شهادات

مآلات الثورة السورية – 2: بدايات جديدة: السوريون يتلمّسون الطريق/ وائل السوّاح

 

 

 

لقد سارعت الحكومة السورية مع تحول الأحداث في سورية إلى أحداث دموية مؤسفة إلى طرد الصحافيين الأجانب واعتقلت بعضهم وضيقت على المراسلين المحليين لوكالات الأنباء والصحف والفضائيات العربية والدولية، بحيث صار الوصول إلى المعلومة صعبا للغاية.

بالمقابل، راحت وسائل الإعلام السورية الحكومية وشبه الحكومية تصور حركات الاحتجاج وكأنها حركات غوغاء يقوم بها مندسون ومتآمرون وسلفيون، إلخ. عندها تنادى النشطاء السوريون، وجلُّهم من الشباب غير المسيَّس، إلى ضرورة ملئ الفراغ الذي خلفه غياب وسائل الإعلام العربية والدولية. فبدأت شبكات من الشباب المنتشرين على الميدان في كل المحافظات بالحصول على المعلومات عن طريق المصادر الأولية، وتصوير الأعمال الاحتجاجية، وتبادل الأخبار فيما بينها، ومن ثم إيصالها إلى وسائل الإعلام العربية والأجنبية.

لقد بدأت التنسيقيات السورية بالوجود. ومع مرور الأيام والأسابيع، بدأ حجم الأخبار والفيديوهات يتزايد بحيث صار من المستحيل تداولها وتبادلها من دون تنسيق عال، ومن دون وجود غرفة أخبار مركزية، وهو ما تم من خلال تأسيس غرفة أخبار (newsroom) على سكايب، Skype، تم من خلالها جمع كل الأخبار وكليبات الفيديو، ويقوم عليها فريق عمل متطوع، بدأ يكتسب خبراته كل يوم وكل ساعة. ولكن غرفة الأخبار لوحدها لم تعد كافية، وبات من الضروري وجود مكان إعلامي، تقوم هذه المجموعات بنشر ما تحصل عليه من أخبار وصور ومقاطع فيديو، فظهرت الحاجة إلى تأسيس صفحات على الإنترنت، وخاصة صفحات على الموقع التواصلي الأوسع والأكثر انتشارا: فيسبوك.

لقد انتشرت الحركات الاحتجاجية عبر البلاد، وكانت في مجملها حركات سلمية، تحدد مطالبها بالحرية والكرامة والوحدة الوطنية. ولكن رغم أن الجزء الأعظم من الحراك كان سلميا، كان بعض النشاز يظهر في الممارسات التي يقوم بها بعض المحتجين هنا وهناك. فقد تم حرق بعض المؤسسات الحكومية واعتدي أحيانا على بعض موظفي الحكومة ورجال الأمن. ولم تكن قوى المعارضة السورية التقليدية قد بدأت تفيق بعد من مفاجأة الثورة السورية، ولا هي غدت قادرة على متابعة التطورات المتسارعة وأخْذِ مواقف سياسية وأخلاقية مما يجري على الأرض.

ومن هنا، بدأت فكرة تشكيل إطار سياسي للناشطين الشباب الذين لم يكونوا، كما أسلفنا، مسيَّسين في معظمهم. فماذا يكون هذا الإطار وأي اسم يختار؟ كان على الناشطين الإجابة على ثلاثة أسئلة أساسية قبل اختيار شكل الإطار واسمه. السؤال الأول: هل نريد تشكيل حزب سياسي؟ لقد كانت الإجابة السريعة والحاسمة: لا، فالأحزاب موجودة، ولن يكون إضافة حزب جديد مكسبا فعليا للحراك الثوري. هم إذن لا يريدون حزبا ولا تنظيما صارما. البديل كان إذن: اللجان. السؤال الثاني كان: ما هو الهدف الرئيس لهذه اللجان؟ والجواب جاء بعد نقاش: التنسيق بين القوى الثورية على الأرض. فاستقرت مجموعة من الناشطين على اسم “لجان التنسيق.” أما إضافة صفة “المحلية” فكان لأن هذه اللجان تنسق بين النشاطات التي يقوم بها ناشطو الحراك الثوري على الأرض في مناطق محلية شتى في سورية، ولكنه أيضا جاء ردا على اتهامات الإعلام الرسمي للناشطين السوريين بأنهم ينفذون مؤامرة خارجية ويتلقون تعليمات من الخارج. وولدت لجان التنسيق المحلية في 22 نيسان/ابريل، 2011.

