ثقافة وفكر

الصراع على الزعامة السنيّة في لبنان/ حازم صاغية

 

 

(١)

مع تولّي فؤاد شهاب رئاسة الجمهوريّة، أواخر 1958، بدت زعامة السنّة في لبنان شديدة البعثرة والتفتّت. الطائفة السنّيّة لم تكن قد استكملت تشكّلها الذي تمّ في وقت لاحق وارتبط باسم رفيق الحريري.

أبرز علامات البعثرة أنّ القطيعة كانت كاملة بين السياسيّين السنّة في المدن وزملائهم في الأرياف. الأوّلون كانت المواقف العربيّة عنصراً مُقرّراً في زعامتهم. الآخرون لم ينشغلوا بما يتعدّى الأقضية التي تزعّموها. الأوّلون كانوا يساهمون في رسم حظوة الخدمات، لأنفسهم ولمن يريدون. الأخيرون كان همّهم الأوحد تَسوّل الانتفاع بها لتوسيع رقعة مُنتخبيهم وتجديد زعامتهم. زعماء المدن، أو بعضهم، رأوا في أنفسهم أنداداً لرئيس الجمهوريّة المارونيّ. زعماء الأرياف، وهم في معظمهم ملاّكو أراضٍ كرفعت قزعون في البقاع وزعماء آل المرعبي في عكّار، كانوا يلتحقون بالرئيس التحاقاً. عبده عويدات في إقليم الخرّوب وسليمان العلي في عكّار كانا شمعونيّين، مثلهما مثل أيّ سياسيّ مارونيّ شمعونيّ. ناظم القادري في البقاع الغربيّ وبشير العثمان في عكّار كانا شهابيّين، مثلهما مثل أيّ سياسيّ مارونيّ شهابيّ.

وجوه المدن

هذه لم تكن حال سنّة المدن، ومنهم قادة الطائفة الذين يملكون مفاتيح دار الإفتاء والمدارس والمؤسّسات المذهبيّة. أولئك حاولوا تقليد رياض الصلح في التعاطي الندّيّ مع رئيس الجمهوريّة الذي كانه بشارة الخوري، كما في الاستعاضة بالمواقف والعلاقات العربيّة عن ضعف القاعدة الانتخابيّة وتعدّد الولاءات تبعاً لتعدّد الأحياء والحارات.

على أيّ حال، رحل زعيم طرابلس عبد الحميد كرامي في 1950، وفي العام التالي، اغتال السوريّون القوميّون الصلحَ في عَمّان. هكذا استقرّت خريطة السياسة في بيروت الخمسينات على ثلاثة: صائب سلام، الذي رأس الحكومة في السنة الأخيرة من عهد بشارة الخوري، 1952، وفي السنة الأولى من عهد كميل شمعون، 1953، وسامي الصلح، المولود في 1890، والذي درس الحقوق في تركيّا ثمّ جاء إلى السياسة من الإدارة والقضاء، وعبد الله اليافي، الذي لم يُعرف بميول صِداميّة مع الرؤساء الموارنة، ما أفقده بعض جاذبيّته الشعبيّة. اليافي اكتسب أهميّتَه من كونه “ضدّ صائب”.

أمّا طرابلس، ففيها ورث رشيد كرامي، الذي درس في مصر، أباه عبد الحميد. في العهد الشمعونيّ بدأ كرامي الشابّ يتولّى رئاسة الحكومة، قبل أن تنهار علاقات شمعون بالرئيس المصريّ جمال عبد الناصر. في ذاك الحين، وُصف رشيد بأنّه مَن تغلّب للتوّ على منافسة عمّه مصطفى، ووُصف شمعون بأنّه راعيه في انتقاله إلى الصدارة السياسيّة.

ومع أنّ زعامة آل كرامي بدت بالغة المتانة، فهذا لم يخلُ من دم ومن حِدّة لم تعرفهما العائلات البيروتيّة: في آذار (مارس) 1947، قبيل معركة انتخابيّة متوتّرة، زار “المجاهد” الطرابلسيّ الأصل فوزي القاوقجي مدينته، لكنّ المنافسة على استقباله بين عائلتي كرامي والمقدّم المتنازعتين انتخابيّاً، تسبّبت بمقتل 16 شخصاً وجرح أكثر من سبعين. لاحقاً تصدّى لأحاديّة الزعامة الكراميّة قبولي الذوق وعوني الأحدب، ولم يسعفْهما الحظّ. خرقُ لائحة رشيد في انتخابات طرابلس تأخّر حتّى 1972. عامذاك خُرقت بالطبيب الشعبيّ، البعثيّ وصاحب الخدمات الإنسانيّة، عبد المجيد الرافعي.

في صيدا، تقاسم الزعامةَ، على نحو لم يخل من حدّة الاستقطاب، نزيه البزريّ ومعروف سعد، أوّلهما طبيب ذو خدمات إنسانيّة والثاني مدرّس ومفوّض شرطة قاتلَ في فلسطين عام 1948. الصورة لم تنجلِ على هذا النحو إلاّ حين حُسم أمر التركة السياسيّة لرياض الصلح الذي كان نائباً عن المدينة نفسها. صلاح البزري، قريب نزيه، وابنا عمّ رياض، تقي الدين وكاظم، رشّحوا أنفسهم للوراثة. معروف سعد، الصلحيّ أيضاً في شبابه، سريعاً ما اندمج في الناصريّة وتحالف مع كمال جنبلاط. حضنَه الفقراء والمهمّشون كما حضنه البعثيّون، قبل نزاعهم مع عبد الناصر، ومثلهم فعل الشيوعيّون، ثمّ أحاطت به “حركة القوميّين العرب”. نزيه البزري، في المقابل، وثّق علاقاته بصائب سلام من دون أن يقطعها مع كميل شمعون.

في صيدا خصوصاً، ولكنْ في طرابلس أيضاً، كانت الفوارق الاجتماعيّة والطبقيّة حادّة الحضور في النزاعات السياسيّة. ومع أن نزيه وصلاح البزري تحدّرا عن بيتين متواضعين في آل البزري، على عكس زعماء صيدا التقليديّين الذين سبقوهما من آل البرازي، فإنّهما خاطبا عائلات صيدا وأحياءها الأغنى.

في بيروت، لم يتبلور ذاك البُعد حتّى أواسط الستينات، مع نشأة التنظيمات الناصريّة التي راحت، في السنوات التالية، تتكاثر وتعلن طموحها التمثيليّ.

والحال أنّ الاستجابة للجديد، تعليماً ومهناً، أو لتحدّي الأحزاب، بدت معقولة عند أقطاب المدن، لا سيّما منهم صائب سلام الذي حمل على لائحته قانونيّاً كصبحي محمصاني، واقتصاديّاً كرفيق نجا، ثمّ مثّل، للمرّة الأولى، السنّة في منطقة رأس بيروت، من خلال رجل الأعمال زكي المزبودي. وبدرجة أقلّ تبدّى هذا المستجدّ في طرابلس، من خلال الطبيب هاشم الحسيني ورجل القانون أمين الحافظ. أمّا صيدا فاقتصر تمثيلها حتّى 1972 على نائب واحد.

مع هذا، لوحظ في بيروت، حيث تقيم عائلات ضخمة العدد كعيتاني وشاتيلا، ولكنْ أيضاً في طرابلس، عزوف عن اصطحاب أبناء هذه العائلات إلى البرلمان. ذاك أنّ العصبيّات التي فكّكتها المدينة يُستحسن أن تبقى مفكّكة، لا تعاود التجمّع من حول وجه واحد.

فلسطين وسوريّا

لكنّ الموضوع “القوميّ” وإن أثّر في بيروت، بقي أشدّ تأثيراً في صيدا، وخصوصاً في طرابلس. في “عاصمة الجنوب” كان عنوانه فلسطين التي عاش واندمج فيها عدد كبير من الفلسطينيّين ممّن نزحوا بعد قيام إسرائيل في 1948. قبلذاك هناك تاريخ جامع ومديد من العلاقات الاقتصاديّة والوحدة الإداريّة مع شمال فلسطين. في “عاصمة الشمال” كانت سوريّا هي العنوان. المبادلات التجاريّة والقرابات العائليّة جعلت الشرط الأوّل للزعيم الطرابلسيّ أن يكون مُصاباً بطلب الوحدة مع سوريّا، وألاّ يرى في الانتداب الفرنسيّ و”لبنان الكبير” الذي أنشأه إلاّ “عاراً” ينبغي محوه.

هنا يكمن سرّ الزعامة الكراميّة: فعبد الحميد كان جذريّاً في موضوع الوحدة السوريّة، عزله الفرنسيّون وأحلّوا محلّه، على رأس الإفتاء، الشيخ رشيد الميقاتي. باقي الزعماء الذين سبقوه أو جايلوه لم يُرضوا المزاج الطرابلسيّ المهتاج: الشيخ محمّد الجسر، المتوفّى في 1934، بعدما ترأّس المجلس النيابيّ في 1927 وترشّح لرئاسة الجمهوريّة في 1932، رفض الحركة الفيصليّة وآمن بـ “لبنان الكبير”. خير الدين الأحدب، الذي بدأ نائباً عن بيروت ثمّ بات أوّل رئيس حكومة سنّيّ، انتهى مؤيّداً للانتداب و”لبنان الكبير” بعد سنوات قضاها في معارضتهما. خير الدين توفّي محبطاً ومعزولاً في باريس. النائب راشد المقدّم، مثله مثل الأحدب، كان مقرّباً من إميل إدّه الموصوف بممالأة فرنسا، ومتّهَماً بالحصول على “دعم فرنسيّ” في مواجهة عبد الحميد.

في المقابل، لم يكن في وسع بيروت، التي كانت تتّسع وتزدهر كعاصمة مكرّسة، أن تبالغ في الشكوى من خسارة فلسطين أو من “الانفصال عن سوريّا”.

أثر الشهابيّة

متعدّدَ الأوجه كان الأثر الذي تركه فؤاد شهاب على الزعامة السنّيّة. لقد آمن بتحويل مقاتلي “ثورة 1958” نوّاباً، ما قد يمتصّ تطرّفهم واحتكامهم إلى الشارع، كما يُلزمهم بالبرلمان والانضواء في المؤسّسات. هكذا ضُمّ عبد الله المشنوق وعثمان الدنا إلى لائحة سلام في دائرة بيروت الثالثة، كما ضُمّ محمّد حمزة إلى لائحة كرامي في طرابلس. أمّا سامي الصلح، في دائرة بيروت الثانية، فعوقب بإسقاطه، في انتخابات 1960، لمصلحة رئيس “حزب النجّادة” عدنان الحكيم. ذاك أنّ “بابا سامي”، بحسب لقبه الشعبيّ، آثر أن يبقى الزعيم السنّيّ الوحيد المتحالف مع شمعون والذي يرأس حكوماته المُدانة إسلاميّاً. خلفيّته العثمانيّة لم تستسغ جمال عبد الناصر. شجاعته كانت مؤكّدة. إبّان “ثورة 1958” أُحرق منزله في بيروت.

في صيدا، كوفىء معروف سعد باحتكاره المقعد النيابيّ لمدينته طوال الستينات. البزري لم يعد إلى المجلس إلاّ في 1972.

على المستوى الحكوميّ، ضمّت الحكومة الرباعيّة، أواخر 1958، رشيد كرامي الذي كان رئيسَها، وحسين العويني، الذي لم يُعرَف كوجه سياسيّ، وإن عُرف كرجل أعمال وثيق الصلة بالمملكة العربيّة السعوديّة. هكذا خاطبتْ بيروتُ الشهابيّةُ القاهرةَ ودمشقَ (في زمن الوحدة المصريّة – السوريّة) بكرامي، فيما خاطبت الرياضَ بالعويني. قبل انفجار حرب اليمن في 1962 كان هذا لا يزال ممكناً.

بعدذاك شكّل صائب سلام الحكومة التي ضمّت، للمرّة الأولى حتّى حينه، 18 وزيراً، جامعةً القوى السياسيّة اللبنانيّة كلّها ومستثنيةً التيّار الشمعونيّ وحده. هذه الحكومة التي استقالت في أواسط 1961، أنهت العلاقة بين شهاب وسلام الذي انتقل إلى المعارضة.

أثرٌ آخر رتّبته الشهابيّة على الزعامة السنّيّة. فـ “المكتب الثاني”، من خلال عمله الدؤوب في “البيئات الجوفيّة للمدينة”، مسلّحاً بالعلاقات الوطيدة مع القاهرة وسفيرها عبد الحميد غالب، نسج علاقات متينة مع وجهاء أحياء صغار، أو شبّان طامحين ومتجرّئين، في عائلات كقليلات وشهاب الدين وكريديّة وسواها. بعض هؤلاء صاروا لاحقاً وجوهاً بيروتيّة وناصريّة في آن. في مطلق الحالات، لم يشعر زعماء بيروت المكرّسون بالارتياح حيال تدخّل الدولة، التي كانت تقليديّاً لا تتدخّل، في ثنايا الجماعات الأهليّة وتضاعيفها. صائب سلام كان الأكثر ارتياباً بنوايا التهميش الشهابيّة وبالضرب الشهابيّ في بيروت بسيف عبد الناصر.

على مدى الستينات، كان البيروتيّ صائب سلام والطرابلسيّ رشيد كرامي أبرز زعماء السنّة اللبنانيّين. في معظم تلك السنوات الشهابيّة شغل كرامي رئاسة الحكومة، وكان سلام أحد قادة المعارضة. السياسيّان متناقضان في كلّ شيء تقريباً، بما في ذلك التكوين الشخصيّ.

سلام جاء من خلفيّة تجاريّة. والده سليم علي سلام كان تاجراً ووجيهاً بيروتيّاً، مع أنّه لم يكن عديم الصلة بالسياسة التي بدأها مبكراً من خلال عضويّته في مجلس المبعوثان العثمانيّ. لاحقاً لم يرشّح نفسه للانتخابات وكان يكتفي، غالباً بالتنسيق مع الوجيهين والسياسيّين البيروتيّين الآخرين عمر بيهم وعمر الداعوق، بدعم مرشّحين شبّان أبرزهم عبد الله اليافي.

كرامي جاء من خلفيّة دينيّة. والده عبد الحميد كرامي دخل عالم السياسة من باب الإفتاء، الذي يمتدّ لمئات السنين في عائلته. رصيده في مناهضة الانتداب توّجَهُ بسَجنه في راشيّا، مع باقي مَن سُجنوا من الاستقلاليّين. بعدذاك انتسب إلى نادي رؤساء الحكومات.

صائب سلام كان فيه شيء من المرونة والسلاسة الممزوجتين، في لحظات الغضب، بعفويّة قد تذهب بعيداً في عدوانيّتها. لقد سكنه التاجر والقبضاي في تعايش غير مألوف بين هاتين الشخصيّتين. رشيد كرامي كان بارداً، يوحي بأنّه دائم السيطرة على مشاعره وعواطفه القليلة. بطء العالم السلطانيّ كان يستوطنه ويحمله على مقاربة الحياة ومسائلها الجديدة بـ “الحِكَم” المتوارَثة أباً عن جدّ. صائب كان يتباهى بمتابعة الصحافة الغربيّة. رشيد كان يتباهى بالآيات القرآنيّة و”تفسير الجلالين”. أوّلهما كان في صلته بالآخرين شخصيّاً، وأحياناً حميماً. الثاني كان بعيداً ومتعجرفاً.

آل سلام صاهروا مبكراً مسلمين شيعة غير بيروتيّين، كآل الزين. آل كرامي لم يصاهروا، حتّى السبعينات، إلاّ عائلات سنّيّة وشماليّة كآل علم الدين. المصاهرة المبكرة بين العائلتين، بنتيجة زواج المهندس مالك سلام، شقيق صائب، من نجوى كرامي، شقيقة رشيد، لم تقرّب بينهما. لقد أدّت إلى اندماج مالك في آل كرامي وسياساتهم.

