شهادات

مآلات الثورة السورية – 5: لاعب سياسي جديد.. وسائل تواصل جديدة/ وائل السوّاح

 

 

لقد أوجدت التنسيقيات وفي مقدمتها لجان التنسيق المحلية نمطا جديدا من العمل السياسي يعتمد على التعلّم المستمر والتواصل اليومي (بل اللحظي). ويقول كريم إن المتابعة اليومية لما يجري في مختلف أرجاء البلاد كانت على مدار الساعة، ولم يكن ثمة وقت لم يكن فيه أحد ما في غرفة الأخبار جاهزا لتلقي أي تطور جديد والتعامل معه سياسيا وإعلاميا. وكان لا بد من أن يكون للاعب الجديد أدوات سياسية وأدوات تواصل مختلفة. وقد قدمت الثورة الرقمية ووسائل الاتصال الحديثة خدمة كبرى لا يمكن نكرانها لهذا اللاعب الجديد.

 

في بدايات القرن العشرين كان العمال والطلاب والفلاحون الروس يجتمعون في بيت أحدهم لقراءة جريدة ” إلى الأمام” التي كان البلاشفة بزعامة لينين يصدرونها وكانت تنقل للروس أخبار الحزب ونضال الشعب الروسي ضد القيصرية، وترسل إليهم رسائل ودعوات للإضراب والتجمع والتحركات. وفي خمسينات القرن الماضي، لعب الراديو دور الجريدة، وفي سبعينات القرن الماضي، كان المعارضون يسهرون حتى الفجر لطباعة البيانات التي توزعها فجرا في الحارات والأزقة والجامعات والقرى. في 1991، اخترعت البشرية الـ CNN، التي كانت تُطْلع الكوكبَ أولا بأول على حرب الخليج الثانية، وعلى نتائج الهزيمة المخزية لصدام حسين الذي أرسل جيوشه إلى بلد عربي جار وذي سيادة، وهو يحسب أنه يرسلهم في نزهة.

 

في العام 2009، تعرفت أعداد كبيرة من البشر على اختراع بشري جديد اسمه “تويتر”، عن طريق حركة “الموجة الخضراء” في إيران التي استخدمت تويتر كوسيلة رئيسة لإيصال أخبارهم إلى العالم الخارجي والتعبير عن احتجاجهم والمطالبة بإعادة الانتخابات ووقف الحملات الأمنية الدامية ضد المتظاهرين. وبدورها لجأت الصحافة العالمية إلى “تويتر” الذي استعصى على الرقابة والحجب وأصبح المصدر الرئيس لأخبار الانتهاكات في إيران. وبذلك أعاد الشباب الإيراني صياغة مهمة الموقع الاجتماعي لصالح حركتهم السياسية.

 

الفرق بين الجريدة والبيان والترانزستور والمحطات الفضائية من جهة ووسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر وإنستغرام) من جهة ثانية هو أن الأشكال القديمة ترسل وسائل باتجاه واحد، وتعتمد أركان الرسالة القديمة: المرسِل، المرسَل إليه، الرسالة، وسيلة الإرسال. وسائل التواصل الجديدة هي طريق باتجاهين اثنين: فالمرسل سوف يغدو متلقيا والمتلقي سوف يتحول إلى مرسِل جديد. وهذا بالضبط ما يميّز الثورات الحديثة التي افتتحتها ثورة تونس وأسست لها ثورة مصر عن الثورات السابقة في عالمنا العربي، التي لم تتعدّ في واقع الحال انقلابات عسكرية يقودها عسكر باسم الشعب، ويؤسسون مجالس ثورة تحكم باسم الشعب، ثم سرعان ما تتحول هذه المجالس الثورية إلى دساتير محبوكة جيدا وبرلمانات صورية ومجالس وزراء تنفذ دون أن تحكم. وغالبا ما يبرز من بين الأخوة الثوار واحد يتبوأ المنصب الأول ومن ثم المنصب الأوحد، باسم الشعب أيضا.

