقي ومناطقي وجهوي وعلماني وإسلامي وعقائدي (عقيدة الحزب الواحد) وديكتاتوري عسكري وشيوعي ورأسمالي وعروبي وقومي عنصري في وجوهه الأخرى، وهذا ما جعل من صورة النظام الخارجية مشوشة وغير مستقرة على وصف وحيد. معبأة بالعديد من الناظرين المتناقضين في الواقع، حيث يرى المُحلل العلماني أن سوريا علمانية، بينما يراها محلل إسلامي بلد إسلامي يُدخل الشريعة الإسلامية في دستوره وقوانيه كمصدر أساسي للتشريع، كذلك يفعل القومي والعروبي والشيوعي والرأسمالي.. الخ.

الطائفية في التاريخ السوري:

في تاريخ الكيان السوري الحديث، لم يقيض للحقبة الفيصلية الاستمرار لأكثر من عامين فحسب، (1918- 1920) لتدخل سوريا بعدها عهد الانتداب الفرنسي، وبالطريقة ذاتها، لم يتسنى لحقبة الاستقلال عن الفرنسيين أن تستمر أكثر من سنتين أيضاً، (1946- 1948) لتدخل سوريا والمنطقة العربية معها في مرحلة جديدة كانت تداعياتها أخطر من تداعيات سايكس/بيكو ذاتها، تمثلت بنكبة فلسطين وإعلان دولة إسرائيل. فلئن كان أثر النكبة على فلسطين والشعب الفلسطيني مباشراً، إلا أن أثره على المنطقة برمتها كان أثراً غير مباشر ما زلنا ندفع أثمانه الباهظة بطريقة أو بأخرى حتى اليوم. ففي سوريا بدأ تراجع النخب السياسية المدنية لصالح تقدم العسكر عاماً تلو آخر، وتقدم ثقافة شعبية ترى في العسكر مخلّصين، ووعي زائف بالقوة المفترضة للعسكر التي تعوض الإحساس العارم بهدر الكرامة نتيجة فقدان فلسطين، وقد تمثل ذلك في الانقلابات العسكرية التي تلت عام النكبة.

ومن الملاحظات التي يغفلها المؤرخون عادة، هي أن تقدم العسكر نحو واجهة الحياة السياسية في غياب مفهوم الشعب بمعناه السياسي وعدم تشكُل دولة أمة، وهو ما لم يتحقق حتى يومنا هذا، جعل العسكر يتجهون؛ بوعي منهم أو دون وعي؛ نحو الولاءات العشائرية والمناطقية والطائفية، حتى لو كانت شعاراتهم أو “آمالهم الصادقة” أحياناً، متجهة نحو بناء الدولة أو سيادة الوطن. فالطبيعة العسكرية مضادة للاعتراف بالاختلاف ومحكومة بفرض الطاعة عن طريق القوة العارية والولاء المطلق، ولا يمكن أن يتحقق هذا النوع من الولاء، في ظل غياب دولة المواطنة، من دون الاعتماد على القرابات الأهلية والطائفية، والمتتبع لحكم الجنرالات في سوريا منذ استقلالها لن يجد خروجاً واضحاً عن هذه “المبادئ” إطلاقاً.

في المرحلة التي تلت الاستقلال أصبح الجيش قوة فاعلة على الساحة السياسية السورية، ولاسيما بعد نكبة فلسطين، حيث قدَّم العسكر أنفسهم على أنهم الجهة التي يُناط بها استعادة الحقوق والتحرير. ومن الطبيعي؛ تبعاً للاتفاق الضمني بين الطوائف والعادة المكتسبة من زمن الاحتلال، أن يصبح قادة الجيش السنيّون هم قادة البلاد وذلك ما حصل خلال الانقلابات العسكرية التي تلت الاستقلال مباشرة. جدير بالذكر أن قادة الانقلابات (الزعيم، الحناوي، والشيشكلي) التي شهدتها سوريا في تلك المرحلة هم سنيّون، وكذلك قادة الانقلاب على الوحدة مع مصر عام 1961، حيث كان هذا الأخير بقيادة الضابط الدمشقي عبد الكريم النحلاوي.

