شهادات

مآلات الثورة السورية – 4:هل حسبنا هذا الحساب؟/ وائل السوّاح

 


سوف تنقل رؤية اللجان الناشطين من الشباب من مسار إلى مسار آخر، لم يكن في بال مؤسسيها أنهم واصلون إليه، وهم الذين نشؤوا لكي يكونوا منسقين وناقلين لنشاطات الانتفاضة وليس ليقودوا هذه الانتفاضة وينظِّروا لها سياسيا. ولسوف يدفعهم هذا الموقف، كما يقول أحد الناشطين الحقوقيين والسياسيين، إلى التفكير بمسؤولية سياسية متعاظمة سوف تُلقى على عاتقهم، وسوف تدفعهم إلى مزيد من المواقف السياسية. ولسوف نرى هؤلاء الشباب وهم يضَّلعون بمسؤولية اتخاذ مواقف سياسية من المستجدات التي ستطرأ على الساحة السورية والإقليمية وحتى الدولية. فهل كان ذلك في الحسبان؟ يقول أحد الناشطين إن شباب اللجان عندما بدؤوا نشاطهم ما كانوا يتخيلون أن يجدوا أنفسهم في موقع يضطرون معه إلى ملاحقة المستجدّات السياسية يوما بيوم من أجل تحديد موقف منها. ويضيف إن اللجان اضطرت إلى ذلك اضطرارا بسبب غياب هذه المواقف من المستجدات التي تتعلق في نهاية المطاف بمستقبل السوريين ومصير البلاد.”

وهكذا عبّرت اللجان عن مواقفها السياسية في مفاصل أساسية من تطور البلاد والمنطقة، فأصدرت بيانا في 20 حزيران حول خطاب رأس النظام بشار الأسد، رأت فيه “تكريسا للأزمة من قبل النظام الذي يتمترس وراء الإنكار والتعامي عن رؤية الواقع الجديد الذي فرضته ثورة السوريين المستمرة حتى تحقيق مطالبها“.

ومع دخول حركة التظاهرات والاحتجاجات شهرها الثالث، أصدرت اللجان بيانا آخرا أعادت فيه التأكيد على ثوابتها السياسية والأخلاقية في الانتفاضة السورية.

ولعل أهمّ البيانات السياسية التي أصدرتها اللجان كان موقفها من اجتماع وزراء الخارجية العرب، الذي عقد في القاهرة في 16 تشرين الأول. ففي اليوم عينه، أصدرت اللجان بيانا أملت فيه من اجتماع وزراء الخارجية العرب أن يؤدي إلى “بلورة موقف عربي جدي و حازم، لا يتوقف عند الإدانة اللفظية التي لم تعد كافية بعد أن أمعن النظام و أجهزته الأمنية و العسكرية في قتل و انتهاك حقوق السوريين،” وطالبت الوزراء باتخاذ قرار حول “تجميد عضوية النظام السوري في الجامعة واقتراح مشروع قرار في مجلس الأمن من قبل الجامعة العربية يدين جرائم النظام بحق الشعب السوري، واتخاذ القرارات الكفيلة برفع المعاناة الإنسانية عن الشعب السوري الذي لطالما كان مسانداً لقضايا الشعوب العربية و مطالبها المشروعة في الحرية و العدالة.”

ثورة سلمية

ولسوف تستقطب اللجان بعد رؤيتها أعدادا متزايدة من الناشطين الذين باتوا يبحثون عن اللجان ليتحاورا معها، أو لينسِّقوا، أو حتى لينضموا إليها. وتزامن ذلك كله مع انفتاح البلاد بمعظمها على الحراك الثوري. وكانت حمص في هذا المجال نقطة التحول الأساسية على أكثر من صعيد. فمن جانب، كان المشاركون في الحراك الثوري في حمص من مختلف الفئات والطبقات المجتمعية، وشارك في الحراك مثقفون وأطباء ومهندسون ومحامون ونساء إلى جانب الشبيبة المنتفضة. كما شاركت فئات لا بأس بها من العلويين في المدينة في حركات الاحتجاج. ومن جانب آخر، كانت حمص أول من حاول إقامة اعتصام في ساحة مركزية في وسط المدينة، وهو ما نقل الصراع من مستوى المظاهرات إلى مستوى الاعتصام، الذي كان سيعني فيما لو نجح البدء بإعداد برامج سياسية واختيار ممثلين عن الساحة، كما حدث في مصر مثلا.

