سياسة

الوضع في شرق الفرات وتأثيرات الاتسحاب الأميركي المزعوم -مقالات مختارة-

 

 

شرق الفرات.. خطوط متشابكة/ علي العبدالله

عكست التصريحات الأميركية أخيرا حول شروط الانسحاب الأميركي من سورية؛ وردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية عليها؛ تعقيدات المشهد السياسي والعسكري وما انطوى عليه من تناقضٍ في المصالح والمواقف والخيارات؛ وما يترتب على ذلك من فرصٍ ومخاطر، ناهيك بما أثاره قرار الانسحاب من سجالاتٍ داخليةٍ أميركية بين “المؤسسة” والبيت الأبيض، الرئيس خصوصا، حول محدّدات السياسة الخارجية وارتباطها بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها؛ وبالقيم التي تتضمنها، حيث نُظر إلى قرار الانسحاب باعتباره خروجا عن القواعد الحاكمة، وتجاوزا للأعراف السائدة وتجاهلا فجّا للتقديرات السياسية والعسكرية الدقيقة والمتماسكة.

لم يكن قرار الانسحاب الفوري والشامل الذي أعلنه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تغريدته يوم 19/12/2018 يتعارض مع حقائق الميدان فقط، حيث لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، على الرغم من الهزائم والخسائر البشرية والجغرافية الكبيرة، موجودا، ويشكل خطرا في سورية والعراق، بل ومع المصالح والحسابات الجيوسياسية والإستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها، حيث لم يتم التوصل إلى توافق سياسيٍّ، حول مخرج للصراع في سورية وعليها يحقّق مصالحها وتطلعاتها القريبة والبعيدة، يسمح بإغلاق الملف، والعودة إلى الديار، وفق رغبة الرئيس الأميركي، فالمعركة السياسية على الحل، وعلى مستقبل سورية، ودور القوى ونفوذها فيها قائمة، تصعد وتهبط على إيقاع التطورات الميدانية، وتوازنات القوى على الأرض، من جهة. والولايات المتحدة وحلفاؤها، المحليون والإقليميون والدوليون، لا يمسكون بخيوط اللعبة، ولا يتحكّمون بتطوراتها ومآلاتها، حيث نجحت روسيا وإيران وتركيا في إقامة شراكةٍ نفعيةٍ امتلكوا بها زمام المبادرة، وحدّوا من قدرة بقية اللاعبين على التحكّم في الصراع ومآلاته، من جهة أخرى.

حاول العقيد الأميركي المتقاعد، دوغلاس ماغريغور، تبرير قرار الانسحاب بقوله، لقناة فوكس نيوز الأميركية: “إنها خطوة ذكية من شأنها أن تفسد العلاقة بين روسيا وحلفائها في المنطقة.. عملت روسيا جاهدةً، منذ فترة طويلة، على إقامة علاقات مع تركيا وإيران والمعارضة السورية المسلحة، لكن انسحاب القوات الأميركية سيفرض عليها ضرورة الاختيار بين تلك الأطراف… إنها بسحب قواتها من سورية، أزالت الولايات المتحدة العامل الذي كان يجمع بين الشركاء المختلفين، معتبراً أنه لم يعد هناك أي أساس لتعاون الروس والأتراك والإيرانيين من حيث المبدأ، وهذا جيد”. في تجاهل تام للاعتبارات الجيوسياسية والإستراتيجية الحاكمة التي تستدعيها مصالح الولايات المتحدة وحلفائها (إسرائيل، دول الخليج، مصر، والأردن)، والتي صُممت لمواجهة النفوذ الروسي المتعاظم شرق المتوسط (سورية، لبنان، فلسطين)، وشمال أفريقيا (مصر، ليبيا، والسودان)، والوجود الإيراني، والمليشيات الشيعية التابعة لها، ليس في سورية فقط، حيث تشكل هاجسا بالنسبة لإسرائيل؛ الطفل المدلل للولايات المتحدة عامة، والرئيس الحالي خصوصا؛ والأردن الذي تضغط عليه إيران من سورية والعراق، بل وفي دول المشرق العربي، العراق ولبنان واليمن، بالنسبة لدول الخليج، السعودية والإمارات بشكل خاص، ومصر، التأثير على مواردها من قناة السويس من خلال التحكّم بباب المندب، ناهيك بمصالح الحليف المحلي: قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي تحملت العبء الأكبر في قتال “داعش”، قدمت فيه آلاف القتلى والجرحى، كشفهم الانسحاب المزمع أمام تركيا، وحدّ من خياراتهم، ودفعهم إلى اللجوء إلى التفاهم مع النظام السوري بوساطة روسية، تفاهم ثمنه باهظ: العودة إلى نقطة الصفر.

قال السفير الأميركي السابق في سورية، روبرت فورد، في دفاعه عن قرار الانسحاب كلاما عجيبا: “ثلث البلاد الذي يقع تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية إما صحراء أو سهول جافة. وتنتج حقول النفط فيها نفطا خاما من الدرجة المتدنية، ويحتوي على نسبة عالية من الكبريت. وكميات النفط في هذه الحقول تتراجع. وقبل اندلاع الثورة عام 2011 لم تشكل موارد النفط إلا نسبة 5% من مجمل الناتج المحلي العام، وهذه أرقام صندوق النقد الدولي. وبالتالي، لم تكن سيطرة أميركا على شمال- شرقي سورية لتمنحها ورقة نفوذ تدفع النظام وإيران وروسيا إلى تقديم تنازلات”. وأضاف: “ويحذر النقاد من خطر الانسحاب على محاربة تنظيم الدولة، وإمكانية عودته من جديد. وتظل ممكنة مع أن مناطق غرب سورية الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية وحلفائها لا أثر فيها لنشاطات التنظيم”. وختم بتقديم نصائح للرئيس الأميركي بخصوص تنفيذ قراره ختمها؛ كأنه يقدم أوراق اعتماد لديه؛ بالقول: “وأخيرا على الرئيس إعادة النظر بفريق السياسة الخارجية، وكيف سبقه في تحديد السياسة السورية. فهو بحاجةٍ لمجلس أمن قومي قادر على نقل حذره، ومظاهر قلقه من السياسة للأشخاص الذين يقومون بتنفيذها. وعلى الفريق التأكيد للعاملين في الأقسام المعنية أن الرئيس يستمع لمواقفهم ولكن عليهم التحرك بناء على توجيهاته” (قرار ترامب السوري كان صحيحا في جوهره وبهذه الطريقة نحقق معظم نتائجه، “واشنطن بوست”، “القدس العربي”: 28 /12/2018).

صحيح أن للانسحاب الأميركي، الشامل والفوري، تبعاتٍ سياسيةً وميدانيةً سلبيةً على القوى المسيطرة، روسيا وتركيا وإيران، تبدأ بخلط الأوراق، والدفع نحو إعادة مراجعة الحسابات ورسم الخطط والخيارات؛ وبتظهير التباينات والخلافات بين مصالحها وتصوراتها وخططها، تجلى ذلك جليا في إعلانات روسيا وإيران عن ضرورة سيطرة النظام السوري على المناطق التي تنسحب منها القوات الأميركية؛ وتجسّد عمليا في التسابق على دخول منبج، والسيطرة عليها. كان الوجود الأميركي قد لعب دورا فاعلا في حفظ التوازنات، إلا أنها تبعاتٌ مرحلية، من جهة، حيث طغى توجّه نفعي على سلوك ثلاثي أستانة، عبّر عنه وقف التسابق على منبج، والنظر بإيجابية إلى موقف تركيا من الوضع شرق الفرات؛ كما عكسته نتائج محادثات الوفد التركي في موسكو الذي اتفق مع المسؤولين الروس على التنسيق بين الجيشين، بعد الانسحاب الأميركي. ولن يكون مكسبا صافيا للولايات المتحدة وحلفائها، بل سيثير مخاطر كثيرة (تعزيز الوجود الروسي شرق المتوسط، كمكسب جيوسياسي مهم، والدور الروسي في الملف السوري؛ حيث تغدو الجهة الدولية الوحيدة المحاورة والموازنة بين قوى الإقليم، تكريس النفوذ الإيراني في سورية ولبنان على حساب المصالح الإسرائيلية والخليجية، خطر انفجار مواجهة إسرائيلية إيرانية)، بالإضافة إلى خسائر كبيرة (خسارة ورقة المساومة على الحل السياسي في سورية، خسارة موطئ قدم يتيح التأثير على التغيرات الحالية والقادمة في الإقليم).

استطاعت “المؤسسة” تغيير صيغة القرار من انسحابٍ شاملٍ وفوريٍّ إلى انسحاب بطيء ودقيق ومنسق، كان للجنرال بول لاكاميرا، قائد القوات الأميركية التي تقاتل “داعش” في سورية والعراق، دور بارز في هذا التحول، قبل أن ينجح نوابٌ وشيوخٌ، خصوصا السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، وجنرالات وزارة الدفاع (البنتاغون)، بالتأثير على الرئيس الأميركي في ضرورة حماية الحليف المحلي، قوات سورية الديمقراطية (قسد) عبر المطالبة بالموافقة على احتفاظها بالأسلحة التي زوّدها بها البنتاغون، والاشتراط على تركيا عدم استهدافها.

أثار الموقف الأميركي الجديد الذي عكسته تصريحات الرئيس الأميركي ووزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي، والداعي إلى تنسيق العمل العسكري التركي مع القوات الأميركية، وحماية الكرد من أي هجوم تركي، رد فعل تركيٍّ غاضب؛ فقد جاء الموقف على الضد من الرغبة التركية التي كانت تنتظر وصول مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، كي تفاتحه في قضية الأسلحة، وضرورة تنفيذ وعدٍ أميركيٍّ سابق بسحبها عند انتهاء القتال ضد “داعش”، باعتباره جزءا من صفقة تلزيم تركيا محاربة بقايا “داعش” شرق الفرات، وقد تركّزت التعليقات التركية على صيغة الموقف الأميركي الجديد: حماية الكرد، اعتبرتها صيغةً مخاتلةً، غايتها حماية حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري (وحدات حماية الشعب) وحزب العمال الكردستاني، وشدّدت على كونهم إرهابيين، ولا يجوز أن يكونوا حلفاء للولايات المتحدة.

لعبت ثلاثة اعتبارات في صياغة الموقف الأميركي الجديد، أولها رد الفعل الإسرائيلي السلبي على الانسحاب الذي أبقاها وحيدةً في وجه إيران، كانت تتوقع مقايضته بانسحاب إيران من سورية. ثانيها انهيار الحليف المحلي: قوات سورية الديمقراطية؛ وانخراطه السريع في مساوماتٍ مع النظام السوري وروسيا، لتوفير غطاء سياسي وحماية عسكرية مقابل تنازلات كبيرة، ما يجعل الانسحاب مكسبا صافيا لروسيا وإيران والنظام السوري، طالبت الكرد بالانتظار، وعدم المسارعة لطلب الحماية من الروس، أو من النظام. ثالثها عدم تحقيق قرار الانسحاب، أهم أهدافه: إبعاد تركيا عن روسيا وإيران، حيث أعلنت تركيا الإبقاء على التنسيق مع روسيا وإيران.

العربي الجديد

 

 

 

 

عندما تغضب تركيا/ عائشة كربات

“لقد ارتكب خطأ فادحاً جداً. لن نبتلعها”، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في البرلمان الثلاثاء.

كان أردوغان يشير إلى مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي، جون بولتون الذي كان يقوم بزيارة رسمية إلى أنقرة لكنه مُنع من لقاء أردوغان. كانت زيارة بولتون تهدف إلى تنسيق الانسحاب الأميركي من سوريا، وهو أمر قد لا يحدث أو إذا حدث، يمكن أن يخلق مشاكل أخرى للمنطقة.

لم يكن أردوغان وحده في غضبه. وقد ذهب مؤيده، زعيم حزب الحركة القومية دولت بهشتلي إلى أبعد من ذلك في مخاطبة نواب حزبه، مشيراً إلى بولتون على أنه “دالتون”، وهو شخصية إجرامية في سلسلة الكتب المصورة “لاكي لوك”. “هل أنت بولتون، أو دالتون، أياً كان، نحن لا نتلقى الأوامر، لا منك ولا من رئيسك” انفجر بهشتلي.

ما جعل أنقرة غاضبة هو تصريح بولتون قبل وصوله إلى أنقرة. وقال إن القوات الأميركية لن تغادر شمال شرق سوريا حتى يتم هزيمة “داعش” وحماية المقاتلين الأكراد المتحالفين مع الولايات المتحدة. وأضاف “لا نعتقد أن الأتراك يجب أن يقوموا بعمل عسكري لم يتم تنسيقه بشكل كامل مع الولايات المتحدة ووافقت عليه”.

لقد أرهقت أنقرة من خلال تكرارها بأن حليف الولايات المتحدة ليس أكراد سوريا، بل “ميليشيا وحدات حماية الشعب” التي تصادف أن تكون مكونة من الأكراد. بالنسبة لأنقرة، تعد وحدات الحماية مجرد فرع سوري لحزب “العمال الكردستاني” الذي يوجد على قائمة الإرهاب في كلا البلدين.

ومع ذلك، مشكلة تركيا ليست فقط التحذير المتغطرس من بولتون، ولكن أيضا المكان أدلى منه بتصريحه والذي يمسّ أعصاب تركيا: إسرائيل.

أثبت هذا الموقف مرة أخرى لأنقرة صحة ما كان يدور في ذهنها لفترة طويلة: في الواقع فإن ترامب وأردوغان ينسجمان بشكل جيد للغاية. عندما يتحدث الزعيمان، يفهم ترامب تركيا وأردوغان، لكن قرارات الزعماء لا تنفذ لأن المؤسسة الأميركية، حتى حزبه وبعض مساعديه، هم ضد ترامب. إنهم لا يخدمون ترامب بل يخدمون إسرائيل التي تهدف إلى رؤية دولة كردية مستقلة في الشرق الأوسط. ولتركيا أسبابها التي تجعلها تفكر بهذه الطريقة.

في منتصف كانون الأول/ديسمبر، خلال محادثة هاتفية بين أردوغان وترامب، اتخذ الرئيس الأميركي قرار الانسحاب من سوريا، وهي حقيقة أكدها المسؤولون الأميركيون أيضاً. ووفقاً للصفقة بين الرئيسين، فإن تركيا ستقوم بتنظيف بقايا “داعش” وسوف يتوقف الأميركيون عن التعاون مع وحدات حماية الشعب.

في ذلك الوقت، كانت تركيا تكرر وعودها بالتوغل العسكري شرقي الفرات الذي يشكل تهديداً أمنياً لتركيا بسبب سيطرة وحدات الحماية الكردية هناك. كانت أنقرة أيضاً تحذر من أنها ستتخذ مثل هذا الإجراء، حتى وإن كانت تخاطر بمثل هذه الخطوة بحدوث مواجهة بين الجنود الأميركيين والجيش التركي. لكن بعد إعلان الانسحاب، قالت أنقرة إنها ستنتظر حتى يغادر الجنود الأميركيون.

لكن المؤسسة الأميركية تتحدث الآن بلغة مختلف: لا الجدول الزمني ولا الشروط ولا حتى الهدف من هذا الانسحاب واضح تماماً.

أثار بهشتلي شكاً آخر يدور في ذهن كل مسؤول رسمي في أنقرة. ما هي الخطة الحقيقية للولايات المتحدة؟، سحب تركيا أعمق في سوريا تحت ذريعة إنهاء “داعش” ولكن أيضا جعلها تقاتل ضد النظام والقوات الكردية في نفس الوقت؟.

يبدو أن أنقرة استيقظت من حلمها إلى خيبة أمل حقيقية مرة أخرى. أو حتى كابوس.

لأن أنقرة خلال الأسبوعين الماضيين لم تدرك مرة أخرى أن الولايات المتحدة ليست حليفاً فعلياً. هذه الحقيقة نفسها تضعف أنقرة في وجه روسيا وهي أيضاً ليست صديقاً موثوقاً جداً، كما ثبت خلال الأسبوعين الماضيين. لم تتردد موسكو في التوسط بين النظام السوري والوحدات الكردية، على الأرجح على حساب تركيا.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ القول إنه في هذه الأجواء، لم تحقق زيارة بولتون إلى أنقرة أي نتائج باستثناء تلك التي أثارها كل من بهشتلي وأردوغان. كرروا مرة أخرى نفس الفكرة القديمة التي كانوا قد علقوا الحديث عنها لمدة أسبوعين فقط: تركيا مستعدة للقيام بعمل عسكري في سوريا ضد المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب.

إذا، عودة إلى المربع الأول.

المدن

 

 

 

 

من يملاً الفراغ في شرقي الفرات: تركيا أم العرب؟/ عبدالوهاب بدرخان

حين قال دونالد ترامب لرجب طيب اردوغان «إنه لك»، مشيراً الى شرق الفرات أو شمال شرقي سورية، فالأرجح انه كان يعني «خذه إن استطعت» أو «خذه ولكن…». كان الرئيس التركي اعتقد، كسواه من اللاعبين الخارجيين في سورية، أن الرئيس الأميركي طوى مسألة الانسحاب، فراح يرفع الصوت ويشدّد الضغط آملاً في الحصول على دور في شرق الفرات بوجود الاميركيين وبالترتيب معهم، إسوة بما ناله بالتفاوض مع فلاديمير بوتين من «درع الفرات» الى عفرين ثم إدلب. وبعدما أعلن ترامب قرار الانسحاب لزم اردوغان الحذر، حتى بعد المكالمة الهاتفية الشهيرة، وكان عليه أن يحدّد ما إذا كان الأمر يتعلق فعلاً بـ «تفويض» و»هدية» أم بـ «توريط» و»اختبار» أميركي آخر لقياس عمق التقارب بينه وبين الرئيس الروسي من جهة، ولتقدير مدى التفهّم التركي لعلاقة اميركا بالأكراد الذين حاربوا معها.

