موسيقا

فيروز والانقسام السوري/ رشا عمران

 

 

بعد مقالتي “نحبّها رغم كل شيء” (24/11/2018) عن فيروز والرحابنة، وردتني رسائل كثيرة، وحصلت بيني وبين بعض الأصدقاء نقاشات بشأن علاقة فيروز مع السوريين، وهي علاقة، كما كان يلاحظ جميع من زار سورية، استثنائية بكل معنى الكلمة، إذ أينما كنت في سورية ستسمع فيروز، في أي مقهى أو مطعم، في أي مركز تسوّق، في وسائل النقل العامة والخاصة، في المباني الحكومية والمؤسسات، في الاحتفالات الخاصة والعامة، وقد تجد صورها على جدران المنازل والمكاتب، مثل لوحة الموناليزا، حتى ليخيّل للغريب أن فيروز هي الجزء الأهم من التاريخ السوري لفرط تعلق السوريين بها، وهو ما كان يقوله بعض الأصدقاء في لبنان لنا: “على مهلكن علينا لا تزاودوا علينا بمحبتها”!

على أن شيئا ما قد اختلف بعد الثورة، وهو ما كان محور النقاشات بيني وبين الأصدقاء. فجأة بدأ سوريون كثيرون يعلنون مللهم من فيروز، أو كرههم لها. بدأوا يعترفون بأنهم لم يعودوا يطيقون سماعها، لم تعد تعني لهم شيئا، تلك الرومانسية التي ميّزتها صارت سخيفة ومتعالية. صارت فيروز كلها متعالية بنظرهم، بينما بقيت بالنسبة لآخرين حالةً شبيهةً بالأيقونة، أيقونة مقدّسةً، لا يجوز المساس بها.

ما الذي حصل حتى صار الانقسام حولها حادّا، بعد أن كانت رابطا يجمع تقريبا جميع السوريين، ومن في حكمهم من فلسطينيين يعيشون في سورية؟ لو اعتبرنا أن التجربة الرحبانية مع فيروز محافظة وإصلاحية، وليست ثورية، حقيقيا، أو لو اعتمدنا نظرية كهذه، يمكننا ربما فهم هذا الانقسام، إذ ما حصل للسوريين، مع بداية عام 2011، حالة تشبه الزلزال، كما لو أن كل شيء انقلب رأسا على عقب. لم يكن أحد يتوقع أن يتجرأ سوريٌّ ما على فتح فمه بالاحتجاج على شيء، ثمّة تجارب سابقة على 2011 مرعبة، وضعت السوريين جميعا في حالة الخنوع. كانت تجربة الرحابنة وفيروز مناسبة لحال السوريين، الرغبة المكبوتة في التغيير، لكن التغيير من قلب النظام نفسه، لا إحداث ثورة. حصلت الثورة، لم يعد الغناء المحافظ والإصلاحي مناسبا، حتى الدمشقيات الفيروزية لم تعد مناسبة، ألّف السوريون الثائرون أغاني جديدة وغنوها في مظاهراتهم، أغاني سورية بالكامل، عن كل سورية التي أصبحت هي الرمز، لا دمشق فقط، لم نسمع في المظاهرات أغاني فيروز. قصائد دمشق بصوت فيروز صارت تسمع فقط في مسيرات التأييد المضادة للمظاهرات.

كان هذا الانقسام الأول. مع مرور الوقت والخذلانات المريرة التي مرّت بها الثورة، كثيرون ممن كانوا يحبون فيروز اعتبروا صمتها عن الموت السوري حيادا باردا، واعتبروا رومانسيتها سخفا في زمن الدم. ثاروا عليها كرمز، مثلما ثاروا على كل الرموز تقريبا، وعبروا عن ذلك صراحة. زاد في ذلك موقف زياد الرحباني العلني مع النظام وحزب الله الذي يفتك بالسوريين، من دون تمييزه عن موقف والدته الصامت المحايد. حصل أيضا، مع تكاثر التنظيمات الإسلامية، أن ظهرت أغنياتٌ خاصة بها، خلطة من الأناشيد الجهادية الحماسية الطائفية لا وجود لسورية فيها، بعد تحريم الغناء واعتباره كفرا يستوجب القتل.

على المقلب الآخر، في سورية النظام أو سورية الأسد، حصلت ثورة على فيروز من الشبيحة ومن يشبههم، إذ لم تعد فيروز الإصلاحية تلبي خيال الشبيحة والقتلة وسافكي الدماء. لم يعد هؤلاء يسمعونها في معسكراتهم وتجمعاتهم وحواجزهم، صارت أغنيات أخرى، لا وجود لسورية فيها إلا من خلال رأس النظام وعائلته، (بدأ الأمر قبل الثورة مع ظاهرة علي الديك، وفرضه رمزا للأغنية الشعبية السورية، وهو موظف لدى أكبر شبّيح). هنا أيضا ظهرت أغنية شعبية قتالية حماسية طائفية، مقابلة للتي للتنظيمات الجهادية، بعد أن أصبح الغناء الطبيعي لدى هؤلاء رمزا للثقافة التي يعتبرونها سببا للخراب الحاصل.

شريحة واحدة حافظت على علاقتها وتعلقها بفيروز، معظم أفراد الشريحة ينتمون إلى الطرف الثالث، أو ما تمّت تسميته الطرف (الرمادي). يريد هؤلاء الإصلاح والتغيير، ولكن من دون الدخول في ثورةٍ عارمة، ينتظرون معجزةً قادرة على التغيير، كما في مسرحيات الرحابنة. هؤلاء لا يحبّون النظام على ما هو عليه، لكنهم أيضا لا يشعرون أنهم ينتمون إلى ثورةٍ زلزالية، يخافون منها ربما، لأسبابٍ بنيوية على الأغلب، معظم هؤلاء يعيشون في داخل سورية، صامتون، لا يهللون لشيء ولا لأحد، ينتظرون المعجزة، وهم يعيشون أحلام اليقظة التي لطالما كان صوت فيروز مناسبا لها.

العربي الجديد

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق