منوعات

لماذا يُعد تمزيق بانكسي لَوحَته أعظم أعماله؟

 

 

أكثر ما أعجبني في الفيديو الذي نشره بانكسي عن أحدث حِيَله الفنية، هو الرجل المهندم الذي كان يرتدي نظارة ويبدو كخبير محترف في عالم الفن، عندما وضع يده على جبهته في حال ذهول مما رآه: مليون جنيه تمزقت أمامه. ظهرت عليه علامات الذعر كما لو أن ثورة قد اجتاحت حي “ماي فير” وأن النشطاء على وشك اقتحام دار “سوثبي” للمزادات، حيث تعرضت لوحة بانكسي المؤطرة “الفتاة والبالون” للتمزيق ذاتياً- بعد فترة وجيزة من بيعها مقابل ما يزيد على مليون جنيه استرليني.

إذا كانت لحظة الإرهاب الفني تلك والتي وقعت الجمعة الماضي- أو كما بدا لواحد على الأقل من الحاضرين- بمثابة إشارة إلى إخراج جميع جامعي القطع الفنية وتجارها، الذين اجتمعوا في ليلة كبيرة للمبيعات الفنية، وإطلاق النار عليهم، لغرِق شارع “نيو بوند” في دمائهم. وضع بانكسي عمله الفني في جهاز تقطيع أوراق خلال ذروة الأسبوع الأكثر ازدحاماً في سوق الفن بلندن، حيث يطير جامعو التحف الفنية الدوليون إلى معرض فريز للفنون وحفلاته الفضائية، وعروضه ومشترياته الخاصة.

قالت دار “سوثبي” التي ملأتها الحماسة بشأن مبيعاتها، “يُقام مزاد الليلة للفن المعاصر في تشرين الأول/ أكتوبر وسط أجواء أسبوع معرض فريز، مقدماً مجموعة مختارة من الأعمال البارزة”. على ما يبدو، لم تكن لديها أي فكرة بأن أحد هذه الكنوز المُعاصِرة كان مُفخخاً.

ولكن في صباح اليوم التالي، ادعى من يصفون أنفسهم بالمطلعين على السوق أنهم أول من فهم مزحة بانكسي. (ويقول غيرهم إنها مجرّد خدعة). قدم أحدهم ويدعى جوي سايير، وهو وسيط فني عبر الإنترنت، “تفسيراً” جريئاً إلى وسائل الإعلام.

قال سايير، “إن نتيجة المزاد ستدفع [بأسعار لوحات بانكسي] إلى الصعود أكثر، وبالنظر إلى اهتمام وسائل الإعلام بحيلته هذه، فإن المشتري المحظوظ سيجني عائداً كبيراً على المبلغ الذي دفعه الليلة الماضية [1.042 مليون جنيه استرليني]. أصبحت هذه اللوحة الممزقة الآن جزءاً من تاريخ الفن، ونُقدِّر بأن بانكسي قد رفع من قيمة اللوحة بـ50 في المئة كحدٍ أدنى، وربما تزيد قيمتها عن 2 مليون جنيه استرليني”.

وعلى رغم عدم تقديم سايير أي دليل على هذا الادعاء، فقد تناقلت وسائل الإعلام هذه النظرية. في النهاية، يبدو هذا السلوك الساخر معقولاً إذا كنت من متابعي عجائب سوق الفن. وبالطبع، ضاعف بانكسي من قيمة لوحة الفتاة والبالون بتمزيقه لها. إن سوق الفن هي دائماً من ينتصر.

لكنني أختلفُ مع هذا الرأي. أنا لستُ من أكبر المعجبين ببانكسي. كنت أتجول في مدينة ملاهي “ديسمالاند”، التي أنشأها بانكسي، بوجهٍ عابس، ولم أكن عابساً لكوني من العاملين بها، مثل موظفي الاستقبال المتجهمين، ولكن لأنني وجدت مدينة الملاهي تلك كئيبة بحق. لكن تهافُت المُفسّرين للقول بأن أعمال بانكسي أصبحت أعلى قيمة الآن يبدو غير مرتبط بالموضوع. نعم، التمرد يخمد دوماً. أو كما يقول ليونارد كوهين في أغنيته: نعم، الجميع يعرف أن النرد مغشوش، والجميع يعرف أن الأخيار خسروا. ولكن انظر جيداً. للمرة الأولى، تمّرد فنان على النظام الذي يقلل من قيمة الفن ويحوله إلى مجرد سلعة. إن ما حدث في مزاد “سوثبي” هو أعظم أعمال بانكسي. لقد قال شيئاً كان يجب أن يُقال: الفن يُختنق حتى الموت بسبب المال. وقد حوّل السوق الخيال إلى استثمار، والاحتجاج إلى ديكورٍ يزين بيوت الأقلية الثرية. وأصبح التمرد الحقيقي الوحيد المتبقي هو أن تقوم الأعمال الفنية بتدمير نفسها لحظة بيعها.

