سياسة

بشار في الثلاجة/ عمر قدور

 

 

منذ حوالي سنة ونحن إزاء تطورات يدل معظمها على المضي سريعاً من أجل تكريس الإبقاء على بشار، فقد سُمح لحلفائه وله باستعادة السيطرة على كافة المناطق التي قد ينطلق منها الخطر. على الصعيد السياسي توالت الإشارات، بدءاً من إسرائيل بما لموافقتها من دلالة، على قبول إقليمي ودولي بإبقائه، مع الاختلاف على تفاصيل تقاسم النفوذ والإخراج المناسب له. ولعل أهم ما حدث في هذه الأثناء هو الانتقال مما سُمّي طويلاً “عقدة بشار” إلى “العقدة الإيرانية”، وهذا سيكون لصالحه في حال الفصل التام بين العقدتين.

التغيرات الدولية والإقليمية كانت مواتية جداً، فمراكز القرار الدولي أصبحت في قبضة نسخة من الحكام هي الأكثر ركاكة، وكان يصعب تخيّل وصولها إلى السلطة قبل سنوات قليلة. بالتزامن مع ابتذال الطبقة الحاكمة دولياً أظهر الجيل الجديد من الحكام العرب، بخلاف التسويق الإعلامي المكثف له، أنه أقل كفاءة من سابقه، وأثبت على نحو خاص أنه مشبع بشهوة السلطة المطلقة ويفتقر إلى أدنى أتيكيت أو لباقة سياسيين، الأمر الذي يجعل من بشار واحداً من جوقة، وإن كان يمثّل ما يشتهي أن يكون عليه الآخرون.

نسبة كبيرة من السوريين ترى في بشار شخصاً محظوظاً جداً، إذ يندر أن تجتمع الظروف لتنقذ مستبداً ساقطاً كما حدث له. حتى حدث اغتيال جمال خاشقجي في القنصلية السعودية يبدو كأنه أتى هدية له، إذ في وسعه القول أنه واحد من كلّ، وإذا سارت الأمور نحو الاتفاق على لملمة القضية فسيظهر حلفاء السعودية على القدر ذاته من انعدام الأخلاق الذي يظهر عليه حلفاء بشار. على نحو خاص سيكون ذلك قبولاً نهائياً بترك المنطقة لأسوأ ما فيها، وإعلاناً دولياً صريحاً باعتماد هذا الأسوأ ضمن المرحلة القادمة التي لا يعلم أحد كم ستطول.

نستطيع بناء على ذلك تخيّل أسوأ سيناريوهات التطبيع مع الجريمة في المنطقة ككل، وحسب إعلان النوايا الذي نشهده سيكون هذا التخيّل مشروعاً جداً، لكننا في المقابل لا نستطيع إهمال ما يكبح ذهاب تلك النوايا إلى حدها الأقصى. ضمن القوى الغربية الفاعلة تقليدياً الساحةُ ليست ممهدة أمام السلطات الحالية، فترامب هو اليوم أمام استحقاق الانتخابات النصفية للكونغرس، مع ترجيح كفة الديموقراطيين فيها، وإذا كان ما يقارب نصف ولايته قد انقضى مع ضغوط من حزبه لا يُستبعد أن يقضي المتبقي منها مع كونغرس معادٍ، وحتى في ظل عداء مع حزبه الذي سيسعى لتحميله مسؤولية الخسارة والنأي عنه كلما اقترب موعد الانتخابات اللاحقة.