عملياً، تبخّر مشروع الاختراق التركي لشرق الفرات، فما لم يتوصل اليه الرئيس التركي بوجود الاميركيين لا يستطيع انتزاعه منهم وهم منسحبون. ولوهلة بدا لاردوغان كأن ترامب منحه شيئاً من دون شروط، ولأنه لا يمكنه أخذه إلا بصفقة مع بوتين فقد حاول التمهيد لها عبر اجتماع وزراء الخارجية الدفاع في موسكو.

على رغم أن هذا الاجتماع انتهى الى توافق على مبادئ عامة إلا أنه لم يرقَ في التفاصيل الى الطموح التركي، خصوصاً بالنسبة الى «عقدة» منبج، إذ كان الكرملين بارك مبادرة النظام السوري الى تدشين سباق مع الأتراك نحو المدينة، بدعوة كردية وطبعاً بدعم إيراني. عندئذ ظهرت الشروط الأميركية، تجنباً لأي مفاجآت روسية، إذ أعلنت واشنطن أولاً أن برمجة الانسحاب تخضع لمراجعة، وثانياً أن المقاتلين الأكراد سيحتفظون بالأسلحة الأميركية التي زوّدوا بها «لمحاربة داعش».

وقبل أن يصل مستشار الأمن القومي الاميركي الى أنقرة أُبلغ الأتراك أن عليهم التزام حماية الاكراد وعدم التعرّض لهم، وأن أي حملة عسكرية تركية في شرق الفرات يجب أن تتم بموافقة أميركية مسبقة.

خلافاً للاميركيين الذين وافقوا فقط على دوريات مشتركة متقطّعة في محيط منبج وحجبوا عن تركيا أي مكسب آخر متجاهلين مطالبتها أنقرة بوقف تسليح الأكراد، يتردّد الآن أن الروس وافقوا على أن يقيم الأتراك شريطاً حدودياً بعمق ثلاثين الى أربعين كيلومتراً داخل الأراضي السورية لتبديد هواجسهم الأمنية. كانت واشنطن رفضت شريطاً كهذا وشرعت في إقامة نقاط حدودية ترفع العلم الأميركي، لكن أنقرة اعتبرت ذلك بديلاً غير كافٍ ما لم يرفق بوجود تركي في شمال شرقي الفرات. تنظر روسيا التي ستصبح القوة الرئيسية بلا منازع، غداة الانسحاب الأميركي، الى الشريط الحدودي على أنه يدعم دورها ولا يتعارض مع خططها، ثم أنه يساهم في اجتذاب تركيا وتثبيتها في محورها، فضلاً عن أنه يقنع أنقرة بالتخلي عن دخول شرق الفرات ويعزّز رغبة موسكو في إعادة هذه المنطقة الى كنف النظام السوري باعتبارها منطقة النفط والغاز والثروة الزراعية.

ما يجري مع تركيا جزء من التعقيدات المتوقّعة لتوزيع النفوذ والأدوار، فالولايات المتحدة تحاول التحكّم والاشراف على رسم خريطة ما بعد انسحابها من سورية. هناك ثابتان، هما: اعتراف أميركي قسري بالأمر الواقع الروسي مع تفويض شبه كامل لكن بشروط كثيرة، وإصرار على تكريس دور اسرائيلي بالتوافق مع روسيا على أن يتمتع بحرية حركة ضد المواقع والأنشطة الإيرانية وبمنطقة حدودية خالية من الوجود الإيراني بعمق متفق عليه. وهناك متحوّلان، أولهما دور إيراني لا تعترف به اميركا وترغب في انهائه كليّاً أو تقليصه الى أدنى حدٍّ ممكن معتمدةً بشكل رئيسي على حسم روسيا أمرها إذا أرادت استقراراً حقيقياً في سورية، والآخر دور لتركيا لا تمانعه واشنطن في المبدأ بل في تفاصيل قد تكون حماية الأكراد من بينها لكن أهمها أن التعامل مع الحليف التركي ودعمه مشروطان ببقائه في المحور الغربي – الأطلسي، أما جنوحه الى المحور الروسي – الإيراني كما يبدو الآن فيخلّ بالمعادلة الأميركية لسورية ويغيّر معايير العلاقة الغربية – الاطلسية مع أنقرة.

هذه مجرد عناوين عريضة للتعقيدات، فانسحاب الاميركيين مربك بما يطرحه من فرص وتحدّيات، بمقدار ما كان وجودهم ملتبساً بما أشاعه من آمال وخيبات. كان التوازن الوهمي الذي شكّله الوجودان الأميركي والروسي منع أي احتكاك بينهما لكنه منع خصوصاً بلورة حل سياسي منصف للشعب السوري. قصرت واشنطن أهدافها على محاربة «داعش» تحت مظلة تحالف دولي وخاصمت الجميع لمصلحة «تحالف» ضيّق مع شريحة لا تمثّل غالبية أكراد سورية وتضم مقاتلين من الـ «بي كي كي» التركي المصنّف ارهابياً. أما روسيا فمارست دوراً موسّعاً يراوح بين التقاسم مع ايران في عملية انقاذ نظام بشار الأسد وتمكين النفوذ الإيراني مع علمها بأهدافه التخريبية وكذلك تمكين إسرائيل من ضرب الإيرانيين وأتباعهم من دون انهاء وجودهم، بالإضافة الى استمالة تركيا لقاء منحها رقعة نفوذ على الخريطة السورية.

مع اقتراب الانسحاب الأميركي استخلصت واشنطن من «مهمّتها»، كما وصفها الوزير مايك بومبيو، أن أولويتها «تجنيب الأكراد القتل من جانب الأتراك» و»حماية الأقليات الدينية»، أما حماية السوريين عموماً من القتل بأيدي النظام ثم الإيرانيين ثم الروس فلم يكن يوماً جزءاً من مهمة الولايات المتحدة أو غيرها، علماً بأنه حصل أنظارها. لا يعني ذلك سوى أن لا مشكلة للاميركيين في التعايش مع التضحية بغالبية الشعب السوري من أجل حماية الأقليات. وحين لخّص وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت موقف بلاده بـ «أننا لن نحظى بسلام دائم في سورية مع هذا النظام لكن، للأسف، نعتقد أنه سيبقى لبعض الوقت»، لم يؤخذ من كلامه سوى أن الأسد باقٍ، وإذ أُسقط منه «الأسف» فقد أُسقط الأهم وهو أن بقاء الأسد نقيض لـ «السلام الدائم».

أكثر من مرة طُرحت في الأعوام الأخيرة فكرة ارسال قوات عربية الى سورية، وكان آخرها في نيسان (ابريل) الماضي، لكن البحث في تفاصيلها كان يعيد تأجيلها. يُعتقد أن الانسحاب الأميركي دفع واشنطن لإعادتها الى الطاولة، ويبدو أن موسكو لا تمانع، كذلك النظام السوري، خصوصاً إذا كان ارسال القوات العربية في إطار انعاش «شرعية» الأسد واعادة تأهيل نظامه لاستعادة عضوية سورية في الجامعة العربية. ويُنظر الى الجزء العربي من شمال شرقي سورية (الرقّة ودير الزور) باعتباره المنطقة التي يمكن أن تستقبل هذا الوجود العربي، سواء لخفض الهيمنة الكردية الإشكالية، أو لقطع الطريق على أي تغلغلٍ تركي وايراني، أو أخيراً لتمكين نظام الأسد من دخول المنطقة عبر الادارة المدنية. ليس واضحاً بعد إذا كانت أهداف الفكرة وآليات تنفيذها قد اكتملت، لكن المؤكّد أن بعثات من دول عربية عدة زارت المنطقة للمعاينة برفقة الاميركيين.

لم تكتفِ مصادر كردية مختلفة بتسريب أخبار هذه الزيارات بل رحّبت أيضاً بما هو مفترض من أهدافها. في السابق رفض الجانب العربي أي مشاركة من دون وجود أميركي ضامن، لكن الموافقة الروسية – الاسدية قد تكون مطمئنة، وربما اقترنت أيضاً بإبقاء وجود أميركي رمزي في الشمال وباستثناء قاعدة التنف في الجنوب من خطط الانسحاب الأميركي. معلوم أن الدول الغربية عموماً ترفض التعامل مع النظام في مسألة إعادة الاعمار ما لم يكن هناك تقدّم في العملية السياسية وتشريعات مناسبة وخطط شاملة، لكنها قد تعيد النظر في موقفها لتساهم في الاعمار في منطقة الوجود العربي – إذا تحقّق – وبديهي أن روسيا تشجّع هذا التوجّه طالما أنه الوحيد الممكن، كذلك النظام الذي يدفعه افلاسه الى القبول بأي مصلحة مستعادة حتى لو اضطرّ للتضحية بالسيطرة وفقاً لمفهومه الهمجي التقليدي.

* كاتب وصحافي لبناني.

الحياة

 

 

 

الثرثرة الأمريكية والصمت الروسي/ بكر صدقي

تتطاير تصريحات المسؤولين الأمريكيين بشأن سوريا، كأن قرار ترامب بسحب جنوده الألفين من الأراضي السورية ما زال خاضعاً للأخذ والرد، في حين أنه أكد في أحدث تغريداته أنه لم يتراجع عن قراره المذكور. لكنه كذب حين قال إنه لم يحدد جدولاً زمنياً لاتمام عملية الانسحاب.

أما مستشاره للأمن القومي جون بولتون فقد ربط، من إسرائيل التي كان في زيارتها، بين الانسحاب العسكري والحصول على ضمانات تركية بعدم مهاجمة الأكراد في سوريا. الأمر الذي أثار عاصفة غضب لدى أركان الحكم في تركيا، أدت إلى امتناع الرئيس أردوغان عن استقبال بولتون والوفد المرافق له، بدعوى «عدم وجود موعد مسبق»!.

ومما قاله بولتون أيضاً قبل وصوله إلى العاصمة التركية أن على تركيا التنسيق مع الولايات المتحدة بشأن أي عمل عسكري في سوريا.

باختصار، عادت أجواء التوتر بين أنقرة وواشنطن إلى ما كانت عليه قبل أشهر. في مؤتمره الصحافي الذي عقده بعد اجتماعه بالوفد الأمريكي، قال إبراهيم كالن إن المباحثات بين الوفدين دارت حول مجموعة مسائل تتعلق بذيول الانسحاب الأمريكي المقرر من سوريا، منها مصير السلاح الذي حصلت عليه قوات وحدات حماية الشعب الكردية من الولايات المتحدة، وكيفية ضمان ألا تملأ المنظمات الإرهابية «أو أي عناصر أخرى» الفراغ الذي سيحدث بعد الانسحاب.

في حين قال ناطق باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي الذي يرأسه بولتون إن الجانبين أجريا مباحثات مثمرة، وفتحا عناوين جديدة لمباحثات إضافية ستتم لاحقاً.

ما الذي يمكن أن نفهمه من هذه التصريحات المتباينة، وكذا من مستوى التمثيل التركي المتدني في الوفد الذي التقى بالوفد الأمريكي، وكان على مستوى مساعدي وزراء الخارجية والدفاع وجهاز الأمن القومي التركي، وامتناع أردوغان عن استقبال الوفد؟

واضح أن الخلافات كبيرة بين الطرفين، بل تبدو العلاقات متوترة للغاية. معبرة هي الصورة التي نشرتها وسائل الإعلام التركية، ويبدو فيها إبراهيم كالن في مظهر المتنمر وهو يتحدث إلى بولتون الذي بدا على وجهه ما يشبه الصدمة. هي طبعاً صورة موجهة إلى الداخل التركي للقول إن تركيا لا تتلقى أوامر من دول أخرى، بل هي قادرة على التنمر حتى على الصقر جون بولتون.

ولكن ماذا عن كل تلك الثرثرات الأمريكية بشأن ضمان حماية الحليف الكردي أو «حماية الأقليات» على ما جاء في إحدى تغريدات ترامب؟ وأي ضمانة يمكن أن يكون أردوغان قدمها للأمريكيين بشأن الحليف الكردي للولايات المتحدة؟

تتحدث بعض التكهنات عن أن الأمريكيين قدموا لتركيا اقتراحات عملية بشأن تدخل تركي في شرق الفرات بما يستجيب للهواجس التركية من قيام كيان كردي متصل على حدودها الجنوبية، وذلك بفتح ممر للجيش التركي من تل أبيض، بحيث ينقطع اتصال الأراضي التي تسيطر عليها «وحدات الحماية»، ويتوغل الأتراك جنوباً لمواجهة بقايا جيوب داعش، مع منع أي احتكاك بينهم وبين القوات الكردية. وبهذه الطريقة يكون الأمريكيون قد حموا حليفهم الكردي وأرضوا حليفهم التركي في وقت واحد.

هل يقبل الأتراك بهذه الصيغة؟ إذا نظرنا إلى تصريحات أردوغان وأركانه وهم يرغون ويزبدون، فلا يمكننا توقع نجاح هذه الصيغة. في حين أن وزير الخارجية الأمريكي بومبيو يؤكد أن أردوغان وعد بعدم المساس بالقوات الكردية!

في الوقت الذي يحفل الفضاء الإعلامي فيه بكل هذه التصريحات والتكهنات المتضاربة، حافظت روسيا على صمتها، فلم تعلق. هل مرد ذلك إلى أن موسكو لا تثق بكلام الأمريكيين، وأنها لم تصدق قصة نيتهم بالانسحاب من سوريا؟ أم أن الأمر يتعلق بتطوير حملات مضادة لمواجهة التقلبات في السياسة الأمريكية في سوريا؟

فجأةً أعلنت قاعدة حميميم عن تسيير دوريات للشرطة العسكرية الروسية في مناطق قريبة من مدينة منبج. فلعل الروس يستعدون ميدانياً لملء الفراغ الذي سيخلفه انسحاب الجيش الأمريكي. ومعروف أنهم يشجعون «الوحدات» الكردية، أي حزب الاتحاد الديموقراطي، على المفاوضات مع النظام بهدف استباق أي حملة تركية قادمة. والصيغة الروسية المقترحة هي تفكيك وحدات الحماية وضم مقاتليها إلى جيش النظام، بحيث يبقون في المناطق التي يسيطرون عليها ولكن باسم «الجيش العربي السوري»! وتسليم المعابر الحدودية للنظام. وبذلك يكون الروس، بدورهم، هدأوا الهواجس التركية من جهة، وقاموا بحماية مقاتلي الوحدات من جهة أخرى!

«عبقرية» روسية في مواجهة «عبقرية» أمريكية، على مذهب لا يجوع الذئب ولا يفنى الغنم.

أما واقع الحال فهو أن الجميع يتسابقون على حماية ذئب النظام الكيماوي، ولا يحفلون بفناء الغنم.

كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

 

 

هل يمكن لواشنطن أن تعتمد على تركيا في هزيمة “داعش”؟/ كولن كلارك، أحمد يايلا

تعني خطة الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا، أن الولايات المتحدة تعتمد على تركيا في تحمل عبء مواجهة الدولة الإسلامية. هذه الخطوة ستقدم للتنظيم الإرهابي فرصة لإعادة إحياء نفسه في هذه المرحلة الحرجة من الحرب.

يزعم ترامب أنه لطالما خطط للخروج من سوريا. ومع ذلك، كان قراره مفاجئاً للكثير من صناع السياسة في الولايات المتحدة بمن فيهم الكونغرس، بخاصة بعد أن أكد مستشار الأمن القومي لدى ترامب جون بلوتون في أيلول/ سبتمبر أن القوات الأميركية ستبقى في سوريا حتى يخرج الإيرانيون منها.

عندما أعلن ترامب انقلابه المفاجئ على ما يشبه سياسة أميركية تجاه سوريا – أي وجود حوالى 2000 جندي من القوات الأميركية ودعم الميليشيات الكردية – فعل ذلك بعد مكالمة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. بعد مرور فترة قصيرة من المكالمة الهاتفية، غرد ترامب قائلاً: “الآن بعد أن هزم داعش تقريباً، يجب أن تتمكن بقية الدول الأخرى، بمن فيها تركيا من تولي أمر المسائل المتبقية”. وأضاف أن الزعيم التركي “أبلغني أنه سيقضي على ما تبقى من داعش في سوريا”.

بعيداً من قبول وجهة نظر تركيا كما هي، هناك مشكلة أساسية في هذه المعادلة. أظهرت أنقرة في كثير من الأحيان تردداً في تولي زمام الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية مباشرة، مفضلة تركيز طاقتها ومواردها على مواجهة الأكراد ومعارضي أردوغان. لعبت تركيا لعبة مزدوجة لسنوات عدة. كان هدف أردوغان الرئيسي هو منع الأكراد السوريين من السيطرة على المزيد من الأراضي وإنشاء محور مواز للحدود التركية الجنوبية. وكان القضاء على وجود الدولة الإسلامية في سوريا – وشبكاتها داخل تركيا – أمراً ثانويا تم تجاهله أحياناً كثيرة.

ومع ذلك، وبسبب إنشاء الدولة الإسلامية بنية تحتية حديثة التكوين في تركيا، من الممكن أن يبعث القرار السياسي الأخير بالانسحاب من سوريا حياة جديدة في المجموعة، ما سيعرض الجنود والمدنيين الأتراك في الداخل للخطر ويسمح للمجموعة بالعودة إلى سوريا.