لكن بعد أن ترسخ الانقلاب البعثي الأول عام 1963، جرت وتغيرت عدة تحالفات طائفية، وعابرة للطوائف، وبرز العامل الطائفي كواحد من أهم العوامل المفسرة لما يجري في سورية آنذاك. وإذا قسنا الأمور بالمعيار الطائفي سنجد أن التنافس الأقوى على السلطة كان بين العلويين والسنة ثم يليهم الدروز، وأن موازين القوى العسكرية المباشرة كانت تميل بشكل واضح إلى العلويين وبعدهم الدروز، مع بقاء موازين القوى غير المباشرة بيد السنة الأكثر عدداً، ولذلك نجد أنه خلال السنوات الممتدة بين 1963- 1967، ولاسيما إبان انقلاب البعث الثاني ضد الرئيس أمين الحافظ في 23 شباط 1966، تمت تصفية الضباط السنة أولاً ثم الدروز ثانياً- ولاسيما ممن ساهموا في الانقلاب الفاشل الذي قاده سليم حاطوم ضد جديد والأسد في سبتمبر/أيلول من العام نفسه- و”قد وصل عدد الضباط الذين تمت تصفيتهم وإزاحتهم بطرق مختلفة إلى نحو 700 ضابط تم استبدال نصفهم على الأقل من العلويين”.

و”قد كان هؤلاء الضباط من الدمشقيين، والناصريين، والوحدويين المستقلين، ثم بعد ذلك تبعهم أكثر من 400 ضابط من أنصار أمين الحافظ وسليم حاطوم وخاصة الضباط الدروز والحوارنة. وعندما دخلت سنة 1967، كان الجيش السوري قد فقد أكثر من ألفين ومائتي ضابط وثلاثة آلاف ضابط من الاحتياط، ويعادل ذلك ثلثي ضباط المؤسسة العسكرية بأسرها. وتم استبدالهم بمجموعات حزبية طائفية تمتلك عقلية تنظيمية متطورة لكنها كانت مرصودة للصراعات الداخلية والسيطرة على السلطة لا على مواجهة العدو الصهيوني”.

أن المتتبع للبنية الايبستمولوجية المغلقة للبعث منذ استلامه السلطة سيجد أن الطرق الإجبارية التي سار عبرها، بقوة دفع منفصلة عن النوايا، قد مضت بتصفية طائفية ومناطقية مرتبطة باحتكار السلطة ومراكز القوة، دون أن يكون أعضاء طائفة معينة أقل طائفية أو أكثر “وطنية” من الطوائف الأخرى بالمعنى المطلق للعبارة، فالصراع على السلطة في سوريا لم يكن له دين سوى السلطة ذاتها، وهذا الدرس هو الدرس الذي حفظه عن ظهر قلب، ثم قام بتنفيذه حرفياً، حافظ الأسد خلال الفترة الطويلة لحكمه.

الطائفية في “سوريا الأسد”:

يذكر باتريك سيل في كتابه عن الأسد، أنه في منزل رفعت بالمزة وقف الأخوان آخر الأمر وجهاً لوجه، فسأل الأسد: “أتريد أن تقلب النظام؟ ها أنذا. أنا النظام”. والحقيقة أنه؛ بعد تلك الحادثة في عام 1983، والتي كانت نهاية الصراع “الأخوي” على السلطة، وبعد أن تخلص الأسد قبل ذلك من المعارضة اليمينية الإسلامية ممثلة بالإخوان المسلمين، وتخلص من المعارضة اليسارية بجريرتها وفي الوقت ذاته، حيث تم إيداع معظم أعضائها وأهم قادتها في السجون؛ لم يكن الأسد هو النظام فحسب، بل أصبح ملك سوريا بلا منازع، إنها “سوريا الأسد”! وفي سوريا الأسد حيث كان الكلام الصريح في الطوائف والطائفية محرماً كانت أجهزة الدولة بأهم مفاصلها ومؤسساتها بيد الثقات والأقارب من الطائفة العلوية، وكانت ظاهرة “العلي” (أشهرهم علي دوبا، علي أصلان، علي حيدر، وعلي حبيب ..الخ)، هي الأقوى في الأمن والدفاع، كما كانت أجهزة الأمن التي تدربت وتأهلت وأخذت مجدها منذ عام 1978، مُسيَّطراً عليها بشكل شبه مطلق من العلويين، هذا بالإضافة إلى جهاز الإعلام الذي تناوب على قيادته وزراء علويون في كامل العهد الأسدي الأول،

وفي ذاك العهد أيضاً لعب جهازي الأمن والإعلام دوراً ريادياً وعضوياً في نظام الأسد. ففي الوقت الذي كان دور أجهزة الأمن هو منع تسمية الأشياء بمسمياتها، كان دور الجهاز الإعلامي هو تسمية الأشياء بغير مسمياتها، وفي الوقت الذي كانت سوريا بأمس الحاجة لنزع سياسة الأمن وإعادة الأمن أمناً وطنياً، ونزع عقيديّة الجيش وردّه جيشاً وطنياً، ونزع حزبية الدولة وردّها دولة وطنية، فإن العكس هو ما حصل. أي أن أجهزة الأمن باتت هي الجهة الأكثر إرعاباً للسوريين، والأكثر إخلالاً بأمنهم؛ وبحصانة قانونية، والجيش أصبح أكثر عقائدية وولاء “للحزب والقائد”، بعد أن أصبح الوطن لا يعني عملياً أكثر من النظام ذاته، وأما حزب البعث فقد تحول إلى أداة هيمنة شعبية لصناعة “الطلائع” و”الشبيبة” و”اتحاد الطلبة” الجامعي، فيما بقي الأسد ذاته والأقربون (الأولى بالسلطة)؛ ولاسيما ممن يحملون كرت الولاء الطائفي؛ خارج اللعبة الحزبية أو بالأحرى فوقها.

توريث الجمهورية واستمرار النهج:

مات حافظ أسد في 10 حزيران عام 2000 بعد أن ورَّث الجمهورية إلى ابنه ذو ال34 عاماً، وبتعديل دستوري سوريالي تم فيه تخفيض سن رئيس الجمهورية من 40 إلى 34 سنة، ورفع رتبة بشار من عقيد إلى فريق أول (رتبة أبيه)، وقد تميز عهد بشار الأسد بثلاث سمات رئيسة طبعت حكمه بطابعها خلال العقد الذي سبق اندلاع الثورة السورية نجملها كما يلي:

السمة الأولى كانت عبارة عن انفتاح اقتصادي (رأسمالي مُلبْرَل) أُطلق عليه تسمية اقتصاد السوق الاجتماعي، وترافق مع سيطرة عائلة الأسد ومخلوف والدائرة القريبة والمحيطة بهم على أكثر من ثلثي الاقتصاد السوري، وصعود نمط السيطرة الاقتصادية السلطوية “المافيوزية” على مقدرات البلد إلى الواجهة، مع التراجع المحدود للقبضة الأمنية العسكرية الحديدية والمغلقة التي ميزت عهد الأسد الأب. إلا أن طبيعة التحول الاقتصادي على النحو المافيوزي المذكور، وضمن منهج التطوير والتحديث للأسد الابن، أدت لفساد مالي وإداري عمَّ جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية السورية بطريقة لم يسبق لسوريا أن عاشت مثلها في تاريخها الحديث، حتى أصبح لدينا ما يمكن تسميته بـ”التعاقد الاجتماعي” على الفساد، حيث الرشوة والوصولية والانتهازية والوساطة والاستزلام باتت الشرط “الطبيعي” الذي يواجه السوريون كيفما ولَّو وجوههم داخل سوريا.

والحقيقة أن “اقتصاد السوق الاجتماعي” الذي تم طرحه لم يكن أمراً يتعلق لا بالسوق؛ أي التنافس، ولا بالاجتماعي؛ أي تحسن ظروف وشروط مجتمع العمل، وإنما باندماج الثروة والسلطة. فقد تخلت السلطات السورية عملياً عن العقد الشعبوي العائد للزمن “الاشتراكي” القديم، دون أن تتنازل ولو عن قسط قليل من احتكارها السياسي، بل إن “البرجوازية الجديدة” كانت محمية من الدولة بالذات، بينما مجتمع العمل بقي مكبل اليدين واللسان. وعلى هذا النحو أخذ النظام يُظهر ملامح تسلّطية تجمع بين لبرلة الاقتصاد من جهة والاحتكار السياسي من جهة أخرى. وأبرز الملامح الاجتماعية لهذا النموذج أن السلطات كانت ضعيفة أمام الأقوياء النافذين من أصحاب الثروات المحليين والأجانب، وقوية في مواجهة الضعفاء الاجتماعيين والسياسيين.