 

ولقد استغلت قوى الحراك الثوري في سوريا وسائل الاتصال الجديد إلى أقصى حد ممكن. وتحول موقع فيسبوك بشكل أساسي وتويتر بشكل أقل إلى إدمان بعيد انطلاق الحراك الثوري. فبعد أن كان فيسبوك حكرا على مجموعة من الشباب الذين يتبادلون البوح والمجاملات والنكات عبر الشبكة، تحول الموقع إلى مركز للتواصل بين الناشطين على الساحة السورية من جهة وبين الناشطين والجمهور السوري عموما. ولكن فيسبوك لعب إلى ذلك دور وكالات الأنباء. وقد أسست صفحات كثيرة على فيسبوك لنشر أخبار الثورة السورية. ومن بين هذه الصفحات نجد صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد، وصفحة الهيئة العامة للثورة السورية وصفحة اتحاد تنسيقيات الثورة السورية، وصفحة لجان التنسيق المحلية. وللأخيرة نحو 14 ألف مشترك متابع للصفحة، ولكن عدد الذين يزورونها أكبر بكثير. وتعتبر صفحة اللجان مع صفحة الهيئة العامة للثورة والمرصد السوري لحقوق الإنسان المصادر الأكثر اعتمادا ومصداقية من قبل وسائل الإعلام العربية والأجنبية.

 

ولكن باستثناء تبادل الأخبار ونقلها والتواصل مع الإعلام، وجدت أيضا صفحات فاعلة لتبادل الآراء ومناقشة التيارات السياسية التي بدأت تبرز على الساحة السياسية والفكرية في سوريا. ومن هذه الصفحات التجمع الديمقراطي السوري من أجل الديمقراطية، وصفحة مثقفون من أجل سورية، وصفحة مثقفون أحرار لسورية حرة. وتتمتع هذه الصفحات بمستوى عال من النقاش الجاد والهادئ والمعمق لقضايا الثورة والديمقراطية والمدنية والعلمانية، إلخ.

 

ولعب فيسبوك أيضا دورا أساسيا في تسمية أيام الجمع، حيث يقوم الناشطون بالتصويت على بعض صفحاته لاختيار اسم الجمعة المحددة. وعلى الرغم من أن أولى التسميات انطلقت عفويا، من “جمعة الكرامة” إلى “جمعة العزة”، فإن ما تلاها من أسابيع شهدت تحضيرا وتنسيقا بين الناشطين والمتعاطفين مع الثورة السورية في أنحاء العالم للتوصل إلى تسميات معبرة وقادرة على حشد أكبر عدد ممكن من المتظاهرين في مختلف المناطق السورية. ويقول أحد الناشطين: ” نسعى لأن تكون التسمية بسيطة يفهمها المتعلم والأمي، أن تكون مركبة من كلمتين فقط تفاديا للتعقيد، أن تكون معبرة عن معان تحرك مشاعر الناس للخروج، أن تبتعد عن الأسماء الطائفية لنفوت الفرصة على النظام الطائفي أن يصفنا بالطائفية.” ويتم تداول الاقتراحات عبر موقع «تويتر» والصفحة الرسمية للثورة السورية عبر «فيس بوك» ليتم بعدها التصويت لاعتماد التسمية الأنسب التي لا بد لها أن تخرج من عمق الأحداث والتطورات اليومية الحاصلة في سوريا.

 

ولسوف نرى أن هذه الطريقة أدت في بعض الأحايين إلى تسميات ناجحة من مثل “جمعة أزادي”، في 20 أيار/مايو التي تعني حرية باللغة الكردية، وذلك تقديرا لمشاركة الأكراد السوريين الفعالة في الثورة، وجمعة “الغضب”، في 29 نيسان / ابريل، و”جمعة حماة الديار” في 27 أيار / مايو، التي كانت تحلم بانحياز مؤسسة الأسد العسكرية على جانب الثورة..

 

إلى جانب التواصل وتقل المعلومات، لعب فيسبوك دورا هائلا في الترفيه على الناشطين عن طريق الكاريكاتير. وسيجد المتابع عددا كبيرا من الصفحات الساخرة التي انتشرت على فيسبوك للتعليقات الساخرة على مأساوية العنف الدموي الذي امتد على مدى الأشهر الثمانية الفائتة. وتميز من بين هذه الصفحات صفحة “الثورة الصينية ضد طاغية الصين”، وصفحة “مشحم حمص للدبابات” التي وجدت بعد انتشار الدبابات في أحياء مدينة حمص وسط البلاد.

 

ولكن فيسبوك لا يعمل في سوريا بسهولة، فبعد أن كان محجوبا لفترة طويلة، سمحت السلطات به في بداية العام الحالي، لثقتها آنذاك بأن عدوى ثورات الربيع العربي لن تنتقل إلى سوريا. ولكن اندلاع الحراك الثوري، والانتشار الكبير للموقع، جعل السلطات تستشعر ندما لما قامت به، ولما كان من المحرج أن تحجب الموقع مرة ثانية، فقد لجأت إلى حل تقني، وهو أن تقوم بعملية خنق للموقع يجعل فتحه عملية تستهلك وقتا كبيرا وجهدا نفسيا كبيرين، مما خفف من عدد مستخدميه بعد أن تضاعف في بداية العام 2011. وبالطبع ثمة الكثير من السوريين يستخدمون برامج كسر البروكسي التي تجعلهم قادرين على تصفح الموقع. ولكن نسبة الأشخاص الذين يمتلكون هذه الخدمة ليس كبيرا جدا بين السوريين العاديين.

 

على أن أهم وسيلة اتصالات استخدمها النشطاء السوريون هي سكايب (ٍSkype). لقد لعب سكايب دور وسيلة التواصل والانتشار وأدى خدمة كبيرة في العملية الإعلامية. فغرفة الأخبار التي تمت الإشارة إليها سابقا ما كان من الممكن أن تقوم بعلمها لولا خدمة سكايب. ويقول الباحث الإعلامي والحقوقي وأحد مؤسسي لجان التنسيق المحلية مازن درويش إن سكايب لعب دورا في الإعلام والتواصل البيني. ففي مجال الإعلام، “لعب سكايب دورا مهما في بث مشاهد من المظاهرات على الهواء، وكانت لقاءات تلفزيونية تعقد عن طريقه، وفي مجال التواصل، لعب سكايب دورا في تواصل الناشطين في الداخل من جهة، وبين ناشطي الداخل والخارج من جهة ثانية.”  ويبدو أنه عبر سكايب تم التواصل بين أعضاء المجلس الوطني في سورية والأعضاء الذين حضروا لقاء اسطنبول. وسبق ذلك أيضا استخدام سكايب أثناء عقد مؤتمر “الإنقاذ الوطني” عندما ربط سكايب ما بين المؤتمرين في إسطنبول ومسانديهم في دمشق. ويتميز سكايب، كما يقول خبراء التقنيات الحديث، بأنه أكثر وسائل التواصل أمْنا، ناهيك عن كلفته الضئيلة، بالنسبة لقنوات التواصل الأخرى.

 

على أن نجم الوسائل الحديثة التي اتبعها شباب الثورة السورية كان من دون شك الهاتف المحمول. فقد كان الهاتف المحمول (الموبايل) وسيلة ليس فقط للتواصل ولكن أيضا للتوثيق. وقد استخدم شباب الثورة السورية هواتفهم لتصوير المظاهرات والاعتصامات ومظاهر الاحتجاج وأيضا لتصوير وتوثيق انتهاكات قوات الأمن والمليشيات الموالية للنظام خلال القمع العنيف وغير المبرر للاحتجاجات السلمية. ثم قاموا من خلال هواتفهم المرتبطة بالشبكة العنكبوتية بتحميل هذه الوثائق البصرية من صور وأفلام فيديو على مواقعهم وعلى موقع يوتيوب، لتنقل بعدئذ إلى كافة أرجاء المعمورة عبر قنوات التلفزة والصحافة ووكالات الأنباء. وفي ظل غياب كامل لوسائل الإعلام المحايدة، وأيضا في ظل عدم قدرة المحتجين على اقتناء وسائل تصوير وبث متنقلة، كان الاعتماد على الهاتف المحمول ثورة في حد ذاته، داعما للثورة الأم. وفي هذا الصدد يقول ياسين الحاج صالح إن ثمة فضلا يعود إلى الهاتف النقال في جعل المسافة بين النشاط الميداني وبين تغطيته الإعلامية تضيق إلى حد كبير، مضيفا أن “كل ناشط ميداني، شاب بخاصة، هو صانع مضاعف لواقع جديد: مرة عبر خروجه إلى الشارع متحديا السلطة الباطشة التي صارت تمثل الماضي، وعاملا على تغييرها؛ ومرة عبر توثيق صورة هذا الواقع الذي يصنعه، وضمان تحويله إلى واقع مشترك عبر توصيله إلى منابر إعلامية عامة، بما يشكل حماية (نسبية) لهذا الحراك، ومخاطبة للرأي العام في البلد وفي العالم، وكسبا لتعاطف قطاعات أوسع من السوريين والعرب، والناس في كل مكان. كان من شأن غياب هذه الجملة العصبية للانتفاضة، الشبان الذي يغطون أنشطتها في بؤرها المنتشرة، أن يعزلها، فيسهل على النظام سحقها.”

 

وقد اكتسب الناشطون السوريون خبرات هائلة في مجال تقنية التصوير والاتصال، كما اعتمدوا على الأرجح بعدد من التقنيين المختصين المتعاطفين مع قضيتهم.

 

ولعبت المدونات أيضا دورا محدودا في الانتفاضة السورية، ولكن انتشار فيسبوك وسكايب جعل المدونات أقل انتشارا وبالتالي تأثيرا بين السوريين. ولكن من المفيد الإشارة إلى بعض المدونات المؤثرة، من مثل: مدونة “المندسة السورية” و”الزلزال السوري” و”من زمان” وغيرها.

 

لقد جاءت التكنولوجيا الحديثة، وخصوصا الرسائل النصية القصيرة على الهواتف النقالة، ومواقع التواصل الاجتماعي، بثقافة جديدة ولغة جديدة. وحتى مكالمات الهاتف النقال أصبحت أقصر وأسرع، فيدخل المتحدث إلى لب الموضوع بدون كثير مجاملات، بسبب الارتفاع الهائل لكلفة المكالمة في بعض البلدان. أما الرسائل القصيرة والتعليقات على فيسبوك وتويتر فصارت تتصف ببنية جديدة في اللغة وحتى في المضمون. فتعتمد الرسائل والتعليقات على بنية الجملة القصيرة والاختصار، بسبب الحيِّز المحدد للتعليق أو الرسالة، أو بسبب السرعة ورغبة المرسل في الانتهاء من إرسال رسالته بسرعة، لكي يلتفت لغيرها. وازداد استخدام اللغة العامية في التعليقات والرسائل، كما ازدادت الإحالات التي تفترض أن المتلقين يفهمون سياق الرسالة والأشخاص المعنيين فيها، ومردُّ ذلك أن مشاركي فيسبوك هم في الأغلب من جيل واحد وأحيانا من شلة صداقية واحدة.

 

ومع ذلك كله، فإن الفعل لم يكن على الساحة الافتراضية. التظاهر والهتاف والتعب والنَصَب والموت والدم لم تكن جميعها على فيسبوك بل في ساحات درعا وحمص وحماة ودير الزور وشوارع دمشق واللاذقية ودوما وبانياس وعامودا. ومع ذلك، وكما في دول عربية كثيرة أخرى، كان بعض “الثوريين” يكتفون بالثورة على صفحات فيسبوك.

 

باختصار، يمكن لفيسبوك وشبكات التواصل الاجتماعي أن تدعو إلى الثورة، وتبدأ شراراتها، وتقوم بها، ولكنها لا يمكنها أن تكملها وتنهيها، كما لا يمكنها أن تحكم البلاد بعد انتصارها. ومن هنا جاءت مقولة أن “فيسبوك لا يمكنه أن يحكم مصر”. يمكنك أن تدعو للثورة من خلال فيسبوك، ولكن ما بعد الثورة يحتاج إلى أدوات حقيقية، إلى برلمان وحكومة وصناع رأي وأحزاب سياسية. والخوف هو أن نجد أنفسنا أمام احتمال أن تُسرق الثورة من بين أيدينا. وهنا يأتي دور الشباب الذين صنعوا الثورة من خلال الإصرار على الشفافية والرقابة الشعبية وحرية الإعلام واستقلال القضاء ودستور جديد يقوم على أساس المساواة وتكافؤ الفرص في الوصول إلى المناصب الحكومية والسياسة الفاعلة

تلفزيون سوريا

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.