الناس

الفصام السوري/ هنادي زحلوط

 

 

لفترة قصيرة كنت أعتقد أن الأمر لا يعدو كونه معاناة شخصية لأكتشف فيما بعد أنها معاناة كثير من السوريين الذين وجدوا أنفسهم خارج البلاد لكن عقولهم وأرواحهم بقيت هناك.

ليس الأمر رومنسية ما، وليس مطلقا نوستالجيا إلى الشام وياسمينها وفيروز الصباح، بل تعدى الأمر ذلك إلى فصام نعيشه بين بلاد شكلت جزءا كبيرا من ذاكرتنا وهويتنا، حيث أهلنا وأصدقاء طفولتنا، مدرستنا وجامعتنا، وأحلامنا المهنية، في لحظة ما اضطررنا لترك كل ذلك ومضينا في بلاد الله الواسعة لتكون بلادنا حاضرة فينا أكثر من أي وقت مضى.

كوابيس نرى فيها أنفسنا معتقلين أو تحت التعذيب، أحلام مزعجة نرى فيها أنفسنا عالقين في بيوت أهلنا أو أصدقائنا، وعناصر الأمن يكادون يمسكون بنا، حلم يكاد يخطف أنفاسنا ونصحو ونحن نريد فقط الهروب.

في صحونا نتمنى لو نستطيع المرور بتلك الشوارع والحارات، نراها في الحلم ولكن كلنا رغبة بالهروب منها لأنه ثمة من يلاحقنا ويكاد يعتقلنا!

نعيش بشكل طبيعي، أو هكذا نعتقد، نشرب ونأكل، نطبخ ما لذ وطاب من أطباق بلادنا ربما لنعوض لمسة واحدة من يدي أمنا البعيدة، نرتدي ملابس لا يمتلكها سوريون آخرون تحت الحصار، نسكن تحت سقف نعرف أنه حلم سوانا من أهل وأحباب، نحن مجبرون على العيش وإكمال حياتنا بشكل طبيعي بينما نتجرع كل يوم مرارات الفراق ممن حملنا معهم حلم الحرية، نحول الغائبين والمغتالين إلى أيقونات فلربما نسكن بذلك أوجاع الروح، نشيح بعيوننا عن صور المجزرة لكن عيون أرواحنا تبقى معلقة هناك؛ على جثث أحبابنا الذين قتلوا، وعشنا نحن!

يطلب إلينا أن نعطي رأينا بما يجري في بلاد مر بها طوفان دماء، ببلاد حافظ زعيم أكبر عصابة فيها على كرسيه رغم ثمان سنوات من ثورة شعبه، يطلب إلينا أن نتحدث بمنطق، أن نجمع الكلمات ونرتب الجمل، أن نتعلم لغة أخرى من لغات العالم الذي تآمر ضد ثورتنا، ولربما لم يعد في القلب من المفردات سوى اعتقال وتعذيب وجثة، وتعلق الغصة في القلب، وينتظر المحاور رأيا!

يولد أطفالنا في مستشفيات تتوفر فيها كل مستلزمات العناية، وربما نلوم أنفسنا على ذلك، فيما يموت أطفال نعرفهم لقلة الرعاية الصحية، حصل أطفالنا على حقهم في الحياة، وفي الرعاية الصحية والتعليم، ومات ملايين من أبناء بلادنا في سبيل ذلك، ولربما حرم أطفال هؤلاء بالذات من هذه الحقوق التي يتمتع بها بشكل بديهي كل طفل في بلدان العالم قاطبة!

ونسأل أنفسنا: هل نشعر حقا بكل أوجاع هؤلاء الأطفال، خارج حملات التبرع وجمع الملابس والعمل المدني والإنساني؟

وكيف نستطيع أن نربي أطفالنا في ظروف حياةصحية ونحن نعلم أننا وهم ناجون من مقتلة لم ترحم ولم تذر؟

كيف نستطيع ذلك دون أن نكون مرضى نفسيين صامتين؟ دون أن نكون مرضى فصاميين يطلب إلى أجسادنا أن تعيش في عالم وعقولنا وأرواحنا تعيش في عالم آخر؟

لا يستطيع الإنسان أن يعيش في حيز يعلم أنه مؤقت، في كل منزل وبلاد تلجأ إليها ولو لساعات، أنت تحتاج أن تؤثث حياتك وتعطيها إمكانية الاستدامة، ترتب أشياءك، تستعد للقادم؛ وفي بلاد المستقر تحتاج أن تفكر ببناء مستقبل لك ولأطفالك، تتعلم لغة أخرى غير اللغة التي تتألم وتفكر بها، تبحث عن عمل يعيلكم لا يمت بصلة ربما لتحصيلك العلمي، تسجلهم حيث يستطيعون إتمام دراستهم لسنوات طويلة مقبلة، تخال للحظة أنك “تعيش” هنا، لكنك تعلم أنه وما إن تضع رأسك على الوسادة حتى تهطل عليك كل الصور من بلاد لم تفارقها ولن تفارقها حتى لو أردت ذلك!

يعنيك سعر صرف الليرة، تهتم للأسعار فيها والغلاء، تبكيك معاناة أهلها الذين لم تكف يوما عن كونك واحدا منهم، ورغم ذلك أنت بعيد، تعيش هنا، وتشتري من هنا، وتعمل هنا وتحمل هوية لشخص ليس تماما أنت!

لا أعرف إن كانت هذه الحالة بكل أعراضها النفسية، قد تم تشخيصها قبلا، لكني على يقين بأنها حالة يعاني منها مجتمع الاغتراب السوري بأكمله، معاناة صامتة، تحتاج الكثير من الكلام بعد…

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.