أما السمة الثانية فتمثلت بنهاية التوازن الإقليمي الذي سار عليه حافظ الأسد بين المحور الإيراني من جهة والمحور السعودي المصري من جهة أخرى، وخسارة سوريا لجزء من وزنها الإقليمي المذكور وجزء أكبر من استقلالها وقرارها السياسي بعد ارتمائها شبه الكامل في الحضن الإيراني، ولاسيما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وعودة النظام السوري إلى ما خبره في نهاية السبعينات من صناعة الإرهاب وتصديره واستخدامه حسب الحاجة. لكن كان الأمر بالتنسيق مع إيران هذه المرة، للضغط على الأمريكان في العراق؛ ابتزازهم والتقرب منهم في الوقت ذاته، وغني عن الذكر أن ورقة الإرهاب قد أتت أُكلها إن كان في العراق سابقاً أو في سوريا خلال الثورة السورية حيث استفاد منها النظام استفادة قصوى وما زال يقطف ثمارها العفنة إلى اليوم.

بالإضافة إلى ما سبق وضمن السياق ذاته جاء تحول الدور السوري في لبنان من الاحتلال والسيطرة المباشرة قبل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، إلى السيطرة غير المباشرة بعد خروج الجيش السوري، واستخدام حزب الله؛ ذو المرجعية الإيرانية، لإرهاب لبنان واللبنانيين واستعادة السيطرة السورية على القرار اللبناني عن طريقه من الشباك بعد أن أُخرجت من الباب.

السمة الثالثة كانت نهاية الأحلام والأوهام والآمال والرغبات السورية التي رافقت صعود بشار الأسد للحكم وتأملت بقدرة الرئيس الشاب “الحضاري” على إجراء الإصلاح والانفتاح السياسي بعد الإغلاق المحكم الذي وضعه والده في وجه السوريين لثلاث عقود متتالية. لكن خيبة السوريين بدأت بالتصاعد مع أول خطاب للرئيس الجديد (خطاب القسم) عندما أعلن عن أولوية الإصلاح الإداري والاقتصادي (الذي زاد خراباً منذ خطابه) على الإصلاح السياسي.

ثم تتالت الخيبات بعد المصير الذي لاقاه “ربيع دمشق” 2001 والذي بدأ بإنشاء المنتديات السياسية غير الرسمية التي عقدت لتشجيع النقاش المفتوح للقضايا السياسية وقضايا المجتمع المدني، كمنتدى الحوار الوطني الذي أنشأه رياض سيف، ومنتدى جمال الأتاسي الذي أنشأته سهير الأتاسي، ثم شُكلت لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا التي أعلنت مطالبها عبر بيان الـ99 مثقفاً، ثم بيان الـ1000 عام 2001، ولم يقترب أي من هؤلاء من الدعوة لتغيير النظام أو يطعن في شرعية خلافة بشار الأسد لرئاسة الجمهورية، بل إن المطالب اقتصرت على إجراء الإصلاح السياسي والقضائي، والسماح بالتعددية السياسية والفكرية في ظل سيادة القانون، ورفع حالة الطوارئ المفروضة منذ العام 1963، والتي لم يقترن لا إعلانها ولا استمرارها مع أي حالة حرب مع إسرائيل.

ولكن مع الأسف فإن “ربيع دمشق” لم يزهر سوى اعتقالات سياسية جديدة. فعلى عادة النظام السوري التاريخية بمزامنة “غزواته” مع غزوات جيرانه الإسرائيليين، فقد زامن هذه المرة اعتقالات أهم رموز وقيادات لجان إحياء المجتمع المدني، كعارف دليلة ورياض سيف وميشيل كيلو وغيرهم.. مع اقتحام الجيش الإسرائيلي؛ في ظل حكومة شارون، لمخيم جنين الفلسطيني وارتكابه مجزرة مروعة هناك. ويُقال أن من قاد عملية القضاء على “ربيع دمشق” وقتها هو عبد الحليم خدام “أكثر البيروقراطيين السياسيين محافظةً وتخويفاً من الإصلاح السياسي، بحجة انتهاء الأشهر الستة الممنوحة، والخوف من (الجزأرة) في سوريا.”

تطييف الثورة السورية:

لقد تشابهت معظم الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي دفعت الناس للثورات العربية، مثلما تشابهت بنية الأنظمة التسلطية إلى حد كبير في بلاد الربيع العربي، أما في الثورة السورية فنميل إلى القول إن معظم الشروط والظروف كانت مختلفة وربما استثنائية، ليس عن مصر أو تونس أو غيرها فحسب، بل عن أغلب ثورات العالم، فمنذ حرب ال67 والتي كان فيها حافظ الأسد وزيراً للدفاع، كان قد أدرك أهمية وجود إسرائيل على حدوده، وعندما نقول إسرائيل فنحن نتحدث عن تشكيلة اجتماعية سياسية اقتصادية محمية أمريكياً وغربياً، أي إن كل خطر على إسرائيل هو خطر على العالم الأول، المتقدم، وليس العالم الثالث الذي نحن منه وفيه.

ووجود إسرائيل، بقدر ما كان مشكلة كبرى للمنطقة بأسرها، بقدر ما هو نعمة كبرى لنظام طائفي ديكتاتوري يريد البقاء “إلى الأبد”! فسياسة “اللعب على شفير الهاوية” التي أتقنها الأسد جيداً منذ حرب تشرين “التحريرية”، لم تكن أكثر من بناء علاقة وجودية تقرن بين أمن إسرائيل و”استقرارها” وبين أمن النظام السوري واستقراره؛ مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق الكبير في معنى “الأمنين” حيث المقصود بأمن إسرائيل هو أمن دولة إسرائيل أما المقصود بأمن سوريا فهو أمن النظام ذاته، لا الدولة ولا الأرض ولا الشعب السوري، لذلك نجد أن كل اعتداءات إسرائيل على الأراضي السورية منذ اتفاقية فصل القوات عام 1974، لم تلقَ رصاصة واحدة مقابلة، فالمهم هو النظام لا الدولة!

وحتى عندما قام النظام بإسقاط طائرة إسرائيلية رداً على قصف إسرائيل لعدة قواعد عسكرية سورية وإيرانية داخل سوريا في فبراير 2018، لم نجد أي تحليل جدّي يرد المسألة لأوامر سورية مستقلة، بقدر ما تم ردّه إلى أوامر إيرانية وتغطية روسيّة (تحيل غالباً إلى انتقام روسي غير مباشر من هجمات طائرات “دراون”؛ يُعتقد بوجود أياد أمريكية خلفها، التي استهدفت قاعدتي حميميم وطرطوس الروسيتين في الساحل السوري وأدت لعطب سبعة طائرات حربية روسية حسب بعض التقارير الصحفية، إضافة لإسقاط طائرة روسية أخرى في إدلب قبل الهجوم الإسرائيلي بأيام).

لكن المقصود أيضاً بأمن إسرائيل ليس أمنها من اعتداءات النظام عليها، بل أمنها من سقوطه! وعلى ذلك تم بناء استراتيجية قمنا بتسميتها باستراتيجية “توازن القلق”؛ بحيث لابد أن يتوازى القلق الإسرائيلي من وجود النظام مع القلق من غيابه، وعلى تلك الاستراتيجية يمكن فهم آلية بناء النظام للأسلحة الكيماوية والبيولوجية، أو سعيه لبناء المفاعل النووي في دير الزور (الذي دمرته إسرائيل عام 2007)، وإقامة العلاقة الصلبة مع إيران وترتيب إنشاء حزب الله، وبناء التشابك الأمني السوري في جميع قضايا المنطقة، أي بحيث يبقى النظام السوري بالنسبة لإسرائيل مثل “العشيق المرذول” الذي لا يمكن وصاله ولا يمكن التخلي عنه. وبالمقابل فإن بناءات النظام السوري على تلك التناقضات المتعايشة معاً كانت هي العامل الأساس في شرعيته الداخلية التي ارتكزت دائماً على مقومات خارجية، وبنت وجودها بالاستناد إليها، وعناصر تلك القوة الخارجية هي أوراق للمقايضة (مثلما رأينا في الملف الكيماوي السوري عام 2013) طالما أنها لا تستند إلى أي شرعية ديمقراطية داخلية.