تنتمي لوحة بانكسي التي يبلغ ثمنها مليون جنيه ودُمرت ذاتياً – أو ربما نطلق عليها التحفة الفنية الراديكالية – إلى مدرسة فنية للتدمير لم يتجاوز عمرها مئة عام. عام 1917، لُطخت جدارية من البورسلين تدعى “الينبوع” وتحمل توقيع “آر موت” بطلاء أسود داكن، بعدما وصلت إلى معرض فني في نيويورك. وكثيراً ما ينظر إلى مارسيل دوشامب، الرجل الذي قام بهذه الحيلة، على أنه شخص طائش وجاف ومتهكم. وُصفت أعماله بأنها أحجية فلسفية، ولكن ذلك يبخس من الغضب والاحتقار في إشاراته الفنية. كان استدعاء رمز الينبوع يُقصد به التبول على ثقافة الأثرياء – وهذا لم يكن أمراً اعتيادياً عام 1917. كان دوشامب جزءاً من حركة دادا. هذه الحركة البدائية الاختزالية – والتي يحاكي اسمها حديث الطفل – بدأها المتظاهرون الألمان المسالمون في المنفى في سويسرا عام 1916، وامتدت إلى برلين وباريس ومدن أخرى بنهاية الحرب العالمية الأولى.

كَرِه الدادائيون الثقافة الأوروبية المتمثلة في الفنون الجميلة واحساس الوعي الذاتي، والتي يمكن أن تذبح شبابها بآلة تقطيع بشرية عملاقة كانت تسمى الجبهة الغربية. زعمت جميع الأطراف في الحرب العالمية الأولى أنها تدافع عن “الحضارة”. رفض جيل الدادا تلك الحضارة. في لوحته LHOOQ التي ظهرت عام 1919 (تبدو وكأنها جملة باللغة الفرنسية وتعني “لديها مؤخرة مغرية”)، رسم دوشامب شارب ولحية صغيرة على لوحة طبق الأصل من لوحة الموناليزا. وقال إنه أراد “استخدام لوحة رامبرانت كطاولة للكي”.

تكمن المشكلة في الحركة المناهضة للفن التي بدأت بالأعمال الثورية لمجموعة دادا ضد فكرة الثقافة نفسها في أنها دخلت ضمن التيار الرئيسي للفن الحديث خلال المئة عام الماضية. إن العملاء الأذكياء والبارعين الذين يزعمون أن كل ما فعله بانكسي هو عبارة عن قيمة مضافة لعمله هم جزء من سلسلة طويلة من المطلعين على عالم الفن الذين حولوا الخلاف إلى تاريخ فني. كرجل في الستينات من عمره، ابتلعت المؤسسة الفنية أعمال دوشامب. وصُنعت نسخ عدة من لوحة الينبوع المفقودة. هناك واحدة في متحف تيت مودرن اليوم.

شعرت مجموعة “شباب الفنانين البريطانيين” بالقيمة التجارية لأفكار دوشامب. يمكنك وضع سمكة قرش في دبابة وتسميها فناً، ثم تحولها نقوداً. والنتيجة هي ما رأيناه في الفيديو الذي قدمه بانكسي أثناء عرض سوثبي: مجتمع دولي ينفق أمواله على الفن الذي يتمتع بجمال العنف الدادي. وبجانب لوحة بانكسي الفتاة والبالون، شمل المزاد لوحة بيضاء مقلوبة من أعمال لوسيو فونتانا ولوحة أخرى لبييرو مانزوني، والتي تعتبر أكثر أعماله الفنية رواجاً، عبارة عن لوحة تظهر فيها علبة صفيح كتب عليها “فضلات فنان”.

