أبحاث

في مشكلة المطابقة بين الوطنية السورية ونهاية نموذجها السياسي/ أيمن أبو هاشم

 

في مقال له بعنوان نهاية نموذج الوطنية الديمقراطية؟، المنشور على موقع الجمهورية بتاريخ 12 تشرين الأول 2018، يطرح الكاتب ياسين الحاج صالح إشكاليات في نموذج الوطنية الديمقراطية، لافتاً النظر أكثر إلى تقادم النموذج السياسي الذي عبّرت عنه القوى الوطنية الديمقراطية في الحالة السورية، وأبعد من ذلك إلى نظيراتها في الواقع العربي.

ويرى الكاتب أن التحولات والحقائق المحلية والدولية في العقود الثلاثة الأخيرة تكشف عن هذا التقادم في جوانب عديدة، منها قصور الخطاب الوطني الديمقراطي عن الإحاطة بالعديد من القضايا المؤثرة في الصراع السياسي ما بين السلطة والقوى المقابلة لها، وتجاوزُ الواقع السوري في زمن الثورة فكرةَ وآليات استيعاب قوى الإسلام السياسي ضمن الرؤية الوطنية الديمقراطية. فضلاً عن أن حوامل هذا الخطاب تعجز، في رأي الكاتب، عن الإحاطة بالتحولات العميقة في الواقع السوري، لا سيما بعد خصخصة الدولة ونزع طابعها الوطني على يد السلطة، وبروز مشكلات وتحديّات داخلية وخارجية، غابت وربما لم تؤخذ في تفكير القوى الوطنية الديمقراطية على محمل الجد، أو لم تُمنح الأهمية المُستحقة.

وكما انتهى النموذج القومي الاشتراكي بعد نهاية الحرب الباردة، يُلمّح الكاتب إلى «نهاية النموذج الوطني الديمقراطي»، الذي نهض في نهاية عقد السبعينات على تقادم الأول، مستنداً في تحليله واستنتاجاته حول ذلك، إلى تقاطع المصالح والقوة، بين نظام عالمي مغلق يقوم على احتواء التماثل ولفظ ما يغايره، ونظام استبدادي سوري يقوم على استخدام وظيفته الأمنية في مكافحة «الإرهاب» بما يتفق مع سردية النظام العالمي، وطبيعته الأوليغارشية الراهنة.

لعلّ أهمية الفكرة التي يعرضها الحاج صالح في مقاله، تكمن في إثارة التفكير السياسي حول ضراوة المعضلات التي تواجه من ينطلقون من «الوطنية السورية» في سعيهم الديمقراطي للوصول إلى دولة الحرية والتعدد والمواطنة. ولا مبالغة، على ضوء ما آلت إليه الحالة السورية اليوم، في القول إن احتمال انهيار الوطن السوري، وليس الدولة التي خطفها نظام الاستبداد فحسب، لم يعد ممكناً تجاهله أو استبعاده من التفكير السياسي عموماً. لكن مثل هذا الخيار الكارثي يصبح أقرب إلى التحقق، عندما يتم الخلط بين الفشل السياسي في التعامل مع تلك المعضلات والتحديّات، والفراغ الناجم عن فشل النموذج الوطني الديمقراطي.

في هذه الحالة التي يلتقط ياسين دلالاتها ومنعكساتها على «الوطنية السورية» كمعادل لفشل المشروع الحامل خطابها ومضامينها التحررية، نجد أنفسنا أمام إغلاق سياسي محكم، وأكبر ربما من إملاق التشكيلة السياسية المغلقة «سلطة ومعارضة» في توفير شروط التغيير السياسي، كما تناوله ياسين – في مقال سابق له-، إذ كيف يمكن لنا كسر هذا الإغلاق، والتفكير بملء الفراغ الناجم عن نهاية النموذج الوطني الديمقراطي وفق هذه المقاربة للواقع، وهي تغلق تفكيرنا بدورها على معضلة النهايات القاطعة. سيما وأن البديل عن الوطنية السورية، لم يأتِ عليه الكاتب، وإن كانت استنتاجاته تلك تدفعنا إلى أسوأ التصورات والتوقعات حوله، فيما المطلوب على أيقاع المأساة السورية التمحيص في مسألتين مُلحّتين:

الأولى – مدى قدرة السوريين على تغيير مجريات القدر الساحق، إذ أصاب التفكك والانهيار محددات وعناصر «الوطنية السورية»، وهي مسألة تقترن وجوباً بإنقاذ الهوية السورية من التصدع والتشظي الناجمين عن الصراع الدموي. ورغم كل ما أصاب علاقة السوريين من شروخ عميقة بسببه، نجد بأن ثمة إرادة سورية لا يمكن تجاهلها، تحاول إعادة صوغ هوية وطنية جديدة، تجسد فكرة الانتماء للوطن السوري. بمعنى أن التماهي بين فشل القوى التي حاولت تجسيد المشروع الوطني الديمقراطي، والفراغ الناجم عن فشلها ذاك، سيؤدي – وفق ما ذهب إليه ياسين- إلى التساؤل عن فرص بقاء «الوطنية السورية» وفي هذا – كما أعتقد – تشاؤمٌ لا يسمح به العقل السياسي، طالما أنه يصعب حتى للمخيلة السياسية، تصور بديل يحمي وجود وحقوق السوريين راهناً ومستقبلاً، خارج نطاق «الوطنية السورية» رغم كل المعضلات والمشكلات التي تهدد حقائقها المادية والمعنوية.

ثمة ما يدفع إلى نقد الرؤية التي تقرن بين مفهوم «الوطنية السورية» وأزمة الحامل السياسي لها، ذلك أن الانسداد الواضح في الوضعية السورية اليوم، بعد حصاد أسلمة الثورة وعسكرتها، وبعد وضوح حجم الاستثمار الدولي والإقليمي بالدم السوري، يهيئ مناخات جديدة للتفكير والنقاش العام حول أسس ومرتكزات إعادة صوغ الإجماع الوطني، وانطلاق ديناميات التفكير السياسي، بالبحث عن حوامل وطنية ديمقراطية تتجاوز صيغتها النخبوية. هذا ما تدعو إليه اليوم كتل وأصوات متناثرة من السوريين، تستلهم من أطروحة التحرر في الثورة السورية رفضها نزع الطابع الوطني، وتستلهم من دروس حركة التاريخ ضرورات الاتساق بين مفهوم الوطنية وفلسفة الدولة الحديثة.

وبما أن تحدياً مصيرياً من هذا النوع لا يزال قائماً، فمن المهم أيضاً الإشارة إليه وأخذه بالحسبان، طالما أن تحليل النموذج الوطني الديمقراطي كظاهرة سياسية يتطلب تلمّس كافة أبعادها وتجليّاتها، وكذلك ممكنات تطوير حواملها وأدواتها، فيما مقاربة ياسين حول التجربة الماضية للنموذج المرشد، لم تتناول المتغيرات التي طرأت عليه خلال الثورة وأهميتها، رغم مأساوية المشهد، في نقل فكرة النموذج من سياقها النخبوي إلى سياق مفتوح على رؤى جديدة غير قاطعة.

الثانية – في تأكيد ياسين على فشل سياسية استيعاب النموذج الوطني الديمقراطي لقوى الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين) في مجرى تحليله النقدي للعلاقة بينهما، ما يدفع إلى التساؤل عن شكل ومضمون العلاقة المتوقعة مستقبلياً بين الطرفين، بغضّ النظر عن مدى تسليمنا «الاستيعاب من عدمها».

في معرض الإجابة لا بدّ من التمييز بين مرحلة «الاستيعاب» ما قبل الثورة وما بعدها، وهو تمييز ضروري كي نقف على التحولات التي أصابت (نموذج الوطنية الديمقراطية)، ومن أهمها انشطار القوى الحزبية والتنظيمية المعبّرة عن هوية هذا النموذج، وقبول بعضها الدخول في مؤسسات ثورية ومُعارضة، يسيطر عليها (الإخوان) ممن رأوا بأنفسهم مستوعَب تلك القوى بمنطق الضرورة وليس الشراكة. فيما بقيت كتل وأصوات متعددة من الوطنيين الديمقراطيين خارج تلك المؤسسات، وفي كثير من الأحيان بالضد منها. وهو ما يُفيد أن مرحلة ما بعد الثورة أفرزت حقائق مختلفة عمّا قبلها، لجهة تحول فريق سياسي من خانة المستوعِب إلى المستوعَب، في الوقت الذي لم يعد فيه (الإخوان) هم الممثلين الحصريين للإسلام السياسي المعتدل، ولم يعد (حلفاؤهم الديمقراطيون) الممثلين الحصريين لنموذج الوطنية الديمقراطية.

تلك الحقائق النسبية والمتغيرة، لا تتيح استسهال النظر إلى «الاستيعاب» منطلقاً لتوصيف طبيعة التحالفات التي قد تنشأ بين القوى السياسية السورية، بناءً على محددات مغايرة عن تجربة ما قبل الثورة. يُرجّح مثل هذا الاتجاه حاجةَ طيف واسع من الديمقراطيين والإسلاميين المُهمشين إلى سياق وطني يجمع بينهم مع آخرين غير مؤدلجين، وهو ما تعزز منه أيضاً قناعةٌ متزايدة، بعد فشل تجربة الإسلام السياسي في المناطق المحررة، بضرورة اللجوء إلى خيار وطني إنقاذي، يحتاج إلى كثير من النقاش والحوار حول تحديد هويته وأهدافه. ويبدو أن نهايات مرحلة العسكرة، توفر إمكانية عودة انشغال المجال العام بالسياسة، ولا تكفّ مؤشرات اهتمام السوريين بالداخل والخارج عن توليد تلك الإمكانية.

هاتان المسألتان ترتبطان بإعادة تعريف الوطنية السورية من منظور تاريخي معرفي، يوجب التقاط حالات ومستويات انزياح السوريين عما يجمعهم وطنياً من صلات وعلائق، بعد الهزات العنيفة التي كشفت عمق أزمة الهوية الوطنية، ومأزق التعرّف إلى عناصرها المشتركة بفعل ما صنعه الاستبداد من شروخ وتصدعات في البنى والتشكيلات المكونة لها. وهي مهمة تاريخية بنائية وتحررية في ظل مشاريع استنزاف الوطنية السورية، ما بين جرائم الاستبداد والتطرف التي أحيت غرائز ما دون وطنية، ومحاولات الاستيلاء على القرار الوطني من قوى خارجية بمنأى عن إرادة وتطلعات السوريين.

أخيراً، فيما يصح قول ياسين الحاج صالح عن فشل النموذج الذي حاول تمثُّلَ المشروع الوطني الديمقراطي في مرحلة ما قبل الثورة، يغدو انسحاب القول على نهايات محتومة بمثابة إملاء قسري، لا يحتمله منطق التغيير في سيرورة البحث عن حوامل وبدائل تستجيب إلى تحديّاته الوطنية.

موقع الجمهورية

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.