أدرك النظام السوري دائماً هذه المعادلة، إلا أنه خلال الثورة أخرج جميع أوراقه للعلن ودون أي استحياء، وعادت سياسة اللعب على حافة الهاوية إلى الواجهة، فالصراع الذي تحول مع إسرائيل منذ مدريد 1991، إلى صراع حدود، أصبح مع مجتمع الثورة السورية صراع وجود، وفي صراع الوجود يصبح شعار الـ”نحن أو الفوضى” حقيقة واقعة وموجهة للخارج، مقابل الحقيقة الأخرى المكملة لها والموجهة إلى الداخل أي “الأسد أو نحرق البلد”. ولذلك نرى شراكة في الخوف من الأسوأ توحد الجميع تقريباً، لاسيما الفاعلين الدوليين والإقليميين. ولا نظن بأن أحد من هؤلاء يكن عواطف الود للنظام، ولكن لا أحد يود زواله في الوقت ذاته. النظام من جهته يدرك ذلك تماماً ويعرف أن تلك أحد أوراقه الهامة حيث أن أحد الأشياء التي يهدد بها العالم، ولاسيما إسرائيل، هي عواقب انهياره التي ستصيبها من بين من تصيب, وقد صرح منذ بداية الثورة السيد رامي مخلوف لجريدة النيويورك تايمز بأنه “لن يكون هناك استقرار في إسرائيل دون استقرار في سوريا”.

في سياق الثورة السورية، نجد بداية أنه مثلما بنى بشار على حائط أبيه، وكرر سياسة الأب في العلاقة مع إسرائيل، كذلك عاد الابن ليكرر السياسة ذاتها التي اتبعها أبيه في الرد على التمرّد الذي حصل في الثمانينيات، ومثلما كانت ردة فعل الأب على “التمرد الجزئي” الذي حصل في الثمانينيات هي القوة العارية وتدمير مدينة حماه بشكل شبه كامل وقتل آلاف السوريين بعد اتهام الجميع بالإرهاب، كذلك سار الابن على خطى أبيه عندما اندلعت “الثورة الكليّة” في سوريا 2011 بحيث لم يتردد الأسد الابن باستخدام القوة العارية ليجعل من سوريا كلها تقريباً أشبه بحماه القرن الجديد.

ومثلما استطاع الأب تحويل احتجاجات شعبية إلى عنف ديني وطائفي في الثمانينيات، كذلك استطاع الابن، من خلال العنف المُركّز ضد الأكثرية السنيّة، ومنع دخول الاعلام الحر إلى سوريا، وبناء تحالف إقليمي ضد الشعب والثورة، وإطلاق السجناء الإسلاميين الأكثر تطرفاً من السجون (معظمهم تم تدريبهم واستخدامهم سابقاً في العراق ثم تم سحبهم وسجنهم بعد 2007)… إلخ. إذن، مثلما فعل الأب، استطاع الابن تطيّيف الانتفاضة الشعبية السلمية ودفعها نحو الحراك المسلح والعنف الديني والطائفي ثم إلى حرب أهلية بأبعاد إقليمية ودولية.

لكن على الرغم من مسؤولية النظام الأولى والأكبر عن تطييّف الثورة وتأجيج النزعات والنزاعات الطائفية -وهو ما خبره وأشرف عليه طويلاً في لبنان- إلا أنه لم يبق الطرف الوحيد المستثمر سياسياً وعسكرياً في عملية التطيّيف. فقد كانت المشاركة الدولية والإقليمية والداخلية واسعة ومتعددة في تطييف الثورة وتحويلها إلى مجرّد نزاع أهلي تتساوى فيه الطوائف، مثلما تتساوى فيه الدول الداعمة، مثلما تتساوى فيه الضحية مع جلادها.