التنسيقيات

وواقع الحال أن لجان التنسيق أو “التنسيقيات” كما يسميها السوريون عموما وجدت كحل عملي لفقدان وسائل الاتصال والإعلام والتنسيق بين شتى الناشطين على امتداد الأرض السورية. وتكاد لا تخلو مدينة أو بلدة أو قرية من تنسيقية واحدة على الأقل، وكلما كبرت البلدة ازداد عدد التنسيقيات. وقد توجد التنسيقيات وفق الأحياء أو المناطق أو المهن أو الانتماءات النقابية. أما الهيئات الكبرى التي تجمع ما بين هذه التنسيقيات فأهمها ثلاث هيئات: لجان التنسيق المحلية التي نأخذها كنموذج، واتحاد تنسيقيات الثورة السورية، والمجلس الأعلى لقيادة الثورة السورية.

ويعرف الباحث والناشط حسان عباس التنسيقيات بأنها “تجمعات حرة من الشباب التقوا بفضل صداقاتهم السابقة للتظاهرات أو بفعل تواجدهم في نفس المنطقة. وتتكون التنسيقية من عدد من المتطوعين الذين يتقاسمون العمل حسب مهاراتهم بدءا من اختيار الاسم الذي ستقوم تحته مظاهرات يوم الجمعة وكتابة اللافتات وتحضير الشعارات وانتهاء بتنظيم عمليات التصوير ونقلها إلى الوسائل الإعلامية العالمية. وتختلف بنية كل تنسيقية عن الأخرى باختلاف المنطقة المتواجدة فيها، فهي تضم شبابا علمانيين من الجنسين في منطقة، وتضم متدينين في منطقة ثانية، ونشطاء سياسيين في ثالثة، الخ.”  وتمثل هذه التنسيقيات الشكل الأكثر تنظيما للحراك. حيث شكلت النوى المنظَّمة التي استطاع المجتمع من خلالها توفير الخدمات والاحتياجات اللازمة لبقاء الحراك على قيد الحياة.

المعارضة السورية

في سورية، ينتمي كلا السلطة والمعارضة إلى الجذور الاجتماعية والفكرية ذاتها. وهما، متكاملان، يشكلان جزءا مما يسمى بحركة التحرر الوطني التي ندين لها بالتغيير القسري للمجرى الطبيعي للتاريخ في العديد من الدول الآسيوية والأفريقية، والتي تقبع الآن، مصادفة، في أسفل السلم الحضاري والاقتصادي العالمي.

تعود السلطة السورية، في جذورها التاريخية على الأقل، إلى البنية الاجتماعية التي نشأت عليها المعارضة. فهي ترجع إلى الفئات الريفية التي تعلمت وهاجرت إلى المدينة، فالتحمت مع مثقفي الطبقة الوسطى المدينية الذين كانوا يبحثون عن حلول اجتماعية لمشاكلهم الروحية؛ ولقد وجدوا تلك الحلول، وهم الذين درسوا في فرنسا ودولا أوروبية أخرى، في النظريات التي كانت سائدة في أوروبا آنذاك، والتي يمكن جمعها في مجموعتين نظريتين إحداهما قومية، والأخرى هي النظريات الاشتراكية بتلويناتها المختلفة من فوضوية وبلانكية وسانسيمونية وكونتية وأهم من ذلك كله، ماركسية. وإنما من هاتين المجموعتين العريضتين، المنفصلتين أحيانا والمتداخلتين أحيانا، نشأت الحركات السياسية التي شكلت حركة التحرر الوطني والتي تقاسمت منذ نهاية الخمسينات ومطلع الستينات مقاعد السلطة والمعارضة.

وبقليل من التمحيص، نستطيع أن نعيد أحزاب السلطة والمعارضة كليهما إلى حزبين اثنين هما حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي السوري. وتتوزع هذه الأحزاب، بالتساوي تقريبا، بين الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة والمعارضة. وهي تتشارك الأيديولوجيا نفسها والبرنامج السياسي ذاته.

وحينما فاجأ الحراك الثوري السوري المعارضة السورية، كانت تعيش واقعا مزريا. وكانت تنقسم ما بين إعلان دمشق الذي كان يعاني من صعوبات حقيقية بسبب ملاحقة السلطة المستمرة لأعضائه وقياداته من جنب، وبسبب الانشقاقات المستمرة التي تجري بين صفوفه وبين القوى والتنظيمات القومية والماركسية التي خرجت من إعلان دمشق بعد خسارتها في الانتخابات الداخلية فيه. لقد عقد إعلان دمشق مؤتمره الوطني في شهر كانون الأول/ديسمبر، 2007. وشهد المؤتمر خلافات كبيرة أدت إلى فوز التيار الليبرالي داخل التيار بقيادة رياض الترك ورياض سيف وهزيمة التيارات القومية والماركسية بقيادة حسن عبد العظيم وعبد العزيز الخير. وكان أن أعلنت القوى القومية واليسارية خروجها من الإعلان أو تجميد عضويتها فيه.

وقد سارعت السلطات السورية إلى اعتقال أهم قادة الإعلان وسجنهم لمدة ثلاثين شهرا. وكانت النتيجة إضعافا متزايدا للإعلان وقوى المعارضة. وعندما خرج هؤلاء القادة، استقال بعضهم، ومنهم رئيس هيئة الأمانة رياض سيف، من مهامه في الإعلان، مما أسهم أيضا في مزيد من الإضعاف له. وقد فاجأ الحراك السوري إعلان دمشق وهو في هذه الحالة.

أما القوى القومية واليسارية، فقد كانت منشغلة بترتيب بيتها الداخلي وبعقد اجتماع لإحياء تحالف قديم أسس في العام 1979 تحت اسم “التجمع الوطني الديمقراطي” وبث الحياة فيه من أجل مواجه الإعلان، أكثر ما هو من أجل مواجهة النظام، ولكن تلك المحاولات كانت أشبه بالنفخ في قربة مثقوبة.

في خضم السياسية

ومن هنا، وجد الناشطون السوريون أنفسهم بدون آباء شرعيين لنشاطهم السياسي، ومن دون تنظيم أو تحالف أو برنامج سياسي يستندون إليه. وقد كان ذلك مبررا قويا لشباب لجان التنسيق المحلية للبدء بتطوير موقف سياسي يدعم التحركات الثورية للسوريين ويؤسس سندا سياسيا لمطالبهم.

ولسوف تدخل الحركة الثورية السورية منعطفا جديدا مع صدور أول بيان للجان التنسيق المحلية يحدد المطالب الأساسية لحراك السوريين. فقد استيقظ السوريون صبيحة يوم 22 نيسان/ابريل ليجدوا أمامهم بيانا موقعا من عدد ممن أسموا أنفسهم لجان تنسيق محلية في عدد من المدن والبلدات السورية بلغ عددها أربع عشرة لجنة أهمها لجان درعا وحمص وبانياس ودمشق وريف دمشق.

وذكر البيان الذي نشر تحت اسم “بيان عن لجان التنسيق المحلية في سوريا” أنه غدا من الضروري أن “نوضح بشكل لا لبس فيه المطالب التي نرجوها من وراء ثورتنا هذه، منعا للالتباس وكي لا يتم الالتفاف على مطالبنا سواء من قبل السلطة ومناوراتها أو بعض من يحاول التحدث باسمنا عبر وسائل الإعلام المختلفة.” ثم حدد المطالب كما يلي: وقف استخدام القتل و الاعتقال التعذيب والعنف ضد المتظاهرين السلميين؛ تحمل الدولة السورية لمسؤوليتها عما حصل و تقديم اعتذار رسمي بهذا الخصوص، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بمشاركة المجتمع المدني مهمتها كشف ملابسات الأحداث الأليمة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم؛ حل الأجهزة الأمنية الحالية والاستعاضة عنها بجهاز أمني محدد الصلاحيات وفقا لقانون واضح؛ الإفراج الفوري عن جميع معتقلي الرأي و السجناء السياسيين في سورية؛ إنجاز التعديلات الدستورية التي تفسح بالمجال أمام التحول الديمقراطي وتكريس سوريا كدولة مدنية وبما يحترم التعدد القومي والاثني والديني في البلاد، بما فيها إلغاء المادة 8 من الدستور و تحديد مدة و عدد الدورات لرئيس الجمهورية وحصرها بدورتين غير قابلة للتجديد أو التمديد و توسيع سلطات مجلس الشعب؛ احترام الدستور للتنوع الثقافي والعرقي في سورية وضمان الحقوق الثقافية والقومية لكافة مكونات و أشكال النسيج الوطني السوري ووقف كافة أشكال التمييز على أساس العرق أو الدين؛ تأسيس هيئة وطنية سورية للإنصاف والمصالحة وفقا لمعايير العدالة في المرحلة الانتقالية و ذلك بهدف إزالة كافة بؤر الاحتقان من المجتمع السوري و طي صفحة الماضي إلى الأبد؛ وإصدار قانون جديد للإعلام يضمن الحريات الصحفية وفقا للمعايير الدولية.