ليست الحدود التركية عصية على الاختراق الداعشي، كما أن قادة الدولة الإسلامية يدركون أهمية امتلاك عمق لوجستي قوي. تعتبر سوريا منطقة الصراع التي توفر مساحة عمليات للدولة الإسلامية، لكن تركيا – باتصالاتها ومواصلاتها الحديثة وصلاتها الوثيقة مع الاقتصاد العالمي – تمثل نموذج البلد المثالي بالنسبة إلى مجموعة إرهابية لاستغلالها مركزاً لوجستياً. لا تمتلك أجهزة أمنها والاستخبارات التابعة لها سوى موارد محدودة، لا تزال موجهة في المقام الأول نحو محاربة حزب العمال الكردستاني  (PKK)، وهي جماعة تعرفها تركيا جيداً وتحاربها منذ ما يقارب أربعة عقود.

إحدى الحجج الرئيسية التي قدمها أردوغان، والتي كانت مثار خلاف بين أنقرة وواشنطن منذ بداية التدخل الأميركي في سوريا، هي أن الميليشيات الكردية المسماة وحدات حماية الشعب (YPG) وهي الميليشيات الأكثر فعالية في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية هي في الواقع امتداد لحزب العمال الكردستاني. وبما أن الولايات المتحدة  تدعم وحدات حماية الشعب باعتبارها عماد قوات سوريا الديموقراطية، فإنها بذلك ترعى الإرهاب فعلياً. تلقى هذه الرسالة صدى لدى أنصار أردوغان، ولكن لأن وحدات حماية الشعب هي الحصن الأكثر فعالية ضد الدولة الإسلامية، لا تميل الولايات المتحدة لهذا التوصيف إلا قليلاً.

إن الاعتماد على أردوغان يخلق مشكلة متعلقة بقدرته ونيته محاربة الإرهاب وذلك على جبهتين: الأولى محاربة الدولة الإسلامية في ساحة المعركة في سوريا وكذلك القضاء على شبكات الدولة الإسلامية والخلايا الصغيرة من المسلحين المتحصنين بالفعل في تركيا. فبعد الهجمات الكبيرة في أنقرة واسطنبول وغازي عنتاب على مدى السنوات القليلة الماضية، أثبت تنظيم الدولة الإسلامية مدى تنفذه وقدراته العملياتية في الداخل التركي.

فيما يتعلق بمحاربة الدولة الإسلامية في سوريا، تتباهى تركيا بوجود جيش قوي لها في سوريا ولو كان ذلك على الورق. لكن حتى مع محاصرة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في المدن والقرى الصغيرة على طول وادي نهر الفرات الأوسط، لم تكن الولايات المتحدة قادرة على القضاء التام على بقايا الجماعة. إذاً، لماذا يعتقد ترامب أن الأتراك سيكونون قادرين على تحقيق هذا الهدف؟ إضافة إلى أن انسحاب الولايات المتحدة يأتي وسط موجة من التقارير، التي تفيد بأن تنظيم الدولة الإسلامية يجهز نفسه لمعركة طويلة ويستعد لشن حرب عصابات في الأراضي السنية في شرق سوريا.

سيكون من الصعب محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، بخاصة في الوقت الذي تم فيه تحجيم قيادات قوات الأمن التركية. أطلقت تركيا في أواخر عام 2013 تحقيقاً مناهضاً للفساد، تم تسريعه بعد حدوث محاولة انقلاب في  تموز/ يوليو 2016. وأدى عدم الاستقرار إلى إثارة قضايا متعلقة بالقيادة، وخلق شقاقات بين قوات الجيش والقيادة الاستخباراتية. طهرت الحكومة التركية البلد من مئات آلاف الموظفين العموميين في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الشرطة وضباط الجيش والمدعين العامين والقضاة. ونتيجة لذلك، لم يتبق في الدولة سوى موظفي مكافحة إرهاب وجهاز مخابرات غير مدربين وعديمي الخبرة، وغالباً ما يعانون من مشكلات حقيقية وينتهكون حقوق الإنسان.

وبدلاً من اتباع نهج أكثر شمولية، ركزت سياسة أردوغان الأمنية على شيء واحد إما محاربة الأكراد أو محاربة الدولة الإسلامية. غابت الإرادة السياسية من جانب الحكومة التركية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وهو أمر مثير للقلق إلى حد ما، في ضوء العمليات التي أطلقتها الدولة الإسلامية على الأراضي التركية. وتشمل هذه الهجمات الكبرى حادث مطار أتاتورك الذي حدث في حزيران/ يونيو 2016 في اسطنبول أو الهجوم على ملهى Reina الليلي في كانون الثاني/ يناير 2017. ظاهرياً، ينبغي أن يكون لتركيا مصلحة في اقتلاع جماعة إرهابية من أراضيها. لكن في الشرق الأوسط، لا يزال المثل القائل “عدو عدوي هو صديقي” سارياً، لذلك تنظر أنقرة إلى الدولة الإسلامية باعتبارها “عمقاً استراتيجياً” ضد الأكراد، على غرار اعتماد المخابرات والجيش الباكستانيين على حركة طالبان، على رغم الهجمات التي توجهها ضد الأفراد الباكستانيين. تعد هذه الأشياء ببساطة مجرد تكلفة تدفع مقابل القيام بأعمال في منطقة خطرة.

قد يكون للأمر بعد طائفي، إذ دأبت الدولة الإسلامية على قتال نظام بشار الأسد الذي يعتبر رمزاً للإسلام الشيعي، في حين عمل أردوغان باجتهاد لتعزيز صورته كمدافع عن الإسلام السني في المنطقة. بدأت التحالفات تتحول بالفعل، إذ طلبت وحدات حماية الشعب من نظام الأسد نشر قوات في منبج بالقرب من الحدود التركية. يدرك بعض صناع السياسة في الولايات المتحدة أن تنامي العلاقة بين الأسد والأكراد، قد يكون ضاراً على المدى البعيد وهرعوا إلى ترامب محاولين إقناعه بإبطاء الانسحاب المخطط له أو حتى التراجع عنه.

عواقب قتال الأكراد وتجاهل الدولة الإسلامية يمكن أن يكون ضررها مضاعفاً بالنسبة إلى الأتراك في الداخل. إذا استمر أردوغان في مهاجمة الأكراد في شمال سوريا، فإنه سيبقي الجيش التركي منشغلاً في تلك الجبهة وهو ما قد يدفع المسلحين الأكراد للانتقام في الداخل التركي.

أثبتت الجماعات الإرهابية الكردية على مر السنين قدرتها على ضرب قلب تركيا وإحداث دمار كبير. في صيف عام 2015، قتل متشددون أكراد جندياً تركياً وأصابوا آخرين في أديامان، في حين قُتل شرطيان بالرصاص في مدينة رأس العين التركية. لذا، مع انتشار القوات العسكرية التقليدية في بلد آخر والقيام بتحقيقات وعمليات مكافحة الإرهاب ضد الإرهابيين الأكراد داخلياً، فإن قدرة أردوغان على الوفاء بوعده لترامب بالقضاء على ما تبقى من الدولة الإسلامية في سوريا أمر مشكوك فيه.

إذا سمح لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية بإعادة بناء شبكاتهم في تركيا، فإن العواقب ستكون وخيمة. سيكون تنظيم الدولة الإسلامية قادراً على استخدام تركيا داعماً لوجيستياً، ما سيغذي نشاطه عبر الحدود السورية. كما يمكن أن تقوم عناصر متمردة بشن هجمات في تركيا، بينما قد تخطط خلايا أخرى لشن هجمات في أوروبا.

لم تكن تركيا صادقة في حربها ضد الدولة الإسلامية، وغالباً ما كانت ترسل رسائل متعارضة لحلفائها وأعدائها على حد سواء. فقد سافر ما بين 8000 و10000 تركي إلى سوريا والعراق، ليكونوا محاربين أجانب في صفوف التنظيم منذ بداية النزاع. ووفقاً لاستطلاع الاتجاهات الاجتماعية الذي أجرته تركيا على 1500 شخص في جميع أنحائها عام 2015، قال حوالى 9 في المئة من الأتراك أنهم يعتقدون أن تنظيم الدولة الإسلامية ليس منظمة إرهابية، وقال أكثر من 5 في المئة إنهم يؤيدون تصرفات الدولة الإسلامية.

من المقرر أن تجري تركيا انتخابات محلية في 31 آذار/ مارس 2019. وأعرب أردوغان عن قلقه من نتائج هذه الانتخابات وسط الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا. كانت محاربة حزب العمال الكردستاني في كثير من الأحيان أداة محلية مهمة لأردوغان لتعبئة قاعدة الناخبين القوميين في تركيا، وقد تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية في انتخابات آذار. ويُعتقد أن السياسة الداخلية هي دافع رئيسي لمنطق أردوغان عندما أعلن في منتصف شهر كانون الأول/ ديسمبر – قبل أسبوعين من اتصاله الهاتفي مع ترامب – أن تركيا ستبدأ عملية عسكرية ضد قوات سوريا الديموقراطية.

يصعب تحديد الكيفية التي ستتمكن بها تركيا من محاربة الدولة الإسلامية بفعالية في الوقت الحالي. يتمركز معظم الأفراد المتبقين من جيش الدولة الإسلامية على بعد أكثر من 300 ميل من حدود تركيا. وبالتالي، يكاد يكون مستحيلاً بالنسبة إلى الجيش التركي وحلفائه المحليين، الوصول إلى هذه المناطق للقتال بفعالية ضد الدولة الإسلامية والسيطرة الكاملة عليها.

يعتمد أردوغان على الجيش السوري الحر (FSA) – مجموعة من الضباط العسكريين العرب السوريين الذين خدموا سابقاً في ظل حكم الرئيس السوري بشار الأسد – في المناطق التي يسيطر عليها. ربما كان يخطط لاستخدام الجيش السوري الحر خلال هجومه الموعود على قوات سوريا الديموقراطية، ولكن هناك مجموعة من القضايا المعقدة التي يجب أخذها في الاعتبار. أولاً، هذه قوة غير منظبطة، هناك تقارير حول الفظائع التي ترتكبها هذه القوات بدعم من تركيا. وردت أنباء عقب عملية قام بها المتمردون السوريون المدعومون من تركيا في عفرين في آذار عن نهب ممتلكات السكان المحليين وسرقتها.

وأكثر ما يثير القلق هو التداخل المحتمل بين الدولة الإسلامية والجيش السوري الحر. من المعروف أن بعض مقاتلي الدولة الإسلامية انضموا إلى الجيش السوري الحر وصعدوا إلى مناصب قيادية. على سبيل المثال، سيف أبو بكر، قائد جناح حمزة في الجيش السوري الحر، هو عضو سابق في الدولة الإسلامية ينحدر من مدينة الباب. يعمل كثيرون من مقاتلي الدولة الإسلامية الآن قادة في الميليشيات المدعومة من تركيا.

بالنظر إلى كل هذه العوامل، من الواضح أن أردوغان ليس صادقاً تماماً في وعده بمحاربة الدولة الإسلامية. يركز الرئيس التركي بدلاً من ذلك على مساعدة حزبه على تكريس المزيد من السلطة في الانتخابات المحلية المقبلة، والوعد الذي  وعده لترامب بالقضاء على الدولة الإسلامية هو مجرد أداة محلية مفيدة لمساعدته على تعزيز شعبيته باعتباره زعيماً كفؤاً وقائداً عسكرياً محنكاً.

يمكن أن تؤتي مقامرة ترامب ثمارها، لكن لن يحصل هذا إلا إذا أوفى أردوغان بوعده بتدمير الدولة الإسلامية، وهو وعد يشير التاريخ إلى أن رئيس تركيا لن يكون راغباً في الوفاء به، بغض النظر عن مدى رغبة واشنطن في تخليص نفسها من مستنقع الحرب الأهلية السورية بسرعة.

هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

The United States Can’t Rely on Turkey to Defeat ISIS

درج

 

 

 

 

 

لنخرج من هنا/ مايكل يونغ

أثار قرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من سورية صدمةً متوقَّعة في أوساط المعنيين بالسياسة الخارجية في واشنطن، ودفعَ وزير الدفاع جيمس ماتيس إلى إعلان استقالته يوم الخميس، موجِّهاً الملاحظة الجانبية الآتية إلى ترامب في رسالة استقالته: “آرائي عن معاملة الحلفاء باحترام وكذلك عن امتلاك رؤية واضحة عن الأفرقاء الخبثاء والخصوم الاستراتيجيين على السواء شديدة الرسوخ وتستند إلى اطّلاع عميق على هذه المسائل على امتداد مايزيد عن أربعة عقود”.

كانت الأسباب المعلَنة التي ذكرها الرئيس وراء إصداره الأوامر بالانسحاب، مشوِّشة. ففي البداية، أعلن أنه أقدم على هذه الخطوة لما مفاده: “هزمنا الدولة الإسلامية في سورية، وهو السبب الوحيد لوجودنا هناك خلال رئاسة ترامب”. لكن يبدو أن ترامب تذكّر أن الدولة الإسلامية لم تُهزَم، فأعقب تغريدته هذه بتغريدتَين تُعبّران عن نيّة مختلفة: إذاً، أُلحِقت هزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، لكن روسيا وإيران وسورية غير مسرورة لأنه سيكون عليها أن تستمر في محاربة التنظيم بمفردها، مايعني أنه لم يُهزَم. أكثر من ذلك، هذه التصريحات غير المترابطة صادرة عن رئيس يُوجّه الرسائل عبر هاتفه، في حين أنّ مَن يديرون السياسة الأميركية في الملف السوري تُرِكوا في حالة من التعتيم إلى حد كبير، وراحوا يتخبطون لتغييرالقرار الذي اتُّخِذ، إنما من دون جدوى. وفي خطوة أشبه بملاحظة على الهامش، أصدر ترامب أيضاً يوم الخميس قراراً بانسحاب عسكري واسع النطاق من أفغانستان.

من سخرية القدر أن بعضاً من الأميركيين الأشد دعماً لترامب، الذين كانوا قد أثنوا على قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، استشاطوا غضباً، إذ اعتقدوا بأن هذه الخطوة قد تقوّض عملية احتواء إيران. فقد غرّد مارك دوبوفيتز من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات قائلاً: “لقد أجهز ترامب على خطة النقاط الـ12 التي وضعها [وزير الخارجية مايك بومبيو] وضمّنها، في بادرةٍ حكيمة، نقاطاً عدّة تتعلق بتعطيل التأثير الإيراني في المنطقة ودَفْعِه نحو الانحسار”. ويُشار إلى أن دوبوفيتز كان قد تعاون مع الإدارة الأميركية لوضع استراتيجية للتعامل مع طهران، وشجّعها على تقديم الدعم المطلق لإسرائيل.

التهمة التي درَج اليمين السياسي في الولايات المتحدة على توجيهها إلى طهران هي أنها تلجأ، مدفوعةً برغبتها في توسيع امتدادها في المنطقة، إلى تدمير النظام الإقليمي الذي واظبت واشنطن على الدفاع عنه طوال عقود في الشرق الأوسط. هذا صحيح بالطبع، إنما ثمة إجماعٌ راهناً بأن ترامب ذهب أبعد من الجميع في تدمير ذلك النظام، لسببٍ وحيد هو أنه لايأبه إطلاقاً بمنطقة نعتَها بأنها “جزءٌ بغيض من العالم”.

لذلك لابد للمرء أن يشعر بشيء من الرضى وهو يشاهد داعمي ترامب يستشيطون غضباً ضد خطواته الأخيرة في سورية. فقد دأبوا، على امتداد عامَين ونيّف، على مؤازرة ترامب الذي صوّروه بأنه نقيضُ باراك أوباما الذي سعى إلى إجراء مراجعة جذرية للدور الأميركي في الشرق الأوسط. لكنهم باتوا يدركون اليوم أن ترامب وأوباما متشابهان في تعاطيهما مع المنطقة إلى درجة أكبر بكثير مما قد يرغبون في الإقرار به. لاشك أنه كانت لأوباما مقاربة مختلفة عن تلك التي يعتمدها ترامب في التعامل مع إيران، بيد أنه كانت للرجلَين النظرة نفسها إلى الشرق الأوسط لدى تسلّمهما الرئاسة، إذ رأيا فيه استنزافاً عقيماً للموارد الأميركية، واعتبرا أن المنطقة لاتحمل آمالاً كبيرة للمستقبل، وأن على دولها أن تعتني بشؤونها بنفسها، وأن تتوقّف عن الاعتماد على القوة الأميركية لحل مشاكلها.

عندما انقلب ترامب على المقاربة التي انتهجها أوباما عبر انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، وتقديمه الدعم لحلفاء بلاده التقليديين مثل إسرائيل والسعودية، سادت بهجةٌ عارمة في أوساط منتقدي أوباما. في رأيهم، لايمكن أن يخطئ ترامب. هذا كان قبل الأسبوع الراهن، حيث أظهر قراره في الملف السوري أنه لانيّة لديه لتخطّي حدود معيّنة في معارضته للإيرانيين. ربما اتخذ ترامب قراراً سيّئاً، إنما ليس بإمكان أحد أن يدّعي أنه اعتمد التضليل. كان ينبغي على داعميه المحبَطين أن يدركوا أنه سيُخيّب ظنّهم، غير أن رضاهم الذاتي عن سلوكه تجاه إسرائيل والسعودية دفعَ بهم، على نحوٍ خاطئ، إلى الافتراض بأنه سيتبنّى تفضيلاتهم إلى مالانهاية.

إذاً أين نحن الآن؟ مع انسحاب الولايات المتحدة قريباً من سورية، سوف تصبح إسرائيل وحيدةً في موقع الخصم الإقليمي الفاعل لإيران. سرعان ما أدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الواقع،وأعلن في مطلع هذا الأسبوع: “سوف نستمر في التحرك في سورية درءاً للمسعى الذي تقوم به إيران لتحصين نفسها عسكرياً ضدنا. لن نخفّض جهودنا؛ بل سنزيدها. وأنا أعلم أننا نحظى في مسعانا هذا بالدعم والمؤازرة الكاملَين من الولايات المتحدة”.