بالنظر إلى هذه الأعمال، فإن اللعبة التي يمارسها المزاد ليست بهذا الغموض. من ناحية، حصل هواة جمع التحف الفنية على متعة الفن المعارض. ومن ناحية أخرى، اشتروا لوحات جميلة ليضعوها في المنزل. الجمال مع لمحة من المبولة، أو غائط الفنان، أو الشارع. بدت لوحة بانكسي، الفتاة والبالون، مناسبة لهذا الجمال الضحل بشكل تام. فهو فنان مشهور بالعمل في الشارع، والرسم، واستخدام “الاستنسل”، وصور القناطر القبلية، والفئران المبهرجة والفوضويين الذين يرمون الزهور على الجدران في جميع أنحاء العالم. إلا أن دار سوثبي للمزادات كانت تبيع نسخة مؤطرة من إحدى أشهر لوحاته الجدارية – حيث تم ترقيم فنه حرفياً من خلال تحويله إلى لوحة فخمة، لوحة الموناليزا الحديثة.

ربما كان ينبغي عليهم أن يتساءلوا عن السبب الذي دفع فناناً معروف بالتمرد ليصنع شيئاً بهذه الأناقة. لكن لم يظن أحد أن بانكسي كان يدرس تاريخ الفن الحديث. كان مخبئاً داخل لوحته جهازاً مستوحى من أحد أكثر أدوات التخريب لمجموعة دادا. ابتكر الفنان البريطاني غوستاف ميتزغر فن الدمار التلقائي في بداية الستينيات من القرن الماضي، تماماً كما كان دوشامب يُنظر له كنجم لامع. في عرضه الأكثر إثارة، “رسم” ملاءة من النايلون الأبيض مستخدماً مادة حامضية أمام جمهور من ساوث بانك في لندن. هذا العمل الفني دُمر ذاتياً أيضاً.

كان هناك دوافع وراء غضب ميتزغر. شهد هذا الطفل اليهودي في نورمبرغ في الثلاثينات أكبر مسيرات النازيين. أنقذته مجموعة “نقل الأطفال” الألمانية، لكنه فقد عائلته في الهولوكوست. بالنسبة إليه، كان فن الدمار التلقائي جزءاً من رفضه الأبدي ليكون ضمن النظام الرأسمالي. كان أحد تلاميذه النوابغ طالباً فنياً شاباً التقى به في مدرسة هورنسي للفنون، ثم أصبح نجم موسيقى الروك، هو بيت تاونشند. كان يرى تحطيم الغيتارات خلال الحفلات الموسيقية التي تقيمها فرقة “ذا هو” نوعاً من فن الدمار التلقائي.

فن الدمار التلقائي هو واحد من الأعمال التي يصعب على عالم الفن التجاري استيعابه. عندما دمر مايكل لاندي كل شيء امتلكه باعتبار ذلك عملاً فنياً، كان وداعاً واعياً للفن السلعي لجيل هيرست الذي ينتمي إليه. عندما أحرقت “منظمة كيه” مليون جنيه، كانت خطوة بعيدة جداً من روح الفن السائد لدرجة أنه كان بالكاد ينظر له كأحد أنواع الفن – بل إهدار غبي دموي للمال.

عندما أعلنت مطرقة الدلال في دار سوثبي للمزادات بيع اللوحة، وبدأت “التحفة الفنية الحديثة” في التهام نفسها، كان تكوين المشهد مثالياً. كانت هذه لحظة الحقيقة في عالم الفن – مهما كانت مصطنعة ومتعددة الأوجه. بالطبع، سيتم استيعاب هذه الثورة. بطبيعة الحال، فإن السوق سوف يبتسم وسوف يستمر رنين أدراج النقود. ومع ذلك، يمكن القول إن حركة الفن التجاري توقفت ولو لمرة واحدة. وتحول الفن إلى الأيدي التي تُطعمه.

من حيث المبدأ، على جميع الفنانين أن يفعلوا الشيء نفسه حتى يتراجع السوق عن تشكيل الفن في عصرنا. لن يفعل معظم الفنانين ذلك بالطبع لأسباب وجيهة مثل الحاجة إلى كسب العيش. ومع ذلك، فقد أدخل بانكسي القليل من الضوء في غرفة خانقة الظلام للغاية – وأثبت أنه الفنان الأكثر أهمية الآن.

هذا المقال مترجم عن موقع صحيفة theguardian.com ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

https://www.theguardian.com/artanddesign/2018/oct/08/why-shredder-is-banksy-greatest-work

درج

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.