شهادات

عن الفاتن علي الشهابي وعن “كومونة اليرموك”/ وائل السواح

 

 

في هذه الحلقة، يتحدّث وائل السوّاح عن عالم اليسار السوري في سبعينات القرن الفائت في مخيّم اليرموك جنوب دمشق، من خلال تجربته الخاصة هناك.

لم يكن جبرا إذاً في بيته، فغذذت السير نحو غرفتي عند أمّ وليد، وغرقت مباشرة في نوم عميق. في اليوم التالي، كنت أجالس صديقاً في قهوة “الإيتوال”، حين أدخل القهوة شاب مديد وسيم، في عينيه دماثة ومودّة. سلّم على جليسي بحرارة، ونظر إلي، مادّاً يده:

“آدم متوّج”، عرّف عن نفسه.

“وائل السوّاح”، أجبت.

“وائل السوّاح؟ قرأت بعض قصصك”. قال بلهجة ساحلية مخفّفة، وجلس معنا. سألني عن أحوالي، فتبرّع صديقي وقال له إنني قد فصلت قبل ليلة من عملي في وكالة سانا.

“ماذا؟” سأل آدم بلهجة المستنكر، ثم غرق في التفكير لثوانٍ، وقال: “ما رأيك أن تعمل في مؤسسة الإسكان العسكرية؟”.

بدا الأمر لي برمّته نكتة سوريالية.

“مؤسسة الإسكان؟” سألت: “ماذا أفعل هناك؟”.

“لا عليك. أين تسكن؟” وأجبته، فقال مسرعاً: “انتظرني غداً عند مفرق القابون في ساحة العبّاسيين. الساعة السادسة والنصف صباحاً”.

ماذا يمكن أن يعمل طالب في قسم اللغة الإنكليزية أو قاصّ أو صحافي في مؤسسة الإسكان العسكرية؟ أفقت صباح اليوم التالي أبكرَ من عادتي، وسألتني أم وليد: “خير ان شاء الله؟” ابتسمت وقلت لها: “ادعي لي!” وسرت نحو ساحة العباسيين، متشكّكاً. كنت أرجّح أن الرجل لن يأتي. وصلت الساحة وتوقفّت عند مفرق القابون متململاً. خلال دقائق وقفتْ بجانبي سيارة تويوتا جيب، ومدّ آدم يده من شباك السيارة ملوحاً.

“تعال! اركب!”

وركبت. سارت بنا السيارة نحو المنطقة الصناعية التابعة لمؤسسة الإسكان العسكرية في عدرا، وترجّلنا قرب بناء مسبق الصنع أشبه بالبرّاكة العسكرية. ارتقينا سلماً مرتَجَلاً إلى الطبقة الثانية، ودخلنا مكتباً فيه طاولتان.

“هذا مكتبك”. قال وهو يشير إلى طاولة معدنية فارغة.

“وهذا الأخ ربيع، زميلك. أنت الآن مدير مكتب المبيعات”.

كان ذلك أشبه بالمهزلة. طالب في كلية الآداب، يكتب القصة والشعر والمقالة، يغدو في أقل من ثماني عشرة ساعة رئيساً لمكتب مبيعات المنطقة الصناعية التي تنتج كلّ شيء لمؤسسة الإسكان العسكرية. كانت معرفتي في الحسابات والتجارة أفضل قليلاً من معرفتي بالذرّة واللغة الهيروغليفية. شرح لي آدم ما كان علَيَّ أن أفعله، وقال لي إن الأخ ربيع سيشرح لي البقية. ولكن الأخ ربيع لم يفعل، لأنه كان يريد الطاولة الفارغة لنفسه، ولا يريد رئيساً له يصغره بسنوات ويبدو كـ”هيبي” خارج من ثورات 1968 لتوّه أكثر ما يشبه مدير مكتب للمبيعات.