وخلافات صائب ورشيد في السياسة لم تكن قليلة على أيّ حال. فالأوّل، لا سيّما بعد 1961، بدأ ينحاز للرياض على القاهرة، بعدما كان الوجهَ اللبنانيّ الأبرز لـ “ثورة 1958” المدعومة من عبد الناصر. أمّا الثاني فجمع بين الشهابيّة والناصريّة. لقد وُصف بتطرّفٍ ردَّه البعض إلى “التكفير عن 57”: في ذاك العام كانت الانتخابات التي اشتُهرت بتزويرها، إذ أسقط كميل شمعون صائب سلام وأحلّ محلّه في نيابة بيروت جميل مكّاوي ورجلَ أعمال اسمه فوزي الحصّ. كمال جنبلاط في الشوف، وصبري حمادة في بعلبك – الهرمل، وأحمد الأسعد في الجنوب أُسقطوا أيضاً. الوحيد الذي لم يرسب، من بين كبار التقليديّين المسلمين، كان رشيد كرامي. يومها قيل إنّ الأخير كان ألطف من زملائه في معارضة شمعون لأنّه “يدين له” بتولّيه رئاسة الحكومة في عهده. بيد أنّ “الخطيئة” هذه، التي لا يغفرها المزاج الطرابلسيّ، بات محوها تكفيراً مطلوباً بإلحاح عصبيّ.

طبيعة الخصم كان لها دورها أيضاً: في مرحلته “الناصريّة”، احتوى صائب مُحبّي “المارد الأسمر”: رعى “القوميّين العرب” وقرّب أحدهم، جميل كبّي، الذي اصطحبه لاحقاً على لائحته الانتخابيّة، وبالطبع كان كبّي قد قطع علاقته بـ “الحركة”. ابراهيم قليلات، الذي سيؤسّس بعد سنوات حركة “المرابطون” أو “الناصريّون المستقلّون”، كان كبير مرافقيه. لكنّ سلام ما لبث أن واجه الناصريّة – الشهابيّة في بيروت، فيما بقي الشيوعيّون والبعثيّون، الذين لم يربطهم به أيّ ودّ، أفراداً محدودي التأثير. أمّا كرامي، الناصريّ – الشهابيّ، فوجد في وجهه الشيوعيّين والبعثيّين. الأوّلون، وكان منهم عدد مُعتَبر من المهندسين والأطبّاء البَرِمين باحتكاره الحياةَ السياسيّة لمدينتهم، عالجهم أيضاً بالاحتواء. لقد اصطحب على لائحته الطبيب هاشم الحسيني الذي كان يتولّى رئاسة “حركة أنصار السلم” و”جمعيّة الصداقة اللبنانيّة السوفياتيّة”. وبعد كلّ حساب، ففي العرف السوفياتيّ كان كرامي صديقاً ومن رموز “البورجوازيّة الوطنيّة” الكبار.

البعثيّون كان خطرهم، من خلال عبد المجيد الرافعي، كبيراً. لهذا ضمّ كرامي إلى لائحته في 1960 وفي الانتخابات التي تلتها متعلّماً يواجه به الطبيب الرافعي: إنّه خرّيج القانون من لاهاي، وابن الأسرة الدينيّة التي تحاكي أسرته، أمين الحافظ. بيد أنّ انفجار الخلاف الناصريّ – البعثيّ وما تسبّب به من غضب شعبيّ على البعثيّين، سهّل على كرامي مهمّته. لقد امتنع الرافعي، في 1964، عن الترشّح إلى الانتخابات لمعرفته أنّه راسب لا محالة.

وبينما ظلّ “الأفندي” رشيد كرامي حليفاً لـ “البك” كمال جنبلاط، وإن بقدر من التوتّر المضبوط الذي شاب تحالفهما، ظلّت العلاقة بين سلام وجنبلاط إحدى أسوأ العلاقات بين سياسيّ لبنانيّ وآخر.

 

(2)

كانت معركة الشهابيّة، ومن ورائها القاهرة، ضدّ صائب سلام، من أعتى المواجهات التي عرفتها الحياة السياسيّة اللبنانيّة بعد الاستقلال. المعركة كانت شرسة، وسلام كان شرساً أيضاً.

زعامة بيروت بأكثريّتها السنّيّة كان ينبغي انتزاعها من قبضة هذا السياسيّ المشاكس: لقد هاجم تدخّل “المكتب الثاني” في حياة النسيج البيروتيّ، ولم يشارك في الكرنفال الذي يمجّد “فخامة الأمير اللواء” فؤاد شهاب، كما فضّل صداقة الرياض على صداقة القاهرة. لقد بات مطلوباً، بالتالي، إنهاء هذا الازدواج المُحرج بين صورة العاصمة العاصية وصورة البلد المنضبط كما رسمتها له الشهابيّة. ما زاد في الإلحاح على مهمّة التصفية السياسيّة أنّ سلام كان أوّل زعيم سنّيّ بعد رياض الصلح يمدّ نفوذه إلى خارج بيروت، عبر علاقات ربطته بنوّاب وسياسيّين سُنّة، كالعكّاريّ علي عبد الكريم والصيداويّ نزيه البزري.

المواجهات تعدّدت واختلفت أشكالها: تحريك بعض وجهاء الأحياء الناصريّين – الشهابيّين ضدّه. تحريض الأحزاب “الوطنيّة” و”التقدّميّة” عليه بوصفه كبير “الرجعيّين”. تكريس جريدتي “الأنوار” و”المحرّر” صفحاتٍ لهجائه: في 1963-4 امتلأت الأخيرة، بطلب مصريّ، بكتّاب من “حركة القوميّين العرب”. مضايقة أنصاره و”مفاتيحه الانتخابيّة” والسخاء في تقديم الخدمات لخصومه. تجميع مناوئيه وكارهيه حول عبد الله اليافي وطرحه بوصفه الزعيم البديل. استخدام رجال الدين في حملة متواصلة عليه. أحد هؤلاء كان الشيخ حسن خالد الذي تولّى، في 1966، منصب الإفتاء.

لقد صارت شتيمة صائب سلام رياضة يوميّة للناصريّ والشيوعيّ والجنبلاطيّ، فضلاً عن المتضرّرين البيارتة من زعامته، وبات ممّا لا بدّ منه فرز آخر المساحات المشتركة التي مثّلها نسيم مجدلاني: إنّه، في وقت واحد، نائب كمال جنبلاط في رئاسة الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ والعضو الأرثوذكسيّ الثابت على اللوائح السلاميّة. مجدلاني غدا مضطرّاً لأن يختار، وهو اختار زعامته البيروتيّة على اشتراكيّته الجنبلاطيّة.

صائب سلام، بدوره، قدّم نفسه بوصفه المدافع عن “كرامة بيروت”. “الكرامة” هنا عنتْ أموراً كثيرة وملتوية، وربّما متناقضة: نعرة بيروتيّة سنّيّة ضدّ الرئاسة المارونيّة، لكنّها أيضاً نبرة تصالح مع الحساسيّة المارونيّة على نطاق لبنانيّ في مواجهة الحلف الشهابيّ – الناصريّ. “الكرامة” انطوت أيضاً على معنى آخر مفاده أن يلزم السفير المصريّ عبد الحميد غالب حدّه، وألاّ يحظى بكلّ هذا النفوذ في عاصمة لبنان.

التطوّرات التي تلاحقت في سوريّا، منذ انفصالها عن مصر في 1961 إلى الانقلاب البعثيّ في 1963، المسبوق بانقلاب مماثل في العراق، ثمّ تجدّد الخلاف العاصف بين البعث وعبد الناصر، وفّرت من غير شكّ ظهيراً لسلام وحضّاً له على الانشقاق عن السحر الناصريّ. في 1963 اعتُقل ضابط سوريّ اسمه جلال مرهج في بيروت، اتُّهم بالتخطيط لـ “أعمال تخريبيّة”، بالتنسيق مع الشمعونيّ والنائب الشوفيّ السابق قحطان حمادة. معارضو الشهابيّة قالوا إنّ التهمة مفبركة خدمةً للقاهرة وبهدف الحدّ من تأثير دمشق البعثيّة على بيروت، فضلاً عن وضع المعارضين المحلّيّين في دائرة الشبهة. في تلك الفترة، وعلى ما تذهب إحدى الروايات، كان خالد يشرطي – المهندس الفلسطينيّ البعثيّ المقيم في بيروت، والقياديّ الفتحاويّ اللاحق – همزة الوصل بين صائب والحزب العفلقيّ.

1964 و1968

في انتخابات 1964 كان الصدام الرأسيّ: استطاعت “الدولة” خرق لائحة سلام الخماسيّة بالمحامي المُصنَّف ناصريّاً، رشيد الصلح، الذي أسقط عضو اللائحة شفيق الوزّان. عبد الله اليافي وباقي أعضاء لائحته رسبوا. الوحل الذي استُخدم لتلويث سلام ردّ عليه الأخير بوحل مماثل. ففي بيروت شُنّت حملة “غامضة المصدر” لتذكير سكّانها بشباب اليافي: لقد تخرّج من فرنسا بأطروحة أساءت إلى الرسول! رشيد الصلح بدا هدفاً أسهل، تبعاً لضعف شخصيّته الذي أظهره خفيف الوزن، ولتضارب أقواله الذي رسمه ضئيل الفعّاليّة.

كلّ شيء بدا مُحلّلاً يومذاك، خصوصاً أنّ سلام، وعلى عكس موقفه في 1960، دعم سامي الصلح في الدائرة الثانية. هكذا عاد سامي إلى برلمانٍ غاب عنه أربع سنوات. خصمه “الشهابيّ – الناصريّ” عدنان الحكيم رسب هذه المرّة. صائب، ومن خلال شخصيّات في “حزب النجادة”، كمحمّد كنيعو ومحمّد علي الرزّ، صدّع الحزب المذكور الذي تعامل معه الحكيم كأنّه ملكيّته الخاصّة.

في 1966 أثبتت الآلة التي أنجبها التعاون الجهازيّ الناصريّ – الشهابيّ فعّاليّتها الدمويّة: لقد وُجّهت أصابع الاتّهام إلى ابراهيم قليلات حين اغتيل مؤسّس جريدة “الحياة” ورئيس تحريرها كامل مروّة. آنذاك، كان مروّة يسدّد الانتقادات اللاذعة لسياسات عبد الناصر وحرب اليمن، فيما الناصريّون وحلفاؤه يسمّونه “عميلاً” للهاشميّين وآل سعود.

لكنْ مع هزيمة 1967 باشرت الناصريّة انحسارها، أمّا الشهابيّة فبدأ الرئيس شارل حلو، المنتخب في 1964، ابتعاده عنها. المعركة ضدّها استمدّت زخماً أكبر بنتيجة تأرجح حلو: هكذا شارك صائب في بناء “تكتّل الوسط” الذي جمعه بسليمان فرنجيّة وكامل الأسعد. لكنْ في بيروت نفسها، وفي 1968، انقضّ سلام على تحكّم “المكتب الثاني” بـ “جمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة”. الصحافة يومذاك تحدّثت عن “معركة كسر عظم” خرج منها ظافراً، والآخرون مكسوري العظام. إذاً، الأمر معقود لصائب سلام في بيروت.

لكنّ انتخابات 1968 العامّة، التي سجّلت الانتصار الكاسح لـ “الحلف الثلاثيّ” في جبل لبنان، اختلف طريقها البيروتيّ. لقد بدت أشبه بهدنة عابرة في حرب متواصلة. ذاك أنّ حلو المتذبذب بين الشهابيّة وخصومها، كلّف اليافي برئاسة الحكومة المشرفة على الانتخابات، لكنّه وازَنَه بتسليم سليمان فرنجيّة وزارة الداخليّة. هكذا كان لا بدّ، في استثناء نافر، من إنشاء ائتلاف بين اليافي وسلام بحيث يخوضان المعركة معاً. لكنّهما لم يكونا معاً تماماً. فاليافي أمّن لنفسه ثلاثة آلاف صوت أزيدَ من الأصوات التي نالها سلام. الأخير، بدوره، طعن “حليفه” في الائتلاف، ومَكروهه الثابت، رشيد الصلح، إذ أوعز لمؤيّديه بانتخاب المرشّح المنفرد شفيق الوزّان. الصلح انهزم. الوزّان انتصر وانتقم لهزيمته أمام رشيد في 1964.

معركتان غير منسجمتين

على نطاق لبنانيّ، وقف الزعيمان المسلمان الأقوى، سلام السنّيّ وكامل الأسعد الشيعيّ، حيث يقف زعماء الموارنة في إصرارهم على تفكيك “المكتب الثاني” والدفاع عن الحرّيّات العامّة. تلك المعادلة، التي عبّرت عنها سنوات 1964-8، لاحتْ لحظةً من اللحظات القليلة الواعدة في التاريخ السياسيّ للبنان الحديث. بيد أنّ رياح الماضي الذي لا يمضي آثرت أن تهبّ، واضعةً “القوميّة” في مواجهة الحرّيّة: ردّاً على ما عُرف بـ “هجوم العال” الذي نفّذته “الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين”، هاجم كوماندوس إسرائيليّ مطار بيروت في أواخر 1968 ودمّر الطائرات المدنيّة اللبنانيّة الجاثمة على أرضه. في العام التالي، وبسبب التوتّر بين الجيش والفدائيّين الفلسطينيّين في قضاء بنت جبيل، كانت تظاهرة 23 نيسان (أبريل) الشهيرة التي سقط فيها قتيلان وعدد من الجرحى برصاص العسكريّين. الأزمة انفجرت وطنيّاً وسياسيّاً، فالتقى القادة المسلمون جميعاً على عدم التعاون مع رئيس الجمهوريّة. الأزمة والمقاطعة هاتان استمرّتا حتّى توقيع “اتّفاقيّة القاهرة” في تشرين الثاني (نوفمبر) 1969. لقد كان صائب سلام يتهيّأ للانتصار في معركة آفلة، فإذا به يواجه معركة صاعدة يكاد يستحيل الانتصار فيها.

والحال أنّ البورجوازيّة السنّيّة البيروتيّة، والكثير من الفئات الوسطى، لم تكن في وارد التصعيد. إنّ بيروتهم تبدو عموماً على ما يرام، وليس من داعٍ لإحراقها بهدف إصلاحها المزعوم. لكنّ الشارع، كالعادة، هو الغالب، والشارع خليط من أقلّيّة تتمثّل في فئات سنّيّة “أصليّة” لم يكن قد تسنّى لها دخول المتن السياسيّ، وأكثريّة تمثّلها فئات شيعيّة “غريبة” أقامت أغلبيّتها في الضواحي، ولم تكن قد اندمجت بعد في النسيج المدينيّ. بيد أنّ غلبة الشارع التي أعطت الأولويّة لـ “الأخوّة” على المواطنة، وللعروبة على السيادة الوطنيّة، نمّت عن الحدود التي لا تستطيع السياسات السنّيّة أن تتخطّاها. هذا ما بدا مُحرجاً للزعامة السلاميّة التي ظنّت أنّها تحرّرت من القبضة الناصريّة لتجد نفسها أسيرة القبضة الجديدة للمقاومة الفلسطينيّة. لكنّه كان مُحرجاً أيضاً لرشيد كرامي: ففي طرابلس ركب فاروق المقدّم، الطامح في معزل عن ثمن الطموح، والذي يربط عائلتَه عداء مؤصّل بالعائلة الكراميّة، موجة المقاومة، معلناً عن “انتفاضة” احتلّ بموجبها قلعة المدينة. حصل ذلك يوم “24 تشرين” الذي صار اسماً لحركة سياسيّة طرابلسيّة.