يعني ذلك أننا نشهد على تكوُّن نظامٍ إقليمي جديد، حيث ستكون إسرائيل في مقلبٍ وإيران في المقلب الآخر، فيما تقف روسيا في الوسط تكتسب نفوذاً وتَجمع أوراقاً سياسية في رصيدها. لاعجب في أن الإسرائيليين والسعوديين، شأنهم في ذلك شأن الأتراكوالأكراد السوريين وحتى اللبنانيين، يعملون على بناء روابط مع موسكو، إذ يستشعر جميعهم أنه لايمكن الاعتماد على أميركا في مسائل النفوذ. اليوم، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الشخص الذي يحتكم إليه قادة المنطقة، حتى ولو كانت روسيا أضعف من الولايات المتحدة. فمن أجل الحصول على النفوذ، يجب القتال في سبيله، ويبدو بوتين أشد براعة بكثير في هذا المجال من الشخصية التلفزيونية العابثة التي تحكم أميركا اليوم.

هناك المسألة الصغرى المتعلقة بالأرواح التي قد تُزهَق جرّاء خروج ترامب من سورية. لكن النتائج المحتملة قد لاتكون دموية بقدر ماهو متوقّع. فالأكراد السوريون، وفي مواجهة الخطر الداهِم بحدوث تدخّل تركي في شمال سورية، قد يلجأون إلى النظام السوري وروسيا ويحاولون التوصّل إلى ترتيبٍ ما معهما. لقد عبّر الأتراك عن ترحيبهم بالانسحاب الأميركي، إنما قد يقبلون على الأرجح بعودة قوات النظام السوري إلى شمال سورية ليتمكّنوا من خنق التطلعات السياسية للأكراد. وسوف يستعيد الرئيس السوري بشار الأسد السيطرة على حدوده، الأمر الذي يعود حكماً بالفائدة على إيران. وفي جنوب سورية، قد نشهد استمرار الصراع الإيراني-الإسرائيلي على المناطق المتاخمة لمرتفعات الجولان، الأمر الذي سيؤدّي، على نحوٍ شبه مؤكّد، إلى تعزيز الدور المركزي الذي تؤدّيه روسيا في رسم معالم نتيجة نهائية هناك.

نهاية العالم ليست وشيكة، وفق مايدّعي عددٌ كبير من منتقدي ترامب، لكننا نقف على مشارف شرق أوسط جديد. ربما سيكون ترامب، ذات يوم، موضع ثناءٍ لأنه أدرك أن المنطقة لاتستحق عناء المجهود. لكن في الوقت الراهن، سيكون على الولايات المتحدة أن تُقرّ بأنها تتسبب بأوضاع أكثر هشاشة إلى حد كبير من تلك التي ورثها ترامب. وهذا سيحمل معه حروباً جديدة وتحولات جديدة، ماقد يدفع الولايات المتحدة للعودة إلى المنطقة. وانطلاقاً من الدرس الذي تعلّمه أوباما، يمكنك أن تسجّل خروجك من الشرق الأوسط إنما لايمكنك أن تغادره فعلاً.

مركز كارنيغي للشرق الأوسط

 

 

 

 

كيف ستتعامل إسرائيل مع انسحاب أميركي محتمل من سورية؟/ مايكل يونغ

بيسان الشيخ | كاتبة وصحافية ومستشارة إعلامية مقيمة في اسطنبول، ومراسلة سابقة في صحيفة “الحياة”

 

سيكون رد الفعل الإسرائيلي على انسحاب أميركي مرتقَب من سورية منسجماً مع المصالح الاستراتيجية الأساسية لإسرائيل، ولاسيما احتواء التهديد الذي تمثّله إيران ووكلاؤها، والذين يُرجَّح أن يزداد نفوذهم في حال تسبّب الانسحاب الأميركي بفراغ سياسي. لذلك من مصلحة إسرائيل أن تضغط من أجل تأجيل الانسحاب الأميركي، بما يتيح لها كسب الوقت لوضع استراتيجية دفاعية بغية الحفاظ على أمنها وهامش المناورة أمامها، لمهاجمة الأهداف الإيرانية في دمشق ومحيطها. وقد ظهرت علامات التأجيل جليّةً في الأيام الأخيرة مع قيام إدارة ترامب بتحديد شروط لانسحابها من سورية.

يُعيد التزام واشنطن الأخير بحماية حلفائها الأكراد في المنطقة، فتح الباب أمام دخول تركي جزئي إلى منبج وتل أبيض، لأن الأتراك سيسعون إلى الحصول على تعويض بطريقة من الطرق. سيؤمّن الوجود التركي منطقة عازلة في وجه النفوذ الإيراني هناك، أو يساهم مؤقتاً في تجميد الوضع بانتظار تبلور عملية سياسية ما. يمكن أن يكون الوجود التركي عامل اطمئنان لإسرائيل، لأنه لطالما أظهرت الدولتان، على الرغم من العلاقة العاصفة بينهما، التزاماً بحماية مصالحهما الأمنية المشتركة وسط الخلافات بينهما.

إنما قد لاترغب أنقرة في الدخول في مواجهة كاملة مع الأكراد إذا لم تكن مدعومةً من تفاهم روسي-أميركي. تعتبر تركيا أنه يمكن القضاء على التمرد الكردي والحد من تأثيره بمجرد تسليم المنطقة إلى النظام السوري وحلفائه الإيرانيين. بالطبع، إيران هي المرشّحة الأكثر استعداداً لملء الفراغ الذي قد تُخلّفه واشنطن. بيد أن ذلك يعني أنها ستحظى بفرصة لفرض سيطرتها في مزيد من المناطق السورية وخارجها. وسوف تراقب إسرائيل هذه الديناميكيات عن كثب.

 

روبرت ساتلوف | مدير تنفيذي في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

 

غالب الظن أن رد الفعل الإسرائيلي على انسحاب الرئيس دونالد ترامب من سورية، عند حدوثه، سيكون مطابقاً لردود الفعل التي تصدر عن إسرائيل منذ اتضح قبل خمس سنوات، )عندما أحجم الرئيس باراك أوباما عن تنفيذ كلامه عن “الخط الأحمر” في سورية لمنع استخدام الأسلحة الكيميائية(، أن واشنطن غير مستعدة لاستثمار الكثير من الدماء والموارد من أجل التأثير في الوجهة السياسية للبلاد. سوف يستمر الإسرائيليون في شن ضربات قوية ضد أي مجهود إيراني لإنشاء قاعدة عسكرية صناعية في سورية، بغية نقل الأسلحة المتطورة إلى البلاد، أو نقلها إلى حزب الله عن طريق سورية، أو ضد أي مجهود تبذله إيران للدفع بقواتها أو ميليشياتها إلى التقدم باتجاه مواقع قريبة من الحدود الإسرائيلية. ,في حين أن القرار الأميركي بالانسحاب من سورية هو قرار “مهم”، وفق ماجاء على لسان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي إيزنكوت، إلا أنه لايُغيّر في مسار السياسة الأميركية، ولافي الحسابات الاستراتيجية لإسرائيل.

إذا نظرنا قدماً إلى الأمام، سنرى أن المتغيرات الأساسية – بالنسبة إلى إسرائيل وسواها من الأفرقاء الإقليميين – تتمثّل في ماإذا كانت الاستراتيجية العربية الجديدة القائمة على فَطم الرئيس السوري بشار الأسد عن إيران عبر استعمال العسل بدلاً من الخل، سوف تعود بثمارها؛ وماإذا كان التحالف الروسي-الإيراني-السوري قادراً على الصمود في حال انتصار الأسد؛ وماإذا كانت تركيا ستفي بوعدها بمحاربة الدولة الإسلامية أو ستعمد بدلاً من ذلك إلى تركيز قوتها العسكرية حصراً على سحق الأكراد في سورية؛ وماإذا كانت العقوبات الاقتصادية الشديدة كفيلة لوحدها بفرض التغيير العميق في طهران، وفقاً للتصوّر الذي وضعه مهندسو العقوبات الأميركيون.

 

مهند الحاج علي | مدير الاتصالات والإعلام في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، مؤلف “القومية والنزعة العابرة للأوطان والإسلام السياسي: هوية حزب الله المؤسسية” (Nationalism, Transnationalism, and Political Islam: Hizbullah’s Institutional Identity) (بالغريف مكميلان، 2017)

الفائزان الأكبر من الانسحاب الأميركي، عند حدوثه، سيكونان النظام السوري وروسيا. وقد كشف المشهد الذي تجلّى في منبج عن مستوى معيّن من التنسيق بين قوات سورية الديمقراطية الخاضعة لسيطرة الأكراد وبين النظام السوري، ماأتاح للقوات السورية دخول الأراضي الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية من دون قتال. نظراً إلى هذا الواقع، رد الفعل المنطقي الوحيد الذي يمكن أن يصدر عن إسرائيل هو الاعتماد المتزايد على روسيا لضمان احتواء الوجود الإيراني في سورية. في المقابل، بإمكان إسرائيل تيسير جهود التطبيع التي يبذلها النظام السوري، وربما تساهم في التخفيف من حدّة المقاطعة الدولية الراهنة لإطلاق عملية إعادة إعمار في سورية. وعلى ضوء تطور التنسيق بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي في الملف الإيراني خلال الأعوام القليلة الماضية، يمكن النظر إلى استعادة العلاقات الدبلوماسية بين الدول العربية ودمشق، والدور العربي المحتمل في تمويل إعادة الإعمار، بأنهما يصبان في إطار السعي إلى احتواء الدور الإيراني في سورية بعد النزاع.

 

إليوت أبرامز | زميل رفيع المستوى لدراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، نائب مساعد سابق للرئيس الأميركي، ونائب سابق لمستشار الأمن القومي

سوف يتبلور رد الفعل الإسرائيلي بثلاث طرق. أولاً، في سورية، سوف تواصل إسرائيل لابل ستزيد عملياتها ضد إيران. من الواضح أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لايعترض على هذه الهجمات، لأنه لايريد، في رأيي، أن تصبح سورية خاضعة تماماً للسيطرة الإيرانية، كما أن الولايات المتحدة لن تعود موجودة لإسداء النصيحة إلى إسرائيل بوجوب ضبط النفس. ثانياً، سوف يساهم الانسحاب الأميركي في إقناع عدد كبير من الدول العربية بأن إسرائيل هي حليفٌ لايُقدَّر بثمن في مواجهة إيران، الأمر الذي سيؤدّي إلى تعاون أوثق (ولو بقي سرياً في معظمه) بين تلك الدول وإسرائيل. ثالثاً، سوف يُذكّر الانسحاب الأميركي الإسرائيليين بأنه في نهاية المطاف، حتى الأميركيون ليسوا حليفاً موثوقاً تماماً، وبأنه عليهم بالتالي أن يأخذوا على عاتقهم مهمة الدفاع عن أنفسهم (وفقاً للصيغة القديمة). وهكذا، يبدو احتمال تنفيذ إسرائيل انسحابات من الضفة الغربية أشد خطورة وحتى أقل ترجيحاً في خضم الاضطرابات التي تشهدها المنطقة الأوسع.

مركز كارينغي للشرق الأوسط

 

 

 

 

الكُرد بين صراع الأضداد/ آلان حسن

ليس للحرب في سورية أي نظير منذ الحرب العالمية الثانية في النصف الأول من القرن الماضي، من جهة التناقضات الحاصلة فيها وعليها، فقد وقفت دول كبرى عديدة مواقف متناقضة في زمن قياسي، وكانت لعبة الكراسي الموسيقية التعبير الأدق عن الحالة التي اعترت المشهد السوري السوريالي.

أدخلت سورية العالم كله في موجةٍ من التردّد السياسي غير المسبوق، بدءاً من الولايات المتحدة الأميركية، مروراً بالاتحاد الروسي، وليس انتهاءً بالقوى الإقليمية مثل تركيا والسعودية. ووحده ظل الموقف الإيراني ثابتاً، فنظام الجمهورية الإسلامية حسم خياره منذ الأيام الأولى للحرب، حيث شارك بشكل مباشر، وغير مباشر، في قمع الاحتجاجات غير المسبوقة في بلدٍ اعتاد الصمت المطبق، ولم يعرف التعدّدية السياسية منذ ستينيات القرن الماضي.

لم يشذّ الكُرد عن القاعدة السورية العامة. تردّدوا في التعامل مع الوضع القائم. شاركوا، بحدود، في الاحتجاجات السلمية خلال الأشهر الأولى للأزمة، وما لبث أن تم الفرز بين طرفٍ نسّق مع دمشق، وأنشأ مشروعاً للإدارة الذاتية مع مكونات المنطقة الموالية له (حزب الاتحاد الديمقراطي)، وآخر اختار الوقوف مع صف الداعين إلى إسقاط النظام (المجلس الوطني الكُردي).

كان مشروع “الاتحاد الديمقراطي” منظماً إلى درجة أنه أصبح واقعاً في فترة قصيرة نسبياً،

بالتزامن مع انسحاباتٍ رسميةٍ سوريةٍ لصالح تنظيمه العسكري “وحدات حماية الشعب”، ولاحقاً تخلى رويداً رويداً عن دعم دمشق في مقابل العلاقة مع واشنطن. أما “الوطني الكُردي” فكان واضحاً في اتجاهه السياسيّ، حيث وقف في صف المعارضة، بدءاً من المجلس الوطني السوري منذ تأسيسه في إسطنبول عام 2011، وصولاً إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي تأسس في الدوحة عام 2015، انتهاءً بالهيئة العليا للتفاوض.

بقيت القضية الكُردية تشكل حالة شدٍّ وجذب لدول منطقة الشرق الأوسط، ولعلها أصبحت بيضة القبان في توازنات المنطقة، في ظل الصراعات الطائفية التي تعصف بالمنطقة. الشعب المقسم بين دولة فارسية شيعية، تسخر كل الانتماءات خدمة لأيديولوجيتها، وأخرى طورانية قائمة على أنقاض دولةٍ عثمانيةٍ بنظام قومي بحت، يلغي كل ما سواه. وفي العراق، تعرّض الكرد لحملات إبادة جماعية ومجزرة كيميائية في حلبجة عام 1988. أما في سورية، فكان الوضع مختلفاً، فإنكار الوجود الكُردي كان ديدن الحكومات السورية المتعاقبة، فَحُرمَ آلاف منهم من الجنسية.

لم تُعرَف القضية الكُردية في سورية بشكلها الصرف كما في الأعوام التي تلت 2011؛ مع سيطرة وحدات حماية الشعب “الكُردية” على المناطق ذات الغالبية السكانية الكُردية، وأصبحوا بذلك رقماً صعباً في المعادلة السورية. وأصبحت مناطق “الإدارة الذاتية” الممتدة من ديريك شرقاً إلى عفرين غرباَ تتمتع بحكم ذاتي، وتحالفت مع الولايات المتحدة منذ معركة استعادة السيطرة على عين العرب أواخر العام 2013، وتوجت بعدها بالسيطرة على مدن تل أبيض ومنبج والرقة (عاصمة تنظيم داعش) وأجزاء دير الزور الواقعة شرق نهر الفرات، والتي اعتُبِرَت حدوداً لمناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” المحمية أميركياً في مقابل نفوذ روسيا الاتحادية على غرب الفرات، وفق تفاهمات الوزيرين، الأميركي جون كيري والروسي لافروف، منتصف العام 2016، بالإضافة إلى منطقتي نفوذ تركية، أولاهما في ما تسمى منطقة درع الفرات، وتضم مدن جرابلس والباب وإعزاز، والثانية في إدلب.

لم تقطع الإدارة الذاتية الكُردية خيوط الاتصال مع روسيا، على الرغم من أنها جزء من التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ولكن موسكو لم تكن لترضى بدعم كيان مرتبط بعلاقات مميزة مع خصمها واشنطن. وجرّاء ذلك سلمت مدينة عفرين لتركيا، بعد أن كانت موجودة بعسكرييها في المدينة إلى أن انسحبت منها، تمهيداً لعملية غصن الزيتون أوائل العام 2018، والتي سيطرت فصائل سورية معارضة مدعومة من الجيش التركي عليها.

حاولت أنقرة إبرام صفقة مماثلة مع إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في منبج (غرب الفرات) تمهيداً لأخرى في منطقة شرق الفرات، والقضاء على الإدارة الذاتية الكُردية، لكن الاتفاق لم يتم تطبيقه بشكل نهائي، إلى أن أعلن ترامب سحب قواته العاملة في سورية بشكل سريع وكامل، الأمر الذي أربك حسابات الجميع في الملف السوري. ولم تشكل كامل المنطقة الحدودية بين تركيا ومناطق الإدارة الذاتية أي تهديد كردي على أنقرة، وعلى النقيض من ذلك، كانت الحدود التركية مقرّاً وممراً لفصائل سورية معارضة، وجهادية متطرفة، هاجمت فيها مناطق سيطرة الكُرد. وتبقى هناك هواجس لسيناريو مشابه لعفرين في شرق الفرات، في ظل قرب انتهاء المعارك وبدء عقد الصفقات بين الدول الكبرى.

وقد وضع الانسحاب الأميركي أفرقاء تفاهمات أستانة (روسيا وإيران وتركيا) في حيرة،فروسيا وإيران تخشيان من سيطرة أنقرة على المنطقة الاستراتيجية الغنية، ما سيمكن تركيا من فرض سيناريوهات على مستقبل سورية، وترغبان في أن تستحوذ الحكومة السورية على تركة الولايات المتحدة في شرق الفرات. ولعل إعلان الجيش السوري دخوله مدينة منبج أولى أمارات هذا التوجه. وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة قد أعلنت أنها ستنسحب من سورية، وستسلم مناطقها للجيش التركي، فالرئيس ترامب قالها من دون مواربة لنظيره التركي “سورية كلها لك.. لقد انتهينا”، لكن من الصعوبة بمكان تخيّل هجوم تركي، من دون التنسيق مع روسيا، كما حصل في عفرين سابقاً. وعليه، التهديدات التركية، على جديتها، غير قابلة للتطبيق في الوقت الراهن، فحكومة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أضعف من أن تهاجم منطقة ما، من دون التنسيق مع القوى العظمى.

يراهن حزب الاتحاد الديمقراطي على التناقضات بين القوى الإقليمية والدولية، للوصول إلى الحقوق الكُردية التي طالما أنكرتها الحكومات المتعاقبة، ووجدوا فيهم، في أحسن الأحوال، أقلية تعيش ضمن حقوقٍ مقيدة، لا ترقى إلى درجة المواطنة الكاملة، والعيش في بلدٍ لا يميز بين شعوبه. ويبقى الخيار الأسلم أمام “الاتحاد الديمقراطي” هو التفاوض مع الحكومة السورية، وبضمانةٍ روسية، والمطالبة بحقوق قابلة للتحصيل، والتخلي عن المشاريع الطوباوية التي تسيطر على مخيلته منذ سنوات، ولم ينل الكُرد منها سوى الخيبات.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

 

المسألة الكردية من جديد/ سميرة المسالمة

تجاهلت المعارضة السورية، على مدار الأعوام الثمانية الماضية، الدخول في حوار جدّي يفضي إلى رؤى واقعية في التعاطي مع المسألة الكردية، ما جعلها واحدةً من القضايا المسكوت عنها في الواقع السوري، لأن بعضهم يحاول التجاهل أو التأجيل، إما لإنكار هذه المسألة برمّتها، خدمةً لأجندات أيدولوجية أو دولية، أو للحؤول دون كشف التناقضات في رؤية الأطراف المختلفة للقضية المعنية، أو المختلف على تعريفها، بين القوى السياسية السورية، خصوصا أنها تخضع لتجاذباتٍ أو توظيفاتٍ متضاربة، بما في ذلك المجموعات السياسية الكردية التي انفصلت، و”فصلنت قواها المسلحة” تحت شعاراتٍ متضاربة، وداعمين متناقضين (تركيا من جهة، والولايات المتحدة وأوروبا) في وجهات نظرهم حول حقوق الكرد، أو حتى نفيها.

ما يعني أن المعارضة أسهمت بقصد في دحرجة المسألة الكردية إلى الأمام، لتصبح اليوم ككرة “نار” تحرق كل المتلاعبين بأساسيات العمل الوطني الجامع بين مكوّنات السوريين على اختلاف قومياتهم من عرب وكرد وغيرهم، ما جعل خيارات التسوية المطروحة اليوم بعد الموقف الأميركي المرتبك تجاه مسؤوليتهم في حماية شركائهم الكرد، ليس في مصلحة أيٍّ من أطراف المعارضة، سواء المحسوبة على تركيا مع شقها الكردي (المجلس الوطني)، أو المحسوبة على دول أخرى، مع استخدام الورقة الكردية لعقد الصفقات المشبوهة، سواء مع النظام، أو الأطراف الداعمة لما يمكن تسميتها قيادة المعارضة السورية، الأمر الذي يضرّ بالمسألة المحورية المتعلقة اليوم ببناء النظام البديل عن النظام الحالي، وإرساء التحول نحو الحرية والمواطنة والديمقراطية.

وهنا يمكن القول إن الاعتراف بحقيقة وجود أزمةٍ في المعارضة تشبه أو تتساوى مع أزمات الأحزاب الكردية في عدم جدية كل هذه الأطراف في دخول حوار، أو حتى مفاوضات من شأنها الوصول إلى تقاطعاتٍ وحلولٍ للمسألة الكردية التي هي أساساً ذات وجهين: أولهما يتعلق باعتبارها قضية قومية لشعب هو جزء من الشعب السوري، وجرى حرمانه من هويته وحقوقه، الفردية والجمعية. وثانيهما يتعلق بقضية المواطنة، أو غياب مكانة المواطنة في الدولة والمجتمع السوريين، بحكم طبيعة السلطة الحالية، والتي تنافست المعارضة، بكل هيئاتها التي تشكلت عبر سنوات ثمان، على تقليد السلطة التي يفترض أنها ثارت عليها، وتقمص أدوارها المغرقة في القومية، والتي قابلتها على الوجه الآخر المجموعات الكردية بحلم الدولة المنفصلة والقومية، في ظروفٍ دوليةٍ معاديةٍ لهذا التوجه والنهج، ما يعني عدم قدرة الكرد السوريين على الاستفادة مما حدث في العراق، وإعادة ترتيب أولوياتهم، بعيداً عن وهم الدعم الدولي، وضمن ما يسمّى الحل السوري الشامل الذي يعتمد مبدأ الحقوق الفردية والقومية المتساوية في وطنٍ واحدٍ تحكمه منظومة قوانين ودستور غير تمييزي، ما يجعل هذا الأمر هو الأكثر خدمةً للسوريين، عرباً وكرداً وقومياتٍ كثيرة، يتشكل منها الشعب السوري، وتقوم بهم الدولة السورية الواحدة.

ويمكن اعتبار مشهد التجاذب الدولي والإقليمي، وحتى من النظام، بعد إعلان ترامب رغبته في مغادرة سورية، على الرغم من تصريحاته السابقة المعاكسة لذلك، واللاحقة التي تقلل من شأن هذا الانسحاب “المفترض”، أو توسع خياراته الزمنية على الأقل، بما يضمن إتاحة الفرصة لمزيدٍ من العروض والسيناريوهات للجهة البديلة التي سترسي عليها خيارات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المتقلبة، بمدى الرغبة في توظيف المسألة الكردية سلبياً، أو بالأحرى اختصارها بواقع ومآلات “قوات سوريا الديمقراطية”، والتي عمادها قوات حماية الشعب (الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي)، في الصراع السوري، سواء ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أي كأدوات قتالية فحسب، أو في إطار محاولة فرض تسويةٍ معينة في سورية، مع بقاء النظام، بكل ما له أو عليه، بمعنى العودة بالواقع السوري الذي أفضى إلى الثورة إلى ما قبل مارس/آذار 2011، بما في ذلك الواقع الكردي ضمن سياق منظومة الحكم السوري.

يفرض هذا الواقع المعقد، والمتضارب التوظيفات والأهداف، على المعنيين، وضمنهم الكرد، طرح أسئلةٍ عديدةٍ، كنت قد وضعتها بين أيديهم سابقاً، كغيري من المهتمين بحل عادل للسوريين، ومنهم الكرد، مثل: كيف ينظر السوريون الكرد إلى المشهد العام للحل في سورية؟ وهل يعتبرون قضيتهم جزءاً من هذا المشهد؟ أم يرون أن لهم مشهداً مستقلاً تماماً؟ هل يرون أنفسهم سوريين معنيين بالتغيير نحو المواطنة والديمقراطية في البلد؟ أم يرون أنفسهم كردا فقط، وبذلك يذهبون إلى النجاة التي تعيدهم إلى ما قبل 2011 ليس أكثر؟ أم يرون أنفسهم أحد تكوينات الثورة من أجل الحرية وبناء دولة المواطنة المتساوية، وفق صيغة دولة لا مركزية مثلاً، حكم إداري لا مركزي، أو..؟؟. هذه أسئلة يجب أن يجيب عليها الأكراد أنفسهم، وأن يتوافقوا عليها، وأن يقدّموا رؤيتهم الخاصة لشركائهم السوريين، وأيضا للمحيط الإقليمي. وفي المقابل، يفترض على من يدّعي قيادة العملية التفاوضية باسم السوريين أن يسعى، أولاً، إلى بناء مشروعه السوري، بالتوافق مع كل السوريين، قبل البحث عن خيارات تقاسم السلطة، وفق مبدأ التعيش على المتاح من الطرف الخصم.

لا شك أن الدور الإقليمي لتركيا (لا تنكر عداءها لأي وجود كردي منظم قرب حدودها ضماناً لأمنها القومي) وقوتها الاقتصادية في المنطقة، ونفوذها مع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) حجّم من طموحات الكرد العابرة للحدود السورية. وتساوق ذلك الموقف مع مطالب كردٍ آخرين لهم أجندة مخالفة ومتخاصمة مع “روج آفا” (الفيدرالية الديمقراطية لشمال سورية)، وهو الأمر الذي استفاد منه النظام، في جعل “قوات سوريا الديمقراطية” تعيش حالة الهلع التي تخيّرها بين الاستسلام للنظام، مقابل فتاتٍ غير مضمون في مستقبل غير واضح المعالم لكل السوريين، وليس فقط للكرد، أو الدخول في صراعٍ مع تركيا، ما سيفضي، في النهاية، إلى خدمة سياسة إطالة أمد الصراع في المنطقة التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأميركية منذ بداية التحول في الثورة السورية، وانقسامها على نفسها بين الرغبة في التحرّر من الاستبداد الذي يمثله النظام السوري، وقبولها باستبداد القوى المتصارعة على سورية عبر أدواتهم المحلية باسم الفصائل المسلحة (أخرجت الجيش الحر من مشهد الثورة)، وأجنداتهم المتضاربة فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين هدف الثورة في بناء منظومة ديمقراطية غير طائفية.

في كل الأحوال، إن صوغ الإجماعات السورية الجديدة هو من أولى مهمات المعارضة التي تطرح نفسها “ممثلاً” للشعب السوري. وما يجدر التأكيد عليه أيضا، في النقاش الدائر، هو الحرص على عدم افتعال معارك وهمية، أو الدخول في مناقشاتٍ بيزنطية، لن تفضي إلا إلى مزيد من الأخطاء والتقصيرات الحاصلة، ما يفرض ذلك على كل الأطراف أن تتجاوز الصندوق السياسي والمفاهيمي خاصتها، لتنفتح على معطياتٍ من شأنها أن تجعل من المسألة الكردية في ظل التجاذبات الدولية مفتاحاً للحل السوري، وليس سبباً لانكسار ما بنيت عليه، ومن أجله، الثورة السورية في انطلاقتها، وهي تنادي بالحرية للشعب السوري الواحد.

العربي الجديد

 

 

 

سباق نحو الجزيرة السورية/ بشير البكر

تشكل الجزيرة السورية قرابة ثلث مساحة سورية، أي ما يفوق ست مراتٍ مساحة الدولة اللبنانية. وتتكوّن من ثلاث محافظات، الرقة وديرالزور والحسكة. تقع الرقة والدير على نهر الفرات، فيما تحتكر الحسكة نهر الخابور الذي جفّ تقريباً منذ عقدين، بعد أن كان يبعث الحياة منذ أقدم العصور على مدى مائتي كيلومتر، حيث نشأت على ضفافه حضاراتٌ عريقةٌ، أهمها مدينة ماري الآرامية التي يعتبر تل حلف مركزها، وهو معروفٌ بأنه أول كشف أثري يعود إلى العصر الحجري الحديث.

وعدا عن ثرائها الثقافي والتاريخي، فإن المنطقة غنيةٌ بالنفط والغاز. ولكونها مأهولة بالأنهار، فهي تشكل خزان سورية الزراعي، ومركز ثقل الثروة الحيوانية التي تمتاز بأنها الأفضل في العالم العربي. وبفضل إنتاج النفط والغاز والقمح والقطن، تساهم الجزيرة بما يفوق نصف عائد الموازنة السورية.

وتشكل ثلاثية المكانة التاريخية والموقع الجغرافي والتنوع السكاني شخصية هذا المكان، وخصوصياته من جهة. ومن جهةٍ ثانية، عاملاً جاذباً للأطماع والتهديدات الخارجية. وهذا ما تعيشه المنطقة اليوم التي بات يتسابق نحوها كل من روسيا وتركيا وإيران والنظام السوري الذي بات وجوده فيها شبه رمزي منذ عدة سنوات، حيث إن الجزيرة لم تخرج عن الخط العام للثورة السورية، وكانت في عداد المدن التي انتفضت ضد النظام. وكانت مدينة الرّقة أول مدينة سورية تسقط بيد المعارضة المسلحة عام 2013، قبل أن يستولي عليها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ويحولها إلى عاصمة للخلافة المزعومة في السنة الموالية، وكان ذلك هو السبب الذي أدى إلى تدمير 80% منها بقصف الطيران الأميركي، حين تم القضاء على التنظيم الإرهابي في عام 2017.

السؤال المطروح اليوم: من يربح الجزيرة، حين تنسحب منها القوات الأميركية نهائياً، مع حلول فصل الربيع المقبل؟ لا أحد يمتلك إجابة نهائية على هذا السؤال، لأن الصورة لم تتضح بعد. وهناك تسابق من عدة أطراف، للإمساك بالأرض التي تسيطر “قوات سورية الديموقراطية”، ذات الغالبية الكردية، على الجزء الأكبر منها. يرسل النظام تعزيزاتٍ عسكرية كبيرة إلى هذه المناطق، مدعوماً من روسيا التي تعرف الأرض جيداً، كونها سبق لها أن عملت فيها في ميدانَي النفط وبناء الطرقات. وتعزّز “قوات سوريا الديموقراطية” مواقعها، وهي مسلحة من الولايات المتحدة ومدعومة من فرنسا. وهناك المليشيات الإيرانية التي تقف في صف النظام، وهي موجودة في دير الزور، وتستفيد من دعم يصل إليها من الحشد الشعبي في العراق، بالإضافة إلى تركيا التي تحشد منذ عدة أشهر من أجل الدخول إلى منطقة شرق الفرات، للقضاء على الوجود العسكري الكردي الذي تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها، وترى أن الفرصة سانحة، ولن تتكرّر، طالما أن هناك أرضية أستانة للتفاهم مع إيران وروسيا. وبالإضافة إلى هذه الجيوش، هناك جيوب صغيرة لـ “داعش” في محيط مدينة البوكمال على الحدود مع العراق، وهذه هي آخر معاقل التنظيم الذي تم تدميره في العراق وسورية.

يضغط النظام، ومعه روسيا وإيران، لاستعادة المنطقة كاملة تحت مبدأ وحدة الأراضي السورية، ولا يجد معارضةً فعليةً لهذا التوجه من “قوات سوريا الديموقراطية” التي تريد تخريجاً قانونياً لوضعها، وهناك مباحثاتٌ بينها وبين النظام السوري، لم تصل إلى نتيجة. والقوة الثانية التي تعمل كي يكون لها موقع ودور في المنطقة هي تركيا.

وهناك مخاوف من أن تهتز خريطة هذه المنطقة، وتخضع لتجاذبات الأطراف التي تسيطر على الأرض، وهذا أمر ينتظر الانسحاب الأميركي من شرق الفرات. وحينها تصبح روسيا مرشحة لمهمة توزيع الأدوار بين الأطراف المتنازعة فوق هذه الجغرافيا، ومن أجل تقاسمها.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

جدل الشمال السوري/ حسن فحص

منذ القمة الثلاثية التي استضافتها طهران في السابع من سبتمبر/أيلول 2018 التي استضاف فيها الرئيس الإيراني حسن روحاني نظيريه الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، برزت مؤشرات على بوادر افتراق إيراني تركي حول آلية العمل في المرحلة التالية على الساحة السورية.

فأمام تأكيد الإيراني في هذه القمة على ضرورة استكمال الأعمال العسكرية، من أجل إعادة السيطرة على محافظة إدلب والقضاء على الجماعات الإرهابية فيها، الذي تلاقى مع موقف روسي عبّر عنه بوتين بحق الحكومة السورية في استعادة سيطرتها على كل الاراضي السورية، وبالتالي فإن أي عمل عسكري للجيش السوري في إدلب لن تعارضه موسكو. وقف الرئيس التركي أردوغان في مواجهة هذه المواقف معلنا رفض بلاده لأي عمل عسكري، داعيا الأطراف للالتزام باتفاقية خفض التصعيد، التي سبق أن اتفقت عليها «ترويكا أستانة» حول إدلب. هذا الاختلاف في المواقف من إدلب، دفع المراقبين ومراكز القرار إلى الحديث عن فشل قمة طهران بين زعماء الترويكا حول سوريا، وتعزز هذا الشعور بعد الإعلان عن قمة ثنائية بين الرئيسين الروسي والتركي في سوتشي لبحث الموقف من إدلب والأزمة السورية عموما.

عشرة أيام كانت هي الفاصلة بين قمة طهران الثلاثية وقمة سوتشي الثنائية، وعلى الرغم من تمكن قمة سوتشي الخروج باتفاق من عشرة بنود حول إدلب، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح والمسلحين، وتسيير دوريات مشتركة بين الجيشين في هذه المنطقة، إلا ان طهران، وحسب مسؤولين إيرانيين ومتابعين، لم تكن بعيدة عن أجواء هذه القمة وهذا الاتفاق، وأن الجانب الروسي تكفل بإخراج هذا التوافق للتخفيف من حساسية الموقف التركي، الذي يخشى من أن تتولى قوات تابعة لإيران وحليفها حزب الله اللبناني مهمة العملية العسكرية لاستعادة إدلب، وهذا ما يضع تركيا وجيشها والجماعات المؤيدة والتابعة لها، أمام تحد جديد يضاف إلى التحدي الكردي الذي تواجهه داخل سوريا، وليس بعيدا عن إدلب في منطقة شرق الفرات.

وترى أوساط إيرانية أن تأجيل نجاح قمة طهران يعود إلى ربط الرئيس التركي بين أي تحرك أو إجراء في إدلب، بالوضع الذي ستكون عليه منطقة نفوذ الاكراد في شرق الفرات السوري، وبالتالي فإنه لم يبد أي استعداد لتقديم تنازل في إدلب ما لم يحصل على تقدم في التحدي الكردي. وعليه فإن اللجوء الى قمة ثنائية بين الرئيسين الروسي والتركي بعد عشرة أيام على قمة طهران، يدفع إلى الاعتقاد بأن هذه القمة أعطت الضوء الأخضر للرئيس التركي بحشد قواته العسكرية استعدادا لعملية عسكرية ضد مناطق سيطرة الفصائل الكردية، التي تشكل التحدي والتهديد المباشر لأنقرة، ومصدر قلق حقيقي لها، في المقابل حصل الروسي والإيراني من ورائه على موافقة تركية لإنشاء وضع خاص بمنطقة إدلب ومحيطها في ريفي حلب وحماه. وبهذه الخطوة، فإن الجانبين الروسي والإيراني أوصلا رسالة واضحة للجانب التركي بان التحدي والقلق الذي يواجهه بسبب الطموحات الكردية في شرق الفرات، وإمكانية إنشاء كيان مستقل للمكون الكردي السوري، أو دولة «روجآفا» مصدره اللاعب الامريكي، الذي يقوم بتعزيز قدرات الفصائل الكردية عسكريا وأمنيا، ويقدم لها الدعم والتدريب، ويعدها لاستلام المنطقة تحت إشرافه ورعايته، وأنهما – أي الروسي والإيراني- لا يعارضان أي عمل عسكري قد تنوي أنقره القيام به في شرق الفرات، لأنها غير معنية في إنشاء وضع كردي مستقل، بل هي معنية بمساعدة الحكومة السورية في دمشق باستعادة سيطرتها ونفوذها على كامل التراب السوري، بما فيه شرق الفرات ومحافظة إدلب على حد سواء.

أمام ما خلقته قمة سوتشي من تحد للجانب التركي، وجدت أنقره نفسها تدخل في سياق من التوتر مع الإدارة الأمريكية ـ الجهة التي من المفترض أن تكون حليفها لعدة اعتبارات، أقلها عضوية تركيا في حلف الناتو ـ هذه المرة مدفوعة بمخاوفها وقلقها من دور أمريكي يستهدف استقرارها وأمنها القومي ووحدة أراضيها، يأخذ شكلا كرديا ينطلق من الأراضي السورية خاصرتها الرخوة، تعزز من خلال الاتهامات التي وجهتها أنقره لواشنطن عن دور فاعل في التسبب بالأزمة الاقتصادية التي تصاعدت وتيرتها مع إعلان تركيا رفضها الالتزام بالعقوبات الاقتصادية ضد إيران، ما دفع الرئيس التركي إلى الإعلان عن نية بلاده القيام بعملية عسكرية واسعة في مناطق نفوذ الفصائل الكردية في شرق الفرات السوري للقضاء على مصادر الخطر، وقطع الطريق على أي أحلام كردية بإنشاء كيان مستقل لهم على حساب الحكومة السورية والأمن القومي التركي. هذه الاندفاعة التركية للقيام بعمل عسكري لم تسقط من اعتباراتها الدور الأمريكي في الدفع بأكراد العراق إلى الذهاب في إعلان الاستفتاء للانفصال عن الحكومة الاتحادية في بغداد، وإعلان دولة كردستان المستقلة ـ مؤجلة – في الإقليم العراقي.

القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا، وتحديدا من مناطق انتشارها الكردية، ولا فرق إذا تم بسرعة أو على مراحل، يهدف إلى لتحقيق عدة نقاط:

*الأولى: إسقاط الذريعة التركية للقيام بعملية عسكرية داخل الاراضي السورية، خصوصا أن المؤشرات الأولى للإحباط الكردي من القرار الامريكي ترجمتها بعض الفصائل بالدعوة للعودة إلى حضن الحكومة السورية.

*الثانية: وضع انقره في مواجهة الحليفين الروسي والإيراني، وبالتالي زعزعة «ترويكا أستانة» وصولا إلى إسقاطها، ما يعني دخول المتفاهمين الثلاثة في صراع داخلي بينهم، وتسابق على تحقيق أهدافهم، من الناحية الروسية والإيرانية بعودة سيطرة الحكومة السورية على كامل أراضيها، بما فيها إدلب، ومن الناحية التركية محاولة الاحتفاظ بمواقع نفوذها على الساحة السورية من خلال سيطرتها ودورها في إدلب بين فصائل المعارضة. ما يعني أن تركيا ستدخل في مواجهة مباشرة مع الجانبين الروسي والإيراني على حصتها السورية وعدم السماح بإخراجها من دون مكاسب.

*الثالثة: قرار الانسحاب الأمريكي أفشل نوايا روسية في دفع أنقره للدخول في مواجهة مع واشنطن، على خلفية موقفها من أكراد سوريا، خصوصا أن القوات الأمريكية سبق أن أعلنت انها ستقوم بتدريب ما بين 15 ألفا إلى 40 الف مقاتل كردي، استعدادا للمعركة الفاصلة مع عناصر تنظيم «داعش»، وقامت بتقديم تجهيزات وأسلحة متطورة لهم، ما اعتبرته أنقره إجراءً عدائيا ضدها ومصدر تهديد مباشر لاستقرارها وأمنها.

يبدو أن نتائج القرار الأمريكي بدأت ملامحها بالظهور، من خلال التوتر وإصرار تركيا على القيام بعمليتها العسكرية في شرق الفرات، والحشود العسكرية الكبيرة التي تدفع بها إلى المناطق الحدودية، وهي في سباق مع الزمن ضد الحكومة السورية وحلفائها، خاصة الإيراني، لقطع الطريق على عودة هذه المنطقة إلى حضن دمشق، وعدم تكرار تجربة (منبج) الرمزية التي لم تسجل دخولا سوريا واضحا، ولم تسمح للتركي بالدخول المباشر لملء الفراغ الكردي والأمريكي، وبالتالي محاولة الدفاع عن جغرافيا الدور التركي المتبقية في إدلب لتكون شريكا فاعلا في مستقبل سوريا. فهل ستنجح زيارة مستشار الأمن القومي الامريكي جون بولتن إلى كل من اسرائيل وتركيا في تهدئة المخاوف التركية؟ أم ستدفع بها إلى مزيد من التشدد وبالتالي التصادم مع اللاعب الإيراني تحديدا؟ إشكالية لا يملك الإجابة عنها سوى عمق ومدى التفاهمات التركية الايرانية برعاية روسيا حول مستقبل سوريا.

كاتب لبناني

القدس العربي

 

 

 

 

خمس دول تتصارع في سوريا وعليها/ عصام نعمان

تتصارع الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران و»إسرائيل» في سوريا وعليها. الصراع بين الدول الخمس أغلبه سياسي وأقلّه عسكري. غير أنه تطوّر مؤخراً على نحوٍ بات معه الاشتباك العسكري مرجّحاً وملجوماً في آن. هل ثمة مخرج من هذا الصراع المحتدم؟

للإجابة عن السؤال يقتضي الإحاطة، باختصار، بمرامي كلٍّ من الدول المتصارعة.

للولايات المتحدة، ومعها «إسرائيل»، مخطط قديم يرمي إلى تفكيك محيط فلسطين الجغرافي: سوريا والعراق ولبنان. كلاهما استعان بالتنظيمات الإرهابية التكفيرية، ولاسيما «داعش» و»النصرة»، لتنفيذ هذا المخطط. تركيا شاركت باكراً في التنفيذ بفتح حدودها لتزويد التنظيمات الإرهابية بالرجال والسلاح والعتاد. دافعها إلى ذلك مشاركةُ أمريكا و»اسرائيل» في إعادة ترسيم جغرافية المنطقة، على نحوٍ يمكّنها من تحقيق غرضين: أولهما اقتطاع مساحات من شمال سوريا بدعوى الحؤول دون قيام أكراد سوريين بإقامة كيان بحكم ذاتي سيكون، في نظر مسؤولين أتراك، نواةً لدولة كردية انفصالية. ثانيهما مشاركة الولايات المتحدة و»إسرائيل» في استغلال موارد سوريا الدفينة من نفط وغاز في شرقها وشمالها الشرقي.

تركيا تخوّفت بعد ذلك من دعم الولايات المتحدة بالمال والسلاح والتدريب لبعض الأكراد السوريين السائرين في ركابها ومن تداعيات تعاونهم مع حزب العمال الكردستاني التركي الداعي إلى إقامة كيان بحكم ذاتي للأكراد الأتراك.

سوريا واجهت المخطط الصهيو ـ أمريكي بدعم عسكري من روسيا وبدعم مالي وتسليح وتموين من إيران، وبمشاركة قتالية من حزب الله اللبناني،وهي تقوم الآن باجتذاب مواطنيها الأكراد وإعاتهم إلى حضن حكومتها المركزية من جهة، وتحاول من جهة أخرى، التوصل إلى اتفاق مع تركيا يراعي مصالح البلدين وأمنهما القومي.

رونالد ترامب أدرك، بعد ثلاث سنوات من الدعم للأكراد السوريين السائرين في ركابها، أنه لن يجني من ذلك سوى النزف المالي والبشري وتعكيرالعلاقات مع تركيا، ولاسيما بعدما تمكّنت سوريا وحلفاؤها من تحرير معظم الأراضي التي كانت تحت سيطرة «داعش» و»النصرة»، فقرر سحب قواته من سوريا.

«إسرائيل» تخوّفت من سحب القوات الامريكية من شرق سوريا وشمالها الشرقي. اعتبرته هدية لحكم الرئيس بشار الأسد وحليفته إيران. مثلُها فسّرته فرنسا وبريطانيا. بنيامين نتنياهو سارع إلى استنفار اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وتعبئة أصدقاء «إسرائيل» في الكونغرس لحمل ترامب على وقف الانسحاب أو، في الأقل، التريث في تنفيذه. ترامب وافق على إبطاء عملية الانسحاب بدعوى الحرص على حماية حلفاء امريكا من الأكراد السوريين، لكنه تمسك بمبدأ الانسحاب، مطمئناً «إسرائيل» بأن قواته ستبقى في العراق ومنه تقوم بحمايتها، كما بالحؤول دون إقامة جسر بري بين إيران ولبنان عبر العراق وسوريا، ما يؤدي إلى قطع الدعم اللوجستي عن حزب الله.

روسيا تخوّفت هي الأخرى من انعكاسات الوجود العسكري الامريكي على سوريا والعراق، كما على نفوذها فيهما. ردّت على الولايات المتحدة بطريقتين: الأولى، بتزويد سوريا مزيداً من منظومات الدفاع الجوي. الثانية، بالضغط مع إيران على تركيا للحوؤل دون انزلاقها إلى حربٍ غير مجدية مع الأكراد السوريين ومع سوريا، في حين يمكن التوصل معهما، بالحوار والتفاوض، إلى اتفاق يؤمّن في آن حماية الأمن القومي والمصالح الحيوية للبلدين، كما وحدة سوريا وسيادتها، على كامل ترابها الوطني، وكذلك استجابة مطالب الأكراد ومنها تدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية، وتجنيس الذين ما زالوا محرومين من الجنسية السورية. ما السبيل الأقصر إلى تحقيق ذلك كله؟

باتفاق روسيا وإيران وتركيا على إخراج الولايات المتحدة و»إسرائيل»، بالسرعة الممكنة، من كامل أراضيها المحتل بعضها أو المعتدى على المصالح الحيوية في بعضها الآخر، وبالتفاهم على صيغة سياسية متوازنة لتمكين الأكراد من التمتع بحقوقهم الديمقراطية في سوريا والعراق وإيران. كلٌ من الدول الثلاث متضررة من الولايات المتحدة بشكلٍ أو بآخر ولها مصلحة، تالياً، في إخراجها من المنطقة، خصوصاً من سوريا والعراق. روسيا متضررة من مخاطر الوجود الأمريكي في سوريا على نفوذها وعلى وحدة وسيادة الدولة الوحيدة التي منحتها قاعدةً عسكرية في حوض البحر الابيض المتوسط، والمؤهلة والقادرة على منحها في المستقبل حق التثمير والاستثمار في صناعة النفط والغاز السورية.

إيران متضررة من عداء الولايات المتحدة لها وعقوباتها الصارمة بحقها، ومن خروجها التخريبي من الاتفاق النووي معها، ومن دعمها الأعمى لـ»اسرائيل» الطامعة بقضم المزيد من اراضي وموارد حليفتها سوريا. تركيا متضررة من مخطط الولايات المتحدة الرامي إلى تفكيك سوريا خدمةً لـِ»إسرائيل» من جهة، ولتمكين فريق من الأكراد السوريين السائرين في ركابها، من جهة أخرى، من إقامة كيان بحكم ذاتي ليكون، بحسب رأي مسؤولين أتراك، نواةً لدولة كردية انفصالية في قابل الأيام على حساب سوريا وتركيا والعراق وإيران.

الدول الثلاث متضررة من الولايات المتحدة و«إسرائيل» ولها مصلحة مشتركة في وقف اعتداءاتهما المباشرة وغير المباشرة عليها. فهل كثير عليها، والحالة هذه، التعاون وحتى التحالف في ما بينها لرد تغوّل الولايات المتحدة على وحدتها وسيادتها ومصالحها الوطنية؟

أيها المتضررون، شعوباً وحكومات، من اميركا و»إسرائيل»… إتحدوا.

كاتب لبناني

القدس العربي

 

 

 

 

سوريا والاحتلالات الخمسة ومواقف ترامب المتقلّبة/ جلبير الأشقر

إن مشهد التخبّط الخالي من أي منطق والأقرب إلى نزوات المصابين بعته شيخوخي الذي يقدّمه للعالم دونالد ترامب والذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الرئاسة الأمريكية، إنما بلغ ذروته في سياسة المذكور إزاء سوريا. فبعدما أفصح خلال حملته الانتخابية سنة 2016 عن تفضيله للتعامل مع بشّار الأسد بوصفه أهون الشرور، دشّن سياسته الرئاسية بقصف مواقع النظام السوري لمعاقبته على استخدام السلاح الكيماوي، ذاهباً إلى حدّ نعت نظيره السوري بالحيوان! ثم ما لبث أن صبّ جهده على تفكيك سياسة سلفه تجاه إيران، فوضع «الجمهورية الإسلامية» في رأس قائمة أعدائه وأعلن تنصّل بلاده من الاتفاق النووي المبرم بينها وبين الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن الدولي بمشاركة ألمانيا والإتحاد الأوروبي.

ثم توالت التصريحات من البنتاغون تعترف بوجود ما يقارب ألفي جندي أمريكي في شمال شرق سوريا يعملون إلى جانب «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي تشكّل «وحدات الحماية الشعبية» الكردية عمودها الفقري، تنضاف إليها قوات قبَلية عربية وجماعات من شتّى الأقليات السورية. وقد أكّدت أوساط البنتاغون على أن مهمة الجنود الأمريكيين لا تقتصر على معونة «قسد» على دحر العصابة المجرمة التي أطلقت على نفسها تسمية «الدولة الإسلامية»، بل تشمل أيضاً الحؤول دون مدّ إيران سيطرتها على ذلك القسم الأطول من المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق الذي تشرف «قسد» عليه.

ويكفي النظر إلى خريطة المنطقة لإدراك الأهمية الاستراتيجية التي يكتسيها تمكّن إيران من السيطرة على الخطّ المستقيم الممتدّ من طهران إلى الساحل السوري مروراً بكركوك التي باتت واقعة تحت السيطرة المشتركة لجيش الحكم العراقي وقوات «الحشد الشعبي»، وكلاهما مواليان لإيران. وقد تجلّى حرص واشنطن على منع إيران من بسط سيطرتها على القسم العربي من الأراضي التي تشرف عليها «قسد» في عدم تردّد القوات الأمريكية في قصف قوات النظام السوري قصفاً كثيفاً وعنيفاً عند محاولة هذه الأخيرة التقدّم في منطقة دير الزور قبل أقل من سنة، في 7 شباط/فبراير الماضي تحديداً، فيما أُطلق عليه اسم «معركة خشام» (وقد تبيّن أن عدداً من الروس سقطوا في تلك المعركة وقد زعمت موسكو أنهم من المرتزقة).

بيد أن ترامب قد أبدى مع ذلك عدم ارتياحه للتعاون بين القوات الأمريكية والقوات الكردية السورية وثيقة الارتباط بـ«حزب العمّال الكردستاني»، أهم تنظيمات كُرد تركيا، الذي هو أبعد ما يكون عمّا يمثّله ترامب أيديولوجياً، وقد وصف ترامب نفسه ذلك التعاون بالعبثي. والحقيقة أن الرئيس الأمريكي أقرب بكثير إلى شخصية وسلوك نظيره التركي رجب طيّب أردوغان، وقد تعمّد هذا الأخير مغازلته حتى أقنعه بسحب قواته من الشمال الشرقي السوري لفسح المجال أمام دخول قوات أنقرة، مؤكداً على أنها قادرة على الإشراف على المنطقة بأسرها بما يُبعد شبح الهيمنة الإيرانية.

غير أن القرار المفاجئ الذي اتخذه ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا، والذي جاء إثر مكالمة هاتفية بينه وأردوغان، قد أثار عاصفة سياسية فاقمت من شدّتها استقالة وزير الدفاع الأمريكي، الجنرال جيمس ماتيس، وغيره من المسؤولين الأمريكيين المختصّين بالملف السوري. ولا عجب في أن يكون في طليعة النقّاد وأكثرهم تأثيراً على دونالد ترامب ألدّ أعداء سياسة إيران الإقليمية التوسّعية، ومنهم بعض معاوني ترامب الذين آثروا إقناعه بتغيير موقفه على القطيعة معه، لاسيما مستشاره للأمن القومي جون بولتون ووزير خارجيته مايك بومبيو، وكذلك صديقه الحميم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. أما هاجس هؤلاء وغيرهم من حلفاء واشنطن الذين أبدوا قلقهم من قرار ترامب، فهو أن أردوغان مشهور هو أيضاً بتقلباته (تذكّروا مواقفه الاستفزازية تجاه نظيره الروسي فلاديمير بوتين قبل أن ينقلب إلى الانخراط فيما غدا مثلثاً إقليمياً قمته موسكو وطرفا قاعدته طهران وأنقرة) بحيث لا يمكن الاعتماد عليه.

هذا وقد نشر أردوغان في صحيفة «نيويورك تايمز» قبل يومين مقالة قصد منها تطمين المشكّكين في سلامة قرار ترامب بتأكيده على قدرة الدولة التركية على السيطرة على المنطقة الشاسعة الواقعة بين نهر الفرات والحدود العراقية. أما الطريقة التي ينوي بها الرئيس التركي تحقيق هذا الأمر حسبما جاء في المقالة، فهي تلك التي طبّقها في منطقة عفرين حيث حلّت صوره محلّ صور عبد الله أوجلان، زعيم «حزب العمال الكردستاني» القابع في سجن تركي، وجرى إنشاء سلطة محلّية كرتونية يشرف عليها «جيش سوري حرّ» تابع للجيش التركي وخاضع له مثلما كان «جيش لبنان الجنوبي» تابعاً للجيش الصهيوني قبل اندحاره عند انسحاب هذا الأخير من جنوب لبنان في عام 2000.

وسوف يصعب جداً على أردوغان إقناع أحد بجدوى السيناريو الذي شرحه في «نيويورك تايمز»، لاسيما أن اجتياز جيشه للحدود السورية كان دائماً ولا يزال رهناً بالضوء الأخضر الروسي. ينطبق ذلك على «عملية درع الفرات» في خريف عام 2016 التي كان ثمنها توقف أنقرة عن دعم المقاومة السورية في شرق حلب في وجه حملة موسكو وطهران ودمشق الثلاثية الرامية إلى استكمال السيطرة على كبرى المدن السورية، مثلما ينطبق على «عملية غصن الزيتون» التي نفّذها الجيش التركي ترافقه القوات السورية الموالية له قبل عام في منطقة عفرين والتي ما كانت لتتمّ لولا سحب موسكو لقواتها لقاء توقف أنقرة عن دعم المقاومة السورية في ريف دمشق.

في الحقيقة فإن حلول القوات التركية محلّ القوات الأمريكية شرقي الفرات، لو تمّ، إنما يكون أخطر بكثير على مستقبل سلامة الأراضي السورية من الوضع الراهن. ذلك أن تركيا دولة مجاورة لسوريا لها مطامع توسّعية على أراضيها (لا تقتصر على ما حلّ بلواء إسكندرونة) وقادرة، لكونها محاذية للأراضي السورية، على ممارسة وصاية طويلة الأمد، مثلما مارست في شمال العراق منذ العدوان الأمريكي الأول على ذلك البلد في عام 1991، هذا إن لم ترسِ احتلالاً طويل الأمد على غرار الاحتلال الصهيوني للجولان. أما البديل عن السيطرة التركية في حال انسحبت القوات الأمريكية، فهو السيطرة الإيرانية التي تأتي في المرتبة الثالثة خطورة نظراً للمسافة التي تفصل إيران عن سوريا. وهذا العامل الجغرافي الأخير هو أحد أسباب كون السوريين عموماً، سواء أكانوا موالين لنظام الأسد أم معارضين له، يفضّلون السيطرة الروسية على السيطرة الإيرانية.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

 

 

 

 

التراجع الأمريكي عن قرار الانسحاب من سوريا وصرامة الموقف التركي/ صادق الطائي

بدأت في الأيام القليلة الماضية ما يمكن اعتبارها هزات ارتدادية للزلزال الذي ضرب المشهد السوري الذي أحدثه إعلان الرئيس دونالد ترامب، فالكل توقع أن قرار الرئيس المتسرع بسحب القوات الأمريكية من سوريا غير قابل للتنفيذ بالطريقة التي أعلنها والتي بدت وكأنه يدعو إلى سحب فوري للقوات الأمريكية ‏عندما أطلق تغريدته يوم 19 كانون الاول / ديسمبر الماضي على حسابه الرسمي على “تويتر” وضمنها فيديو أشار فيه إلى أن جنود الولايات المتحدة سوف يقضون فترة الأعياد مع عوائلهم. لكن سرعان ما تداركت التصريحات الرسمية والتسريبات شبه الحكومية الأمر ونوهت إلى أن الانسحاب سيستغرق قرابة أربعة أشهر ولن يتم بشكل فوري، ثم ما لبثت تداعيات الأمر على الساحة الإقليمية وتخوف حلفاء الولايات المتحدة من الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأمريكي أن جعلت التصريحات الأمريكية الرسمية تنفي أي موعد محدد للانسحاب وتتركه معلقا ومرتبطا بالتنسيق مع الحلفاء على الأرض.

بدا ذلك للمراقب وكأن الأمريكان يتخلون عن حليفهم الكردي الذي قاتل معهم ودفع التضحيات الجسيمة في حربه ضد تنظيم “الدولة” طوال السنوات الماضية، واليوم جاء موعد انسحابهم المفاجئ ليتركوه لقمة سائغة لهجوم محتمل سواء من الجيش السوري أو من الجيش التركي. وبعد موجة الاستقالات الاحتجاجية على قرار ترامب، والتي كان أبرزها استقالة وزير الدفاع جيم ماتيس، تحركت شخصيات مهمة في ما تبقى من إدارة ترامب في محاولة لرأب صدع ما أحدثه تصريح الرئيس المتسرع، وفي محاولة للملمة الفوضى التي تسبب في إحداثها، إذ تحرك مستشار الأمن القومي جون بولتون في زيارات إلى المنطقة شملت إسرائيل وتركيا، كما تحرك وزير الخارجية مايك بومبيو في جولة شرق أوسطية تشمل الأردن والعراق ومصر وبعض الدول الخليجية مهمتها الأساسية مناقشة وضع القوات الأمريكية في سوريا.

تصريحات متضاربة

بينما نشاهد تخبط موقف إدارة ترامب في إدارة ملف التواجد الأمريكي في سوريا نجد من الناحية الأخرى نوعا من الثبات الاستراتيجي في المواقف الأخرى كالموقف التركي والروسي والإيراني والسوري. فتصريحات الرئيس ترامب وعدت بانسحاب أمريكي سريع مع إشارة إلى التنسيق مع الرئيس التركي لملء الفراغ الحاصل من انسحاب القوات الأمريكية، ثم بات الحديث اليوم سواء في تصريحات بولتون من إسرائيل أو في تصريحات بومبيو من العراق يناقض ذلك ويشير إلى ضمان أمن حلفاء الولايات المتحدة من قوات سوريا الديمقراطية على الأرض.

لكن الموقف التركي كان صارما وواضحا معتبرا تنظيم “الدولة” إرهابيا ويجب محاربته، كما وضعت تركيا كل الأطراف الكردية التي تضم حزب العمال الكردستاني التركي وحلفاءه من أكراد سوريا، وقوات حماية الشعب، وقوات سوريا الديمقراطية، في سلة واحدة متهمة إياهم بالإرهاب. هنا بدا الموقف شائكا ومحيرا وملتبسا، فتركيا حليف إستراتيجي للولايات المتحدة وعنصر فاعل في حلف شمال الأطلسي، وتعمل باستمرار على نقل رسائل تطمين إلى الأمريكان تخبرهم عبرها أنها مستعدة للعب دور مهم في تحجيم النفوذ الإيراني في الإقليم، لكنها في الوقت نفسه، ومن جانب آخر، تسعى إلى تنسيق وجودها العسكري والسياسي مع الروس والإيرانيين عبر مؤتمرات المصالحة في سوتشي واستانة وجنيف بعيدا عما ترغب فيه الولايات المتحدة.

واليوم يبدو الموقف معقدا بشكل أكبر بعد أن كان الموقف في شمال غرب سوريا، وتحديدا في إدلب وبعض مناطق الريف الغربي لحلب محسوما للأتراك وحلفائهم من الفصائل على الأرض. لكن الأمر أخذ بالتغير مؤخرا عندما شن تنظيم هيئة تحرير الشام هجوما كاسحا على المناطق التي يسيطر عليها فصيل نور الدين زنكي المدعوم من تركيا وكبّده خسائر فادحة واستحوذ على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر التي كانت بحوزته. وبدا واضحاً أن أبو محمد الجولاني قائد هيئة تحرير الشام أراد تقديم تنظيمه لاعباً مركزياً إنْ لم يكن وحيداً أمام القوى الضامنة لعملية أستانة. وتفرض الهيئة اليوم موقفا يستند إلى معطيات الجغرافيا، إذ تتجاوز مساحة الأراضي التي يسيطر عليها الجولاني نصف مساحة إدلب وريف حلب الغربي، ما يجعل التنظيم الذي تشكل جبهة النصرة عموده الفقري يستبق عملياً أي إجراءات روسية – تركية لحسم مصير إدلب ومحيطها. وقد كان هجوم 5 كانون الثاني/يناير الجاري عملا استباقيا اختار توقيته قياديو هيئة تحرير الشام مستغلين فيه الانشغال التركي بملف شرق الفرات ومحاولة أنقرة ملء الفراغ الأمريكي في شمال شرق سوريا عبر إطلاق مفاوضات شاقة مع موسكو وواشنطن لم تتبلور نتائجها بعد. في ظل هكذا مناخ وجه الجولاني صفعة مدويّة للضامن التركي المحرج أصلاً أمام الضامن الروسي من فشله بتنفيذ التزاماته وفق اتفاق مفاوضات سوتشي الأخيرة في أيلول/ سبتمبر 2018.

وما يزال الموقف شائكا

جاءت زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون إلى المنطقة بهدف تقليل آثار زلزال الانسحاب الأمريكي الذي أطلقه الرئيس ترامب قبل أسابيع، إذ حاول بولتون تطمين حلفاء الولايات المتحدة عبر تصريحاته التي أطلقها من تل ابيب، محطته الأولى التي زارها يوم 6 كانون الثاني/ يناير، وقال في تصريحه الإعلامي الأشهر بهذا الخصوص: “سنناقش قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب، ولكن بهدف تنفيذ الانسحاب من شمال ‏شرق سوريا بطريقة تضمن أن تنظيم الدولة الاسلامية قد هُزم ولم يعد قادراً على إحياء نفسه ليصبح ‏تهديداً مجددا‎”. ‎وأضاف: “وكذلك لنتأكد من الضمان التام للدفاع عن إسرائيل وأصدقائنا الآخرين في المنطقة، ‏وللاهتمام بمن حاربوا إلى جانبنا ضد تنظيم الدولة الاسلامية وغيره من الجماعات الإرهابية‎”.

من جانبه أكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو على النقاط نفسها التي أكد عليها بولتون إذ صرح من العاصمة العراقية بغداد قائلا: “من المهم بذل كل ما في وسعنا للتأكد من سلامة أولئك الذين قاتلوا معنا”. ومن أربيل، عاصمة إقليم ‏كردستان العراق، أكد بومبيو كذلك على أن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان “قد قدم ضمانات، وهو يقدر‏أننا نريد التأكد منها”. وأضاف “سنحقق تقدما حقيقيا في الأيام المقبلة”. ‎

لكن الموقف التركي من جانبه كان مناورا، إذ كشفت صحيفة أمريكية عما طلبته تركيا من الولايات المتحدة الأمريكية فيما يخص الانسحاب من ‏سوريا والدور التركي الذي سيعقبه‎.‎ وقالت “وول ستريت جورنال” إن تركيا طلبت دعما عسكريا ‏كبيرا يتضمن عمليات الدعم الجوي والنقل وخدمات لوجستية أخرى، لكي تتمكن من تحمل ‏المسؤولية الكبيرة المترتبة على انسحاب القوات الأمريكية  من معركة محاربة “تنظيم الدولة” في ‏سوريا، وذلك نقلاً عن مسؤولين أمريكيين كبار‎.‎

لكن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان كان قد ذكر أن الانسحاب الأمريكي من سوريا يجب أن يُخطط له بعناية ومع الشركاء المناسبين، قائلا إن بلاده هي الدولة الوحيدة “التي لديها القدرة والالتزام بإتمام المهمة”. وفي مقال له في صحيفة “نيويورك تايمز” قال اردوغان إن تركيا ملتزمة بهزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” وغيره من “الجماعات الإرهابية” في سوريا. وأردف أن “تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الاطلسي، هي الدولة الوحيدة التي لديها القوة والالتزام لتنفيذ ‏المهمة‎”.

لكن يبدو أن تصريحات بومبيو وبولتون حول التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها الأكراد أثار حفيظة وامتعاض الرئيس اردوغان، وقد انعكس ذلك بوضوح على زيارة جون بولتون التي قام بها إلى تركيا والتي استمرت يومين لكنه لم يحض خلالها بلقاء الرئيس اردوغان الذي رفض مقابلته، لذلك اقتصرت مشاورات جون بولتون مع المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالن، ومساعدي وزيري الخارجية والدفاع، ومساعد رئيس جهاز الاستخبارات. وجاء تعليق اردوغان على تصريحات بولتون عنيفا يوم الثلاثاء 8 كانون الثاني/ يناير الجاري إذ انتقد بشدة تصريحات بولتون التي دافع فيها عن شركاء بلاده الأكراد في سوريا والذين أدرجتهم أنقرة على لائحة “الإرهاب”.

وصرح اردوغان في كلمته معربا بخصوص تصريحات بولتون التي أعلنها الأحد خلال زيارته لإسرائيل إن تصريحات بولتون “غير مقبولة بالنسبة لنا ولا يمكن التساهل معها”. وأضاف “لقد ارتكب جون بولتون خطأ فادحا” لتأتي الفقرة الأكثر عنفا في خطابه والتي بينت بوضوح الموقف التركي إزاء الموقف من الملف السوري الشائك إذ قال: “في حين أن هؤلاء الناس هم إرهابيون البعض يقول (لا تقتربوا منهم، إنهم أكراد). قد يكونون أيضا أتراك أو تركمان أو عرب إنْ كانوا إرهابيين فإننا سنقوم باللازم بغض النظر من أين اتوا”. وتابع: “سوف ننتقل قريبا إلى الفعل من أجل تحييد الجماعات الإرهابية في سوريا”.

فهل تمكن التحرك الدبلوماسي الأمريكي عبر جولتي مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية من نزع فتيل الأزمة التي أشعلها الرئيس ترامب؟ هذا ما لم تتضح معالمه حتى الآن.

القدس العربي

 

 

 

 

تركيا: اجتماع لوزير الدفاع وقادة الجيش ورئيس الاستخبارات قرب الحدود السورية/ إسماعيل جمال

إسطنبول – “القدس العربي”:مع مرور الوقت وتسارع التغيرات والتحولات السياسية والعسكرية في خريطة الصراع شمالي سوريا، تتعقد الحسابات التركية بشكل أكبر في تلك المنطقة لتجد أنقرة نفسها مجدداً أمام استحقاقات تفرض عليها اتخاذ قرارات صعبة.

في السابع عشر من أيلول/سبتمبر الماضي، وبعد أن كان العالم أجمع ينتظر هجوماً واسعاً للنظام السوري على محافظة إدلب، أعلنت موسكو وأنقرة توقيع اتفاق ينص على إقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب ومحيطها، في خطوة لاقت إشادة عالمية واسعة لقدرة أنقرة على خلق حل مبتكر نجح في تجنيب إدلب كارثة إنسانية كبيرة.

لكن تطبيق هذا الاتفاق واجه صعوبات مختلفة كان أبرزها مدى انصياع هيئة تحرير الشام – جبهة النصرة سابقاً – للاتفاق وتطبيق المطالب التركية بسحب الأسلحة من المنطقة منزوعة السلاح، وصولاً لانقلاب الهيئة على الفصائل الموالية لأنقرة في إدلب ومحيطها وإجبار هذه الفصائل على التسليم إدارياً للهيئة التي وسعت سيطرتها ونفوذها عبر “حكومة الإنقاذ”.

هذه التطورات التي أعادت شبح الهجوم العسكري مجدداً إلى المحافظة التي يقطنها قرابة ثلاثة ملايين مدني فتحت الباب أمام التساؤلات حول مدى قدرة أنقرة على التوصل لحل جديد يؤجل الاستحقاق الأكبر المتمثل في القضاء على الهيئة.

وبينما كانت تركيا التي أوكلت إليها مهمة سحب سلاح الفصائل المتشددة تواصل العمل التدريجي من أجل محاصرة الهيئة وتقليص نفوذها بادرت “تحرير الشام” للهجوم ما أحرج تركيا أمام حليفها الروسي ووضعها مجدداً في خانة الاتهام بالفشل في السيطرة على المسلحين في إدلب وعدم تنفيذ استحقاقات اتفاق سوتشي.

أنقرة من جهتها، ترى أن الوقت غير مناسب من أجل القيام بعمل عسكري ضد الهيئة في إدلب، حيث يتركز اهتمامها حالياً بالتطورات المتعلقة بخطة الانسحاب الأمريكية من شمالي سوريا وإمكانية لجوئها لتنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد الوحدات الكردية في منبج أو شرقي نهر الفرات ضمن هدفها الاستراتيجي الأول في سوريا والمتمثل في منع قيام كيان انفصالي على حدودها.

