سياسة

حالة تفاعلية/ ميشيل كيلو

 

 

هناك محاولاتٌ عديدةٌ تشهدها الساحة الديمقراطية المعارضة، للرد على الدّرك الذي وصلت إليه نضالات الشعب السوري، والحال المأزقية التي بلغتها الأطراف والنخب السياسية، بسبب تشتتها وتبعثرها، وعجزها على صعيد الوعي والممارسة عن مقاومة خطط الأسدية والتيارات المذهبية المتعسكرة التي سرقت الثورة، وأخذتها من مشروعٍ مآله الحرية الى آخر راهن على إقامة نظام مذهبي، لن يكون غير تكرار موسع لنظام الأسدية الطائفي، يحمل صفاته وهويته، ويستكمل الكارثة التي دأب على إنزالها بالمجتمع السوري خلال قرابة نصف قرن من حكم سلطوي شمولي إرهابي، قرّر تدمير سورية بمنهجية وتصميم.

هذه المحاولات التي تنطلق جميعها من أفكار متقاربة، وأحيانا موحدة، ولها أهداف متماثلة أو متطابقة، تضيع في المسافة الفاصلة بين أفكارها المتقاربة وهدفها الواحد، أي في الممارسة الضرورية لترجمة أفكارها إلى واقعٍ جالب للحرية والعدالة والمساواة، الذي هو هدف الجميع، الذي لا يختلف عليه اثنان، لكنه يتحدّى قدرة المناضلين على رسم طريقٍ برنامجي له، يوحد قدرات أنصاره، ويمكنهم من بناء قيادةٍ ثوريةٍ تتولى إيصاله إلى مقاصده النبيلة، بعد تخطي ما يواجهها من عقبات، كافتقار النخب المناضلة إلى قيادةٍ تأخذ بممارساتٍ صحيحةٍ وفاعلة، متدرّجة ومستمرة، يحملها في مختلف مراحلها طيف متزايد الاتساع، من تنظيمات المجتمع المدني داخل سورية بصورة خاصة، وحاضنة الثورة المجتمعية التي يجب أن تستعيد رهاناتها الأولى، وأهمها “الحرية للشعب السوري الواحد”، الذي ينتظر العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية على يديها.

غاب عن العمل العام التواصل الدائم الذي يلزم النخب بتوحيد عملها حول ما تتفق عليه، ليس فقط من أهداف، بل من آليات نضالية، وممارساتٍ تتم مقاربة الهدف تدرجيا بواسطتها، لترجمته إلى واقع ملموس، وإنْ جزءا بعد آخر ومرحلة بعد مرحلة، شريطة أن تتم مقاربته بذلك الترابط الضروري لتحقيقه، في آخر مرحلة نضالية، كي لا تنفصل عما سبقها من خطى ومراحل.

ليست المسألة الديمقراطية قضية عملية بعد، بل هي مسألة تبدو اليوم أقرب إلى أحد مواضيع التسلية التي كثيرا ما يلاحظها المرء حيثما توجّه، فالجميع ديمقراطيون، ولا همّ لهم غير إيجاد حلولٍ للاحتجاز الثوري القائم، وهم في حوارٍ لا يتوقف، على الرغم من أنه متقطع، حول بناء تنظيم أو قطبٍ أو تيار أو توجه ديمقراطي موحد وفاعل، يقول معظم من ينطقون باسمه إنهم سبقوا غيرهم إلى بنائه، وإن على الآخرين الانضواء في ما توصلوا إليه، أو الالتحاق بهم. إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا يلاحظ أحد هذا التحول النوعي في الواقع وخطابه، ويبدو وكأن عقبة الانتقال من الفكر إلى العمل عصية على التجاوز؟

لم يعد تعدّد المحاولات حالة صحية. وليست مساراته المتوازية التي لا تتقاطع خيوطها منتجةً بدائل، ما لم ينجح أحد الأطرف في بناء مركز قادر على اكتساح الجميع أو استقطابهم، وعلى إخراج النضال الثوري من قمقم اجتهاداتٍ يحجب تماثلها غالبا الخلاف بين من يقفون وراءها ويحتجز رغبتهم في التوافق، الذي يكون عادةً الخطوة التالية بين من لديهم أفكار وأهداف موحدة أو متقاربة، فما قولك إن كانت متطابقة، لكن تطابقها لا يدفعهم إلى إقامة علاقاتٍ موضوعية، تنسيهم ذواتهم، وتتكفل بإيصالهم إلى أفعل ممارسات النضال، بدل إثارة الشقاق بينهم، كما يلاحظ في كل مكان، حيث يندر أن يسمع المرء رأيا إيجابيا أو منصفا حول رفاق الدرب الثوري، الذي يعرفه الجميع بالتفصيل، ويتحدثون عنه باستفاضة، لكن أحدا منهم لا يقوم بالخطوة التالية، التي من شأنها أخذه إلى نهايته، على طريقٍ واضحة المعالم، وبالتعاون مع رفاق دربه.

العربي الجديد

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.