مقالات

بيان ضد الخاشقجي!/ أحمد عمر

 

 

انتبه أحد زملائنا الكتّاب في اليوم الأول من قتل الخاشقجي، إلى ضرورة كتابة بيان يدين قتل الصحافيين خاصة، والبشر عامة غدراً وغيلة، وفساداً في الأرض، سابقاً بذلك الجمعيات، واتحادات الكتّاب النائمة في العسل الأسود المستخرج من لحم الديناصورات الميتة المتحللة. اجتمعنا في مدينة ألمانية، بمناسبة توقيع كتاب لأحد الزملاء، طلب صاحبنا تواقيعنا على بيانه القصير، فاعترض زميل يساري مخضرم، يجمع في كنف عصمته بين الولاء لليسار واليمين، مثل أدونيس، الذي جمع بين ثلاث: مديح الخميني، والمشاركة في مهرجان الجنادرية، وعقيدته الأولى التي أقسم حافظ الأسد بها على الحفاظ على الدستور، ورعاية حقوق الشعب. الكاتب المعترض يساري ويوالي السعودية لأسباب تتصل بالزيت من غير زعتر، وهو يتحاشى ذكر سبب اعتراضه، لأنه مخزٍ، فبحث عن ذرائع أخرى، فحضّ صاحب الاعتراض صاحب البيان بالنكوص عنه وسحبه لعذر لا يخطر على بال أم قشعم، قال: إن الخاشقجي صحافي، بينما هو أديب! القضاة ابتدعوا من قديم الزمان، عذراً هو؛ “الدفع بعدم الاختصاص”.

ودار جدل بين صاحب البيان وصاحب الاعتراض، فكلاهما الكاتب والصحافي من فرسان الكلمة، أحدهما من المشاة، والثاني  من الخيالة، ثم وجد صاحب الاعتراض أن حجته واهية مثل بيت العنكبوت، فبحث عن عذر آخر، فعبس وبسر، فقال: إن الخاشقجي مريب، فقد قصد أفغانستان ودخل الكهوف والدهاليز، وقابل الأصولي عبد الله عزام، فجادله صاحب البيان بأن الصحافي يقابل الصالحين والطالحين، من غير تصنيف لعبد الله عزام، واحتدم الجدل، وثار النقع، فحاججه صاحب البيان بأن أفغانستان كانت محتلة من الروس السوفيات، وقد فزعت السعودية وقتها لها، ليس غيرة ًعلى دينها وشعبها المسلم من المحتلين الروس، وإلا  كانت غارت على شعب الروهينغا وعلى أولى القبلتين في القدس من قبل، ولكن لغاية في نفس جورج بوش.

استنفرت السعودية السعوديين خفافاً وثقالاً، تؤازرها الدول الأوربية بصحافتها وكتّابها، كما قال ابن سلمان نفسه، وقد وافق ذلك  الفقه الإسلامي، فأفغانستان بلد إسلامي، وإذا احتل بلد إسلامي وجب الجهاد، وصار فرض عين على كل مسلم، والخاشقجي قصد تلك البلاد، وهي من دار الإسلام، ليجاهد بقلمه، فأدبر صاحب الاعتراض واستكبر، فأخرج صورة للخاشقجي وهو يحمل بندقية مع مجموعة من الأفغان، فجادله صاحب البيان بأنها صورة  مزوّرة بآلات الفوتوشوب، وإن لم تكن، فإن الرجل لم يُقتل من أجل هذا، وإنما قتل لأنه معارض، وهو صاحب كلمة، وقتل غدراً وغيلة، وفساداً في الأرض، ومُثّل بجثته، وفي قنصلية بلاد الحرمين، وقفزت في حضنه هرّة، هل رأيتم صحافياً تقفز في حضنه هرّة في أثناء التصوير؟

وقال صاحب البيان: أرى كسفاً ساقطاً من السماء، وتقول: سحاب مركوم

وهذا سبب البيان، فأسقط في يد صاحب الاعتراض أخيراً، فرمى السهم الأخير:

ولكن هذا غير عادل، يموت آلاف البشر فنسكت عنهم، ويموت واحد، فنطبل له ونزمر، وأنشد قول الشاعر أديب إسحاق الشهير قتل امرئ في غابة… الخ.

قال صاحب البيان الذي كان يجتهد لكتم غضبه: إذا أكملت الأبيات بان لك غرض الشاعر أديب إسحاق من الشعر (والحقُّ للقوَّةِ لا يعطاهُ إلا مَن ظفر/ ذي حالة الدنيا فكن من شرّها عَلَى حذر)، المغدور غُدر به في قنصلية، وليس في غابة، والمتهم بقتله هو عدو الربيع العربي الأول، وباني نهضة الثورات المضادة، إن لم نستطع أن نحقق العدل في الأرض للناس جميعاً، وحانت فرصة تحقيقه لقتيل صار رمزاً لحرية الكلمة، في العالم كله، فنعمت القضية. القنصلية مكان مقدس سياسياً، وصاحبنا المغدور الشهيد، كاتب، إنه كاتب، وواجب الإنسان أن يدافع عن أخيه الإنسان، والتنديد بقتله، وشجب الغدر به، كاتباً أو أميّاً، وهي فرصة لتحول كبير في الشرق الأوسط والعالم، فبهت صاحب الاعتراض وصفّر استه.