شيء واحد أنقذ الزعامة السنّيّة من مأزقها، وإن لم يكن صاحبُه يقصد ذلك: إنّه انعطاف كمال جنبلاط عن الشهابيّة وإعلان رغبته، هو أيضاً، في الاقتصاص منها. ما سمّم الودَّ القديم حادثةُ طائرة الميراج التي رُويت مراراً من غير أن يفارق الارتباكُ رُواتَها. الحادثة ارتبطت باسم محمود مطر، الضابط الذي تردّد أنّ المخابرات السوفياتيّة شغّلته ودفعته إلى خطف الطائرة كي تطّلع موسكو والقاهرة على أسرارها. “المكتب الثاني” أحبط العمليّة بكثير من الفوضى والارتباك، بحيث سقط جرحى بينهم ديبلوماسيّ سوفياتيّ. الاتّحاد السوفياتيّ وجنبلاط هاجما “المكتب الثاني” يومذاك، وأعادا الاعتبار إلى تلك المعركة التي كان العفن قد بدأ يقضم أطرافها. الجميع توافقوا بعدذاك على طعن الجثّة الشهابيّة وإيصال سليمان فرنجيّة إلى الرئاسة. هكذا غُضّ النظر عن المسأّلة التي تُلهب الشارع والتي لن تلبث أن تنفجر وتفجّر كلّ شيء.

 

(3)

بفارق صوت واحد فاز سليمان فرنجيّة برئاسة الجمهوريّة. لكنّ ضآلة الفارق لا تحجب ضخامة التغيير. ذاك أنّ الذين همّشتهم الدولة الشهابيّة بتجاوزها على الديمقراطيّة، انتصروا عليها انتصاراً يوحي بالتجاوز على الدولة. ففرنجيّة، ومعه “أُمَّا العروس”، صائب سلام وكامل الأسعد، ليسوا معروفين بالودّ حيال أدنى تدخّل للدولة في المجتمع. إنّهم حصراً مع الحرّيّة، لكنّهم حصراً ضدّ المساواة. هذه آفة تشبه آفة سابقيهم الشهابيّين الذين قالوا إنّهم مع المساواة وكانوا ضدّ الحرّيّة.
على السطح، بدا العام ذاك، عام 1970، سنة مساعِدةً على إقلاع سهل: “المكتب الثاني” وسلطته مُنيا بهزيمة لن ينهضا بعدها. “اتّفاقيّة القاهرة”، كما قيل، أعطت ما لله لله وما لقيصر لقيصر: بعد اليوم سوف تستقرّ العلاقة بين “الدولة والثورة”، وفق تعبير شاع يومذاك، استقراراً صَخريّاً لُحمتُه الأخوّة والعدل في تقسيم العمل بين إخوان مُتحابّين. أمّا عربيّاً، فوقع رحيل جمال عبد الناصر على آذان معظم القادة المسلمين وقوع الموسيقى: العامّة لن يجدوا مَن يُثيرهم على السادة، والبلد لن يجد من يزجّه في نزاعات تفوق طاقته، نزاعاتٍ تهدّد اقتصاده وعلاقاته الدوليّة وقوامه السياسيّ، وتهدّد خصوصاً نسيجه الأهليّ وإمكان توسيع المساحات المشتركة بين طوائفه.
معروف سعد في صيدا، وهو ليس من التقليديّين أصلاً، تفرّد بين سياسيّي سنّة المدن في حزنه على سيّد مصر. رشيد كرامي ربّما أحسّ بأنّ وفاة “الهرم” تفتح الباب مجدّداً لسنّيّة لبنانيّة ملوّنة بعروبيّة مستقلّة. صائب سلام أحسّ بأنّ كابوساً زال.
حدثٌ قريب آخر أُثار بعض الارتياح. ففي العام نفسه استولى وزير الدفاع السوريّ حافظ الأسد على السلطة في بلده. أمورٌ عدّة بدت مُطَمْئنةً للعهد الجديد: فالذين أُبعدوا هم متطرّفو البعث، بل مجانينه الذين أوقفوا تدفّق النفط السعوديّ عبر سوريّا إلى لبنان، كما أرسلوا مقاتلي “الصاعقة” إلى العرقوب، ومدّوا الفلاّحين في سهل عكّار بالسلاح. أمّا الأسد فواحدٌ من أولئك الضبّاط العاديّين الذين عرفتهم سوريّا منذ 1949، ينقلبون ثمّ يُنقلَب عليهم، وقد ينشغلون في توطيد سلطتهم “عنّا”. وحتّى لو افترضنا له النجاح، بدت الحصيلة مشجّعة لبنانيّاً: هذا الضابط تكشّف، إبّان الحرب الأهليّة في الأردن، عن عقل أرجح من عقول رفاقه الذين أطاحهم، وعن تفهّم للعلاقات العربيّة والدوليّة لا يُجيدونه. أمّا في داخل سوريّا، فهو يميل إلى مصالحة البورجوازيّة الدمشقيّة التي تربط عائلاتها بـ “العائلات الحاكمة” في لبنان أواصر وصداقات. صائب سلام تحديداً هو صهر إحدى العائلات تلك. وأخيراً، فالأسد تجمعه معرفة وثيقة بالرئيس الجديد سليمان فرنجية، معرفةٌ ترجع إلى لجوء الأخير، أواخر الخمسينات، إلى اللاذقيّة.
“حكومة الشباب”
كما كان متوقّعاً، كلّف فرنجيّة صائب سلام بتشكيل حكومته الأولى، فتشكّلت بوصفها “حكومة الشباب” التي ضمّت أخصائيّين ومهنيّين، مُكلّلين بصاحب جريدة “النهار” ورئيس تحريرها غسّان تويني الذي سيكون صوت الوضع الجديد ومُروِّجه.
والحال أنّ طيّ صفحة الشهابيّة خلّف فراغاً إيديولوجيّاً وإنجازيّاً كان لا بدّ من ملئه. سلام ملأ ما استطاعه بخطوات خطاها على جبهة الحرّيّات، بعضُها سمين وبعضها غثّ واستعراضيّ. فقد فُكّك “المكتب الثاني” جهازيّاً ورمزيّاً، إذ داهم غرفة التنصّت في وزارة الهاتف التي كان يستخدمها الضبّاط فعطّلها. وعلى مدى سنوات ثلاث راحت تنهال العقوبات على أولئك الضبّاط، إبعاداً إلى ملاك وزارة الخارجيّة، وتعييناً لهم ملحقين عسكريّين في الخارج، وتسريحاً من الجيش، على ما حلّ بآخر رؤساء “المكتب الثاني”، غابي لحّود، الذي اعتُقل وأودع ثكنة مرجعيون ستين يوماً. ضبّاطٌ منهم لجأوا إلى سوريّا حاملين معهم وثائق سرّيّة وإضبارات أفادت منها “قوّات الردع العربيّة” حين دخلت إلى لبنان بعد سنوات قليلة. أحد هؤلاء، سامي الخطيب، سُمّي، في 1976، قائداً لتلك القوّات.
لكنْ عهدذاك، في بداية السبعينات، ظهر لبنان في مشهد غير مألوف ينتمي إلى المَشاهد التي تعيشها بلدان تُواجه أنظمة عسكريّة. فيلم “زِد” لكوستا غافراس، الذي خرج إلى الصالات قبل عام على انتخاب فرنجيّة، عُرض في بيروت كما لو أنّه يروي قصّة لبنانيّة.
مواكب صائب سلام باتت حديثاً يوميّاً لسكّان العاصمة. بعضهم رأى فيها “استرداداً للكرامة” البيروتيّة والسنّيّة، وبعضهم رأى فيها “إقلاقاً للراحة” وسلوكاً منتفخاً بعد كبت طويل. لقد أطلق صائب ضجيجاً يشبهه ويشبه ميله إلى العظمة، والعَظَمةُ كثيراً ما تنطق بصوت صاخب. فكيف وقد أراد صاحب الصوت أن يقول لصديقه رئيس الجمهوريّة: أنا شريكك في النصر، إذاً أنا شريكك في السلطة؟
على أيّ حال، كان الرصيد الإجماليّ للتركيبة هذه مضيئاً في حساب الحرّيّة، لكنّه جاء مُعتِماً في حساب المساواة. ذاك أنّ انتخابات 1972 مثّلتْ فعلاً أكثر الانتخابات نزاهة في تاريخ لبنان الحديث. بيد أنّ “الثورة من فوق” التي رفعتْها “حكومة الشباب” شعاراً لها، فاقمت الأسباب التي تحضّ الكثيرين على “ثورة من تحت”. فالحكومة المذكورة بدأت تُصدّعُها استقالات كانت استقالة وزير الصحّة إميل البيطار أبرزها وأشدّها دويّاً، هو الذي شاء التصدّي لاحتكار تجّار الدواء. غسّان تويني وهنري إدّه والياس سابا استقالوا أيضاً لأسباب مشابهة إلى هذا الحدّ أو ذاك.
مشكلاتٌ كتلك كان يستحيل حلّها جِيليّاً أو استعراضيّاً أو على أيدي الأخصّائيّين والمدراء. فحين استقالت الحكومة ثمّ أجريت الانتخابات، جيء بحكومة سلاميّة ثانية يمكن وصفها بالردّة: وجوهٌ ككاظم الخليل وجوزيف السكاف وسليمان العلي ومجيد أرسلان عادوا يتصدّرون المشهد، ومعهم محاولات لإلغاء إنجازات شهابيّة كـ “مجلس الخدمة المدنيّة”.
لقد تبيّن أنّ السياسة في معناها ذاك لم تعد قادرة على مواكبة التحوّلات الاجتماعيّة، وما تستدرجه من مسائل مطلبيّة أو تطرحه من تنظيمٍ على رأسماليّة ذهبت بعيداً في نموّها العشوائيّ. خلال تلك الفترة، 1970-73، تلاحقت الانفجارات الصغرى التي تأدّى عن معظمها سقوط قتلى وجرحى برصاص السلطة: عمّال معمل غندور. مزارعو التبغ في الجنوب. فلاّحو سهل عكّار… والأهمّ، وهو ما سيغدو انفجاراً كبيراً، كان صعود المسألة الشيعيّة التي رُمز إليها بـ “الحرمان”. صائب سلام بدأ يحرّك مسألة سنّيّة عُرفت بـ “المشاركة” في صنع القرار، دعمه فيها سائر السياسيّين السنّة.
ما كان يسرّع التدهور أنّ صورة المزرعة غدت أقوى صور الدولة وأكثرها شيوعاً. زغرتاويّون محسوبون على رئيس الجمهوريّة انتشروا في الإدارات والمؤسّسات، العامّة والخاصّة، كما لو أنّهم ضريبة على كلّ عائد أو ريع. وإلى نيابة توني فرنجيّة الذي حلّ في مقعد أبيه في زغرتا، انتُخب صهر الرئيس، عبد الله الراسي، نائباً عن عكّار. وقبل هذا وبعده، كانت عقليّة سليمان فرنجيّة، التي تكره أدنى تغيير، سبباً لمراوحة عقيمة في المكان نفسه.
هذا كلّه كان قابلاً للعلاج بأكلاف معقولة تُحمَل السلطة والرأسماليّة اللبنانيّة، ببعض الضغط، على دفعها. ما لم يكن قابلاً هو التوفيق بين سيادة الدولة وسيادة المقاومة الفلسطينيّة وتشعّباتها. هزيمة الأخيرة في الأردن، إبّان 1970-71، قذفت بأعداد من المقاتلين الذين وصلوا عبر سوريّا. اتفاقيّة القاهرة، التي سبق أن زُيّنتْ حلاًّ، تبدّى أنّها المشكلة.
… إلى السلاح
بالنسبة إلى الزعماء السنّة، لاح أنّ “المسألة القوميّة” التي كثيراً ما كانت مادّةً لمقايضة الرئيس المارونيّ وانتزاع “الكرامة” منه، معرّضةٌ لأن تتحوّل سبباً لإلحاقٍ لا “كرامة” بعده. ذاك أنّ المقاومة الفلسطينيّة أقرب من عبد الناصر، بل أقرب من سوريّا. إنّها تقيم في داخل الداخل، وتستقطب، بين مَن تستقطب، شبّاناً لبنانيّين كان آباؤهم من أنصار أولئك الزعماء ومؤيّديهم. وهي تُترجم نفسها في سلاح يوزَّع وفي تنظيمات شبابيّة تتناسل، معظمها ناصريّ الواجهة فلسطينيّ الصناعة. ليبيا والعراق، يستثمران أيضاً في المقاومة بلبنان، عبر التوسّع في إنفاق المال والسلاح وتفريخ المزيد من التنظيمات. القبضاي التقليديّ، الذي كان واحداً من أعمدة الزعامة في المدن السنّيّة، أخلى الساحة مُهاناً لـ “المناضل”، “الأخ” أو “الرفيق”، الموصوف بأنّه سيحرّر فلسطين. كمال جنبلاط، حليف منظّمة التحرير، صار صاحب رأي مؤثّر في الزعامة البيروتيّة وفي تقرير مَن هم الأجدر بتمثيل السنّة. هذا ما عُدّ تجرّؤاً، مَحميّاً بالسلاح، على واحدة من قواعد الاشتغال السياسيّ للطائفيّة.
على أنّ نتائج انتخابات 1972، وبسبب نزاهتها، أنذرت ببلوغ الاستقطاب اللبنانيّ حدّاً قد يستعصي على الضبط. فهي مثّلت سائر التناقضات التي يأبى رموزها تحكيم المؤسّسات بينهم، طامحين إلى تحويل البرلمان نفسه حلبة أخرى لصراعهم المُرّ. صحيحٌ أنّ نسبة المهنيّين وذوي التعليم الحديث زادت بين النوّاب، إلاّ أنّ الأهمّ كان انتصار معظم أرباب العصبيّات الريفيّة ممّن جرّوا وراءهم كتلاً كبرى من النوّاب في عدادها مهنيّون ومتعلّمون طيّعون. أمّا بالنسبة إلى سُنّة المدن تحديداً، فأشهرت النتائجُ تلك يقظة على الطوائف غير مسبوقة في علنيّتها: في طرابلس، خرق عبد المجيد الرافعي لائحة كرامي، فتردّد أنّ أصوات المسيحيّين، الذين وجهّهم فرنجيّة بالتصويت للرافعي، كانت وراء فوزه. هكذا رُسم انتصار الطبيب البعثيّ اختراقاً مسيحيّاً وزغرتاويّاً لـ “قلعة السنّة”. في بيروت، فاز عثمان الدنا من لائحة اليافي، فيما فاز سلام ومعه زكي مزبودي وشفيق الوزّان من لائحته. لكنّ الحدث الصارخ كان انتصار الناصريّ المنفرد نجاح واكيم عن مقعد الروم الأرثوذكس. الناطقون بلسان الطائفة الأخيرة رأوا في هذه النتيجة حرماناً لهم من تمثيلٍ يمثّلهم: واكيم، كما قيل، سنّيّ مُقنّع أكثر منه أرثوذكسيّاً: فهو، أوّلاً، ناصريّ، وهذه ليست صنعة الأرثوذكس، ثمّ أنّ الطائفة صوّتت لنسيم مجدلاني أو لمنافسه روجيه عاصي، لكنّها حكماً لم تصوّت له.
وحدها صيدا عبّرت عن ضجر مشروع من 12 سنة قضاها معروف سعد في البرلمان، فأعادت نزيه البزري إليه.
في بيروت وطرابلس انتشر سمّ طائفيّ استوقف بعض النابهين الذين تساءلوا، مشكّكين بالرواية الساذجة عن الطائفيّة: لماذا تقوى هذه “اللعنة” مع كلّ تزايد في نزاهة الانتخابات وفي دقّة النقل لواقع الحال؟
لكنّ النار التي انتظرها الحطب اللبنانيّ ما لبثت أن وصلت. فكما في الهجوم على المطار في 1968، وُجّهت إلى لبنان ضربة إسرائيليّة مُهينة أخرى، أودت بالقادة الفلسطينيّين الثلاثة، أبو يوسف النجّار وكمال عدوان وكمال ناصر، المقيمين في فردان. هكذا انفجرت المواجهة العسكريّة المفتوحة في أيّار 1973، ومعها الأزمة السياسيّة المفتوحة أيضاً التي بدأت باستقالة الحكومة السلاميّة. وتكراراً لما حصل بعد 23 نيسان 1969، قاطع السياسيّون المسلمون رئيس الجمهوريّة والعمليّة السياسيّة برمّتها.
صائب سلام اكتشف أنّ بناء التحالفات السياسيّة العابرة للطوائف مستحيل في ظلّ امتحانات صعبة كهذه. حتّى صداقاتٌ، كصداقته مع فرنجيّة، تغدو مستحيلة أيضاً. هكذا اندفع إلى التشدّد في طلب “المشاركة”، مُعزَّزاً بتأييد القادة المسلمين كلّهم، لا السنّة فحسب. لقد أرادوا تدفيع قائد الجيش، اسكندر غانم، الثمن، وهذا، في حسابات القادة الموارنة، مسٌّ بمحرّمٍ، فضلاً عن كونه لا يعالج المشكلة التي يكمن جذرها في السلاح الفلسطينيّ. أمّا إذا أريدَ تحويل الجيش اللبنانيّ إلى جيش مقاتل، وهذا طبعاً ما لا يريده المسلمون التقليديّون، فهذا يعني تغيير طبيعة لبنان جملةً وتفصيلاً، من دون أن يفضي التغيير إلى انتصار على إسرائيل. لقد انطوت المعركة تلك على قدر بعيد من الكذب.
رشيد كرامي، الذي بدأ يؤرّقه، منذ انهيار الشهابيّة، طول الصحراء التي سيعبرها قبل أن يصل مجدّداً إلى الينابيع، وجد ضالّته: ذاك أنّ فرنجيّة كلّف نائب طرابلس، وعضو كتلته، أمين الحافظ، تشكيل الحكومة. الشابّ المتعلّم والمؤدّب الذي كانه الحافظ بات كبش الفداء المنتظَر. جثّته السياسيّة جُعلت جسراً لعبور “الأفندي” الذي نضح بالعجرفة والتعالي. وبألسنة كثيرة، أعلن كرامي أنّ المسلمين، والطرابلسيّين خصوصاً، ينبذون “سامي الصلح الآخر”، وحذا القادة السنّة حذوه فارضين على الحافظ ما يشبه الحرم الكنسيّ.
رشيد بدا سعيداً بما يفعل. صائب بدا كئيباً. الأوّل كان يطيح نظاماً انقلب عليه. الثاني كان يطيح نظامه الذي أراد تحسين موقعه فيه.
بعدذاك شكّل تقي الدين الصلح ورشيد الصلح حكومتين رافقهما توسّع الانهيار الأمنيّ واحتدام الصراع بين زعماء الطوائف والأحزاب الممثّلين في الحكومة، لا سيّما بيار الجميّل وكمال جنبلاط. في هذا السياق اغتيل معروف سعد في صيدا، يوم 6 آذار (مارس) 1975، فيما كان يقود تظاهرة للصيّادين. الاغتيال كان، ولا يزال، غامضاً، إلاّ أنّ ما كان واضحاً أنّ أجواء المنطقة الحبلى بالتوتّر ستضع وليدها في لبنان. ففي كانون الثاني (يناير) 1974، أنجز هنري كسينجر، وزير الخارجيّة الأميركيّ، اتّفاق فصل القوّات بين مصر وإسرائيل اللتين سبق أن خاضتا حرب أكتوبر 1973. الاتّفاق نفسه مع سوريّا، التي خاضت الحرب نفسها، تأخّر خمسة أشهر عن سابقه المصريّ. لكنّ الخلاف السوريّ – المصريّ الذي ظهر إبّان تلك الحرب، كان أكثر من فارق زمنيّ. لقد ذهب السادات بعيداً في التوافق مع “عزيزه” كسينجر، وصارت مهمّة الأسد الشغبَ على تلك اللعبة التي أحجم عن المشاركة فيها. في هذه الغضون كان يتكشّف أنّ ذاك “الضابط العاديّ” أهمّ مشاغب أنتجته منطقة الشرق الأوسط. لكنْ لأنّ الشغب في الجولان يرتدّ على السلطة في دمشق، خصوصاً وقد وقّعت اتّفاق فصل القوّات، صار لا بدّ من “ساحة” هي التي باتت توصف بـ “الساحة اللبنانيّة”. البداية الدمويّة كانت مع “بوسطة عين الرمّانة” الشهيرة يوم 13 نيسان (أبريل) 1975.