بعد حمص، طرأ عاملان جديدان، الأول تمثل في دخول حماة ودير الزور على الخط، حيث تحوّلت المدينتان إلى مركزين كبيرين للانتفاضة، بينما دخلت مدينة إدلب وريفها، والتي شهدت في العديد منها احتجاجات سلمية، كما كان الحال في بنش وكفر نبل، ولكن شهد بعضها الآخر صراعات مسلحة بين الجيش والأمن السوريين من جهة ومنشقين عن الجيش وبعض العناصر المسلحة، من جانب آخر. وبدأ في تموز سؤال مهم عن “سلمية الثورة السورية” وظهور دعوات إلى تسليح الثورة وإلى “الدفاع عن النفس”، بدأت خجولة ثم أخذت تتحول أكثر جدية، وتحول انشقاق العسكريين إلى واقع يرخي بثقله على جدية سلمية الثورة.

كانت لجان التنسيق المحلية بحاجة إلى الكثير من الشجاعة لكي تصر حتى اللحظة الأخيرة على سلمية الثورة كشعار وكمضمون. وسنرى أن اللجان ستأخذ شعارا أساسيا لها على فيسبوك آية من القرآن تقول: ” لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك.” ولن تتراجع اللجان ولا رموزها عن هذا الشعار، ولسوف يتكرر ذلك على لسان بعض مؤسسيها أو المقربين منهم بوضوح تزايد. وكان أول موقف رسمي تتخذه اللجان بيانا أصدرته في 29 آب، ردا على ما يبدو على دعوة محمد رحال المتطرفة، ويقول البيان إنه رغم فهم “دوافع الداعين إلى العسكرة والتدخل الدولي، إلا أننا نرفضها بوضوح ونجدها غير مقبولة سياسية ووطنيا وأخلاقيا. فمن شأن العسكرة أن تقلص المشاركة الشعبية في الثورة، وتضيق قاعدتها الاجتماعية، وتنال من مضامينها الإنسانية والتحررية، من غير أن تضمن كسب المواجهة مع النظام. كما أن عسكرة الثورة تعني الانجرار إلى الملعب الذي يملك فيه النظام تفوقا أكيدا، فضلا عن خسارة التفوق الأخلاقي الذي تميزت به منذ البداية.” ويضيف البيان: “إننا نرى في إسقاط النظام الهدف الأولي للثورة، لكنه ليس غاية بحد ذاته، إنما الغاية هي حرية سورية وحرية السوريين. وطريقة إسقاط النظام تحدد كيف ستكون سورية بعده. فإذا أسقطناه بمظاهراتنا السلمية، التي تشارك فيها مدننا وبلداتنا وقرانا، ونساؤنا وأطفالنا ورجالنا، كانت فرص الديمقراطية في بلدنا أكبر بكثير مما إذا سقط بمواجهة مسلحة، على صعوبة ذلك أو حتى استحالته، أو بفعل تدخل عسكري دولي، وستكون الثورة أسست شرعية جديدة تؤسس لمستقبل كريم لسورية كلها“.

ولسوف تعيد المحامية والناشطة رزان زيتونة التأكيد على أهمية سلمية الثورة. وقالت رزان، التي حصلت على جائزة آنا بوليتكوفسكايا التي تمنح للنساء المدافعات عن حقوق الإنسان بمناطق الصراع، في مقابلة مع وكالة رويترز في 10 تشرين الأول، التأكيد على أن الانتفاضة يجب أن تظل سلمية. وقالت رزان، التي قام جيش الإسلام باختطافها لاحقا وتمّ تغييبها وثلاثة من رفاقها قسرا، إن “النظام يلجأ لمزيد من العنف لأنها بالنسبة له مسألة حياة أو موت وهو يعاني من أزمة اقتصادية وجيشه وقوات الأمن التابعة له منتشران في كل أنحاء البلاد” ولكنها طالبت مع ذلك المنشقين العسكريين بأن “يتركوا أسلحتهم وينضموا الى المحتجين في الشارع”.  قبل ذلك (29 أيلول)، وفي السياق نفسه، قال الكاتب السوري ياسين الحاج صالح المقرب من اللجان إن ” الانتقال إلى العسكرة يعني نهاية الثورة. لأنه سيؤدي إلى تضييق قاعدتها الاجتماعية كثيراً، وإلى تصدر المسلحين الشباب الذكور المشهد الوطني بدل المتظاهرين السلميين، ومنهم نساء وأطفال وكبار في السن، وإلى إفقاد الثورة تفوقها الإنساني والوطني على النظام، دون أن يضمن بعد هذا كله هزيمة النظام في النهاية“.

وتبنّت اللجان موقفا شجاعا منذ بداية الثورة في التزام إلى حدّ كبير بالموضوعية، ولم تبالغ في تصوير الأمور كما فعل كثرة من المنتفضين السوريين. وبمناسبة مرور عام على الثورة السورية، كانت لجان التنسيق الوحيدة التي قالت إن الثورة قد “عجزت … حتى اللحظة عن إفراز نشاط مدني وسلمي فعال ومؤثر ينال من قوة النظام وبطشه ويُنهك قواه ويمزق ضمائر وإرادات عسكره وشبيحته”. وأضافت اللجان في بيان شامل لها إن السبب في ذلك يعود “من جهة إلى شدة العنف الممارس من قبل النظام وما ينجم عنه من ردود فعل طبيعية باعتبار العسكرة هي الحل الوحيد للإطاحة به. لكن من جهة أخرى يعود إلى ضعف الخطاب المدني السلمي وعدم وضوح آلياته وعدم الإيمان بقدرته على إحداث تغيير حقيقي أو قلب موازين القوى. إن ضعف هذا الخطاب ناجم عن ضعف الثقافة السياسية الحديثة وأساليب عملها، التي لا يمكن أن تتجذر في ظل القمع والاستبداد. ويعود كذلك إلى استنكاف النخب عن تبني هذا الخطاب وانقيادها للخطاب الانفعالي السائد في الشارع.”

وفي نفس البيان، رأت اللجان أن الجيش الحر دافع “ببسالة وشجاعة نادرة عن المدنيين وعن مناطقهم، بما تيسر لهم من سلاح خفيف وذخيرة قليلة. لكن وكما هو متوقع، فقد تمكنت آلة القمع العسكرية للنظام من استعادة مواقعها في غير مكان، والتنكيل بأهالي المناطق التي نشط فيها الجيش الحر والانتقام منهم بوحشية، ما ضاعف عدد الضحايا وأدى إلى كوارث إنسانية ومناطق منكوبة في غير مكان من البلاد. من ناحية أخرى، أدى غياب دعم منظم وواضح للجيش الحر إلى عدم وجود قيادة فاعلة ومؤثرة وذات قرار على مستوى العمل العسكري المعارض، أمرٌ انعكس سلبا ليس على أداء الجيش الحر فقط، بل قد تكون له نتائج كارثية على مستقبل البلاد ككل بعد نيلها استقلالها عن النظام المجرم. فوجود كتائب متفرقة ومتناثرة، إن في دوافعها أو أساليب عملها أو ولائها، ومع احتمالات تزايد تدفق السلاح من خارج الحدود، يُنذر بتحول هذه الكتائب إلى قوى مسلحة دون برنامج عمل وطني واضح في أحسن الأحوال أو استطالات لقوى خارجية ذات أجندات متضاربة في أسوأها“.

ولسوف تدفع اللجان ثمن هذا الموقف جزءا من شعبيتها بين المتظاهرين، وتتلقى انتقادات من بعض الناشطين على الأرض أو في هيئات التنسيقيات الأخرى، ولكنها لن تتنازل عن شرط سلمية الثورة في أي حال من الأحوال

تلفزيون سوريا

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.