في فرنسا؛ ماكرون ليس بأفضل أحواله، واستطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى تدهور حاد في شعبيته، وهو لم يتمكن من الوفاء بوعوده الانتخابية داخلياً كي يتصرف خارجياً بمزيد من الحرية. ماكرون، المتعالي الذي وجه إهانات للفرنسيين ويُقابل بشعارات من نوع “فرنسا ليست للبيع”، لن يتمكن بسهولة من عرض القيم التقليدية الفرنسية وفي مقدمها قيم الحريات للبيع في المزاد الخارجي، ووجود خصوم له أكثر قرباً من بشار الأسد “مثل لوبن وميلانشون” لا ينفعه أمام رأي عام متململ من هذه الطبقة السياسية كلها. الجارة ميركل، التي تُحسب على الرعيل القديم من الحكام، لم تظهر حتى الآن حماساً لتكون راعية التطبيع مع بشار، رغم أنها لم تعلن موقفاً متصلباً منه على غرار الرئيسين الفرنسيين السابقين. أما تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا فهي اليوم غارقة في مشاكل الانفصال عن أوروبا، بما فيها مشاكلها مع حزبها، ولا تودّ فتح باب جديد لانتقادات معارضيها، مع ملاحظة غياب بلادها عن العديد من الملفات الخارجية الساخنة.

ونحن نتحدث عن سياسات دولية لا تتحلى بالأخلاق يجدر بنا تذكّرُ وجود مؤسسات لا يحكمها منطق البلطجة، ومن منظار لغة المصالح فقط سيكون على تلك المؤسسات تقرير استراتيجياتها في المنطقة. الاحتمال الأكثر سوداوية وتشاؤماً هو الاستمرار في فكرة الإبقاء على هذا الجيل من الحكام، الذي يمثّل بشار وجهه الأكثر وحشية ودموية، وهذه الفكرة لا تتوخى تلقائياً إحكام القبضة على شعوب المنطقة وتأديبها بحسب ما هو شائع لدى شريحة واسعة من أبناء المنطقة، إذ تتضمن أيضاً إبقاء المنطقة في حالة من عدم الاستقرار طويلة الأمد. يُفترض أن نكون مخطئين إذا أحسنّا الظن بواضعي تلك الاستراتيجيات، واعتبرنا أنهم لا يدركون فداحة هذا الخيار، لأنهم في موقع العارف والمؤثّر ويدركون أن قدرات حكوماتهم على التحكم غير مضمونة على المدى البعيد.

الاحتمال الأكثر تفاؤلاً هو تسليم مراكز القرار الغربي بأن التغيير في المنطقة حتمي، ومن الأفضل ملاقاته بدل تعزيز فرص الانفجار المقبل. هذا يتطلب أولاً ممارسة الضغوط من أجل التغيير في البلدان التي يتمتع فيها الغرب بنفوذ مباشر، مثل مصر والخليج، ومن ثم ممارسة ضغوط حقيقية خارج منطقة النفوذ التقليدية. النخب السياسية الحاكمة في الغرب الآن غير مؤهلة للمضي في هذا الاتجاه، مثلما تبدو أكثر ركاكة وضعفاً من المضي في الاحتمال الأول، لذا قد يكون الخيار الأنسب لديها عدم التورط في أيّة مبادرة ذات طابع استراتيجي.

الواقعية، مع وجود هذه الظروف وهذا النوع من صانعي القرار، قد ترجّح عدم انتظار تطورات دراماتيكية كبرى، بعد فقدان الهمة التي رافقت الإجهاز على “الربيع العربي” والنتائج المخيبة للثورة المضادة. ذلك قد يدخل المنطقة في حالة من الجمود، ومن ضمنها سيوضع بشار في الثلاجة، وسيتلكأ الغرب عن مشروع تأهيله بصرف النظر عن العقدة الإيرانية التي لا يُنتظر حلها بسهولة أيضاً. للسبب ذاته قد لا يتعرض لضغوط دولية، أي بسبب غياب الحوافز المقابلة لتلك الضغوط، وفي الواقع يكفي الحفاظ على الوضع الميداني الحالي بوجود منطقة نفوذ أمريكية ضمن سوريا لتجميد الوضع إلى أجل غير مسمى. بالطبع من المفهوم أن يكون بشار راضياً بهذه الحدود التي تضمن بقاءه، بشرط ألا يفرط في التفاؤل ويراهن على تحقق أسوأ التوقعات للمنطقة وللبشرية.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.