لا يمكنك أن تخفي الأمور في مدينة كدمشق. بشكل أو بآخر، يعرف الجميع كلّ شيء تقريباً عن كلّ شخص. كان آدم قريباً من جوّ اليسار السوري، ولعلّ له قريباً كان في إطار رابطة العمل، والمرجّح أنه كان يعرف أو يحدِس أنني في الإطار نفسه، فأراد أن يقوم بتصرّف بطولي ما. كان آدم يراوح في مكان ما بين الطيبة والخبث، بين النظام والمعارضة، بين المدينة والريف، وبين الذكاء وضيق الأفق. تغْلِب عليه ريفيته وطيبته أحياناً، ثمّ سرعان ما يستردّ وجهه السلطوي ويتذكّر أنه ابن النظام وليس ابن المعارضة، فيتصلّب ويتشدّد.

في مكتب المبيعات، كانت النقود تسيل بين يدي كمياه النهر. يأتي المشترون إلى مكتبي فأكتب لهم إيصالاً بطنٍّ من الحديد، أو متر من الخشب، أو ببلاط أو دهان، وأقبض الثمن، ثمّ أودعه مساء في خزينة المحاسب. لقاء ذلك كنت أقبض 500 ليرة سورية مرتّباً شهرياً وفوقه 200 ليرة تعويض اختصاص. 700 ليرة كان مبلغاً ضخما في نهاية السبعينات. ولذلك، حين عرض عليّ صديقي الجديد فاروق العلي أن نستأجر بيتاً في مخيّم اليرموك، وافقت على الفور.

تعرّفت إلى فاروق العلي عن طريق فادية. كان زميلها في كليّة الطب. شاب أسمر بشعر أسود أجعد ولحية سوداء جعداء وعينين جميلتين فيهما قلق دائم لا يهدأ. جاء فاروق من قرية الطيبة في سهول حوران ليقتحم دمشق وكلية الطب والسياسة والسجون وقلوبنا جميعا في غضون سنوات. ككلّ أبناء جيلنا، جرّب الشعر والعشق والسياسة، ولكن الأخيرة استغرقته أكثر. عرّفني فاروق إلى أخيه محمود، الشاب الودود الذي في عينيه بحر من الود والدفء، وإلى برهان الزعبي، رجل يختزل الشهامة في شخصه، وأحمد الرشيدات، طالب الطب الذي كان يجيد الدراسة والمزاح. أربعة حوارنة وحمصي واحد. تركيبة غريبة أسّست مشاعيّة اليرموك الأولى في نهاية السبعينات. بيت أرضي مستقلٌ في حارة فرعية تصل ما بين شارعي اليرموك وفلسطين في مخيم اليرموك، وتصبّ في ساحة النجوم، التي احتلّها باعة الخضار والملابس الرخيصة وأحذية البلاستيك، وفي طرفها تقبع سينما النجوم، التي توقّفت عن عرض الأفلام مع قيام الحركة التصحيحية، وتحوّلت إلى ملجأ تقصده الجرذان والقطط على حدّ سواء.

ودّعْتُ أم وليد بأسى، فهي لم تكن صاحبة بيت تؤجّر فيه غرفة، بل كانت منقذتي حين كاد أن يُرمَى بي على قارعة الطريق بسبب صورة لغيفارا على الجدار، وكانت أيضاً أمّاً وصديقة، لطالما نبّهتني إلى ضرورة الاهتمام بصحتي وعدم التأخر في السهر. وحين كنت أعود آخر الليل ووجهي يضجّ دماً من الخمر، كانت تهتف بي: “عليك أن تخفّف الشرب، يا ابني.” حملْتُ حقيبتي وكتبي، وبمساعدة فاروق، أخذنا شاحنة سوزوكي صغيرة إلى المخيّم. كان في البيت أربع غرف وصالة. أعطاني الشباب الغرفة التي كانت مخصّصة أساساً لتكون غرفة الضيوف (الاستقبال)، لها باب على ردهة البناية وباب آخر على الصالة. فاروق احتلّ الغرفة الصغيرة المطلّة على الصالة أيضاً، بينما لسبب لا أعرفه آثر برهان ومحمود وأحمد التشارك في غرفة النوم الكبيرة، وبقيت غرفة نوم أخرى فارغة. ليس تماماً، فنادراً ما كانت تمرّ ليلة لا يشغل الغرفة فيها شاغل.

رتّبت أشيائي وكتبي، وأخفيت كراريس رباطة العمل في أحد الدروج، ولكنني أبقيت الدرج منفرجاً قليلاً، بحيث يستطيع الفضولي أن يرميَ نظرة فيجد الكراريس ونسخاً من جريدة الراية الحمراء. ولم أفاجأ تماماً حين رأيت الكراريس نفسها تتلصّص علينا من رفّ ما في مكتبة فاروق، وقد ألقيت فوقها جرائد قديمة، في محاولة لإخفائها، ولكن من دون جديّة فعلية في الأمر، وكأننا تواطأنا على إظهار المشترك المخفي بيننا. كان يلذّ لنا أن يشكّ الآخرون في انتمائنا السياسي، أن يخمنّوا أن هذا الشاب هو من يوزّع البيانات في الحارات ويسبّب الأرق للسلطة. وكان جميلاً أن يظلّ الشك والتخمين في دائرة الشكّ والتخمين، تماماً كفاتنة تكشف قليلاً فقط عن جسدها، مرخية فوقه غلالة رقيقة، تستر العيوب إن وُجدت، وتترك للخيال أن يكمل الصورة. لذلك، على رغم أننا كنا نظهر جميعاً أننا بشكل أو بآخر ندور في الدائرة ذاتها، فلم نتحدّث مباشرة عن قضايا التنظيم إلا لاحقاً، حين حصلت اعتقالات أيار/ مايو 1978، وتكشّفت الكثير من خيوط التنظيم.

خلال أيام تحوّلت الشقّة إلى خلية موّارة بالحركة والنشاط. صنعنا نسخاً من المفاتيح بعدد الأصدقاء، وكثيراً ما كنت أدخل البيت فأجد جميل حتمل أو فرج بيرقدار أو خالد درويش أو جمال سعد الدين أو علي الشهابي أو ياسين أبو خضور في البيت وربما أحضروا معهم أصدقاء آخرين لا نعرفهم، وقد صنعوا شاياً أو قهوة، أو اشتروا بيرة باردة، وغرقوا في نقاش حام حول موضوع سياسي ما، من دون أن يكون بينهم أي منا، نحن أصحاب البيت.

“كومونة اليرموك”، هكذا سميّنا بيتنا في المخيم، تيمّناً بكومونة باريس. ولم يكن في التسمية تجنٍّ كبير، ففي تلك الشقّة كان الجميع متساوين وفوضويين وأحراراً. أسّسنا جريدة حائط لا محرّر لها. يستطيع أي ساكن أو زائر كتابة موضوع وتعليقه على الجريدة إذا كان فيها مساحة فارغة، كما يستطيع أن يزيل أي مقال مرّ عليه أسبوع، ويعلّق مادته مكانه. وعلى صفحة تلك الجريدة، كنّا ننقد أفكار بعضنا بعضاً بحماسة وعاطفة قويتين.

على صفحات هذه الجريدة، نشر فرج قصائده ونشرتُ وجميل قصصنا. وعلى صفحة الجريدة العريضة تناولنا قضايا سياسية ونظرية حسّاسة، منها قضية دلال مغربي، الفدائية الفلسطينية التي قادت عملية “كمال العدوان في آذار/ مارس 1978،”وهي في العشرين، إذ استولت مجموعتها على حافلة إسرائيلية، واتجهت صوب تل أبيب لتحرير الأسرى الفلسطينيين. قام جنود إسرائيليون بقيادة إيهود باراك بالتصدي لدلال ومجموعتها، ففجّرت دلال الحافلة وقاتلت حتى قُتلت هي وكلّ من معها. وعلى رغم كلّ عواطفي الثورية، كنت، ومعي فاروق ضدّ مثل هذه العمليات التي تستهدف مدنيين، بما في ذلك اختطاف الطائرات. على المقلب الآخر، كان شريكنا في السكن اليساري الأبدي برهان الزعبي، الذي سمّى خليته في الرابطة “خلية دلال مغربي”، والشاب التروتسكي المتحمّس نور الدين بدران، ومعهما الشاب الفلسطيني الذي سيمضي بعد ذلك حوالى نصف حياته في سجون الأسد: علي الشهابي.