ولسوف يرى السوريون أن حراكهم الثوري قد بدأ يلبس لبوسا جديدا. فعندما نشرت لجان التنسيق المحلية بيانها المطلبي هذا لم يكن قد صدر عن أية هيئة سورية سياسية أو مدنية أو ثقافية أي بيان محدد بهذا الشكل. ولا بد من ملاحظة أن البيان كان يتخوف من “الالتفاف” على مطالب الحراك سواء من قبل السلطة أم من بعض من كان يحاول ركوب الموجة و”التحدث باسمنا”.

كما لا بد من ملاحظة أن هذا البيان، ورغم صدوره عن مجموعة من الشباب غير السياسي، كان مصاغا بلغة سياسية دقيقة إلى حد بعيد، مركزا على أولوية وقف الحل الأمني، ومنتبها إلى أهمية روح المصالحة الوطنية من خلال إعلان حداد وطني عام من أجل “جميع” الضحايا في سورية “من مدنيين وعسكريين.” ولكنه لم يقف عند هذا الحد بوقف القتل والاعتقال وإطلاق سراح المعتقلين، بل طالب، أبعد من ذلك، بإصلاحات تأسيسية حقيقية من مثل حل الأجهزة الأمنية الحالية والاستعاضة عنها بجهاز أمني محدد الصلاحيات وفقا لقانون واضح، وإنجاز التعديلات الدستورية التي تفسح بالمجال أمام التحول الديمقراطي وتكريس سوريا كدولة مدنية وبما يحترم التعدد القومي والاثني والديني في البلاد. وانتبه إلى أن ذلك لا يتم من دون “تعديل قوانين الانتخاب الخاصة بمجلس الشعب والمجالس البلدية بالشكل الذي تسمح به بإيصال صوت الناخبين الحر ووضع إراداتهم وخياراتهم الحرة موضع التنفيذ.” كما تنبه موقعو البيان إلى أن ذلك كله يفترض تأسيسا وسائل إعلام حرة ومنفتحة وقانونا جديدا لهذا الإعلام.

ولسوف يلاحظ المراقب السياسي والباحث أن هذه المطالب ستغدو المطالب الرئيسة التي ستتبناها بعد هذا التاريخ جهات سياسية عديدة تقليدية وجديدة. وسنعثر على هذه المطالب نفسها في معظم البيانات التي سيصدرها السياسيون التقليديون، ليس فقط في المعارضة التقليدية من مثل إعلان دمشق والتجمع الوطني الديمقراطي وهيئة التنسيق الوطني والقوى السياسية الكردية، بل وأيضا في الاتجاهات السياسية شبه الموالية للنظام من مثل بعض القوى الشيوعية والقوميين السوريين وبعض الذين خرجوا من عباءة النظام وأسسوا مبادرات سياسية، من مثل النائب محمد حبش والوزير السابق محمد سلمان.

لقد نقل بيان اللجان الحركة الثورية السورية من مرحلة العمل على الأرض إلى مرحلة العمل السياسي الموازي، ولسوف يرى العديد من القوى السياسية والأفراد الذين لهم تاريخ سياسي معروف أن عليهم أن يتحركوا بسرعة إذا كانوا يريدون أن يلحقوا بركب الحراك الثوري الذي كان يتطور على الأرض بمتوالية هندسية بينما كان تطور السياسيين يسير بمتوالية حسابية بسيطة.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.