لكن ومع تصاعد الضغوط الروسية وتزايد انتهاكات النظام وهجماته على أطراف إدلب تُبقي تركيا قواتها على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي تطورات ميدانية على الأرض قد تدفعها للتحرك عسكرياً ضد هيئة “تحرير الشام” أو لحماية قواتها المنتشرة في نقاط المراقبة بإدلب.

وإلى جانب التعزيزات العسكرية الضخمة التي أرسلتها تركيا إلى حدود إدلب على مدى الأشهر الماضية، أرسل الجيش التركي مزيداً من التعزيزات شملت دبابات وعربات مصفحة ومدافع إلى جانب أعداد كبيرة من قوات الكوماندوز.

لكن الأبرز ما جرى، السبت، من اجتماع لوزير الدفاع التركي خلوصي أكار ورئيس الأركان يشار غولر وقائد القوات البرية أوميت دوندار ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان قرب الحدود السورية، حيث جرى تخصيصه لبحث التطورات في إدلب بشكل خاص وشمالي سوريا بشكل عام، ما يشير إلى مدى الأهمية التي توليها القيادة السياسية والعسكرية في تركيا للتطورات في إدلب.إوقال وزير الدفاع خلوصي أكار: “نبذل كل الجهود من أجل استمرار وقف إطلاق النار والاستقرار بإدلب في إطار تفاهم سوتشي”، مؤكداً على استمرار التعاون الوثيق مع روسيا حول إدلب.

وبانتظار القمة المنتظرة في روسيا بين زعماء ثلاثي إستانة (فلاديمير بوتين، رجب طيب اردوغان، حسن روحاني)، قبيل نهاية الشهر الجاري، يتوقع أن تسعى تركيا لإقناع روسيا بتجميد أي تحرك عسكري مباشر أو من خلال النظام السوري وإعطاء فرصة جديدة لأنقرة للضغط على هيئة “تحرير الشام” للمرة الأخيرة قبيل الانتقال إلى الخيار العسكري المباشر.

هذا الخيار كشف عنه وزير الخارجية مولود جاووش أوغلو الذي ألمح لأول مرة قبل أيام إلى أن عملية عسكرية مشتركة بين روسيا وتركيا خيار ممكن ووارد لمواجهة توسع هيئة “تحرير الشام” التي سعت تركيا بقوة في العامين الأخيرين لتجنب الدخول في مواجهة مسلحة مباشرة معها.

وتخشى تركيا أن يؤدي إعلانها الحرب على هيئة تحرير الشام إلى عودة الهجمات المسلحة من التنظيمات المتشددة على أراضيها، إلى جانب دخولها في مواجهة مفتوحة غير محسوبة النتائج في ظل وجود تقديرات بأن عدد عناصر الهيئة يصل إلى 25 ألف مسلح يتحصنون في الأحياء المدنية في إدلب ومحيطها، وهو ما يجعل المواجهة أصعب بكثير ويزيد احتمال سقوط ضحايا مدنيين.

لكن سيناريو عملية عسكرية تركية روسية، أو عملية تركية بالتعاون مع فصائل المعارضة السورية وعلى الرغم من تعقيداته، يمكن أن يكون أقل ضرراً عليها من سيناريو حصول هجوم واسع للنظام السوري بغطاء جوي روسي على طريقة ما حصل في حلب والغوطة الشرقية يمكن أن يؤدي إلى موجات نزوح هائلة باتجاه الحدود التركية ووصول النظام والميليشيات الإيرانية إلى الحدود التركية.

وبينما تعول موسكو على استغلال التطورات الأخيرة في إجبار تركيا على تقديم تنازلات في إدلب مقابل دعم توجهاتها للقيام بتحرك عسكري في منبج أو شرقي نهر الفرات، تعول تركيا على حاجة موسكو الملحة في الوقت الحالي لتهيئة الأجواء لأنقرة لممارسة مزيد من الضغوطات على واشنطن لسحب قواتها من سوريا.

وفي ظل جميع التطورات السابقة يستبعد مراقبون حدوث تحولات عسكرية كبيرة في ادلب في الفترة القريبة المقبلة التي سوف تعمل خلالها جميع الأطراف من أجل التوصل لتفاهمات أو مساومات جديدة يمكن أن تعيد رسم خريطة السيطرة والنفوذ في شمالي سوريا بشكل عام.

 

 

ترامب الجيد، ترامب السيء/ عروة خليفة
لم تكن قد مضت ثمانٍ وأربعون ساعة على تغريدة دونالد ترامب التي هدد فيها بتدمير اقتصاد تركيا، حتى أعلنت الرئاسة التركية مساء أمس عن اتصال هاتفي بين الرئيسين الأمريكي والتركي «ناقشا خلاله المنطقة العازلة… واتفقا على رفع مستوى العلاقات الاقتصادية». وقد أكدت تغريدة جديدة لترامب مساء أمس أيضاً مضمون هذا الاتصال، الذي يبدو أنه جاء سريعاً لامتصاص أي تأثيرات لتغريدة ترامب الأولى على سعر صرف الليرة التركية، الذي يشهد استقراراً بعد أزمة تراجعات كبيرة خلال العام الماضي.
وعلى الرغم من التناقض الظاهر في تصريحات الرئيس الأمريكي، إلا أن تعقيبات وزير الخارجية مايك بومبيو على تغريدة ترامب الثانية جاءت لتؤكد ما كان قد صرح به سابقاً، هو ومستشار الأمن القومي الأميركي، حول رغبة واشنطن في حماية «من قاتلوا معها»، وهو الأمر الذي قوبل برفض قاطع من الجانب التركي.
وكانت المنطقة قد شهدت خلال الأسبوعين الماضيين زيارتين منفصلتين لكل من وزير الخارجية الأمريكي بومبيو، وقبله مستشار الأمن القومي جون بولتون، الذي وصل إلى إسرائيل في الخامس من الشهر الجاري، ليبدأ جولة شملت تركيا أيضاً. وقال بولتون خلال مؤتمر صحفي جمعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن «الولايات المتحدة ستجعل انسحابها من سوريا مرهوناً بتطمينات تركية بشأن سلامة الأكراد، وإنها ترغب أيضاً في إجراءات لحماية القوات الأمريكية أثناء الانسحاب»، وأضاف أن واشنطن ترغب بتنسيق أنقرة معها في أي عملية تنوي إجراءها في منطقة شرق الفرات.
وقد أدت تصريحات بولتون هذه إلى إغضاب المسؤولين الأتراك، ودفعت أردوغان إلى عدم مقابلته أثناء زيارته إلى أنقرة، التي التقى فيها فقط بإبراهيم كالن الناطق باسم الرئاسة التركية، بعد أن نفت أنقرة أن يكون الرئيس التركي قد أعطى أي تعهدات بحماية المقاتلين الأكراد، رداً على تصريح آخر لوزير الخارجية الأمريكي قال فيه إن ترامب حصل على تطمينات من الرئيس التركي بشكل شخصي لحماية المقاتلين الأكراد في سوريا بعد الانسحاب الأمريكي.
وكانت تلك التصريحات التي نُقلت عن بومبيو قبيل بدء جولته في المنطقة، سبباً إضافياً في تصاعد التوتر بين البلدين، حتى أن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أراد الفصل بين مواقف وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي وموقف رئيسيهما، الذي اعتبر جاويش أوغلو أنه يتعرض لضغوط من مستشاريه بهدف إلغاء الانسحاب المقرر من سوريا.
وفي الواقع، تشير تصريحات كل من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، إلى أن الرجلين ومن ورائهما كتلة وازنة من مستشاري الرئيس الأمريكي، يسعيان إلى إلغاء مفاعيل قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا، والإبقاء على الأوضاع كما هي في منطقة شرق الفرات، منعاً لدخول المنطقة في صراعات وتسويات بين أطراف من ضمنها إيران، وهو ما لا تريده تل أبيب ولا واشنطن نفسها، ذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مجمل الاستراتيجيات التي تتبعها الولايات المتحدة في المنطقة في الفترة الأخيرة.
لكن هذه الجهود تصطدم برفض أنقرة الشديد لها، فهي تريد أن ترث التركة الامريكية بشكل سريع في سوريا، مما سيقوي موقفها إقليمياً أمام طرفي أستانا الأخرين، موسكو وطهران. بالمقابل، فإن أنقرة لا تنوي السيطرة على كامل المنطقة التي تدعى شرق الفرات، بل ترغب في إقامة منطقة عازلة على الحدود بين سوريا وتركيا بعمق عشرين كيلومتراً، وهو الأمر الذي سيعني في حال حدوثه سيطرة تركيا على أهم المدن الكردية في سوريا شرق الفرات، مثل القامشلي وكوباني وغيرهما من المدن والبلدات التي تقع على الحدود.
سيدفع سيناريو كهذا إلى تصعيد الصدام الأهلي في سوريا، وهو ما لا تريده واشنطن الآن، كما أنه سيعني أيضاً دخول موسكو وطهران إلى مناطق في شرق الفرات، وتحديداً شمالي النهر في محافظة دير الزور، وهو ما سيعني تعزيز تواجد إيران وسيطرتها في المحافظة الحدودية مع العراق، ما سيشكل نسفاً لكل السياسة الأميركية المعلنة تجاه تواجد طهران العسكري في سوريا.
لا شك أن ترامب كان يعلم أن جيمس جيفري، المبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي والمبعوث الخاص للملف السوري، سيكون الخيار الأفضل والأكثر تقارباً مع أنقرة إذا ما تم إرساله في جولة لمناقشة الانسحاب الأمريكي، لكن الرئيس الأمريكي فضّل إرسال مستشار الأمن القومي الأكثر صداميةً إلى تركيا، وهو خيار يعطي مؤشراً على رغبة أميركية في منع تركيا من تنفيذ إرادتها شرق الفرات، مع الحفاظ على قرار الانسحاب الأميركي في الوقت نفسه، وهو الأمر الذي يبدو تنفيذه بالغ الصعوبة.
بالمقابل تريد تركيا السيطرة على مناطق جديدة قرب حدودها مع سوريا، والقضاء عملياً على قوات حماية الشعب، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديموقراطي، الذي هو الفرع السوري لحزب العمّال الكردستاني، وهو أمرٌ يبدو تنفيذه بالغ الصعوبة أيضاً، دون أن يخلق شرخاً كبيراً في المنطقة لن تكون أنقرة قادرة على السيطرة على نتائجه.
لا تستطيع الولايات المتحدة تنفيذ انسحابها دون تفاهمات مع تركيا، ولا تستطيع تركيا تنفيذ مخططها شرق الفرات دون تفاهمات مع الولايات المتحدة، وعلى أرضية هذا الاستعصاء، تأتي التصريحات الأمريكية المتناقضة لتُظهر عمق التخبط الذي يحيط بقرار الانسحاب. وفي حال تم تنفيذ إرادة ترامب التي تقضي بانسحاب أميركي كامل من سوريا، فإن هذا سيخلق واقعاً مشابهاً للأوضاع التي خلّفها الرئيس السابق أوباما بعد انسحابه من العراق قبل عشر سنوات.
موقع الجمهورية

 

 

 

عقل العصفور وتوزيع أراضي سوريا/ جلبير الأشقر
صدق قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في «حرس الثورة الإسلامية» الإيراني، عندما وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل عام ونصف بأنه صاحب «عقل عصفور»، مشبّهاً أمريكا «بمن يحمل رأس ديناصور ويملك عقل عصفور». والحقيقة أن الوصف ينطبق تماماً على ترامب الذي يشكّل «التغريد» طريقته المفضّلة في التعبير عن آرائه! وقد بلغت تغريدات ترامب العصفورية (بالمناسبة، من جميل الصُدَف أن «العصفورية» كلمة تُطلق بالعامية في بعض البلدان العربية على «مستشفى المجانين»، أي المصحّ العقلي) بلغت إحدى ذرواتها من حيث خفّة العقل في تعامله مع الدولة التركية في إطار ما وصفناه قبل أسبوع بأنه تخبّط خالٍ من أي منطق وأقرب إلى نزوات المصابين بعته شيخوخي.
فلننظر في مسلسل تغريدات الرئيس الأمريكي المتعلقة بسحب القوات الأمريكية من سوريا، وهو قرار فاجأ به ترامب العالم عندما أبلغه لنظيره التركي رجب طيّب أردوغان في مكالمة هاتفية يوم 14 كانون الأول / ديسمبر الماضي. وإزاء العاصفة التي أثارها ذاك القرار، أخذ ترامب يغرّد تبريراً لموقفه: فبعد إعلانه عن القرار بخمسة أيام، كتب «لقد هزمنا داعش في سوريا وهو السبب الوحيد لوجودنا هناك خلال رئاستي». وفي اليوم التالي، في 20 الشهر، أطلق ثلاث تغريدات متتالية شرح فيها أنه دعا إلى سحب القوات الأمريكية من سوريا منذ سنوات، وأن «روسيا، إيران، سوريا (قاصداً نظام آل الأسد) وغيرها هي عدوّات داعش المحلّية، وكنّا نقوم بمهمتّها». وسأل ترامب «هل تريد الولايات المتحدة أن تكون شرطي الشرق الأوسط، تحصل على لا شيء (مشدّداً على «لا شيء») وهي تخسر أرواحاً ثمينة وآلاف مليارات الدولارات في حماية آخرين بينما هُم، في جميع الأحوال تقريباً، لا يقدّرون ما نفعل؟» ثم أضاف إحدى أفقع الأكاذيب التي تخصّص بإطلاقها بغزارة قلّ مثيلها بين الناس العاديين، وكم بالأحرى بين الحكّام، مدّعياً أن «روسيا، إيران وسوريا غير مسرورة من مغادرة الولايات المتحدة لأنها سوف تضطرّ الآن إلى مكافحة داعش بدوننا».
وبعد سلسلة التغريدات تلك بثلاثة أيام، كتب ترامب أنه تكلّم مجدّداً مع نظيره التركي في «مكالمة طويلة ومثمرة» ونسّق معه انسحاب القوات الأمريكية من سوريا وبحث أيضاً في «زيادة التبادل التجاري بصورة كثيفة». ثم أضاف في تغريدة لاحقة أن أردوغان أكّد له أن تركيا ستقضي على ما تبقّى من داعش في سوريا.
وفي اليوم التالي، استمرّ هذيان ترامب بتغريدة أكّد فيها أن المملكة السعودية تكفّلت بتمويل إعادة بناء سوريا «بدلاً من الولايات المتحدة»، وقد شكرها ترامب على سخائها. ثم ختم السنة بتواضعه المعهود، مؤكّداً أنه بمثابة «بطل قومي» لنجاحه في القضاء على داعش.
وقبل ثلاثة أيام، في 13 كانون الثاني / يناير، كذّب ترامب جميع الأنباء التي تحدّثت عن تأجيل انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، لاسيما بعد تصريحات مستشاره للأمن القومي جون بولتون خلال جولته في الشرق الأوسط التي أكّد فيها على أن القوات الأمريكية سوف تبقى في سوريا حتى دحر إيران إلى خارج البلاد. وقد أراد ترامب بكل وضوح أن يثبت للعالم أنه وحده صاحب القرار وأنه وفيّ لبرنامجه.
وردّاً على العديدين، وبالأخص داخل البنتاغون، الذين يخشون أن طعن الولايات المتحدة للقوات الكردية السورية في الظهر بعد أن اتكّلت عليها في محاربة داعش، إنما يشكّل موقفاً مشيناً ويفاقم فقدان أمريكا للمصداقية كقوة يمكن المراهنة عليها بعد أن بلغ هذا الفقدان ذروة مطلقة في عهد ترامب، ردّاً على كل هؤلاء أضاف الرئيس الأمريكي: «سوف نُلحق كارثة اقتصادية بتركيا لو ضربت الكُرد»! وختم بالتلميح إلى «منطقة آمنة بطول عشرين ميلاً»، ثم تابع بتغريدة أخرى جدّد فيها التأكيد العبثي على أن «روسيا وإيران وسوريا كانت أكبر المستفيدات من سياسة أمريكا طويلة الأمد في تدمير داعش».
أما يوم أمس (15 كانون الثاني / يناير)، فطلع ترامب علينا بتغريدة أخبرنا بها أنه تكلّم مرة أخرى مع نظيره التركي عن «المنطقة الآمنة» وعن «الإمكانيات العظيمة» في تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، هذا بعد يومين فقط من تهديده بإلحاق كارثة اقتصادية بتركيا! وقد شرحت صحيفة «واشنطن بوست» لغز «المنطقة الآمنة» نقلاً عن خبير تركي صرح لها بما يلي: «الفكرة هي أن القوات التركية والقوات (السورية) المدعومة منها سوف تنتشر في أرياف المنطقة الآمنة بينما تحتفظ «وحدات الحماية الشعبية» (الكردية) بالسيطرة على بعض المدن التي تأهلها أغلبية كردية». هكذا يتفاوض الأمريكان والأتراك على توزيع السيطرة على الأراضي السورية… وهم في ذلك أسوأ بعد من روسيا التي حرصت دائماً على إشراك أطراف سورية، نظام دمشق بالطبع وبعض أطراف المعارضة، فيما أشرفت عليه من مداولات حول مصير سوريا مع إيران وتركيا. أما أن يثق أحدٌ بجدّية التزام أي من الأطراف المذكورة بأسرها بأي من الاتفاقات التي تعقدها فيما بينها، فهذا يقتضي أن يكون عقله هو أيضاً عقل عصفور!
كاتب وأكاديمي من لبنان
القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.