اعترض شاعر، يكتب شعر الهايكو والنينجا، وطالب صاحب البيان بحذف اسم سيد قطب من البيان، أو سحب اسم قاتله، وهو عبد الناصر، حسب البيان، وكان المعترض يرى أمرين، أولهما أن سيد قطب يستحق الإعدام، وإنه حوكم وأعدم، وليس حاله حال الخاشقجي، والثاني أن جمال عبد الناصر بطل قومي عربي، وباني النهضة العربية، التي ما رأينا منها سوى المعتقلات، وقام بصد العدوان الثلاثي والكولسترول الغربي، فحذف صاحب البيان اسمه، والغالب أن والد جمال الخاشقجي سمّاه على اسم جمال عبد الناصر. واعترض ثالث على اسم بنان الطنطاوي، فهي ليست صحافية ولا كاتبة، واقترح وضع اسم فرج الله الحلو بين الأسماء، فعارض الثالث اسم فرج الحلو، وإن كان ولا بد من اسمه، فيجب عدم الإشارة إلى البطل جمال عبد الناصر، ومثال فرج فودة هو الأفضل في هذا المقام (لأنه ضحية جماعات إسلامية ومثاله لا يؤذي السلطات الحاكمة).

اعترض شاعر رابع يكتب شعر الهايكو والكاراتيه والتايكوندو، طالب بذكر الشهيد (ميم ميم) بين أسماء المغدورين، وإلا فلن يوقّع. قال صاحب الدعوة للبيان: إن الأسماء المذكورة في البيان هي أمثله على غدر الحكومات العربية برعاياها، والبيان لا يقوم بتأريخ للأسماء المغدورة عبر التاريخ العربي، وهي كثيرة، بل هي شعوب برمّتها، وقد ذكر أسماء من كل الطوائف و التيارات السياسية. المعترض هدد: إما أن نذكر الاسم الذي اقترحه، وإما أن يحرمنا من الميراث. وانضم إلينا زميل سادس اعتذر بصراحة وقال: إنه يظهر على العربية، ولا يريد أن يُحرَم من نورها، فعذرناه. الصراحة راحة كما يقال.

قال سابع: أضيفوا اسم الشهيد عبد الرحمن قاسملو.

قال صاحب البيان ساخراً: ما رأيك أن نضيف اسم قابيل، ويوليوس قيصر، وكينيدي، والشاعر المتلمس، وطرفة بن العبد..

والأكثر طرافة في هذه المأساة أنّ “زميلا” مثقفاً جهبذاً، نحريراً، بقر بطن التحليل السياسي بالخنجر ذي الفقارين، حتى أن السلطات السورية همّتْ بتأسيس فضائية كاملة له، ودخلت المرحلة التجريبية لولا أن رأت برهان ربها، كتب على صفحته هذا البيان القصير في قتل شهيد القنصلية:

قالت لي العصفورة: لماذا لم تعلّق على هذا الحدث؟

قلت لها: لا أود الخوض في همروجة جماعيّة، وأنا لا أُعلّق عادةً، أنا أحلل ما هو استراتيجي.

إنه أيضاً من جماعة الدفع الرباعي بعدم الاختصاص.

تابع بطل طروادة قائلاً:

الموضوع يتعداه إلى صراع أمريكي-أمريكي، وخاصة قبيل الانتخابات، وصراع سعودي-تركي لتصفية حساب انقلاب 2016، وصراع سعودي-سعودي. وكله له تفاصيله. فكل ما يقال همروجة، أنا ما دخلني بالهماريج.

المحلل الاستراتيجي أخيل، أعلى رتبةً،  إنه من الثدييات، قام بالتحليل في منشوره، وكان قد انتقل بعد أن بال الزمان على دمنته، إلى تحليل الشنكليش والعتابا السورية والميجنا.

جاد الزمان على هذا المحلل الليزري ثلاثي الأبعاد، بفرصة تاريخية، كي يحلل واقعة صغيرة جمعت صراعاً أمريكياً ضد الأمريكان، وسعودياً ضد الأتراك، فأي حدث سيكون أكبر استراتيجية من هذا الحدث. هناك جانب إنساني سكت عنه، وهو القتل.

زميل ثامن، شجاع، باسل، مغوار، لا يشق له غبار، ولا يصطلى له بنار، اعتذر قائلاً مثل المحللين الثلاثة الذين يظهرون على الجزيرة مدافعين عن موقف السعودية: لن أوقّع، لا أوقع حتى يصدر الرعاء، أنا أنتظر نتائج التحقيق. من يدري قد يكون الخاشقجي حياً، ربما رفع إلى السماء. أين الجثة! لا جثة حتى الآن. اعثروا على الجثة، وسأوقّع.

كتم صاحب البيان غضبه ، وأوى إلى الظل.

قفزت ذئاب من أحضان الكتّاب الميامين علينا، وهي تكشر عن أنيابها.

شمّ صاحب البيان الحليم رائحة جثث أحياء من المكان، وأقرّ في نفسه بأن الشهيد كان شجاعاً وكبيراً، مقارنة بهؤلاء الصغار، وألقى الأوراق غضبان أسفا، وقال: نكتفي بذكر اسم الشهيد جمال، ونحذف أسماء الشهداء المغدورين الآخرين لعدم الاختصاص.

وقّعنا، ومضى كل إلى غايته، بعد وصولنا إلى بيوتنا، غنت أم كلثوم أغنية الأطلال: لا تقل شئنا فإن الحظ شاء.

جاءت الرسائل تترى:

أرجوك احذف اسمي، أنا خجلت فوقّعت.

احذفوا اسمي، تعرفون لدي أمسية في الإمارات العربية، ولا أريد أن أخسرها.

قال صاحبنا المخضر: رأيي أن نحوّل البيان إلى بيان زواج مدني، لو تزوج الخاشقجي مدنياً من خطيبته خديجة، ما وقعت كل هذه المشكلة.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.