بالمعنى الأخلاقي، يمكن فعلاً المساواة بين جميع الفاعلين في تطييف الثورة، حيث تتساوى بذلك إيران مع السعودية أو قطر أو تركيا، وتتساوى روسيا مع أمريكا أو إسرائيل، ويتساوى نظام الأسد مع تنظيم داعش أو جبهة النصرة أو حتى جيش الإسلام! ولكن تلك المساواة الأخلاقية الصحيحة نظرياً، تُحيّد وتُغيّب مفاعيل القوى الفاعلة على الأرض، والآثار السياسية والعسكرية المترتبة عن تلك المساواة، كما يترتب عنها نتائج غاية في العدمية في الأحكام والبعد عن العدالة والحق في الواقع. حيث إن تغييب حقائق كبرى من مثل:

1- إن الدعم الإيراني لنظام الأسد، بشرياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، كان أكبر بعشرات الأضعاف من دعم كل من السعودية وقطر وتركيا مجتمعين للمعارضة (تشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه المساعدات السعودية للمعارضة قد وصلت إلى مبلغ 150 مليون دولار، كان الدعم الإيراني المنوَّع للنظام قد وصل إلى الخمسة مليارات دولار، بينما تصل بعض التقديرات الجديدة إلى 22 مليار دولار)، كما إن مركزية الدعم الإيراني المتراكبة مع مركزية النظام، في مقابل لا مركزية الدول الداعمة للمعارضة وتناحراتها، وتشتت الفصائل المدعومة وتناقضاتها من جهة أخرى، يجعل من مُخرجات الدعم وتأثيره في مسارات القضية السورية يصبّ بالمجمل في صالح بقاء النظام وبقاء المعارضة الأكثر جذرية مقابل فناء الشعب السوري وقضيته الأساسية في الحرية والكرامة.

2- إن الدعم الروسي للنظام وتدخلها العسكري المباشر عام 2015 لإنقاذه، لا يمكن مساواته؛ اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً (وإن تساوى أخلاقياً) بالدعم الأمريكي للمعارضة، حيث لا يمكن أن يتساوى القصف الأمريكي لمطار الشعيرات مثلاً، بالقصف الروسي للمستشفيات والمدارس والأفران والبشر والحجر من شرقي سوريا إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، كما لا يمكن مساواة الدعم الأمريكي للمعارضة المقاتلة لداعش حصراً دون النظام، بالقتال الروسي الصريح إلى جانب النظام لدحر جميع أشكال المعارضة السياسية والعسكرية، ومنع السنّة -كما عبر لافروف بأكثر من مناسبة- من تشكيل البديل عن النظام أو الوصول إلى حكم سوريا.

3- إن المساواة الأخلاقية بين قتلة السوريين تُغيّب حقيقة قانونية وسياسية وإنسانية، هي أن القاتل الأكبر والمتسبب الأكبر بتهجر السوريين ونزوحهم وشتاتهم هو النظام السوري وحلفاؤه، ففي الوقت الذي تتحمل فيه الفصائل المسلحة جزءاً معتبراً من أعداد القتلى السوريين (خفّضته بعض التقارير إلى 5% بينما رفعته تقارير أخرى إلى 27%) يبقى معروفاً إن 11 ألف قتيل تحت التعذيب خلال سنتين في دمشق لوحدها حسب صور “سيزر” ال55 ألف، أو 13 ألف قتيل تحت التعذيب في سجن صيدنايا وحده حسب أمنيستي إنترناشيونال، وأكثر من 250 ألف معتقل دائمين ضمن دورة سجنية قد تصل لأكثر من مليون إنسان دخلوا وخرجوا من السجن عبر 7 سنوات، وأكثر من نصف مليون قتيل غير الجرحى والمصابين والمعاقين إعاقات دائمة، وأكثر من 6 ملايين نازح ومهجر داخلي، و5،7 مليون مهجر ولاجئ في الخارج.. جلّهم إن لم يكن كلهم تحت مسؤولية النظام وحلفاؤه.

تلك الحقائق التي نعدّها حقائق كبرى، تغيب مع المساواة الأخلاقية، التي نتفق معها، عندما نقارن المتدخلين الخارجيين، أو القتلة على الأرض، حيث لا يمكن أن نعدّ قتل سوري واحد أفضل أو أسوأ أخلاقياً من قتل مئة مجتمعين، ولكن بعيداً عن الطابع الأخلاقي، العدالة والحق والقانون لا تتفق هنا مع الأخلاق، ولا تسمح بمساواة الأثر ولا النتائج، كما أن الآثار السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لا يتساوى فيها استخدام الكلاشينكوف مقابل استخدام الطيران والكيماوي والأسلحة العنقودية، وعدة قذائف على دمشق (إن صدقنا بأن النظام لم يرمي منها شيئاً) لا تتساوى مع القصف المتواصل بكل أنواع الأسلحة على الغوطة الشرقية المحاصرة أصلاً منذ خمس سنوات تحت شعار “الجوع أو الركوع” الشهير.