من بيننا جميعاً، كان عليّ الشهابي متفرّداً في كلّ شيء. لم يكن عليّ جسداً. كان جُموحاً وحركة وقلقاً. لم يكن يجيد الجلوس المستوي على الكرسي، بل كان يميل يمنة ويسرة وينحي إلى الأمام ليقترب منك أكثر لكي تصل إليك أفكاره بسرعة أكبر، وهو يتدفّق في الكلام حتى تتراكب الجمل بعضها فوق بعض. وباستثناء سلامة كيلة وعلي الكردي لم أعرف فلسطينياً سورياً طغت سوريته على فلسطينيته كما فعلت سوريّةُ عليّ. سيُعتقل عليّ كثيراً جداً وطويلاً جداً. ولدتُ أنا وعلي في السنة ذاتها، ولكنني دائماً أشعر بالضآلة أمام تضحياته وقوّة حجته وفصاحة لسانه وتهدّج صوته وهو يحكي روحَه مع الكلمات. لم أعدْ أذكر عدد المرّات التي اعتقل فيها نظام الأسدين علياً. لعلّ أول مرة كانت عام 1975، حين كان دون العشرين، وأمضى في المعتقل نحو عام، ثم اعتقل مرة ثانية عام 1982 في الحملة الشرسة على حزب العمل الشيوعي، على رغم أنه كان قد ترك صفوف الحزب.

في السجن، راح يعلّم السجناء اللغة الإنكليزية، ويداري فجيعته بابنته الصغرى ليديا، التي قضت وهو في السجن. بعد تسع سنوات أفرج عن عليّ وخرج مع جملة من رفاقه عام 1991، وكنت أنا بينهم. وفي حين آثرتُ ومعي كثر من الناجين السقف المنخفض، كان عليّ يرفع سقفه وصوته دوماً، ويدور بين منظمات حقوق الإنسان الدولية ليوصل أصواتَ المعتقلين الذين نسيهم العالم. وتمّ استدعاؤه مراراً إلى الأجهزة الأمنيّة وتوقيفه بضعة أيام، إلى أن اعتقل ثالثة عام 2006 بسبب توقيعه على إعلان دمشق- بيروت ومحاولته تشكيل تيار سياسي سوري جديد تحت اسم “سوريا للجميع”، وكان بين الذين تم تعذيبهم بوحشية على غير ما عومل به الموقّعون الآخرون على البيان، وكأن السجّان كان يقول له “وما شأنك أنت بسوريا؟” في 19 كانون الثاني/ يناير 2012، داهم جنود النظام السوري منزل علي الشهابي، واقتادوه فجراً إلى فرع فلسطين، ولا يزال منذ تلك اللحظة مختفياً قسراً لا ندري عنه شيئاً.

وفي الحرب الشرسة التي شنها النظام على مخيّم اليرموك، تعرّض بيت أسرة علي، كما غيره من بيوت المخيم، للدمار، فهجره ساكنوه، وماتت أم عليّ، التي كانت أمّاً لنا جميعاً، حسرة على ابنها وأحفادها وبيتها ومخيّمها وسوريا، التي كانت تعتبرها وطناً ثانياً. أمّا أخته الصديقة لطيفة الشهابي، فلا تزال بين باريس ودمشق تحاول كلّ جهدها للحصول على “شقفة خبر” عن أخيها الفاتن علي. ولا خبر!

درج

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.