ثقافة وفكر

المثقفون المرتحلون… والثقافات الراكدة!/ رامي أو شهاب

 

 

■ ترى الناقدة غاياتري سبيفاك أحد أهم منظري الخطاب ما بعد الكولونيالي، أن الأنظمة الإمبريالية الغربية الثقافية، أتاحت لها مساحة لأن تمارس نقدها للنظم الكولونيالية الغربية، بما في ذلك نظام التعليم، الذي لا يولي عناية كبيرة للقطاعات التي تنتمي إلى الهوامش أو الأطراف، وتعني ثقافة المستعمرات السابقة، وبذلك فهي تدعو إلى تبني نسق من التفاوض، من أجل تكريس المزيد من الفعل والاهتمام بهذه الثقافات، التي ينظر لها على أنها أقل قيمة.

هذا التفكير أو السلوك ينطوي على ملاحظة شديدة الأهمية، ولا سيما من حيث تموضع مثقف من العالم الثالث، أو العوالم غير الديمقراطية، في الغرب، حيث يتمكن من ممارسة دوره، على الرغم من وجوده في نظام يقاومه ثقافياً. فهناك الكثير منهم من درس، ويدرّس في أرقى جامعاتها، ولكن ذلك لم يمنع من أن يمارس نقداً، أو تفكيكاً – على نحو معمق ومنهجي- للبنية التاريخية الغربية باختلاف أنظمتها وأنساقها، وبالتحديد من حيث التعامل مع العالم غير الأوروبي، وهذا ما يقودنا إلى التسليم بأن الغرب مدرك لمعنى التأمل النقدي الذاتي، فضلاً عن وضع نظام معرفي، بحيث يجعل من مؤسساته العلمية مجالاً للبناء، والتنظير كما البحث – من دون قيود تاريخية أو سياقية – بل على العكس من ذلك، فالدولة تصون الحرية المعرفية للجميع، بمن في ذلك مثقفو الدول النامية، على الرغم من وجود حكومات يمينية أو محافظة في معظم الأحيان، ولكن التقاليد المعرفية تبقى قائمة، حيث لا يمكن تغييرها أو المساس بها، كون الإقصاء للفكر الآخر سيؤدي إلى الكمون الحضاري، وتراجع القيم المضافة للثقافة الغربية.

إن الإشكالية الحضارية – التي تحتاج إلى بحث واكتناه معمقين- تتمثل بقدرة الغرب على أن يتقدم في ممارسة ثقافة تقبل الآخر، على الرغم من النزعات اليمينية والشعبوية التي تطرأ الآن، ومع ذلك فإن ثمة إيماناً راسخاً بأن وجود التفوق الغربي واستمراريته مرهون باتباع نهج تقدير (الحرية) بوصفها قيمة مركزية عليا أو مطلقة، حيث تتحقق الإفادة المثلى من الفعل الجدلي القائم على ارتحالات العقول، وتجاذبها في وسط لا ينظر للنقد بتحسس وارتياب، كما في الشرق الدائم الارتياب من وعي مثقفيه ومبدعيه الذين يخضعون إلى مجال صارم من المراقبة والعقاب، كما التضييق على مختلف المستويات، سواء أكان في الوظيفة أو الموقع الفاعل في تشكيل السياسات الثقافية الناقدة.

لا يمكن أن ننكر أن أوروبا بتكوينها الثقافي والعلمي ربما تكون مدينة في الكثير من هذا التكوين، أو في أجزاء غير يسيرة للمثقفين والعلماء الطارئين، أو القادمين من أجزاء العالم؛ أي تلك التي تعاني من غياب الحرية، حيث تسود الأنظمة الشّمولية أو الديكتاتورية، ومنها أوروبا الشرقية، وروسيا، وإفريقيا، وآسيا، بالإضافة إلى الشرق الأوسط مع التشديد على الاختلاف والتحول في انتهاج السياسات القامعة، فهناك أجزاء من أوروبا الشرقية وروسيا شهدت شكلاً من أشكال التطور على هذا الصعيد، في حين ما زالت قطاعات كبيرة من إفريقيا والشرق الأوسط تخضع لمنظومة معادية للمثقفين الحقيقيين أو الفاعلين، وهنا لا بد من استذكار أسماء وازنة في المعرفة الكونية، ومنها على سبيل المثال، نعوم تشومسكي وياكبسون وتودروف، وجوزيف كونراد، وسلمان رشدي، وفرانز فانون، وايميه سيزار، وأتشينو أتشيبي، ونغوجي واثينغو، وكازوو إيشيغورو، وإدوارد سعيد، وجوليا كرستيفا، وحنة أرندت، وسبيفاك، وغيرهم الكثير.

إن جزءاً كبيراً من هؤلاء المثقفين استملك لغة الغرب بحيث أمست هويته اللغوية الجديدة، بل هناك من قارع من خلالها الاستعمار.

هؤلاء المثقفون ورد بعضهم إلى الغرب بوصفه ابناً لوالدين مهجرين، وهناك من ارتحل في سن صغيرة، أو من ارتحل للدراسة، أو لجأ نتيجة ظرف سياسي، أو نفي طاله. وعلى الرغم من اختلاف الأسباب والعوامل والظروف، غير أن هذا لم يحل دون أن تنال هذه العقول تقديراً وحظوة في المؤسسة الأكاديمية الغربية، والأهم من ذلك أنها استطاعت أن تعبر عن قضاياها الإنسانية، إلى حد نقد أسس الفكر الغربي، وسياسته عينها بشجاعة ومن دون خوف، بل إن من هؤلاء المثقفين من صاغ منظومات معرفية متكاملة من حيث نقد الأنظمة الكولونيالية وممارساتها الخطابية، وأبرزهم إدوارد سعيد وتشومسكي وغيرهما، وهذا يأتي نظراً لحماية المؤسسة المعرفية المنطلقة من قيم إنسانية كبرى لا تخضع لسلطة المؤسسة، وهذا نهج نفتقده في العالم العربي، وهكذا فإننا إزاء معضلة حضارية من حيث أن تلك الدول الطاردة لم تتمكن من إيجاد حلول عملية لأزماتها الحضارية إلى الآن، على الرغم من سنوات طويلة من الاستقلال، وسيطرة النخب الوطنية على الحكم، بل على العكس من ذلك، فهي تسقط يوما بعد يوم في العنف والحروب والفقر والمجاعات، ولا سيما تلك التي ما زالت تنتهج العقلية البوليسية، وتعتمد مقاربات غير ديمقراطية، وبناء على ذلك فقد فقدت تلك الدول أحد أهم عوامل الخروج من أزماتها حين فرضت على نفسها عدم الخضوع للخطاب العقلاني المنفتح على الآخر، أو إتاحة الفرصة للمثقف الحقيقي لأن يكون جزءاً من قيادة العملية النهضوية، فمعظم الأنظمة في تلك الدول سعت لأن تبقى على ممارساتها الفاسدة، والرجعية القائمة في جزء كبير منها على المحاصصة التي تتيح تحقيق ولاءات مثقفين في مواقع القيادة، كما نبذ العقل النقدي، وقيم التفكير الحر. هذا الخوف من الديمقراطية أنتج ما يمكن أن ننعته بمذبحة الشعوب، حيث تم التضحية بمعرفة نهضة تلك الدول من أجل فئة متحكمة ترغب في أن تبقي على وجودها، وفرض نظام أيديولوجي ما دون الاحتكام إلى مبادئ الديمقراطية والعدالة والحرية.

في مجتمعات الشّرق نجد أن الكثير من الأدباء قد ضاقت بهم أوطانهم، فارتحلوا ليبحثوا عن إنسانيتهم، أو مدى حقيقي لتحقيق نتاجهم المعرفي المهدور في أوطانهم، ومع أن هذا يبدو في جانب منه شكلاً من أشكال الهروب، غير أنه يبقى ممارسة مشروعة في دول لم تعد تصلح للعيش، ولاسيما لمثقف يعاني كل يوم من التنكيل والقمع، أو على الأقل من عدم القدرة عن تحقيق إنتاج معرفي، أو إبداعي للتعبير، وهذا يدفعنا للبحث عن إشكالية العالمية، فمعظم أدبنا لا يعدّ عالميا، في حين أن معظم ما يكتب خارج حدود العالم العربي بات عالمياً، سواء أكان من أمريكا اللاتينية، أو آسيا، أو حتى إفريقيا، في حين أن الآداب العربية تفتقر لهذا التوصيف كونها لا تحظى بمواصفات ومصداقية على مستوى الطرح الإنساني، والتشكيل الفني. هذا الحكم لا يمكن تفسيره إلا بنقص الوعي الحقيقي بأهمية المعرفة وبالآخر، وبفقدان الإيمان بأن الإنسان يمتلك طاقة بغض النظر عن العرق، واللون، أو الطبقة؛ ولهذا فإن مثقفي العالم الثالث أو غيره من الذين ارتحلوا إلى الغرب تمكنوا خلال فترة وجيزة من صياغة الفكر الغربي، وإثراء الإنسانية، وهذا نجم عن توظيف فلسفة كامنة في الغرب بأن مقياس التفوق يتحقق عبر النتاج العلمي، وليس نتاج أوضاع ثقافية فاسدة تتمــــثل بتحقــــيق الولاءات، فضلا عن توفـــر ثقافة المعرفة الكونية بغض النظــر عن مصــــدرهـــا، ما دامت تسهم في تشييد نموذج الدولة القوية القائمة على القيم التي تواضع عليها المجتمع، وباتت تشكل فلسفة أو نهجا دائماً، حتى لو أدى ذلك إلى نقد الحكومات في تلك الدول من منطلق أن الحكومة لا تعني الدولة التي تتكون من مؤسسات متعددة الاختصاصات، ولكن تحت مظلة نهج واحد مصلحة الدولة، لا السلطة.

لا ريب أن هذا التوصيف ربما يدفعنا للتشاؤم من واقع المثقف العربي الذي لا يستطيع أن يمارس نقداً تقويميا أو تقيمياً في وطنه، وفي معظم الأحيان ترفض المؤسسة الرسمية المبدعين والمثقفين الحقيقيين، وأصحاب المواهب كون مبدأ العدالة الثقافية غير متحققة، وفي حال وجد أي فعل المعرفي نقدي فإنه سوف يواجه بالرفض، مقابل أن يلجأ إلى إنشاء مثقفين تابعين للدولة، أو عبر إنشاء طبقة من المتعلمين الذين تحصلوا على تعليمهم بناء على نظام قبلي أو سياسي أو ديني، وهؤلاء لا يمكن أن يكونوا ناقدين، كونهم حصلوا على مواقعهم تبعاً لتعاقد فاسد، فضلا عن افتقارهم للمعرفة الحقيقية، أو لضحالة وعيهم.

٭ كاتب فلسطيني أردني

القدس العربي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى