أبحاث

رواسب الإيديولوجيا في حقوق الإنسان/ سلام الكواكبي

 

 

 

في ملتقى لحقوقيين عرب عاملين وباحثين في حقل حقوق الإنسان، تم طرح إشكالية حساسة للغاية، تتمثل في ضعف أو انعدام التضامن الإنساني أو الحقوقي أو المهني بين بعض ـ أو أغلب ـ المنظمات الناشطة عربياً في الدفاع النظري أو العملي، أو كليهما معاً، عن هذه الحقوق، مع قضايا انتهاك حقوق الانسان في بعض بؤر الصراع القائم بين قوى استبدادية، سياسية أو دينية، وبين من يُفترض بهذه المنظمات، نظرياً على الأقل، الدفاع عنهم وهم الناس مهما تنوعت انتماءاتهم المذهبية أو الأثنية أو الجنسية.

من نافل القول في أن الحالة السورية تصلح لأن تكون حالة مدرسية لدراسة وتحليل هذه الإشكالية التي تطرح عدداً هائلاً من علامات الاستفهام

حول مصداقية المنظمات الحقوقية المتجاهلة عن عمد الوقوف إلى جانب حقوق من انتهكت حقوقهم. كما وميلها إلى الصمت الشريك أو حتى السعي إلى الالتفاف عن صلب الانتهاك من خلال تمييع الموقف وانعدام الوصول في المحصلة إلى الوقوف الصريح إلى جانب المنتهكة حقوقهم الأساسية.

وتُعتبر مسألة الصمت عن استخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين في سوريا تعبيراً صارخاً عن عجز عدد لا بأس به من هذه المنظمات الحقوقية العربية، لا وبل ميلها إلى البحث عن تبريرات مخجلة، وصولاً إلى أن تقوم بالتنديد ـ مهما كان مبررا نظريا ـ بالضربات الشكلية التي قامت بها بعض الدول الغربية محاولة إرسال رسالة رمزية لمستخدمي هذا السلاح، فنرى أن هذه المنظمات الصامتة عن موت المدنيين، صحت فجأة للتنديد بالاعتداءات الغربية، كما فعلت الرابطة التونسية لحقوق الانسان ونظيراتها في أراضي السلطة الفلسطينية مثلاً لا حصراً.

هذه الانتقائية المخجلة يمكن دون أي حرج أن تسمى وصمة عار في سجل هذه المنظمات، التي كان ـ وربما لم يزل جزئياً ـ بصمات يجب الاعتراف بها وتقديرها في العمل الحقوقي العربي وفي رصد الانتهاكات انتقائياً. بالمقابل، فهذه الانتهاكات الأخلاقية التي مارستها وتمارسها هذه المنظمات ليست وليدة الأمس القريب بل البعيد منه، حيث يجدر بنا أن نتذكر صمت البعض منها بوقاحة لا نظير لها جراء قتل صدام حسين للآلاف من الكرد ومن الشيعة في شمال العراق وجنوبه إضافة لانتهاكات نظامه المُفْجِعة والمنهجية لحقوق مجمل الشعب العراقي. في حين أنها هاجت وماجت عندما تعرّض هذا النظام للاعتداء من قبل القوات الأميركية.

يمكن الاعتقاد والحال كذلك بأن العامل الأساسي المتمثل بقضية المهنية قد جرت

المساومة عليه مقابل حفنة من الأموال القذرة، وسيكون بالتالي من السهل التنديد بفساد هذه المنظمات واعتبار أنها مُباعة إلى مستبدين يملكون المال والسطوة وهي لا تستقوي إلا على المستبدين الذين يناصبون المستبد المليء والممول لها العداء أو الخصام أو المنافسة. لكن الواقع والتمحيص يُبعدانا عن هذا الاستخلاص السهل والذي يساعد على تعزيز التنديد بمواقفها وتحميله جرعات لا تنتهي من وصمات الفساد والتبعية.

إن الارتباط الخشبي بإيديولوجيا خشبية أو حجرية أو حديدية ما، يجعل كثيراً من العاملين في المجال الحقوقي عبيداً مرتهنين لمنبتهم العقائدي أكثر منهم مقتنعين حقيقيين بحقوق الإنسان كنضال كوني لا يتجزأ. وقد أثبت التاريخ العربي الحديث، أنه في أول اصطدام سياسي أو عنفي مرتبط بالانتماءات الإيديولوجية، يتخلى المعنيون عن كل هالة النضال الحقوقي ليصبحوا “عملاء” لقناعاتهم الأولى والمستدامة. إذاً، وفي السعي للدفاع عن هؤلاء “الحقوقيين” يجدر بنا أن نسعى إلى تبرئتهم من تهمة الفساد المالي أو التبعية الرخيصة، والتعويل على المسوغ الإيديولوجي في رسم مواقفهم وتحديد مدى التزامهم بالدفاع عن حقوق الناس بتجرد واستقلالية.

ولا يجد جزءٌ من هؤلاء ـ الثوريين نظرياً ـ أي عيب في نعت ثورات الآخرين، إن لم تلبس اللبوس العقائدية التي يختارونها لها، بأبشع التوصيفات ورميها في أحضان نظرية المؤامرة المُحببة لهم والتي يضعونها في مقدمة كل تحاليلهم. إن الحيادية في العمل الحقوقي ترفٌ ليس للعرب أن يبلغوه في أزماننا الحالية لأن مجمل العاملين في هذا المجال دخلوه منتقلين من أحزابهم وجماعاتهم السياسية، حيث نقلوا معهم ذخيرتهم الفكرية ومواقفهم الانتقائية. في المقابل، من العار ـ دون حرج في استخدام هذا التعبير ـ أن يقوم هؤلاء الحقوقيون بمحاولة تنظيف سجلات المستبدين عبر تصريحات تضامنية أو عبر زيارات دعائية أو عبر اعتداءات، في أندرها لفظية، على من يخالفهم في خضوعهم ولا يرضى بازدواجية المعايير لديهم. وعلى الضحايا المنسيين العمل بهدوء وبعيداً عن التجريح والاتهامات بالخيانة وبالعمالة، لمحاولة جذب هؤلاء المنحرفين عن صراط ألف باء العمل الحقوقي على الرغم من شبه استحالة هذا “الحلم”، وما أضيق فسحة الأمل بمجتمع حقوقي صادق مع نفسه ومع مبادئه، من دون الأحلام.

تلفزيون سوريا

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى