نصوص

قتلتُ لأنني أردتُ أن أحيا/ سفيتلانا أليكسييفيتش

 

 

 

جندي من رماة راجمات القنابل

 

كانت تطلق علينا تسمية “الأفغان”. اسم غريب. إنه مثل شارة، وصمة. نحن لسنا مثل جميع الآخرين. نختلف عنهم. بمَ؟ أنا لا أعرف من أنا: بطل أم أحمق ينبغي أن يُشار إليه بالبنان؟ لربَّما أنا مجرم؟ يُقال الآن إنها كانت خطأً سياسيًا. يقولون هذا اليوم بصوت خافت، وغدًا بصوت أعلى. لكنني أرقت دمائي هناك؛ دمائي، ليست دماء غيري. لقد منحونا أوسمة لا نحملها، وسنعيدها في المستقبل. الأوسمة التي حصلنا عليها بشرف في حرب غير شريفة.

 

ويدعوننا إلى التحدُّث في المدارس. وعمَّ نتحدَّث؟ عن العمليات العسكرية وعن أوَّل قتيل؟ وعن أنني ما زلتُ حتى اليوم أخشى الظلام؟ وإذا ما سقط شيءٌ ما فإنني أختلج؟ وعن كيف كنا نقبض على الأسرى لكي نأخذهم إلى الكتيبة… ليس دائمًا (يصمت). خلال عام ونصف من الحرب لم أرَ دوشمانًا حيًّا واحدًا، بل رأيتهم أمواتًا فقط. وعن مجموعة الآذان البشرية المقطوعة المجفَّفة؟ وعن غنائم الحرب التي نتفاخر بها؟ وعن القرى بعد قصفها بالمدافع والتي لا تشبه المساكن بل الأرض المحروثة؟ هل يريدون سماع ذلك في مدارسنا؟ لا، هناك يحتاجون إلى الأبطال. وأنا أذكر كيف كنا ندمِّر ونقتل، وفور ذلك نبني ونقدِّم الهدايا. هذا كله كان يجري قريبًا مني، بحيث إنني لا أستطيع حتى الآن فصلها عن بعضها البعض. إنني أخاف هذه الذكريات، وأختبئ منها، وأبتعد عنها. ولا أعرف شخصًا واحدًا عاد من هناك من دون أن يشرب الخمر ويدخِّن. إن السجائر الخفيفة لا تنقذني، بل أبحث عن سجائر “اخوتنيتشي” التي كنا ندخِّنها هناك، بينما منعني الأطبَّاء من التدخين… إن نصف رأسي من الحديد، ولا أستطيع شرب الخمر.

 

لا تكتبي قط عن أخوَّتنا الأفغانية. فلا وجود لها، وأنا لا أؤمن بوجودها. لقد توحَّدنا في الحرب: فقد خدعونا سوية، وأردنا سوية البقاء على قيد الحياة، وأردنا سوية العودة إلى بيوتنا. ويوحِّدنا هنا أنه لا يوجد لدينا أي شيء، وتُوزَّع خيرات بلادنا وفق المحسوبية والامتيازات. إنهم يحتاجون إلى دمائنا. ولدينا مشكلة واحدة هي: التقاعد والشقق والأدوية الجيِّدة والأطراف الاصطناعية والأثاث، وبحلِّها تنهار أنديتنا. فلئن حصلت على الشقة والأثاث والثلاجة وماكينة الغسيل والتلفزيون الياباني -عندئذ ينتهي كل شيء! ويصبح واضحًا فورًا أنه لا يوجد لدي ما أفعله في هذا النادي. الشباب لا يأتون إلينا، فهم لا يفهموننا. بدا كما لو أنه جرت معادلتنا بالمشاركين في الحرب الوطنية العظمى، لكنَّ أولئك دافعوا عن الوطن، أما نحن؟ كنا نقوم بدور الألمان- كما قال لي أحد الشبَّان. وأعتقد أن الأمر كذلك. كذلك… هكذا ينظرون إلينا، ونحن نغتاظ منهم. كانوا يستمعون هنا إلى الموسيقى ويرقصون مع الفتيات، ويطالعون الكتب، أما نحن فكنا نأكل العصيدة النيِّئة وتنفجر بنا الألغام. كلُّ من لم يكن معي هناك، ولم يرَ، ولم يتألَّم، ولم يُمتحن بالكرب، هو غير موجود بالنسبة إليَّ.

 

بعد عشرة أعوام حين ستبدأ بالظهور آثار الإصابة بالتهابات الكبد ورجات الدماغ والملاريا، سيتمُّ التخلُّص منا؛ في العمل، وفي الوطن. سيكفُّون عن إجلاسنا على منصَّة هيئات الرئاسة. سنكون جميعًا عبئًا ثقيلًا عليهم. ما الغرض من كتابك؟ من أجل من؟ لن يُعجب به أحدٌ منا في الأحوال كافَّة، نحن الذين عدنا من هناك. وهل يمكن أن تُروى جميع الأحداث كما هي؟ وكيف رقد الجمال والبشر القتلى في بركة دم واحدة، واختلطت دماؤهم؟ من يحتاج إلى هذا؟ نحن جميعًا غرباء في ديارنا، وكل ما بقي لدي هو بيتي وزوجتي والطفل الذي ستلده قريبًا. وثمَّة عدَّة أصدقاء من هناك، وأنا لا أثق بأي أحد غير هؤلاء.

