شهادات

مآلات الثورة السورية – 6: موازين قوى المعارضة السورية في الثورة/ وائل السوّاح

 

 

 

انتقد كثير من السوريين داخل البلاد وفي المنفى المعارضة، مجادلين بأنها لم تشكل قوة موحدة. وحثّوها على التوحد في ائتلاف موحد، مع رؤية موحدة حول كيفية قلب النظام وكيف سيتم إدارة سوريا في عهد ما بعد الأسد. بعد أشهر من بدء الانتفاضة في سوريا، بقيت خريطة المعارضة السورية لغزاً للمراقبين والمراسلين والمحللين الإعلاميين. تم تقسيمها إلى معارضة قديمة في مواجهة المعارضة الجديدة، ولكن أيضا معارضة داخلية مقابل خارجية، ومعارضة تصالحية مقابل معارضة ثورية رافضة.

 

المعارضة القديمة

 

تضمنت المعارضة القديمة بشكل رئيسي أحزاب المعارضة التقليدية التي استيقظت من مفاجأتها الأولى وحاولت أن تغازل المتظاهرين على الأرض.

 

ويشير تعبير “المعارضة القديمة” هنا إلى الأحزاب اليسارية والقومية التقليدية التي شكلت التجمع الوطني الديمقراطي في الثمانينيات، وتشمل الأحزاب الماركسية والقومية العربية والجماعات شبه الديمقراطية. كما تشمل الأحزاب الإسلامية والقوى الليبرالية التي احتشدت تحت رعاية إعلان دمشق. وتنقسم هذه المعارضة على نفسها إلى عدة مجموعات، تعكس الاختلافات التاريخية في الاستراتيجيات والإيديولوجيات والشخصيات.

 

كانت جماعة المعارضة الأكثر صراحة والأسرع في انضمامها إلى الانتفاضة هي إعلان دمشق وهو تحالف معارضة علمانية، سميت على اسم البيان الذي صادر عام 2005، والذي يدعو إلى الانتقال التدريجي والسلمي إلى الديمقراطية التعددية والمساواة بين جميع المواطنين في سوريا علمانية وذات السيادة.

 

وقد لعب السياسي المتمرس رياض الترك، الذي قبع 18 عامًا في الحبس الانفرادي في سجون حافظ الأسد، والبرلماني الليبرالي الدمشقي السابق رياض سيف دوراً أساسياً في تشكيل الائتلاف. في عام 2007، فاز الاتجاه الليبرالي في إعلان دمشق، بقيادة رياض سيف ورياض الترك، في الانتخابات الداخلية للائتلاف، مما أدى إلى تحوّل كامل في الخطاب السياسي للإعلان نحو خطاب ليبرالي مفتوح مقابل الخطاب القديم القومي-الاشتراكي. وبينما دفع هذا الجماعات القومية – الاجتماعية التي يقودها حزب الاتحاد الاشتراكي العربي إلى ترك الائتلاف، إلا أنه عزّز أيضا العلاقة بين الحركة السياسية في سوريا من جهة والغرب من جهة أخرى.

 

كما تضمّ المعارضة القديمة مجموعات من التيار الإسلامي، على الرغم من أن هذه المجموعات كانت كما ذكرنا في مقالات سابقة في موقف ضعيف عندما بدأت انتفاضة عام 2011. أكبر جماعة إسلامية هي بالتأكيد جماعة الإخوان المسلمين التي كانت في المنفى بشكل رئيسي بسبب القانون 49 الذي كان يقضي بإعدام أي منتسب للجماعة. ولم تكن مكانة الإخوان بين السوريين مرتفعة، بعد أن تخلوا عن إعلان دمشق وشكلوا تحالفًا مع نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام.

 

ثاني أكبر جماعة إسلامية في سوريا مع بدء الانتفاضات كانت حزب التحرير الإسلامي، الذي تأسس في عام 1953. هذه منظمة سياسية إسلامية عامة ترتبط عادة بهدف تجميع الدول الإسلامية في ظلّ خلافة إسلامية تحكمها الشريعة الإسلامية ويرأسها خليفة ينتخبه المسلمون. لم ينتشر حزب التحرير على نطاق واسع في البلاد بسبب طبيعته النخبوية وبسبب القمع المستمر له من قبل الحكومة.

 

المجموعة الإسلامية المهمّة الثالثة هي حركة العدالة والتنمية، التي تأسست عام 2006 في لندن. وتصف نفسها بأنها “ملتزمة بالتغيير السلمي والديمقراطي في سوريا وخلق دولة حديثة تحترم حقوق الإنسان وتعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية”.

 

ولكن حركة العدالة والتنمية كانت تعاني من مشاكل داخلية في أعقاب انقسام بين مؤسّسَيها الرئيسيين أنس العبدة وأسامة المنجد، وأيضا بسبب الإحراج الذي تلا تسريب وثائق وزارة الخارجية الأمريكية على موقع ويكيليكس والتي كشفت أن الحركة كانت تموّل من قبل وزارة الخارجية الأمريكية سرا. ومع ذلك، أصبحت القوى الإسلامية أقوى وأكثر راديكالية في أثناء الثورة. وقد ساعدت استمرارية الصراع الذي أدى إلى معاناة وخسائر دائمة في الأرواح والحرية والممتلكات إلى مساعدة الإسلاميين في الحصول على المزيد من الزخم، إلى جانب استمرار النظام في إشعال الفتنة الطائفية.

 

أخيراً، احتوت المعارضة القديمة على عدد من الأحزاب الكردية. يأتي معظم هؤلاء من الحزب القومي المعروف باسم الحزب الكردي الديمقراطي في سوريا (البارتي). تأسس هذا الحزب عام 1957 وكان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي. وعندما انشق جلال طالباني ومصطفى بارزاني في العراق، حدث انقسام مماثل في سوريا وظهر حزب جديد إلى جوار البارتي هو الحزب الكردي الديمقراطي التقدمي. وأعاد هذان الطرفان الرئيسيان إنتاج 12 حزباً صغيرا انشقت عنهما وكانت نشطة جداً في محافظة الحسكة الشمالية الشرقية.

 

بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة في عام 2000، ضغطت الأحزاب الكردية بقوة لإلغاء القرار القديم سيء الذكر الذي اتخذته الحكومة السورية في الستينيات وأدى إلى حرمان الآلاف من الأكراد من الجنسية السورية. في عام 2004 اندلعت الاحتجاجات في المناطق التي يسكنها الأكراد بكثافة في الحسكة؛ وفي غضون ثمانية أيام، قُتل 40 شخصًا (33 كرديًا وسبعة عرب)، وأصيب 400، وتم اعتقال ما يزيد عن 2000 كردي. وتمّ استعادة الهدوء فقط بعد إرسال الدبابات إلى جميع المدن الكردية الكبرى.

 

وعلى الرغم من المظالم التي طال أمدها، لم تُشارك معظم الأحزاب الكردية بنشاط في السنة الأولى ونصف من الانتفاضة السورية، ربما كما يجادل البعض لأن بشار الأسد منح الجنسية السورية لعدد كبير من المحرومين منها في أعقاب الانتفاضة. ولكن هذا التوصيف لا يشمل كلّ القوى الكردية، فقد شاركت بعض القوى الكردية الصغيرة في الثورة، وبخاصة تيار المستقبل الكردي الذي تزعمه القائد الكردي مشعل التمّو الذي اغتالته القوات الموالية للنظام في تشرين الأول / أكتوبر 2011، بعد أن بدأ التمّو يتحول إلى رمزي للوحدة الوطنية والثورة في نظر شريحة من السوريين، وبينما كان النظام يزداد سخطًا عليه، كانت بعض القيادات الكردية تسترجع أحقادًا ماضية تجاه مشعل، الذي لم يتوان عن انتقاد أخطائها، واتخاذ منهج لا يساير أهواءها. كذلك، فإن الشارع الكردي خرج إلى الشارع منذ الأيام الأولى لدعم الانتفاضة في القامشلي وعامودا والمدن الكردية الأخرى.

 

بالإضافة إلى التجمعات السياسية الرسمية، شهد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين العديد من المفكرين والسجناء السياسيين السابقين والكتاب وصانعي الأفلام والأكاديميين والمحامين الذين راحوا يعبرون عن معارضتهم لحكومة بشار الأسد ويطالبون علانية بإجراء إصلاحات جادة.

 

وكما ذكرنا سابقا، فإن دور المفكرين في العملية السياسية قد بدأ في حزيران / يونيو 2000، عندما أصدر 99. منهم البيان الشهير المعروف باسم بيان الـ 99 وضمّ قائمة طويلة جداً من هؤلاء المعارضين الأفراد الذين شارك الكثير منهم في الانتفاضة. وقد ساعد هؤلاء الأفراد في إلهاب المشاعر السورية وإلهام جيل جديد من المعارضين السياسيين الذين اتبعوا مسارًا سياسيًا مختلفًا.

 

أخيراً، في هذا السياق، من الضروري الإشارة إلى أن المعارضة في المنفى لعبت أيضاً دوراً متنامياً في السياسة السورية خلال الثورة. قبل الثورة، كانت المعارضة في المنفى صغيرة ولم يكن لها تأثير يذكر على السياسة السورية. لم يكن لدى جبهة الإنقاذ السورية، التي كانت تتألف من جماعة الإخوان المسلمين ونائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام، أي نفوذ تقريباً داخل البلاد، ولكنها تمكنت من لعب دور في الإعلام الغربي.

 

لعب إعلان دمشق في المنفى دورا أكبر قليلا وأبلغ الآراء السياسية في الخارج.

 

لم يكن لحزب الإصلاح ومقره الولايات المتحدة أي شعبية بسبب علاقات مؤسسه فريد الغادري مع إسرائيل. ومع ذلك، بمجرد أن بدأت الثورة، تحول التوازن السياسي لصالح المعارضة الخارجية. وقد أصبح هذا واضحًا بشكل خاص بعد تشكيل المجلس الوطني السوري والدعم الهائل الذي تلقاه من المجتمع الدولي والقوى الإقليمية كما سنوضح لاحقا.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.