 

(4)

يوم 1 تمّوز (يوليو) 1975 جرت المحاولة الأخيرة التي امتحنت قوّة الزعماء التقليديّين، بمسلميهم ومسيحيّيهم. ففيما المتاريس تتبادل القذائف على مدى جولات حربيّة ثلاث، تشكّلتْ حكومة “إنقاذيّة” رأسها رشيد كرامي وكان أبرز وزرائها كميل شمعون. الأبرياء وكبار السنّ وحدهم صدّقوا أنّ الإنقاذ آتٍ، فهم يذكرون أيّاماً كان فيها شمعون وكرامي وزملاؤهما قادرين على إعلان حرب أو فرض تسوية على متحاربين. لسوء الحظّ، هبّت الريح لمصلحة الأجيال الشابّة، وتواضع اللبنانيّون فتحدّث بعضهم عن “تأثّرنا بجزيرة قبرص المجاورة” التي كانت قد شهدت، قبل عام واحد، حرباً أهليّة وتهجيراً واحتلالاً تركيّاً أعقبه تقسيم أمر واقع.
في الحالات كافّة، لم تحفظ الذاكرة، ولا حفظ الأرشيف، عن تلك الحكومة الكراميّة سوى تعهّدات رئيسها بأنّ “الجولة الرابعة لن تقع”. الجولة تلك وقعت بالطبع، وبعدها تلاحقت جولات سُكّ بنتيجتها ما عُرف بـ “حرب السنتين”.
تلك الحرب أعلنت الأزمة الوجوديّة للزعماء التقليديّين، ولكنْ للسنّة منهم خصوصاً: فمن دون “مسألة قوميّة” يبقون مُستَضعفين في السياسة، يستضعفهم الرؤساء الموارنة. لكنْ مع “المسألة القوميّة”، يخرجون من السياسة كلّيّاً، سيّما وأنّ ممثّلي تلك المسألة، أسمُّوا أنفسهم قوميّين أو يساريّين، أو في وقت لاحق إسلاميّين، لا يقبلون بهم شركاء. إنّهم، على العكس، يستمدّون من العداء لهم علّة وجود ومصدر حماسة. فوق هذا فالذين يحرّكون تلك “المسألة القوميّة”، ويملكون القدرة على استخدامها، قد لا يكونون لبنانيّين وقد لا يكونون سنّة أو بيارتة.
تقي الدين الصلح
تقيّ الدين الصلح، وفقاً للرُواة، ميّز، في بدايات تلك الحرب، بين “المسلمين المقاتلين” الذين يحملون السلاح، و”المسلمين المقتولين” الذين كان هو نفسه واحداً منهم. فهؤلاء الأخيرون نُبذوا وانكفأوا إلى بيوتهم، أو هاجروا، أو تأمّلوا مُحبَطين مدنهم وهي تتعفّن. ذاك أنّ السلطة الفعليّة في تلك المدن والمناطق انتزعها خليط متنافر من التنظيمات الفلسطينيّة وأحزاب “الحركة الوطنيّة” اللبنانيّة التي يتزعّمها كمال جنبلاط، قبل أن تنضمّ إليهم، في أواخر 1976، أجهزة الأمن السوريّة.
لمن الحفرة؟
الصدامات المتكرّرة بين الميليشيات والقوى المسيطرة أساءت إلى المدن في أمنها وعمرانها واقتصادها وطريقة عيشها، فيما امتصّ “جيش لبنان العربيّ”، الذي انشقّ عن الجيش بقيادة الضابط أحمد الخطيب، أعداداً ليست ضئيلة من شبيبة الريف السنّيّ، خصوصاً منهم الشماليّين. ثمّ إنّ “المسلم المقاتل”، الذي بات يحتلّ المجال المدينيّ العامّ، إمّا شيعيّ أو درزيّ أو سنّيّ من الأرياف، لكنّه نادراً ما يكون من سنّة المدن. لقد بدا الزعماء السنّيّون أشبه بكائنات تراجيديّة، يحفرون في الأرض ظانّين أنّ النفق لن يتّسع إلاّ للرئيس المارونيّ، لكنّ يداً لا تلبث أن تمتدّ لتدفعهم، هم تحديداً، إلى داخل الحُفَر التي حفروها.
القوى الفاعلة وضعت في واجهة المدن تنظيمات معظمها ينسب نفسه إلى الناصريّة ويعبّر عن أحياء أو عائلات من شرائح دنيا في الطبقات الوسطى. والحال أنّ ما واجهه التقليديّون لم يكن انقلاباً عسكريّاً، ولا ثورة اجتماعيّة، لكنْ كان فيه شيء من الإثنين، لكنّ الأسوأ أنّ اللسان الذي نطق به “المقاتلون”، كان ذات مرّة، لسان أولئك “المقتولين” أنفسهم. وحتّى حين اتّسع التذمّر، تبعاً لشعور بالفائض الضحويّ، بقيت لغة “المقاتل” تحظى بموافقة “المقتول”. إنّها مقدّس يتشارك الكلّ في تقديسه: هذا كان صحيحاً في ما خصّ تحطيم “الهيمنة المارونيّة” والانتصار لـ “عروبة لبنان” وإنجاز “تحرير فلسطين” وسوى ذلك ممّا لا يتجرّأ على مخالفته الزعماء السنّة إلاّ بكثير من المواربة.
الوضع العربيّ الذي كان يشدّ أزرهم لم يعد كذلك. فمصر باشرت ابتعادها وتراجع تأثيرها بمجرّد انتهاء حرب أكتوبر وتوقيع اتّفاق فصل القوّات، والسعوديّة مضت في تحالفها الذي بدأ إبّان تلك الحرب مع سوريّا، ثمّ وافقت على تحوّل “قوّات الردع العربيّة” قوّاتٍ سوريّةً حصراً. أمّا الوضع الدوليّ فكان أبرزه موافقة الإدارة الأميركيّة، وضمناً إسرائيل، على الدور السوريّ الجديد، المضبوط بدقّة في “خطوط حمراء” تضمن “استقرار المنطقة”.
هكذا رحّب الجميع بالسلم الذي حلّ في 1976، لا لأنّه سلم أمثل، بل لأنّ الحرب باتت زمناً لا يُطاق. لكنّ السلم، كما تبيّن سريعاً، لم يكن أقلّ حربيّة من الحرب ذاتها.
“زعامة” الحصّ
مع تسلّم سليم الحصّ رئاسة الحكومة في عهد الياس سركيس، تبدّى أنّ الحياة السياسيّة البيروتيّة، التي تتيح الفرص للوافدين الجدد، أتاحت فرصة أخرى لموظّف نزيه ولاقتصاديّ صادر عن بيئة اجتماعيّة متواضعة. لكنّ نظرة أدقّ كانت تشي بأنّ الزعامة التي وُلدت للتوّ محكومة سلفاً بأن لا تصير زعامة. فما كان يحصل مع الانتداب الفرنسيّ ثمّ مع العهد الاستقلاليّ الذي انتهى إلى الحرب الأهليّة، كفّ عن الحصول. ذاك أنّ السلطة الفعليّة في بيروت وباقي لبنان تستولي عليها قوّات الردع السوريّة، وببعضها تتصدّق على التنظيمات الفلسطينيّة واللبنانيّة الحليفة. هؤلاء جميعاً لا يطيقون سياسيّين تستهويهم تصوّرات مغايرة لتصوّراتهم، ويخوضون انتخابات قد يفوزون فيها وقد يرسبون، لكنّهم، فوق ذلك، قد يختلفون في منشأ اجتماعيّ أو في تحصيل علميّ.
لقد وُلدت “زعامة” الحصّ برأس مقطوع.
عمليّاً، كان ما تُرك لثنائيّ سركيس – الحصّ قضيّةُ الإعمار وحدها، والإعمارُ ظلّ في النهاية خططاً وأرقاماً باردة لم يتسنّ لها التجريب. لكنْ كلّما كانت تُطرح مسألة سياسيّة تتطلّب غطاء الشرعيّة اللبنانيّة، كان ينشب الخلاف بين الرئيسين فيستنزف واحدهما الثاني. الخلاف هذا سريعاً ما صار صراعاً اتّخذ منحى تصاعديّاً في موازاة التحلّل المتنامي لمجمل الوضع اللبنانيّ.
في 26 نيسان (أبريل) 1982 غضبت بيروت السنّيّة واهتزّت. يومذاك اغتيل الشيخ أحمد عسّاف، إمام مسجد عائشة بكّار، الذي عُرف بحماسته لـ “التعايش المسيحيّ – الإسلاميّ” ومعارضته “الإدارة المدنيّة” التي حاولت “الحركة الوطنيّة” فرضها في بيروت. عسّاف كان اعتبرها عملاً تقسيميّاً.
تلك الجريمة كانت جزءاً من إعداد سيّئ لمواجهة التطوّر الخطير الذي أطلقه الغزو الإسرائيليّ في 6 حزيران (يونيو). ما ضاعف سوءه اشتباكاتٌ كانت تتنقّل بين التنظيمات الفلسطينيّة المسلّحة وحركة “أمل” الشيعيّة: الحياة اليوميّة تردّتْ في بيروت، والقرف والاحتقار صارا سلاح الناس في مواجهة السلاح. القضايا الموصوفة بالقداسة باتت مادّة للسخرية. أمّا في الغرف المغلقة فراح الكثيرون يتهامسون إحساسهم بالحياد والمسافة حيال الغزاة الذين يتقدّمون نحو العاصمة.
لكنّ ما يحصل كان يستدعي حسماً من النوع الذي يفضّل الزعماء السنّة ألاّ يحسموه. فالحصار المحكَم والقصف الشديد لبيروت التي لم يبق فيها سوى 300 ألف نسمة، بدأ يوم 1 آب (أغسطس). فيليب حبيب، المبعوث الرئاسيّ الأميركيّ، ما لبث أن باشر إدارة اللعبة المعقّدة بين الأطراف المعنيّة لإبعاد كأس الدمار عن العاصمة. واشنطن كانت أصلاً ضدّ دخول الإسرائيليّين بيروت، تركّز على إنجاح ما بات يُعرَف، ابتداءً بـ 1 أيلول (سبتمبر)، بـ “مشروع ريغان للسلام”.
قرار الحسم يومذاك فرضته القسوة الإسرائيليّة المعهودة: إمّا التخلّي عن “التضامن القوميّ مع الأخوة الفلسطينيّين” أو تهديم المدينة على رؤوس سكّانها. الأمر لم يعد يحتمل المواربة والمضيّ في التوفيق بين النقائض. حتّى وليد جنبلاط، على رأس “الحركة الوطنيّة” التي كانت لا تزال حيّة تُرزق، أقرّ بضرورة الإذعان. أمّا صائب سلام فصار مَن يتولّى المفاوضة ويعلن القرار. الياس سركيس، رئيس الجمهوريّة، أقرّ له بـ “رئاسة جمهوريّة بيروت”، وفق التعبير الذي استخدمته جريدة “النهار”. شفيق الوزّان، وهو الآخر وافد من بيئة اجتماعيّة متواضعة تولّى رئاسة الحكومة في 1980، بات يقف وراءه.
وهكذا كان: في 25 آب وصلت قوّات المارينز لتأمين إجلاء المسلّحين الفلسطينيّين الذي بدأ في اليوم نفسه. في 30 غادر ياسر عرفات إلى اليونان ومنها إلى المغرب. الوداع كان كبيراً، بل تاريخيّاً، ذُرفت فيه دموع وفيرة وأُطلق فيه رصاص كثير، لكنّ المودّعين كانوا كمن يتمنّى للمُغادر أن يُسعده الله ويُبعده. جنود الجيش السوريّ، الذي أهين في حرب 1982، غادروا أيضاً. الإسرائيليّون هم الذين تولّوا حماية الطريق التي سلكها إلى دمشق.
القرار الصعب
ذاك القرار، رغم ما أحدثه من ارتياح، لم يكن سهلاً. فهو انطوى على شعور بالذنب مردّه العجز عن إنجاد “الأخ”، وربّما غسل اليد من “الأخوّة” بعدما صارت مُكلفة جدّاً. وفي الحالات كافّة، كان هناك جانب عاطفيّ ناشىء عن اكتشاف عقم التاريخ الشخصيّ وعن موت الوهم الذي لازم الزعامات السنّيّة عقوداً بكاملها.
ما جعل العاطفة أكثر التهاباً وإيلاماً أنّ بشير الجميّل كان قد انتُخب رئيساً للجمهوريّة في 21 آب، أي قبل أيّام قليلة على تلك الأحداث القاهرة. في جلسة انتخابه، نال المرشّح الكتائبيّ وقائد الميليشيا المارونيّة 57 صوتاً، لكنّ 14 نائباً سنّيّاً من أصل 19 كانوا قد تغيّبوا عن الجلسة، في عدادهم سلام وكرامي، فيما لم يغب من النوّاب الشيعة سوى 6 من أصل 18. المسلّحون في بيروت الغربيّة أحرقوا بيوت 11 نائباً من الذين انتخبوا بشير. رشيد كرامي أعلن أنّه “سيقطع العلاقات” مع دولة الجميّل إلى الجنوب، معتبراً أنّ انتخابه باطل دستوريّاً لحصوله في ظلّ الاحتلال. صائب سلام، الذي سبق أن استقبل بشير لكنّه بقي يفضّل للرئاسة أخاه أمين أو أباه بيار أو كميل شمعون، حذّر من توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، ثمّ نبّه إلى أنّ الديمقراطيّة اللبنانيّة تتعرّض، بسبب انتخابه، للخطر.
حدثٌ وتصريحٌ لخّصا يومذاك المعضلة الكبرى للزعماء السنّة. أمّا الحدث فأنّ بشير الجميّل ينوي تكليف سليمان العلي برئاسة الحكومة، أي أنّه سيحاول نقل الثقل السنّي إلى الأرياف ممثّلاً بملاّك زراعيّ كهل لم تُنسَب إليه عبارة مفيدة فيما يرى كثيرون أنّ طريقه عُبّدت بالجرائم. سلوك كهذا أوحى بأنّ “الثورة” الاجتماعيّة والسياسيّة التي يطرحها العهد الجديد على السنّة ستكون معاكسة تماماً للثورة التي عرفها جبل لبنان ابتداء بمنتصف القرن التاسع عشر. عند موارنة الجبل، ساد الاتّجاه نحو الأحدث. المطروح على السنّة اتّجاهٌ نحو الأعتق.
وأمّا التصريح فهو ما أدلى به القياديّ الفلسطينيّ صلاح خلف بعد أربعة أيّام على خروجه من بيروت. لقد تفقّد “أبو إياد” البقاع والشمال وزار الرئيسين رشيد كرامي وسليمان فرنجيّة وقال: “قريباً جدّاً نعود إلى بيروت ومنها إلى القدس”. هكذا بدا “الأخ” في غاية السماجة والإحراج لـ “إخوانه” حتّى الأمس القريب.
مذبحة صبرا وشاتيلا، بُعيد مقتل بشير، سكبت على الجرح السنّيّ ملحاً كثيراً. لقد تضامن الشعور الذاتيّ بالعجز مع القرف والقلق والخوف. صارت رئاسة أمين الجميّل تبدو مكسباً وضمانة في آن واحد، خصوصاً وأنّ ياسر عرفات، الخائف على مَن تبقّى من الفلسطينيّين في لبنان، أصدر شهادة إيجابيّة بأمين، شهادةً تخفّف حرج المحرَجين بانتخابه. الولايات المتّحدة ومصر والسعوديّة أيّدته. حتّى سوريّا أوحت أنّها لا تمانع.
في جلسة انتخابه، نال أمين الجميّل 77 صوتاً مقابل ثلاث أوراق بيضاء.
لكنّ الإجماع في برلمان انتُخب قبل عشر سنوات شيء، وتوازنات القوى الفعليّة شيء آخر. فالجميّل، الذي كلّف الوزّان بتشكيل حكومة مرعيّة من صائب سلام، تسلّم بلداً تتنازعه الاحتلالات. أحد الأفعال الأولى لعهده كان الاتّصال بالأميركيّين كي يطلبوا من الإسرائيليّين إزالة حاجز لهم على طريقه إلى القصر الرئاسيّ في بعبدا. الإيرانيّون أيضاً كانوا يدفعون بمدرّبيهم، ثمّ بمسلّحيهم، فضلاً عن المال والسلاح، إلى لبنان الذي جُعل امتداداً لحربهم مع العراق.

 

(5)

كانت الثمانينات مُرّة ومؤلمة على غير صعيد. أمين الجميّل، بوصفه رئيس الجمهوريّة، أراد أن يستحوذ على قدْر من القوّة يناظر قوّة الأطراف الداخليّة والخارجيّة التي تتقاسم المساحة اللبنانيّة. البداية كانت الإمساك بزمام العاصمة، التي لا يكون الحكم حكماً من دونها. الجميّل سريعاً ما ألّب العاصمة عليه. ذاك أنّ أعمال الدهم والخطف والتعذيب حرمت سلطته التعاطف المأمول ومنحتْه لـ “الانتفاضات” اللاحقة على تلك السلطة.
الرواية الرسميّة قالت يومذاك إنّ “الدولة” تنوي تعقّب “البؤر” الخطرة ووضع اليد عليها، وضبطَ مخازن الأسلحة التي خلّفها المسلّحون الفلسطينيّون وراءهم. إلاّ أنّ السلوك هذا بدا، لدى ممارسته، عقاباً جماعيّاً للسكّان. فهو لم يحاول الاستثمار في تجربة المواطنين المؤلمة مع السلاح والمسلّحين، ولم يحاول استشارة القوى المحلّيّة وتكليفها التوسّطَ في عمليّة كهذه، علماً بأنّ السياسة في لبنان لا تقوم إلاّ بالتوسّط مع سلطات ومراتب أهليّة. زاد الطين بلّةً انتشار العتم نتيجة انقطاع الكهرباء المديد. هكذا لم يرتسم الإمساك بالعاصمة شرطاً لقيام دولة ترعى أمن السكّان ومصالحهم. لقد فُسّر بوصفه تعبيراً عن انتصار مسيحيّ على مسلمين مهزومين. حصول ذلك بعد مذبحة صبرا وشاتيلا أكّد للكثيرين أسوأ مخاوفهم.
السلوك هذا، فضلاً عن عجرفته، انطوى على قدر غير ضئيل من الجهل بـ “الدولة” واشتغالها التوافقيّ في لبنان. كانت الفرضيّة الضمنيّة التي استند إليها السلوك المذكور أنّها تعكس إجماعات عميقة وراسخة في المجتمع، وأنّها تستمدّ قوّتها من ذاتها ومن الطلب المتساوي عليها. كلّ التاريخ اللبنانيّ الحديث يدحض فرضيّة كهذه.
“جيش أمين الجميّل يتسلّط على المسلمين” كان العنوان شبه الحقيقيّ، شبه التحريضيّ، الذي رفعته أصوات لم يُرد أصحابها للدولة، أيّة دولة، أن تنهض. الأصوات تلك جاءت من الداخل ومن الخارج معاً، لكنْ غالباً ما بدا الداخل، وهو صاحب المعاناة، صدى للخارج المتفرّج والسينيكيّ. لقد تمنّوا لها أن تخطىء لأنّ خطأها هو البرهان الوحيد على أنّهم مصيبون. غير أنّ السلوك الرسميّ هذا والتنديد به كانا يُحرجان الزعامات السنّيّة التي اختارت التعاون مع العهد الجديد. التأييد الأميركيّ والسعوديّ للعهد بات أقلّ من كافٍ لحفز الزعماء المسلمين على المضيّ في تعاونهم معه.
لقد تكشّف، مرّة أخرى، أنّ فعاليّة الطوائف، لا سيّما حين تجنّ وتتكارهُ، أكبر كثيراً من فعاليّة التشابه الطبقيّ والإيديولوجيّ وما قد يستتبعه من توافق في السياسة الخارجيّة.
مع ذلك راحت الحقيقة التي فرضت نفسها في 1975 تجدّد ظهورها في الثمانينات: إنّ انهيار الدولة في بلد كلبنان، محكومٍ أصلاً، ولحسن الحظّ، بضعف الدولة، ليس قوّةً لأيٍّ من مكوّنات المجتمع. يصحّ هذا خصوصاً في السنّيّة المدينيّة المنزوعة الأظافر. فهي شاهدت “انتفاضة 6 شباط” 1984 فوق “أرضها”، إلاّ أنّها بدت مهيضة الجناح، عاجزة وحائرة بين طرفين لا تثق بأيّ منهما كما تخشاهما معاً.
أحوال طرابلس…
في 1985 عملت تلك الحقيقة على نحو ساطع. فـ “الاتّفاق الثلاثيّ”، الذي عقدته دمشق وأرادت فرضه على بيروت، جاء يلخّص المسيحيّين بإيلي حبيقة، إلاّ أنّه لم يهتمّ حتّى بتلخيص السنّة على ذاك النحو المُهين. لقد اكتفى بإلغائهم. المسلمون، من غير تمييز، مُثّلوا بالزعيم الشيعيّ نبيه برّي والزعيم الدرزيّ وليد جنبلاط.
لكنْ قبل 1985، قدّمت مدينة طرابلس صورة وافية عن واقع الحال. ففي وقت يرقى إلى أواخر 1982، تأسّست “حركة التوحيد الإسلاميّ” نتيجة اندماجٍ بين أربعة فصائل إسلاميّة راديكاليّة كلُّ واحد منها يعبّر عن حيّ شعبيّ أو عدد قليل من الأحياء. حركة التوحيد – التي تزعّمها شيخ متزمّت اسمه سعيد شعبان – كانت من ثمار الثورة الفلسطينيّة بعد مغادرة مقاتليها بيروت وتركّز بعضهم في طرابلس. المال والسلاح اللذان وفّرهما ياسر عرفات تضامنا مع الله الذي استنزله شعبان فأنتجوا الحركة المذكورة. في 1984، أقدم “مجاهدوها” على نزع تمثال عبد الحميد كرامي عند مدخل المدينة الجنوبيّ وأحلّوا محلّه اسم “الله” وعبارة “طرابلس قلعة المسلمين”. رشيد، ابن عبد الحميد، الذي سبق أن أعلن “قطع العلاقات” مع “دولة بشير الجميّل”، أصبح لاجئاً في “دولة الله” الذي انحاز رشيد دائماً إليه. الله، على ما يبدو، كافأه بالانحياز إلى سعيد شعبان. حصل هذا فيما كان كرامي في أمسّ الحاجة إلى عون رفيقه الأعلى.
عوامل ثلاثة كانت تحرّك الخنجر المغروز في الجرح الطرابلسيّ، فيما رشيد صامت يعتصم بحبل الله: الأوّل أنّ المدينة جُعلت ساحةً لحرب مدمّرة بدأت أواخر 1983 بين ياسر عرفات وحافظ الأسد: الأوّل يريد أن يستخدمها القاعدة البديل عن العاصمة، والثاني يريد أن يستكمل ما بدأه الإسرائيليّون بإجلاء المقاتلين الفلسطينيّين عنها بعد إجلائهم عن بيروت. مئات القتلى سقطوا شهراً بعد شهر، وأحياءٌ كاملة في شمال المدينة حُوّلت إلى كرتون، لكنّ نار الأسد صُوّرت نوراً مقذوفاً في صدر شعبان، نوراً ينقله من صفّ المهزومين الفلسطينيّين إلى صفّ المنتصرين السوريّين. أمّا العامل الثاني فأنّ “حركة التوحيد” جايلتْ “حزب الله”، وشاركته دينيّته وأصوليّته والكثير من شعاراته السياسيّة والجهاديّة، إلاّ أنّ الرعاية التي حظي بها الحزب الشيعيّ قابلها الإخضاع الدمويّ للحركة السنّيّة التي سبق لها أن ارتكبت التضامن مع مدينة حماة السوريّة عام 1982. وأمّا الثالث فكان اعتصار المدينة بين باب التبّانة، المنطقة – الرمز لشبيبة سنّيّة غلبت عليها الأصول الريفيّة ثمّ استمالتْها التنظيمات الأصوليّة، ومنطقة جبل محسن المأهولة بسكّان علويّين تعاظم حجمهم ووزنهم في موازاة تنامي الدور السوريّ. في 1980 تشكّل في هذا الوسط “الحزب العربيّ الديمقراطيّ” بقيادة علي عيد، المقرّب يومذاك من رفعت الأسد، شقيق حافظ. في 1986، وبمعونة الحزب المذكور، ارتكب الجيش السوريّ مذبحة أسّست لصدع طرابلسيّ بات رأبه أقرب إلى الاستحالة. التحارب السنّيّ – العلويّ بات مذّاك أحد أهمّ فصول التاريخ الطرابلسيّ.
في هذه الغضون، وفي 30 نيسان (أبريل) 1984، كُلّف رشيد كرامي بتشكيل حكومة جديدة أعقبت إخراج “جيش أمين الجميّل” من بيروت وإلغاء اتّفاقيّة 17 أيّار. اللوحة بدت محزنة جدّاً: الجميّل مطرود من عاصمته وكرامي لاجىء في مدينته. بدا واضحاً أنّ السلطة، بل السلطات، في أمكنة أخرى. في 1 حزيران (يونيو) 1987 اغتيل رشيد بطوّافة عسكريّة. آل كرامي اتّهموا “القوّات اللبنانيّة”، ولا زالوا يتّهمونها. “القوّات اللبنانيّة” اتّهمت وتتّهم الأمن السوريّ.
بيروت وصيدا والآخرون
الطرابلسيّون الآخرون، الذين أدّوا هذا الدور أو ذاك في حياة مدينتهم، عولج بعضهم بالمسدّس والعبوة وبعضهم الآخر بالشمع الأحمر. عبد المجيد الرافعي لجأ إلى العراق في 1983 ولم يعد إلى طرابلس إلاّ بعد إطاحة صدّام حسين عام 2003. بين عودته ووفاته في 2017 انشغل بإصدار البيانات والتصريحات عن “المؤامرة الأميركيّة – الإيرانيّة على العراق”. أمين الحافظ لم يعد يُسمع له صوت منذ تجربته الأليمة في 1973 حين قوطع نظراً لـ “خيانته” الإجماع الإسلاميّ. الحافظ توفّي في 2009.
قادة “الفصائل” و”المحاور” لم ينعموا بنهايات أفضل. فاروق المقدّم لجأ إلى جونيه حيث بقي حتّى وفاته في 1999. في هذه الغضون صار نصيراً متحمّساً لـ “لبنان أوّلاً” ولـ “جيشنا الحبيب” الذي انتفض، هو نفسه، عليه عام 1969. قادة “التوحيد” ومتفرّعاته قُتلوا: عصمت المراد في 1984. خليل عكّاوي في 1986… الذين لم يُقتلوا سُجنوا وعُذّبوا ثمّ بايعوا “سيادة الرئيس القائد حافظ الأسد”.
الطرابلسيّون غير السياسيّين الذين برزوا في هذا الحقل أو ذاك عوقبوا أيضاً: الصحافيّ سليم اللوزي كان الأبكر، إذ خُطف وقُتل على نحو شنيع في 1980. الشيخ صبحي الصالح اغتيل في 1986… “المسألة القوميّة”، في طرابلس، كانت حَرفيّاً من صنف الدسم الذي يقيم فيه السمّ.
أحوال سياسيّي بيروت لم تكن أفضل. في 1985 سقطت قذيفة على منزل صائب سلام لجأ بعدها إلى جنيف. تلك كانت رسالة الاغتيال الثانية. سلام عاد إلى لبنان في 1994 لكنّه لم يلبث أن غادره إلى المدينة السويسريّة التي توفّي فيها عام 2000.
شفيق الوزّان لزم بيته إثر سقوط 17 أيّار. هو أيضاً اتُّهم بما يشبه التّهم التي وُجّهت إلى سامي الصلح وأمين الحافظ. سمّى نفسه “مظلوماً” وكان كذلك. رحل في 1999. عبد الله اليافي كان قد توفّي بصمت في 1986.
المعاناة شملت قادة “الفصائل” و”المحاور” أيضاً: ابراهيم قليلات غادر بيروت إلى أوروبا في 1985 إثر هجوم عسكريّ شنّته باقي الميليشيات عليه وعلى حركته. الأمر بدا يومذاك، لبيروتيّين لم يتعاطفوا قبلاً مع قليلات، تصفيةً شيعيّة – درزيّة مدعومة من سوريّا لموقع سنّيّ. الناصريّ الآخر كمال شاتيلا لجأ إلى القاهرة في 1984 وعاد تائباً في 2000 مكتشفاً فضائل “سيادة الرئيس الدكتور بشّار الأسد”. الفتحاويّ مصطفى الترك لجأ إلى فرنسا…
الحدث الأهمّ حصل في 1989: مفتي الجمهوريّة الشيخ حسن خالد اغتيل أيضاً. إحدى الروايات التي شاعت تقول إنّه اصطدم، قبيل اغتياله، بنائب الرئيس السوريّ يومذاك، عبد الحليم خدّام. كان موضوع المشادّة مدينة طرابلس وكيفيّة التعامل معها.
في صيدا اختلفت التجربة بفعل موقع المدينة، ولكون حدثها ذا وقع إسرائيليّ أكثر منه سوريّاً. في 1985، انسحب منها الإسرائيليّون، لكنّ الجيش والسلطة اللبنانيّين مُنعا من التوجّه إليها، على رغم إلغاء 17 أيّار. إنّهما “انعزاليّان”. هكذا بقي التحرير نصف تحرير لأنّه لم يُفض إلى ارتباطٍ بالمركز الوطنيّ. الفراغ الذي تركته إسرائيل ولم تملأه الدولة اللبنانيّة ملأته فوضى الميليشيات على أنواعها. في مقابل “الانعزاليّة” قُدّمت صورة باهرة عن “الوحدويّة”. أمّا الصراع مع “القوّات اللبنانيّة” في شرق صيدا فأضفى على تلك الفوضى لوناً طائفيّاً حادّاً.
المهندس مصطفى سعد، الذي سبق أن ورث أباه معروف منذ اغتياله في 1975، بات ما يشبه الرمز للسياسات المقاوِمة للإسرائيليّين ثمّ للارتباط بمركز وطنيّ. لكنّ مهنة المقاومة كانت قد تحوّلت، في تلك الغضون، إلى مهنة شيعيّة. دور مصطفى صار أقرب إلى وظيفة فولكلوريّة، إذ الفعاليّة حكر على “حزب الله”. لقد بات سعد “أهمّ” “الحلفاء” السنّة للحزب المذكور. في 1995 نجا من محاولة اغتيال، لكنّها شوّهته وأضعفته. توفّي في 2002، فحلّ محلّه، في الزعامة وفي قيادة “التنظيم الشعبيّ الناصريّ”، شقيقه أسامة. لكنْ كي يبقى آل سعد ديكوراً سنّيّاً للمقاومة الشيعيّة، كان لا بدّ من ضوابط وكوابح. “حزب الله” أنشأ “سرايا المقاومة” ميليشيا تابعةً له، ومنذ 1982 كان قد أسّس “تجمّع العلماء المسلمين” واضعاً على رأسه شيخاً صيداويّاً “ما بعد كولونياليّ” يؤمن بأنّ الإسلام عاش واحداً لمواجهة إسرائيل والإمبرياليّة، فيما التاريخ منذ سقيفة بن ساعدة لزوم ما لا يلزم. اسم الشيخ ماهر حمّود.
في المقابل، تراجع دور نزيه البزري، منذ “حرب السنتين”، إلى الصفّين الثاني والثالث. البزري ليس ممّن يقاتلون. إنّه أحد “المسلمين المقتولين”.
الريف السنّيّ لم يكن بعيداً عن الوجهة هذه: ناظم القادري، أبرز زعماء البقاع الغربيّ حينذاك، اغتيل في 1989. في عكّار، حصل التحوّل الأبرز: آل المرعبي، الذين احتكروا التمثيل السنّيّ حتّى حرب السنتين، أُخرجوا من السياسة. ما ساعد على ذلك تفتّت ملكيّاتهم وتنازع أجبابهم وعجزهم عن تقديم وجوه مقنعة تواكب التحوّلات ولو شكلاً. مرعبيٌّ أو اثنان نجحا في استرضاء ضابط الأمن السوريّ واحتلال موقع ثانويّ في سلّم الوجاهة. ذلك لم يكن على الإطلاق “ثورة اجتماعيّة” تُحلّ محلّ “البك” أبناء فلاّحين أو ممثّلين لمهن وكفاءات حديثة. مَن حلّوا محلّ “البك” كانوا رؤساء عشائر تقيم قريباً من الحدود اللبنانيّة – السوريّة. بعضهم يعمل في التهريب وبعضهم في تجارة المواشي.