أنا لا أثق فعلًا.

 

جندي

 

كان لدي صديق، وكنيته الدب، وهو رجلٌ ضخم الجثَّة وقويُّ البنيان ويُعادل طوله المترين. عاد من أفغانستان وبعد عام شنق نفسه. أنا لا أعرف.. فهو لم يثق بأحد، ولا يعرف أحد، لماذا انتحر: هل بسبب الحرب؟ أم لاقتناعه بأن الإنسان حيوان حقير؟ في الحرب لم يُوجِّه هذه الأسئلة لنفسه، وبعد الحرب صار يفكِّر. ففقد عقله… ولي صديق آخر أدمن شرب الخمر… كتب لي، وبعث لي برسالتين يذكر فيها: يا أخي كانت الحياة هناك حياة حقيقية، أما هنا فهي مترعة بالحقارة، وهناك قاتلنا وهاجسنا البقاء على قيد الحياة، أما هنا فلا تفهم شيئًا مما يحدث.. وقد هتفت له مرة، وكان مخمورًا جدًّا. وفي المرة الثانية كان مخمورًا أيضًا (يدخن). أنا أذكر كيف وصلنا أنا والدب إلى موسكو في محطة قطار قازانسكي بموسكو، وسافرنا في القطار من طشقند فترة أربعة أيام، كنا نشرب ليلًا ونهارًا. ونسينا إرسال برقيات لكي يستقبلوننا. وخرجنا إلى رصيف المحطة في الساعة الخامسة فجرًا، فصدمت أنظارنا الألوان!

 

كان الجميع بملابس حمراء وصفراء وزرقاء وشابات جميلات. اللـعـ…! إنه عالم مختلف تمامًا. وصرنا مخبولين! لقد عدت في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر، وبعد شهر التحقت بالجامعة للدراسة، في السنة الدراسية الثانية. لقد حالفني الحظ! وقد حشرت ذهني بأمور شتى، ولم يتوفر لدي الوقت لكي أراجع دخيلة نفسي، ووجب أن أؤدي الامتحانات بدءًا من الصفر. ولم يتبقَّ في ذاكرتي خلال عامين سوى “مقرر المقاتل الفتي”: تقشير البطاطس والهرولة مسافة ثمانية عشر كيلومترًا. أما ساقاي فقد كُشطتا حتى الركبتين. وهو؟ لقد وصل الدب من دون أن يوجد له أي شيء، لا الاختصاص ولا العمل. وتفكيره ينحصر في النقانق: يجب أن تكون نقانق من نوع “دكتورسكويه” بمبلغ روبلين وعشرين كوبيكا وقنينة فودكا بسعر ثلاثة روبلات واثنين وستين كوبيكا. من يهتم بعودة الفتيان؟ هل عقولهم مخبولة أو بجدعة بطول عشرة إلى اثني عشر سنتيمرًا، ويتقافزون على عجزهم في سن عشرين عامًا؟ قد يقول أحدهم: ليس ابني والحمد لله. إن نظامنا هو كالآتي: يدمِّرون حياتك في الجيش وفي الخدمة المدنية. لقد جئت إلى النظام، وحالما تقبض عليك الآلة الجهنمية ويتم نشرك إلى أجزاء، مهما كنت طيِّبًا، ومهما راودتك الأحلام في أعماق الروح. (يصمت). لا تكفيني الكلمات اللازمة… إنها قليلة جدًّا من أجل إيصال فكرتي: الشيء الأساسي ألا تقع في أسر النظام. ولكن كيف يمكن الإفلات منه؟ تجب علينا خدمة الوطن، وبطاقة الكمسمول في الجيب هذا شيء مقدَّس. يرد في النظام الداخلي العسكري: يجب على الجندي أن يتحمَّل بصلابة وبجرأة صعوبات الخدمة العسكرية كافَّة. بصلابة وبجرأة! باختصار – ماما لا تحزني. (صمت وتوجَّه إلى الطاولة لأخذ سيجارة جديدة، لكن العلبة كانت قد فرغت). يا للعنة! لم تعد علبة واحدة كافية خلال اليوم.

 

يجب أن ننطلق من أننا وحوش، وهذه الوحشية مغطاة بكساء رقيق من الثقافة، وتنويمة رقيقة. آه، ريلكه! آه، بوشكين! والوحش ينبجس من الإنسان في لحظة خاطفة، وقبل أن يرفَّ له جفن. ويكفي أن يتملَّكه الخوف على نفسه، وعلى حياته، أو يمتلك سلطة، سلطة صغيرة، صغيرة جدَّاً! والنظام في الجيش على مراتب: فالمرء قبل أداء القسم: روح، وبعد القسم: عصفور السيميلي “جيزارا”، وبعد نصف عام “تشيرباك”، من “تشيرباك” حتى العام ونصف: “جد”، ومن العامين: “ديمبل” (قبل التسريح). وفي البداية يكون مجرد روح بلا جسد، وحياته كلها وعاء من الخراء.

 

لكنني كنت أطلق النار… أطلق النار مثل الجميع. ورغم كل شيء فهذا هو الشيء الرئيس… لا تتوفر لدي الرغبة في التفكير في ذلك. أنا لا أستطيع التفكير في ذلك.

 

الكاتبة

 

لقد هتف لي مرة أخرى. ولحسن الحظ كنت في البيت…

 

 

– لم أفكِّر في الاتصال بك هاتفيًا. لكنني دخلت اليوم الحافلة وسمعت كيف جرت مناقشة بين امرأتين: “أي أبطال هم؟ إنهم يقتلون الأطفال والنساء هناك… هل هم بشر ذوو عقل سليم؟ ويدعونهم إلى المدارس، إلى أطفالنا. كما تُوفَّر لهم الامتيازات”. فخرجت من الحافلة في أول موقف. نحن كنا جنودًا ونفَّذنا الواجب. وعقوبة عدم تنفيذ الأمر في ظروف زمن الحرب هي الإعدام رميًا بالرصاص! ويُقدَّم الجندي إلى المحكمة العسكرية! طبعًا، إن الجنرالات لا يطلقون النار على النساء والأطفال، لكنهم يُصدرون الأوامر. والآن أصبح الذنب كله يقع علينا! الجنود مذنبون! والآن يؤكِّدون لنا أن تنفيذ الأمر الإجرامي هو جريمة. لكنني وثقت فيمن أعطى الأوامر! وثقت فيهم! وبقدر ما أتذكَّر فكان يجري تعليمي دومًا بأن أصدِّق، أصدِّق فقط! ولم يعلِّمني أحد: فكِّرْ – ثِقْ أو لا تثقْ! سافرنا من هنا بهذا الوضع، ولم نرجع من هناك بهذا الوضع.

 

– “هل يمكن أن نلتقي… ونتبادل الأحاديث؟”.

 

أستطيع التحدُّث فقط مع الذين مثلي. ومع من عاد من هناك.. أتفهمين؟ نعم، لقد مارست القتل، وكياني كله ملطَّخ بالدم، لكنه رقد ميتًا، صديقي، وكان بمثابة أخ لي. الرأس على حدة، واليدان على حدة، والجلد… أنا طلبتُ فورًا إرسالي في عملية هجومية. لقد شاهدت في قرية موكب جنازة، كان هناك عدد كبير من الناس، وحملوا الجثمان في قماش أبيض… كنت أراقبهم عبر المنظار. وأصدرت الأمر: “أطلقوا النار!”.

 

– “أنا أفكِّر، كيف تحيا بهذا؟ أي رعب يسيطر عليك؟”.

* “نعم، أنا قتلت… لأنني أردتُ أن أحيا. أردت العودة إلى البيت. والآن أحسد الموتى، فالموتى لا يشعرون بالألم”.

انقطع الحديث مرة أخرى.

الترجمة لـعبد الله حبه

 

 

 

أنشأت ‫‏سفيتلانا أليكسييفيتش الحائزة على جائزة ‫نوبل للآداب 2015 نوعًا جديدًا من الأدب قائمًا على كتابة رواية من الأصوات المتعددة لشهود مرحلة ما. حازت على عشرات الجوائز الدولية؛ أهمها “جائزة السلام” من ‫”معرض فرانكفورت للكتاب” في 2013، و”‏جائزة نوبل للآداب” في 2015، التي نالتها عن مجمل أعمالها المتعددة الأصوات التي تمثِّل معلمًا للمعاناة والشجاعة في زماننا. وهي تعمق بأسلوبها الاستثنائي -الذي يقوم على تداخل دقيق بين أصوات البشر- الفهم لعصر كامل.

مقتطفات من أول كتبها المترجمة إلى اللغة العربية بعنوان “‏فتيان الزنك”، وقد صدر مؤخرًا عن دار “‏ممدوح عدوان للنشر”، وثقت فيه سفيتلانا التدخل السوفيتي في أفغانستان ما بين عامَي 1979 و1985. جمعت فيه مقابلات مع جنود عائدين من الحرب، أو مع أمهات وزوجات جنود قُتلوا. هناك، وأُعيدت جثثهم في توابيت مصنوعة من الزنك.

 

كانت نتيجة الحرب آلاف القتلى والمعوَّقين والمفقودين، مما دفع سفيتلانا إلى إثارة أسئلة حسَّاسة عن الحرب: من نحن؟ لماذا فعلنا ذلك؟ ولماذا حصل لنا ذلك؟ والأهم، لماذا صدَّقنا ذلك كله؟

تعرَّضت سفيتلانا للمحاكمة بسبب نشرها هذا الكتاب، وقد أُضيف جزء من الوثائق المتعلَّقة بالمحاكمة في الترجمة العربية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق