أبحاث

حول مفهومي المعارضة والموالاة/ بكر صدقي

 

 

لا وجود لمفهوم “الموالاة” في ثقافات البلدان الديموقراطية. ينقسم المشهد السياسي، هناك، بين سلطة ومعارضة، وهما مفهومان مؤقتان لا يلتصقان بقوى سياسية أو اجتماعية بعينها. فالحزب الذي يكون في السلطة، اليوم، يمكن أن ينتقل إلى صفوف المعارضة، بعد أول انتخابات عامة قادمة. بالمقابل يمكن لأحد أحزاب المعارضة، أو بعضها، أن يفوز في الانتخابات وينتقل إلى السلطة. ولا يسمى الناخبون الذين صوتوا للحزب الذي فاز بالسلطة بالموالين، بل القاعدة الاجتماعية المؤيدة للحزب، وقد تسحب تأييدها له، كلياً أو جزئياً، أثناء ولايته، وفقاً لدرجة وفائه بوعوده الانتخابية أو جحوده لها.

مختصر الكلام أنه في مجتمعات الدول ذات الأنظمة الديموقراطية التداولية، لا يدافع أحد عن السلطة في مواجهة منتقديها، إلا السلطة نفسها، أي أعضاء الحكومة. حتى أعضاء الحزب الحاكم نفسه، يمكن أن ينتقدوا أداء حكومتهم بغرض ضبطها وتصويبها وإبعادها عن شطط السلطوية. هذا ما يسمى بالرقابة الاجتماعية أو رقابة الرأي العام على الحكومة اللتين تضعان حدوداً لحرية السلطة. هذا غير دور الرقابة الذي تلعبه المؤسسة التشريعية (البرلمان) الذي يملك، عادةً، صلاحية إسقاط الحكومة أو بعض أركانها بسحب الثقة منها أو منهم.

قد لا تكون الأمثلة الواقعية بهذا النقاء “المخبري”. فكثيراً ما نجد نوعاً من التضامن “الحديدي” بين الحزب والسلطة المنبثقة عنه، فلا ينتقد الحكومة من أعضاء الحزب الحاكم إلا من يغادرون صفوفه. ولكن يبقى أن هذا النوع من التضامن الحزبي الداخلي مرهون باستجابة القيادة الحزبية، والحكومة، لمطالب القاعدة الحزبية، وبصورة أوسع القاعدة الاجتماعية. أما إذا شهد هذا “العقد الاجتماعي الصغير” خللاً يتمثل في تنكر الحكومة لمطالب القاعدة الاجتماعية، بعضها أو كلها، فيحدث الافتراق، ويتحول المؤيد إلى معارض.

حين نتحدث عن “سياسات غير شعبية” نقصد بالضبط افتراق السلطة التنفيذية (الحكومة) عن مطالب القاعدة الاجتماعية العريضة. وقد يحدث أن تكون تلك السياسات أكثر حكمة، من زاوية نظر المصلحة العامة، من سياسات شعبية تحسب حساباً فقط لجزء من المجتمع يعول الحزب الحاكم على كسب أصواتهم في الانتخابات القادمة، وهذه نسميها بالنزعة الشعبوية التي تعني مغازلة المزاج العام لقطاع اجتماعي معين، والاستجابة لمتطلباته، على مستوى الوعود على الأقل، على حساب المصلحة العامة التي تأخذ بنظر الاعتبار جميع القطاعات الاجتماعية، إضافة إلى التوازنات الدولية والعلاقات مع الدول الأخرى، إذا كان الأمر يتعلق بالسياسة الخارجية.

أما الولاء فهو مفهوم حصري خاص بالبلدان المبتلية بأنظمة دكتاتورية بمختلف أشكالها. لكنه يبرز أكثر في الأنظمة الشمولية ذات العمر المديد، حيث يكون الولاء درءاً لخطر الاستهداف من السلطة الغاشمة أو تكسباً من منافعها، وغالباً مزيجاً من الدافعين. غير أن هذا النوع من الأنظمة يتستر على تسلطه بادعاء حمل “رسالة” ما يبرر بها حصرية حقه في السلطة، فيحتل الدولة والمجال العام، ويتحكم بمصائر المحكومين.

ومقابل كتلة “الموالاة” الكبيرة، لا وجود شرعياً للمعارضة التي يعتبر أي تعبير عنها بمثابة الخيانة الوطنية أو الكفر الديني (أو “الانشقاق” كما شاع استخدامه لوصف معارضين للدولة السوفييتية). ذلك لأن “القيادة” في هذه الأنظمة، وغالباً ما تختصر بالرئيس أو الملك أو بقيادة المؤسسة العسكرية في أحسن الأحوال، هي التي تضع معايير الصح والخطأ، الوطنية والخيانة، الدين الصحيح أو الكفر به. فكما أنها تمتلك الحقيقة، هي وحدها المخولة أيضاً بتعريف ما هو حقيقي أو صحيح أو أخلاقي أو جميل. ويمنع، تحت طائلة العقاب الشديد، تقديم آراء مختلفة حول تلك الفضائل نفسها.

لذلك فمن غير المنطقي ولا من العدالة في شيء حين يتم الحديث عن “معارضة سورية” مثلاً. هناك فقط نظام ومجتمع موالٍ. وعلى أي حال أكد على هذه الحقيقة كل الناطقين باسم النظام، أو الضاربين بسيفه، سواء في الأربعين سنة من عمر نظام الأسد التي سبقت الثورة السورية، أو بعد اندلاعها، فلم يعترفوا قط بوجود معارضة، واستخدموا التعبير فقط في سياق السخرية والازدراء.

حين ننزلق جميعاً إلى هذا الخطأ المنهجي المتمثل في استخدام تعبير “المعارضة” فنحن نفعل ذلك لأننا لا نملك بديلاً وفشلنا في ابتكاره، ولأن “المجتمع الدولي” والإعلام العالمي يستخدمان هذا التعبير المضلل وتمكنا من فرضه على الجميع. ذلك أنه لو كانت هناك فعلاً معارضة لحكم الأسد، أعني معارضة معترف بشرعيتها وحقها في الوجود، لما احتاج الأمر إلى ثورة لاقتلاع النظام، ولما كان بمقدور النظام أن يشن حرباً عليها فيدمر البلد ويقضي على السكان قتلاً وتهجيراً وتصفيةً في المعتقلات. لطالما تعامل النظام مع كل من اعترض على تسلطه، أفراداً أو مجموعات، مثقفين أو أحزاب سرية، بوصفها حالات جنائية (أو إرهابية) تعالج بواسطة الأجهزة الأمنية، وحرمت حتى من “امتيازات” المجرمين في الوقوف أمام محاكم جنائية.

بيد أن الأمر يزداد تعقيداً في مجتمعات ملغومة، فوق ابتلائها بأنظمة شمولية مجرمة. هنا نصبح أمام انقسام اجتماعي حاد بين “موالاة” غالباً ما تتطابق مع خطوط انقسامات أهلية، وسائر المجتمع الذي يتعرض لحرب إبادة بسبب عدم ولائه، وليس بالضرورة لكونه “معارضاً”. الولاء هنا لا يتعلق بتأييد سياسات الحكم الاقتصادية – الاجتماعية أو الخارجية أو غيرها من السياسات التي تشمل مختلف مناحي الحياة العامة. بل إن الولاء تعريفاً يكون لصاحب القوة، لا للقوة المجردة بذاتها. فمهما غير الحاكم من سياساته بقي محتفظاً بولاء الموالي.

هناك شيء غير عقلاني في طريقة دفاع الموالي عن النظام الذي يواليه. تقول له، مثلاً، النظام يعتقل أبرياء على مجرد الشبهة، وتعطيه أمثلة ملموسة. يصدف أنه لم يسمع بتلك الأخبار، لكنه لا يقول إنه لا يعرف ذلك، بل يقول: لا بد أنهم ارتكبوا جريمة ما تستوجب عقابهم. أو تقول له إن النظام استخدم السلاح الكيماوي في ضرب بعض المناطق، فإذا حدث ولم ينكر الأمر، قال لك: لو امتلكت المعارضة السلاح الكيماوي لما ترددت في استخدامه!

لا يمكن إقامة مساواة عقلانية أو أخلاقية بين الموالاة والمعارضة. ذلك أن انتقاد عمل السلطة حق وواجب بديهيين، لا يحتاجان إلى مواقف مسبقة أو سوء نية. لأن أفضل الحكومات في العالم تقصر في خدمة المواطنين وترتكب أخطاء في اتخاذ القرارات أو تطبيقها، فتستحق الانتقاد والمعارضة. هذا إذا كانت حسنة النية ولا رائز لها غير خدمة المواطنين، فما بالك إذا كان ديدنها ودينها البقاء في السلطة، والنفوذ إلى الموارد والثروات العامة أو استباحتها؟

إن ما يضع الأمور في نصابها ويقيد السلطة بحدود التفويض الاجتماعي الممنوح لها، إنما هو نظام سياسي يقوم على مفهوم الحكومة التي تخدم المجتمع، فإذا قصّرت في تلك الخدمة، تم التخلي عنها واستبدالها.

تلفزيون سوريا

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.