إن مسؤولية تطييف الثورة وتطييف سوريا كاملة، ومسؤولية انسحاب الناس إلى طوائفهم وإثنياتهم (الأكراد نموذجاً) أو حقدهم وطائفيتهم تجاه الطوائف الأخرى، ومسؤولية تحويل القضية السورية من قضية حرية وكرامة وسعي شعبي للحكم الديمقراطي وإسقاط للنظام الديكتاتوري، إلى قضية نزاع أهلي وطائفي بأبعاد إقليمية ودولية، جميعها تعود لرأس واحد، هو النظام الذي أراد أن يحكم بالتمييز الطائفي العنصري، فتدحرجت كرة العنصرية الطائفية لتتحول إلى خليط قاتل يتداخل فيه الضحايا والقتلة ويتبادلون الأدوار، ولا تكف الدائرة عن التوسع والكرة عن التدحرج والتضخم إقليمياً ودولياً.

اليوم نجد أن الاستثمار السياسي في الطوائف والطائفية، والاختلافات الدينية والاثنية والثقافية في المجتمعات وفيما بينها، لم يعد مقتصراً على نظام الأسد كما ذكرنا، بل تحول إلى استثمار إقليمي ودولي في تلك الاختلافات، تعتمده الأحزاب اليمينية داخل أوروبا وأمريكا، مثلما تعتمده سياسات تلك الدول في العلاقة مع المنطقة بشكل عام. لكن إحدى التناقضات المثير التي تطرحها تلك السياسات الدولية “الهووية”، أي القائمة على الهوية، هو أنه في الوقت الذي يتم فيه التركيز على “سيادة الدول” ووحدتها ومنعها من التقسيم، يتم التعامل مع الحرب السورية كحرب دينية بين السنة والشيعة؛ أي كحرب ما فوق الدولة، وعابرة للدول من خلال الطوائف.

وهذا التناقض ينقل المشكلة من الاستبداد التابع للدولة إلى الإرهاب العابر للدول، ومن السياسة التابعة للدولة إلى المجتمعات العابرة للدول، وبمعنى أوضح، بدل أن يكون الإرهاب هو مُنتج أساسي للاستبداد القائم في الأنظمة الديكتاتورية العربية ومعها إيران، يصبح الإرهاب هو منتجَ الدين الإسلامي والمجتمعات الإسلامية، (في خطاب تنصيبه كرئيس للولايات المتحدة توعد ترامب بالقضاء على الإرهاب الإسلامي من العالم)، وبدل أن تتجه الحلول نحو تغيير الأنظمة وتعديل سلوكها وتوزيع سلطاتها ودمقرطة سياستها، تتجه الحلول نحو تغيير المجتمعات (صندوق الرأس حسب أدونيس) وتعديل الديمغرافية وتقاسم الغنائم والنفوذ، وإبقاء الأنظمة.

هذا في المحصلة لا يُنبئ بأي حلول حقيقية قريبة وقابلة للحياة، لا لمشكلة الطائفية ولا لمشكلة الإرهاب، إنما يعد بولادة أشكال جديدة لكلتا المشكلتين، لن تؤديا إلى أي استقرار أو أمن أو ديمقراطية لشعوب المنطقة. وفي عالم معولم ومتصل أكثر من أي وقت مضى، يبدو من غير الممكن حصر الفوضى والإرهاب والطائفية والديكتاتورية في شرق المتوسط وحده دون أن تنحدر الديمقراطية وجميع القيم السياسية والإنسانية والحضارية التي صعدت معها في التاريخ الحديث، وفي جميع أنحاء العالم، نحو الهاوية.

 

كاتب سوري من مواليد 1977، ماجستير في الفلسفة الغربية، يكتب في عدد من الصحف العربية ومراكز الدراسات، حاصل على جائزة سمير قصير لحرية الاعلام 2016، صدر له كتاب بعنوان “الحرية.. من سماء الفلسفة إلى أرض السياسة” عن بيت المواطنة في بيروت 2015.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق