سياسة

سورية.. انقلاب ديبلوماسي شبه جذري/ فاطمة ياسين

 

 

قد توحي عودة سفارة خليجية، وإعادة تلميع شعارها المعلق على بوابة المبنى في دمشق، بأن الحياة آمنة هناك. ينطبق الأمن في هذه الحالة على الممارسة السياسية مع بعض عواصم الخليج. هذا ما بدأ بالفعل من خلال بعض ظواهر التحرّش الدبلوماسي الخجول قبل أشهر في أثناء لقاء وزيري الخارجية البحريني والسوري، وكلاهما يحمل من “دهون” السياسة في بلده الشيء الكثير. يومها وقف الرجلان على مبعدةٍ يسمح بها حجماهما الضخمان، وتبادلا ابتساماتٍ محملةً بالود، قبل أن يتابع كل منهما طريقه، مخلفين وراءهما أطناناً من التحليلات والتوقعات. ثم فجّر الرئيس عمر البشير مفرقعةً صوتيةً، عندما حطت طائرته في مطار دمشق الدولي، والتقى بشار الأسد مثنياً عليه، وعلى موقعه المواجه لإسرائيل، في استعادة خطاب عربي قديم، يعود إلى أيام مؤتمرات القمم التي يكثر فيها التنديد والشجب.

يتوّج ما سبق مشهدَ عامل السفارة الذي يعتلي سلماً خشبياً، ويعيد تلميع شعار دولة الإمارات العربية التي وَضَعَتْ خلفها كل تحالفاتها المحلية، ونشرات أخبارها النارية، وتصريحاتها المجلجلة ضد الأسد، لصالح خطابٍ قصير من الوزير أنور قرقاش الذي أصبحت مهمته إعلان المواقف المثيرة للجدل التي تتخذها دولته. طبعاً لن ندخل في الاعتبار زيارة وزير الخارجية العماني، يوسف بن علوي، فهذه الدولة لم تقطع علاقاتها مع دمشق أصلاً.

الإعلان الذي يبدو مبيتاً يهدّد، في ظاهرة تشبه سقوط حجارة الدومينو، بعودة كل دولة عربية إلى سفارتها القديمة في سورية، بعد أن أعلن رئيس أميركا، دونالد ترامب، أنه سيسحب قواته من سورية، وتلا الموقف زيارةٌ قام بها إلى العراق، قال فيها إن الولايات المتحدة لا تريد أن تكون شرطياً على العالم، وقواته التي احتفل معها بعيد الميلاد ستبقى في العراق، بعكس الموجودة على الضفة الأخرى من الحدود، فترامب يعتبر أنه انتصر على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سورية. أما في العراق فسيتابع مساعدة الجيش ضد هذا التنظيم. وليس التناقض هنا ظاهرياً فقط، فهو عميقٌ إلى درجة محسوسة، والتنظيم الذي قبع على أراضي الدولتين (سورية والعراق) انحسر في كلتيهما، لكن استمرار هذا الانحسار غير مؤكد. قرار الانسحاب الأميركي من سورية تُترك فيه مساحات جغرافية كبيرة، يسيل اللعاب لجودتها وغناها وخلوها من وسائط الدفاع، وليس متوقعا أن هذا الفراغ في شرقي الفرات ستغطي عليه سفارة خليجية في شارع رئيسي في دمشق، يجلس فيها نائب بمرتبة “قائم بالأعمال”.

حاول ترامب أن يستجر قوات سعودية، في البداية، لتحل محل قواته، بشكل ما في الشمال الشرقي السوري، تدفعه مواقف اقتصادية صرّح عنها في وعوده الانتخابية، والتزام شخصي بتحقيق عوائد، وكأنه يقود شركةً مساهمة، ولكن الخيار فشل، بعد أن عجز ترامب، أو المسؤولون السعوديون، عن معرفة الطريقة التي سيتم فيها سد الفراغ. وتبخرت الفكرة، ولم يبقَ منها إلا شائعات إعلامية، بعد حادثة قتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، فقد توقع ترامب أن بعض دول الخليج يمكن أن تنفذ سياسته في سورية، بتحقيق توازن مع الوجود الروسي، وبمواجهة إيران المؤثرة بقوة في العمق السوري. ولكن ظهر لترامب الهزال السعودي ومستوى الأداء بعد جريمة السفارة في إسطنبول التي أظهرت المستوى السياسي الرديء الذي يتحرّك فيه القادة السعوديون. لم تتغير الاستراتيجية الترامبية بمحاولة إحلال خليجي مؤثر في سورية مكان قواته، ولكن تكتيك التنفيذ تغير قليلاً، فانسحب ترامب من سورية، وظهر في العراق وسط قواته، مخالفاً مشورة أقرب مقرّبيه العسكريين. في الوقت نفسه، أعيد افتتاح سفارة خليجية في دمشق، ويبدو أن الفراغ العسكري الكبير يمكن أن يحتل بعضاً منه تنظيم الدولة الإسلامية، ويمكن لإسرائيل أن تزيد زخم القصف الجوي ضد الوجود الإيراني، وقد بدأت بذلك بالفعل، أما ما تبقى من فراغ فيمكن للخليج أن يملأه، ولكن من باب الحليف للأسد هذه المرّة.

العربي الجديد

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.