(6)

بُعيد إجلاء المقاتلين الفلسطينيّين في 1982، نشرت الصحف اللبنانيّة الخبر التالي: “أعلن الرئيس صائب سلام أنّ عمليّات رفع الأنقاض وتنظيف مدينة بيروت بدأت بعدما توفّرت الآليات واليد العاملة، وذلك بمساعدة رجل الأعمال رفيق الحريري”.
الاسم لم يكن معروفاً إلاّ على نطاق ضيّق. لاحقاً مرّ ذكره مرّاتٍ، إمّا بوصفه “رجل أعمال” و”فاعل خير” أو كـ “مشارك في وساطات” و”ناقل رسائل” من الرياض وبيروت وإليهما. في أواخر 1983، وإلى جانب الأمير السعوديّ بندر بن سلطان، ساهم في التحضير لمؤتمر جنيف اللبنانيّ. إبّان 1985، مع “الاتّفاق الثلاثيّ”، ذُكر بوصفه أحد العرّابين عن بُعد. في السنة الأخيرة من عهد أمين الجميّل، كان واحداً من الساعين، باسم الرياض، إلى ترطيب العلاقة بين بيروت ودمشق.
حركة الحريري كانت دائماً تستعجل السلام، أيّ سلام، معلنةً أنّ صاحبها يسخّر لذاك الهدف “كلّ ما في وسعه من إمكانات وعلاقات”.
السلام عاندَ وتأخّر حتّى “اتّفاق الطائف” في 1991.
باني القصور
الاتّفاق المذكور، الذي شارك رفيق الحريري في كواليسه، سبقته حروب أوحت بأنّ الخراب بات عامّاً وشاملاً: شيعة ضدّ شيعة، وشيعة ضدّ فلسطينيّين، ومسيحيّون ضدّ مسيحيّين، ومسيحيّون ضدّ سوريّين…، والمخلّص لا يأتي إلاّ حين يعمّ الخراب.
ابن عائلة المزارعين المتواضعي الحال في صيدا، والشابّ الذي انتسب إلى “حركة القوميّين العرب”، فيما درس المحاسبة في الجامعة العربيّة ببيروت، حطّ في السعوديّة. آنذاك كانت أسعار النفط تشهد انفجارها المدوّي وتتيح فرص الثراء لمقيمين ووافدين. مَن يبني يجني، والمقاول الصغير رفيق الحريري أنجدته الحظوظ والشطارة فحوّلتْه مقاولاً كبيراً. لقد صار، بسبب بنائه القصور الملكيّة والأميريّة، مليارديراً، ووفقاً لنظام التكريم السعوديّ، صار “شيخاً” أيضاً.
التوافقان السعوديّ – السوريّ والسوريّ – الأميركيّ، في حرب تحرير الكويت وفي الطائف، شقّا طريقه إلى قلب السياسة اللبنانيّة. مؤتمر مدريد للسلام في 1991، حيث شاركت سوريّا، أوحى بأنّ طرقاً كثيرة سوف تتفرّع عن تلك الطريق، وكلّها ستكون معبّدة، إذ السلام وحده يلوح في أفق المنطقة، فيما الجميع مسالمون. انهيار المعسكر السوفياتيّ رفع القناعة إلى يقين.
الحريري اشترى أملاكاً وقصوراً ووزّع أموالاً وعلّم طلاّباً بالآلاف، كما وطّد علاقات مع مشاهير النفوذ والمال في العالم، كان أبرزها الصلة بجاك شيراك، رئيس الحكومة الفرنسيّة حتّى 1988 ثمّ رئيس الجمهوريّة منذ 1995. هكذا تبدّى، قبل أن يطأ السياسة، مشروعَ دولةٍ موازية لها قَدَم في الخدمات الداخليّة وقَدَم في العلاقات الخارجيّة.
شيء آخر هبّت رياحه لمصلحة الحريري: ظَفَرُ النيوليبراليّة الاقتصاديّة التي تُقلّص دور الدولة وقد تُعدمه. تعاليم ميلتون فريدمان وفريدريك هايك وسواهما من رموز “مدرسة شيكاغو” بدأت تحرز مكاسب فعليّة. إنّها الدين الجديد. في 1973، بعد انقلاب أوغَستو بينوشيه، أخذت تشيلي بتلك التعاليم. في 1976، نال فريدمان جائزة نوبل للاقتصاد… مع مارغريت ثاتشر في بريطانيا، ورونالد ريغان في الولايات المتّحدة، أَعلنت الثمانينات نصراً مؤزّراً للمدرسة تلك.
باني القصور الحجريّة في بلده الثاني ربّما تراءى له أن يبني قصراً للأحلام في بلده الأوّل. الفرصة لاحت في 1992، مع تكليفه تشكيل الحكومة. فكرة الخلاص كرّسها حدث آخر لم يكن بريئاً تماماً: في أواسط ذاك العام راحت تتداعى العملة الوطنيّة فيما انفجرت احتجاجات اجتماعيّة في وجه حكومة عمر كرامي. الاحتجاجات أسقطت الحكومة. سيّد العملة هو وحده مَن ينقذ العملة.
شيء يشبه الانقلاب بدأ يحصل، إلاّ أنّ قائد الانقلاب لم يكن، هذه المرّة، ضابطاً. إنّه مدنيّ يرمز إلى جِدّة فائضة ومطلقة تقطع مع كلّ ماضٍ: قبله العدم ومعه الفردوس على الأرض. المدينة، عبر “سوليدير”، أريد لها أن تنبثق من رأس رجل. القطاع الخاصّ بات يمارس التأميم. العالم، بعد عزلة الحرب، صُوّر مدى حيويّاً مفتوحاً للمبادرة. بيروت لم تعد المكان الذي يُخطَف فيه الأجانب. إنّها مدينة الأذرع المفتوحة. القيم القديمة آن لها أن تفسح المجال لقيمة وحيدة هي المال مصحوباً بخرافات كثيرة عن عمل الخير وحبّ الفقراء. أمّا السياسة فباتت فنّ الاقتلاع، تعمل كالجرّافات في وُرش البناء الحريريّة… لقد ساد لون من الداروينيّة يقول إنّ البقاء للأصلح، وهو حُكماً الأصلح.
مفهوم الثراء تغيّر: أصفار كثيرة أضيفت إلى الأرقام التي كانت تصف “المال القديم” وأغنياءً قدامى كحسين العويني أو إميل بستاني أو نجيب صالحة. مفهوم الزعامة تغيّر: “المفاتيح الانتخابيّة” لم تعد مخاتير ووجهاء فحسب. لقد تعاظم دور العواصم والمؤتمرات الدوليّة والتغطيات الإعلاميّة وشاشات التلفزيون بوصفها “مفاتيح”.
من حيث المبدأ، لم يكن سيّئاً أن تضمّ السياسة إلى صفوفها رجال أعمال “ناجحين” و”عصاميّين”. فأن يكون “البطل” رجل الأعمال أفضلُ من أن تُناط البطولة بعسكريٍّ طامح أو برجل دين متوتّر. هؤلاء يتّجهون بنا إلى الحروب والكوارث والطغيان. هو، إلى السلام والمصالح المشتركة والحرّيّة. لكنّ ابتلاع الأعمال للسياسة وللقيم يهدّد بإفساد يتعدّى اليوم إلى كلّ يوم. والعالم، في التسعينات، أطلق تيّارات تجاورتْ وإن تبيّن لاحقاً أنّها لم تتجانس. فنهاية الحرب الباردة أحدثت انتقالاً واسعاً إلى الديمقراطيّة في آسيا وأميركا اللاتينيّة، كما وفّرت حلولاً وتسويات لبضع أزمات قاهرة في العالم. بيد أنّ واحداً من تلك التيّارات قضى بتحوّل الفساد إلى عقيدة فاضلة. الإيطاليّ سيلفيو بيرلسكوني كان أبرز “العقائديّين” الجدد.
توحيد السنّة
بدورها، تراوحت العلاقات السعوديّة – السوريّة في التسعينات بين الدفء والحرارة. هذا ما كان شرطاً شارطاً لدور الحريري السياسيّ، وأوّلُه وضع اليد على الطائفة السنّيّة. فهو الذي أنهى البعثرة والتشتّت داخلها: بين زعامات مدنها الثلاث من جهة، وبين زعاماتها المدينيّة والريفيّة من جهة أخرى. هذه الوحدة في وسعها أن تُمأسس الطائفة المذكورة لبنانيّاً على نحو لا يستطيعه الالتفاف حول “المصريّ” جمال عبد الناصر أو “الفلسطينيّ” ياسر عرفات.
في مواجهة هذه الديناميّة، ظهر منافسوه عاديّين وأبرشيّين وبطيئين. لقد كانوا مضطرّين أن يستعينوا، في النهار وفي الليل، بالنظام السوريّ وأجهزته، كي يُديموا زعامة تزحل قاعدتها الشعبيّة نحو الحريري. عمر كرامي، الذي لم يُنسَب إليه قول أو عمل يبرّران وراثته لأخيه رشيد، بدا كما لو أنّ السياسة استعارتْه من الغبار والقِدَم. سليم الحصّ، الرجل والسياسيّ المحترم، بات بين فينة وأخرى يعود إلى صبا لا يتصابى به عاقل مُجرّب، كالمساهمة في ندوات ومؤتمرات حول الوحدة والقوميّة العربيّتين أو تطيير برقيّات بهذا المعنى. رشيد الصلح اندثر سياسيّاً منذ 1992، حين انتُخب نائباً للمرّة الأخيرة. أمّا صائب سلام فبدت إقامته في سويسرا مريحة له وللحريري معاً. لقد دعاه في 1994 إلى الاحتفال بافتتاح “سوليدير” كمن يطلب توقيعاً لا يزال ناقصاً لإتمام الصفقة. سلام هنّأ بالمشروع ثمّ قفل عائداً إلى جنيف.
هو البدء إذاً، يستطيع أن يزعم لنفسه هذا الامتياز مُشيراً بتعالٍ إلى سابقيه في الزعامة: مَن لم ينته سياسيّاً مات جسديّاً ومَن لم يمت انتهى. إنّه وحده زعيم بيروت. أخته بهيّة زعيمة صيدا. لا سعد هناك ولا بزري. بعض وجهاء الحريريّة الجدد صاروا من زعماء طرابلس. الذين انشرحت صدورهم بالدعوة الجديدة كثيرون: مفتي الجمهوريّة بات موظّفاً لديه. “ناصريٌّ” كمحمّد قبّاني صار حريريّاً. “ماركسيٌّ” كمحمّد كشلي صار كذلك. أحمد فتفت. محمّد الحجّار. خالد الضاهر… صاروا من زعماء الريف السنّيّ. بعضهم جاء من زعامة محلّيّة انعطف بها إلى الحريريّة وصبّها فيها. بعضهم وُلد من صفر.
الحريري تمدّد أيضاً إلى طوائف أخرى. صار هناك، على أطراف تلك الطوائف وهوامشها، حريريّون مسيحيّون وحريريّون شيعة. هذه كانت تقليديّاً من “مواهب” الرئيس المارونيّ وحده.
الحريري عصف بعالم قديم ومتعب وفقير خارجٍ من حرب كادت تجعله قاعاً صفصفاً.
ماذا تريد دمشق؟
سوريّا باركت. حضوره في الحياة السياسيّة لـ “خاصرتها” اللبنانيّة يستحضر التوافق مع السعوديّة ومع البلدان الغربيّة، كما يستحضر الهبات الماليّة والوساطات التي تخفّف النقمة على نظام مكروه في العالم. لكنّه أيضاً يمتصّ أزمات داخليّة يتملّص نظام الوصاية من مسؤوليّته عنها، كما يمتصّ، بالطفرة التي يُحدثها، فائض العمالة السوريّة التي طردها اقتصاد رثّ متآكل. لكنّ حضور الحريري يرتّب، في المقابل، أكلافاً يُستحسَن عدم دفعها. تعويله على السلم في المنطقة، ومرجعيّته السعوديّة، وغربيّة علاقاته، هي ما ترغب فيه دمشق بالحدّ الأدنى القابل للتوظيف والاستخدام. الحريري يذهب فيها كلّها إلى حدّ أقصى يوحي برغبة في توظيف الموقع السوريّ واستخدامه. سنيّته “الفائقة” ليست موضع ترحيب، سيّما وقد باتت بيئات سنّيّة وراء الحدود ترى فيه بطلاً ونجماً. لبنانيّته، بدورها، قد تنبت لها أنياب تحوّلها إلى صداع دمشقيّ فيما لو تغيّرت توازنات في الخارج.
على العموم، امتلك الحريري شروطاً للاستقلاليّة لا يحبّها الأوصياء في الموصى عليهم.
هكذا نُصبت على طريقه حواجز عدّة تبطّىء سيره أو تعيقه. داخل طائفته، قاسمه الأمن السوريّ النوّابَ الذين يُفترض أنّهم “حصّته”، فارضاً عليه بعض مَن اطمأنّ إلى إذعانهم الكامل. اللغة الإعلاميّة اللبنانيّة سكّت تعبير “الودائع” في وصف هذه الحال. الأمنيّون، السوريّون واللبنانيّون إيّاهم، شجّعوا وسلّحوا تنظيمات مناوئة له كـ “الأحباش”، ساورهم وهم إحلالهم في دار الفتوى. وهم بالطبع استعانوا بما تبقّى من أنفاس لم يلفظها عمر كرامي وسليم الحصّ ولوّحوا بها كفزّاعات.
وعلى الهامش، حرّكوا في وجهه المسألة الاجتماعيّة وبعض الذين نهبهم مشروع الوسط التجاريّ. فالحريري يعادل “الرأسماليّة المتوحّشة” التي كانت، في الوقت نفسه، تُهدي الضبّاط السوريّين السيّارات وتُمطرهم هدايا. الدَين العامّ، حين يكون الحريري مصدره، مذموم، وهو يستحقّ الذمّ، فيما الدين العامّ الذي يتسبّب به الجيش، المصنوع سوريّاً، محمود. داخل الحكومات التي شكّلها الحريري، وُجدت على الدوام كتلة مشاغبة قادها في السنوات الأخيرة، بكفاءة متدنّية، نائب رئيس الحكومة الأرثوذكسيّ عصام فارس. قبلذاك، في عهد الياس الهراوي الممدّد، استُخدمت “الترويكا” لتفتيت السلطة اللبنانيّة عموماً، ولتفتيت سلطته خصوصاً ما دام أكثرَ الرؤساء الثلاثة رئاسيّة. لكنْ مع إميل لحّود منذ فرضه رئيساً في 1998، استُلّت في وجهه حساسيّة مسيحيّة كان المُفارق أنّ لحّود، عديم التمثيل، لا يمثّلها. لقد اجتمع في الحساسيّة هذه الاعتراض على الفساد والحسد من أدوار الحريري، في الداخل والخارج، التي كانت تقليديّاً أدواراً مسيحيّة. زاد في الاحتقان المسيحيّ أنّه كان يزدهر وينتعش فيما المسيحيّون مهمّشون، يتوزّع قادتهم بين المنافي والسجون.
وباستثناءات قليلة، ظلّت مواجهة الحريري عملاً موظّفاً بدقّة: بين 1996 و1998، مثلاً، تحرّكت عاصفة المطالب الاجتماعيّة التي تبيّن أنّ هدفها إيصال لحّود إلى الرئاسة، تماماً كما تأدّت عاصفة 1992 إلى إيصال الحريري إلى رئاسة الحكومة. هذه هي حدود المسائل الاجتماعيّة على ما يبدو.
لحّود، بعد تسلّمه الرئاسة، كلّف سليم الحصّ برئاسة الحكومة التي كان أبرز أفعالها الشكوى من “التركة الحريريّة”. حِكمتُها كانت أنْ “ليس بالإمكان أحسن ممّا كان”. انتخابات 2000، ورغماً عن أماني رئيس الجمهوريّة، أعادت الحريري إلى رئاسة الحكومة، لكنّ ثنائيّ لحّود – الحريري وُلد وظلّ انفجاريّاً. أحد المولعين بالعبارات التي تغدو مأثورات وصف المشكلة اللبنانيّة يومذاك بـ “كرش الحريري الذي ينبغي أن يصغر وعقل لحّود الذي ينبغي أن يكبر”. لقد طلب المستحيلين.
المعارضة الشيعيّة
الأهمّ كان الحاجز الشيعيّ الذي نصبه “حزب الله”. المقاومة التي اختصّ بها الحزب لا يناسبها الإعمار الذي اختصّ به الحريري، والعكس بالعكس. التنازعان السنّيّ – الشيعيّ والسعوديّ – الإيرانيّ جعلا عدم التناسُب تناقضاً يلحّ على الحسم.
تجربة التوسّط الحريريّة، وذروتها “تفاهم نيسان” في 1996، بات من شبه المستحيل أن تتكرّر عام 2000. حينذاك، وبسبب تراجع فرص السلام واغتيال اسحق رابين في 1995، التقط الجميع أنفاسهم وراحوا يراقبون المعادلات الجديدة التي قد تنشأ. في 2000 تجمّعت استقطابات لا تحتمل التوسّط: حافظ الأسد مات وحلّ محلّه ابنه بشّار. الانتفاضة الثانية نشبت في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة بعد انهيار كامب ديفيد للسلام الفلسطينيّ – الإسرائيليّ. الإسرائيليّون انسحبوا من لبنان وما لبث المسيحيّون والدروز، من خلال مصالحة الجبل ثمّ، في 2001، لقاء قرنة شهوان، أن أبدوا برمهم ببقاء الجيش السوريّ. الحريري، المتعاطف ضمناً مع رغبات المسيحيّين والدروز، بات رئيس الحكومة الذي يقابله في رئاسة الجمهوريّة كارهه ومكروهه إميل لحّود.
الأمور ازدادت ميلاً إلى التصعيد: في 2003 كانت الحرب الأميركيّة في العراق. في 2004 كانت انتفاضة القامشلي وقرار الأمم المتّحدة الرقم 1559 الذي يدعو إلى خروج القوّات الأجنبيّة من لبنان ونزع سلاح المليشيات فيه. سوريّا و”حزب الله” أحسّا بأنّ “المؤامرة” عليهما صارت على أبوابهما. أحد الردود كان التمديد للحّود. في هذا الإطار تمّ اللقاء الشهير بين بشّار الأسد والحريري كما استقال الأخير وودّع “الوطنَ الحبيب”. الردّ الآخر كان اغتياله الفظيع بمتفجّرة زنتها 1800 كلغ.
في ذاك اليوم الرهيب قُطع الشكّ باليقين: مسموح لزعيم مسيحيّ أن يناهض سوريّا، لكنْ من غير المسموح لزعيم سنّي أن يفعل ذلك. مناهضة الأوّل “الانعزاليّ” شهادة أخرى لـ “عروبتها”. مناهضة الثاني شهادة عليها. قصر الأحلام يغدو، والحال هذه، قصراً من رمل مخلوط بدم كثير.

(7)

الجريمة التي أودت برفيق الحريري يوم 14 شباط 2005، قتلت أيضاً أكثر من عشرين ضحيّة، في عدادهم الاقتصاديّ والوزير السابق باسل فليحان. لقد شكّلت نوعاً من الموت التأسيسيّ الذي كثيراً ما نهضت عليه أحزاب وأديان ومعتقدات في التاريخ. وبالفعل وُلدت حكاية تقرن التفجّع واللطم بسرد مسهب لوقائع الغدر والنذالة والخيانة التي سبقت الجريمة أو مهّدت لها. كان هناك أكثر من يَزيد وأكثر من يهوذا ومن بروتوس. الأسماء التي ردّدتها الألسنة امتدّت من مدير الأمن العامّ جميل السيّد إلى رئيس الجمهوريّة إميل لحّود، ومن رئيس الجمهوريّة الآخر بشّار الأسد إلى حكومة عمر كرامي ومعظم وزرائها ذوي الهوى الأسديّ. هذا قبل أن يضاف “حزب الله” وأمينه العامّ حسن نصر الله إلى اللائحة.

لكنّ سعد الحريري، الشابّ الدمث الذي ورث أباه في السياسة، لم يكن مؤهّلاً لذاك الإرث الثقيل. لقد عاش معظم سنواته حتّى ذاك الحين خارج لبنان، وكادت علاقاته تقتصر على رجال أعمال وطامحين لأن يصبحوا رجال أعمال. وعلى عكس والده الذي عانى الفقر قبل أن يجني الثروة، كما انتسب إلى حزب سياسيّ وتعصّبَ لزعامات محلّيّة، لم يعرف سعد هذا كلّه. النصر والهزيمة لديه هما ما يحصل في العقارات والبورصة، والتعب هو ما قد ينجم عن إسراف في ممارسة رياضةٍ مُجهِدة ما.

وإذ ترك افتقار الحريري النجل إلى المواصفات المطلوبة فراغاً قياديّاً لدى القوى التي باتت تُعرف بـ “14 آذار”، تولّى وليد جنبلاط سدّ الفراغ بطريقة عشوائيّة يصعب التكهّن بها. لكنّ الأوضاع المحيطة كانت، بفعل استثنائيّتها، تلحّ على طلب المؤهّلات الاستثنائيّة. الطلب على الجِديّ كان يفوق العرض بلا قياس. ذاك أنّه بموجب توازنات القوى وحركتها في المنطقة، انتهى التقاطع السوريّ – السعوديّ – الأميركيّ حول لبنان، كما رفع بشّار الأسد سويّة التحالف مع إيران إلى تطابق. وبانسحاب الجيش السوريّ، صار “حزب الله” فصيل الصدام الأساسيّ المقابل، مع ما يعنيه ذلك على جبهتين: جبهة العلاقات السنّيّة – الشيعيّة وجبهة الكلفة الدمويّة المباشرة لأيّ نزاع سياسيّ.

وفيما تولّى فؤاد السنيورة، أقرب المقرّبين إلى رفيق الحريري ووزير ماليّته المفضّل، رئاسة الحكومة، بعد حكومة عمر كرامي التي لطّختها الجريمة، شنّ “حزب الله” حربه في تمّوز (يوليو) 2006 بعد خطفه جنديّين إسرائيليّين. لقد كانت الحرب أقصر طرق الردّ على المستجدّات التي توّجتْها انتخابات 2005، حيث تحقّق انتصار بارز لقوى “14 آذار”. غير أنّ الردّ استهدف أساساً استعادة الأجندة السياسيّة التي بدا أنّ اغتيال الحريري يطويها: فالمواجهات “المصيريّة” و”المقدّسة” أخلت مكانها لمسائل العدالة والاستقلال والحرّيّة حيال الأنظمة الأمنيّة، وبات النظام السوريّ يحتلّ حصّة مرموقة من “العداوة” التي طالما احتكرتها إسرائيل وحدها.

مع هذا، كانت القضيّة القديمة، التي يتزعّم الدفاعَ عنها رجل دين هو حسن نصر الله، أشدّ استخداماً لوسائل وسياسات حديثة، بما فيها القتل والاغتيال، من القضيّة الحديثة التي لم تجد في خدمتها إلاّ وسائل قديمة.

17 أيّار الثاني

قبل إعلان “النصر الإلهيّ” في حرب 2006 وبعده، تعدّدت الأشكال المستَخدَمة في إحباط المستجدّات التي أطلقها اغتيال الحريري، لا سيّما منها إنشاء محكمة دوليّة للنظر في جريمة الاغتيال.

في مواجهة المحكمة، ولإضعاف حكومة السنيورة التي تبنّت إنشاءها وتمويلها، انطلق مسلسل اغتيالات طال سياسيّين وصحافيّين ودبّ الرعب في أوصال المعارضين لـ “حزب الله” والنظام السوريّ. وفي أواخر 2006 بوشر الاعتصام المديد ضدّ حكومة السنيورة، بنصب الخيم في الوسط التجاريّ وسط تهديدات متواصلة بإحراق ذاك الوسط أو هدمه على رؤوس ناسه. لكنْ لئن صُوّرت المحكمة الدوليّة مثلما صُوّرت اتّفاقيّة 17 أيّار قبل أكثر من عشرين عاماً، ولئن عُبّىء ضدّها مثلما عُبّىء ضدّ الاتّفاقيّة المذكورة، آثرت قيادة 14 آذار أن تتذاكى بشهود الزور الذين أساؤوا إلى قضيّتها بقدر ما خدموا خصومها. لقد خاض الأخيرون حرباً كبرى واجهها مؤيّدو المحكمة بخفّة بالغة. في جانب استُحضرت السيادة مقابل التدخّل، والوطنيّة مقابل العمالة، والعروبة والإسلام مقابل إسرائيل والإمبرياليّة، وهي كلّها مفاهيم من النوع الثقيل القاتل والطالع من ذاكرة كهلة، وفي جانب آخر هبّ الزجل والبديهيّات الوطنيّة البريئة.

في هذه الغضون بدّدت 14 آذار بعض انتصارها الانتخابيّ بإنشاء “التحالف الرباعيّ” مع “أمل” و”حزب الله”، دافعةً ميشال عون إلى “تفاهم مار مخايل” مع نصر الله وحزبه، فضلاً عن تنفيرها الـ 14 آذاريّين الشيعة ممّن شعروا بالخيانة والتخلّي. هكذا انتقلت كتلة مسيحيّة ضخمة من السكّان من صفّ الحريري إلى صفّ “حزب الله”، بينما أصاب الفتور واللامبالاة كتلة شيعيّة صغرى.

وشُنّت على حكومة السنيورة هجمات متتالية ومتصاعدة. في داخلها استقال الوزراء الشيعة ثمّ تبعهم وزراء عون، ما أدّى إلى سقوطها. أمّا في خارجها فشهدت شوارع بيروتيّة صدامات متنقّلة بين شبّان سنّة وشيعة، أحاط بها مناخ الحرب الأهليّة التي اندلعت في العراق بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريّين في سامرّاء عام 2006. “حزب الله”، على هوامش ذاك التوتّر، لم يقتصد في التذكير، تلميحاً وتصريحاً، بتفوّقه السلاحيّ الصارخ وفي استعراضه اليوميّ لفائض قوّته. هكذا بات الموقف الجذريّ من الحزب المذكور، بل من الطائفة الشيعيّة، المكوّن الأهمّ للزعامة السنّيّة.

والسلاح ما لبث أن استُخدم فعلاً، فكان الهجوم على بيروت في ربيع 2008، والذي تأدّى عنه انعقاد مؤتمر الدوحة والتسوية التي قضت بانتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للجمهوريّة. كذلك فُكّكت الخيم وأنهي الاعتصام في الوسط التجاريّ كما أوقفت الاغتيالات بقدرة قادر. لقد جاء وقف القتل برهاناً آخر على هويّة القاتل.

لكنّ الدوحة لم تكن تسوية. كانت مقدّمة لاستسلام لم تخفّف منه النظريّة السعوديّة والخليجيّة بالانفتاح على سوريّا الأسد مقابل ابتعادها عن إيران. والحال أنّ الرئيس السوريّ لم يبتعد عن إيران بل استُقبل في فرنسا، لكنّ جنبلاط ابتعد عن 14 آذار وزار دمشق التي زارها أيضاً الحريري مرّتين. هذه الزيارات انطوت على إذلال فاق ما أنزله اقتحام بيروت بالزعيمين.

بيد أنّ الهجوم على العاصمة أدّى إلى نتائج أخرى. ذاك أنّ التكتّل، الذي كان لا يزال يحمل اسم 14 آذار، حقّق انتصاراً انتخابيّاً ثانياً في 2009. يومذاك جمع التصويتُ السنّيّ بين شعور حادّ بالغضب وشعور حادّ بالعجز الذي لا يُزيل أسباب الغضب. هكذا كُلّف سعد الحريري تشكيل حكومته الأولى التي اجتمع فيها الشعوران الحادّان، بعدما أعاقتها شروط العونيّين، مؤدّية إلى اعتذاره قبل إعادة تكليفه. لكنْ بعد استقالات من الحكومة استبَقَت صدور القرار الظنّيّ بجريمة الاغتيال، تقدّم “حزب الله” وحلفاؤه خطوة أخرى لإسقاط الحريري في الشارع من خلال استعراض “القمصان السود” الشهير. حصل ذلك في مطالع 2011 حين كان رئيس الحكومة مجتمعاً بالرئيس الأميركيّ باراك أوباما. إلى تلك الإهانة أضيف الجرح ممثّلاً بتكليف نجيب ميقاتي تشكيل حكومة جديدة.

لقد بدا بوضوح لا يقبل التمويه أنّ القوّة في مكان قد لا يُترجَم انتخابيّاً، إلاّ أنّ الانتخابات في مكان آخر لا ينتج قوّة.

ثورة سوريّا وحربها

مع الثورة السوريّة بدا أنّ الرياح قد تهبّ في وجهة أخرى. لكنْ قبل أن تنهزم الثورة وتنقلب حرباً أهليّة، كان لتدخّل “حزب الله” أن أرسى وضعاً داخليّاً أقرب ما يكون إلى إسناد الجبهة. احتكار قرار الحرب والسلم لم يعد تفعيله يقتصر على الجنوب ضدّ إسرائيل. لقد صار الشرق مسرحاً آخر لاشتغاله ضدّ السوريّين. نظريّة “تحالف الأقلّيّات” واكبت هذا التوجّه ووفّرت له شعبيّة متعاطفة وعابرة للطوائف. غياب الحريري الطويل آنذاك أضعف معنويّات المعترضين على “حزب الله” وأدواره المتضخّمة. لقد بدوا كالجيش الذي كان منزوع السلاح فصار أيضاً بلا قيادة.

معركة رئاسة الجمهوريّة عكست تلك الوقائع: ترشيح الحليف سمير جعجع لم يقلع. المعركة انحصرت بين مرشّحين من حلفاء نصر الله: سليمان فرنجيّة الذي لم يلبث الحريري أن أيّده، وميشال عون الذي لم يلبث أن دعمه، مثله في ذلك مثل جعجع. الحجّة كانت تلافي الشغور الرئاسيّ الذي تجاوز العامين. الحريري كُلّف، في أواخر 2016، تشكيل حكومة استغرقت ولادتها أربعين يوماً، وحظيت بموافقة الجميع “تسهيلاً للعهد”، أي تعقيداً للحريري.

الضربة هذه المرّة جاءت من الحلفاء. بعد أقلّ من عام على قيام تلك الحكومة، كانت زيارته المهينة إلى السعوديّة وما رافقها من استقالة تبيّن أنّها مفروضة. ما حصل أحدث نوعاً من التعاطف مع المواطن سعد الحريري، لكنْ ليس مع السياسيّ سعد الحريري. التعاطف الشامل معه كمواطن لم يعمل بالضرورة لصالحه كسياسيّ.

الضائقة الماليّة التي ألمّت به، وإقفال المؤسّسات وتسريح العاملين، فعلت أيضاً فعلها في زعامة لعب المال فيها دوراً قائداً. الحريريّة لم تعد، بمؤسّساتها وبـ “تيّار المستقبل” وأجهزته، رافعة للترقّي الطبقيّ، وكفّت بالتالي عن إنتاج الكوادر في كلّ مجال. أبعد من هذا ما حصل في انتخابات 2018: انخفض نوّاب كتلته من 33، في 2009، إلى 21.

في الموازاة، انشقّ قطب “المستقبل” الطرابلسيّ أشرف ريفي. نائبا عكّار السابقان خالد الضاهر ومعين المرعبي تمايزا. شقيق سعد الأكبر، بهاء، أسفر عن طموحات كان قد ظُنّ أنّه تخلّى عنها. فؤاد السنيورة بات يوصف بأنّه “صقر المستقبل”، علماً بأنّ طريق الحمائم، ناهيك عن الصقور، مسدودة في أوضاع كهذه تتكامل فيها ضربات الأصدقاء وضربات الخصوم، ومع توازنات قوى إقليميّة بالغة الاختلال. الانتصارات العسكريّة التي حقّقها الروس والإيرانيّون في سوريّا، وأهدوها إلى بشّار الأسد وسلطته، أوصلت الاختلال هذا إلى ذروته.

المتمرّدون…

خارج الدائرة الحريريّة، التي أصابها التصدّع، فُتح الباب لظاهرات وإشارات كان يستحيل تصوّرها في زمن الحريري الأب، وفي السنوات القليلة التي أعقبت اغتياله. البعض وجد فرصته للتنصّل. البعض للابتعاد. البعض بدأ يرى في الحريريّة دواء انتهى صلاحه فبات يؤذي مُتناوليه. الخطّ البيانيّ للسنوات القليلة الماضية ارتسم على شاشات كثيرة:

في بيروت، المفتي محمّد رشيد قبّاني تمرّد ما إن لاح شبح نجيب ميقاتي بوصفه زعيماً سنّيّاً آخر. فؤاد مخزومي، وهو أيضاً مليونير جنى ثروته في السعوديّة، وجد فرصته لتحقيق طموح مزمن فحلّ نائباً في برلمان 2018. التجربة الأهمّ، ولو من موقع مغاير، كان رمزها تمّام صائب سلام. إطلالته السياسيّة الأولى عام 1992 منحته رصيداً وطنيّاً وأخلاقيّاً: لقد قاطع الانتخابات تضامناً مع المقاطعة المسيحيّة. موقفه كان الشذوذ الإسلاميّ الوحيد عن المشاركة في “التهميش المسيحيّ” والاستفادة منه. مذّاك ربطته بالحريري الأب لعبة على شيء من التعقيد الذي تدخّلت السعوديّة غير مرّة لتذليله: في 1996 خرق لائحته فكان خرقه حدثاً. بعد أربع سنوات رسب وحلّ محلّه المرشّح الحريريّ باسم يمّوت. في هذه الغضون، وتحديداً في 1998، ساير البيئة السنّيّة الضيّقة المتحفّظة على الحريري، وغير المتحفّظة على سوريّا، لكنّه تراجع ولم يذهب بعيداً.

مع النجل، أدّى التردّي إلى تخفيف نزعة التفرّد والاستئصال فيما تزايد المتجرّؤن. هكذا سُلّم تمّام وزارة الثقافة في 2008 في حكومة فؤاد السنيورة. في 2009 انتُخب نائباً على لائحة الحريري. في 2014 كُلّف برئاسة الحكومة مدعوماً من “تيّار المستقبل”. تكليفه هذا حرّك عواطف بيروتيّة كان الاعتقاد أنّها بادت. لقد كُرّس كحليف مستقلّ للحريري يتمتّع بقاعدة خاصّة به. قصره العائليّ أسبغ عليه صفة الصمود: فهو محاط بمكتب مركزيّ لحركة “أمل” الشيعيّة وبمركز لـ “كشّافة المهديّ” التابع لـ “حزب الله”.

في طرابلس، كان العنوان الأبرز للتفلّت نجيب ميقاتي. ثريّ آخر من الأثرياء الجدد جنى أمواله في قطاعات الاستثمار والاتّصالات والبنوك والعقار والنقل الجوّيّ والأزياء. وصل إلى البرلمان في 2000 و2009 بوصفه حليفاً طرابلسيّاً للحريري الأب ثمّ الابن. في 2011، حلّ ميقاتي، المعروف بصلات وثيقة جدّاً مع الحكّام والضبّاط السوريّين، في رئاسة الحكومة التي “طُرد” منها سعد الحريري. خصومه وصفوه يومذاك بأنّه “وثيق الصلة” بـ “حزب الله” أيضاً. في 2018، خاض الانتخابات على رأس لائحة واجهت اللائحة الحريريّة، كما واجه مرشّحي الحريري في الضنّيّة. حصل على أعلى الأصوات التفضيليّة وفاز على لائحته المرشّحون المارونيّ والأرثوذكسيّ والعلويّ.

في صيدا، تبدّى التمرّد على شكلين: الأوّل مثّله أحمد الأسير. لقد كان هذا الشيخ، الفولكلوريّ والإيكزوتيكيّ في آن، تعبيراً عن امتعاض صيداويّ حقيقيّ من الفراغ القياديّ للسنّة في مواجهة “حزب الله”. الهجوم على بيروت في 2008 عزّز الامتعاض هذا. “انتفاضته” قُمعت في 2012. الأسير، الذي هرب، ألقي القبض عليه، بعد ثلاث سنوات، متخفّياً في مطار بيروت. في 2017 صدر عليه حكم بالإعدام.

الشكل الآخر مثّله أسامة سعد الذي تعرّجت المواجهة بينه وبين الحريري. ففي انتخابات 2000، وبسبب القانون الانتخابيّ الذي جمع في دائرة واحدة أقضية ومناطق صيدا والزهراني وصور وبنت جبيل، لم يكن ممكناً استبعاد شقيقه مصطفى عن لائحةٍ صاحبُ القرار الأوّل فيها نبيه برّي. مع الانتخابات الفرعيّة بعد رحيل مصطفى، ثمّ في انتخابات 2005، تمكّن أسامة من الوصول إلى المجلس مستقطباً التعاطف الذي أثارته وفاة شقيقه. لكنّ الفترة هذه كانت تشرف على انتهائها في 2004: حينذاك تحالف أسامة والطبيب عبد الرحمن البزري، نجل نزيه، في الانتخابات البلديّة التي سحقت اللائحة الحريريّة. كان ذاك المفصل علامة على انبعاث زعامات ما قبل الحريري الذي لم يوقفه إلاّ اغتيال الحريري نفسه. وبالفعل ففي انتخابات 2009، وكان جرح الهجمة على بيروت لا يزال ساخناً، أطاح ثنائيّ بهيّة وفؤاد السنيورة أسامة سعد بفارق 12 ألف صوت، كما انتُزع منه المجلس البلديّ في 2010. في 2018، السنيورة عزف عن الترشّح. بهيّة وأسامة فازا. الفارق تقلّص إلى 4 آلاف صوت.

إلى العروبة السوريّة مجدّداً

في الأرياف السنّيّة، لم يكن الجديد، في 2018، انتخاب عبد الرحيم مراد والوليد سكريّة وقاسم هاشم وجهاد الصمد، ومعهم فيصل كرامي عن طرابلس وعدنان طرابلسي عن بيروت. لقد حلّ معظم هؤلاء في البرلمان سابقاً، مرّةً ومرّتين وثلاثاً.

صحيح أنّ “حزب الله” أفاد من نيابتهم، وقبلذاك دعم ترشيحهم في المناطق التي تضمّ مقترعين شيعة، كما استخدم فوزهم لإعاقة تشكيل الحكومة الجديدة، ولإنشاء موقع قدم وطيد داخل الطائفة السنّيّة، لكنّ هذا نصف الحقيقة. فالصمد وكرامي مثلاً انتُخبا في الشمال حيث لا توجد كتل شيعيّة ناخبة. إذاً، لا تجوز الاستهانة بحجم الخروج السنّيّ من العباءة الحريريّة، وبتحوّل الخارجين إلى “لقاء تشاوريّ” يطمح إلى منافستها على الداخل السنّيّ نفسه، كما يعيق تشكيل حكومة جديدة. هذا هو الجديد.

التشاوريّون هؤلاء لا ينكرون إعجابهم بنظام بشّار الأسد، ويجدون أسباباً “قوميّة” لذلك. وقد يجوز القول إنّ ثمّة لوناً عقائديّاً لمعظمهم، من دون أن يسبغ النعتُ هذا أيّ تنزيه على صاحبه: مراد ناصريّ جاء من “الاتّحاد الاشتراكيّ العربيّ”. سكريّة ناصريّ أيضاً وضابط منشقّ في زمن الحرب الأهليّة. هاشم بعثيّ. طرابلسي من “الأحباش”.

فكأنّ الارتداد السنّيّ على الحريري يهجس، عبر الجسر السوريّ، إلى عود على بدء مُرّ ومرير. أمّا لغة الارتداد فقديمة وجاهزة، لم تعرّضها الحريريّة، في زمن قوّتها، إلى أيّة مراجعة تؤسّس مناعة للمستقبل. فردّاً على التشدّق بـ “عروبة بشّار الأسد” وبـ “عدائه لإسرائيل”، كان يُكتفى بالإشارة إلى أنّ عروبة الأسد وعداءه لإسرائيل زائفان. وردّاً على التشدّق بـ “مقاومة حسن نصر الله”، كان الردّ أنّ المقاومة الحقيقيّة هي “نحن”، لا هو.

وهذا كلام قابل للنموّ مع تدهور الأوضاع السياسيّة المرجّح وتضاؤل المساحات المشتركة بين اللبنانيّين. فهو مولود أصلاً من رحم الهزائم والانتكاسات، وقادر دائماً على توليد الهزائم والانتكاسات التي تتباهى بأنّها انتصارات. ومن يدري، فقد ينتهي الحال بفيصل كرامي، أو سواه من رفاقه، رئيساً آخر لحكومة أخرى؟

درج

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.