الناس

علم الثورة في ساحة تقسيم: أين القضية؟/ شناي أوزدن

 

 

ترجمة: ياسر الزيات

انتشرت في الأول من كانون الثاني صور وفيديوهات لمجموعة شبان سوريين يحملون علم فترة الاستقلال في سوريا -الذي بات علماً للثورة السورية أيضاً- احتفالاً بالعام الجديد في ميدان «تقسيم» في اسطنبول. وخلال بضع ساعات تالية فقط، تزاحمت أكثر من خمسة آلاف تغريدة تحت هاشتاغ #لا_أريد_سوريين_في_بلدي. مثّلَ الحادث بوضوح حالة أخرى من حالات الكراهية العنصرية للسوريين في تركيا، إلا أن هناك حاجة لوضع ردود الأفعال المتنوعة في سياقها لفهم الدور الذي يلعبه الفضاء العام، في ساحة تقسيم تحديداً، كمجال تنازع رمزي بين مختلف الجماعات الإيديولوجية والسياسية في تركيا.

من الممكن تسجيل ارتفاع ملحوظ في الحملات العنصرية التي أخذت تطال السوريين في تركيا، ولا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي، منذ توقيع صفقة آذار 2016 بين تركيا والاتحاد الأوروبي، والتي أصبحت تركيا بموجبها السد الأوروبي الواقف في وجه فيضان اللاجئين. وبالإضافة إلى «مكافأة» نقدية، تمكنت أنقرة أيضاً من شراء صمت الحكومات الأوروبية عن الانتهاكات الحقوقية الجارية في تركيا. وقد عنت الصفقة قسوة أكبر في أعمال خفر الحدود، وحرية أقل لتنقل السوريين داخل البلاد، لكن أيضاً الكفّ عن اعتبار السوريين «مؤقتين»، والمباشرة باتخاذ خطوات نحو إدماجهم بشكل أكبر بهدف الحد من محاولات عبورهم نحو أوروبا. وقد انعكس تغيير السياسة هذا في خطاب الدولة العام، حيث بدأت تختفي كلمة «ضيوف» بشكل تدريجي لصالح كلمة «لاجئين». وقد أكّد هذا التحول في سياسة الدولة تجاه السوريين أيضاً لمواطني تركيا أن السوريين ليسوا عابرين، بل هم هنا ليبقوا. كانت تلك اللحظة التي انفلت معها خطاب الكراهية والعنصرية ضد السوريين في تركيا، ولا سيما ذاك الذي يستهدف وجودهم في الأماكن العامة. ولذلك فإن هناك شبهاً بين العنصرية الموجهة ضد احتفال شباب سوريين بالسنة الجديدة في ساحة تقسيم، وهي من كبرى المساحات العامة في تركيا، وبين العنصرية الموجهة ضد وجود السوريين في مساحات عامة أخرى مثل الشواطئ والمتنزهات العامة.

https://www.youtube.com/watch?time_continue=56&v=QGtB_AypuVI

الأمر المختلف في حادثة الاحتفال الأخيرة، مقارنةً بردود الأفعال العنصرية الأخرى، هو أن علَماً كان في قلب المسألة. هنا لم تستهدف العنصرية وجود اللاجئين في فضاء عام فحسب، بل استهدفت وجودهم تحديداً في ساحة تقسيم بصحبة رمزهم السياسي، أي علم الثورة. كانت المشكلة أن يكون للاجئين مشيئة سياسية، أن تكون لهم قضية سياسية في فضاء عام بينما يُحرم مواطنو تركيا من حقهم في التعبير عن مشيئاتهم السياسية في الفضاءات العامة، وعلى الأخص ساحة تقسيم.

تمثل ساحة تقسيم فضاءً مدينياً كان وما يزال محوراً لعلاقات القوة وصراع الإيديولوجيات في تركيا. تعود رمزية هذه الساحة إلى لحظة التخطيط لها كساحة مدينية ترمز لسطوة النظام الجمهوري التركي في بداية عهده. تم هدم ثكنات المدفعية في عشرينيات القرن العشرين، وأشيد عوضاً عنها نصب الجمهورية التذكاري (1928) وبعد حين مركز أتاتورك الثقافي (1969)، وقد كان كل ذلك شاهداً على التحول عن الممارسات الإسلامية العثمانية نحو القيم العلمانية الحديثة للأمة الناشئة. ثم أخذت الساحة طابعاً يسارياً معارضاً بعد احتجاجات الأحد الدامي عام 1969، والتي نظمتها جماعات طلابية يسارية ضد وصول الأسطول الأمريكي السادس إلى تركيا، ثم مظاهرة عيد العمال عام 1977، والتي تجمّع فيها أربعمئة ألف شخص من مختلف أنحاء البلاد، واستتبعت إجراءات عنيفة من جانب الشرطة راح ضحيتها أربعة وثلاثون شخصاً. هذه الذكرى وهذا الزخم السياسي أخذ يسم ساحة تقسيم منذ ذلك الحين، ومعها الأجواء الثقافية والفنية في شارع الاستقلال ومحيطه. فمن المظاهرات النسوية إلى دعوات إحياء المجازر الأرمنية؛ ومن اعتصامات أمهات يوم السبت إلى احتجاجات الطلاب ومسيرات الفخر المثلي، أصبح الميدان عصب الدعوات السياسية والحركات الاجتماعية المطالِبة بإرساء الديمقراطية في تركيا طوال العقود التالية للانقلاب العسكري عام 1980.

تتويجاً لمحاولات حكومة حزب العدالة والتنمية لإعادة تعريف المعنى الرمزي لتقسيم بمواصفات نيوليبرالية ومحافظة، أعلنت الحكومة عن ثلاثة مشاريع كبرى أشعلت احتجاجات غيزي عام 2013: فقد أزمعت إعادة بناء ثكنات المدفعية في حديقة غيزي، وهدم مركز أتاتورك الثقافي، وبناء مسجد. بدت هذه المشاريع كخاتمة للتحول البطيء الذي عايشته ساحة تقسيم طوال عهد حزب العدالة والتنمية الطويل: استشراء الطابع التجاري في شارع الاستقلال، والذي كان في السابق بؤرة للإنتاج الثقافي والفني. لعل أبرز لحظات الأجندة النيوليبرالية المحافظة التي جاءت بها حكومة العدالة والتنمية كانت هدم سينما إيميك القديمة (التي تعود لعام 1924) واستبدالها عام 2009 بمول يحتوي على سينما تجارية بداخله، وذلك قبل أن تعلن الحكومة عن مخططها لبناء مول على شكل ثكنات المدفعية القديمة في حديقة غيزي. سرعان ما لامست احتجاجات غيزي شرائح واسعة من المجتمع التركي، بمن في ذلك من لم يكونوا مسيّسين بالضرورة. وربما كانت تلك المرة الأولى التي ظهر فيها فضاء عام، أي الحديقة والساحة، كمنصة لممارسة الديمقراطية كحالة يومية بين مواطنين عاديين، عبر من خلالها المواطنون طوال احتجاجات غيزي عن رؤاهم بشأن الديمقراطية التشاركية وحقهم في المدينة.

منذ محاولة الانقلاب في 15 تموز 2016 وتدهور حكم القانون في تركيا ثم إعلان حالة الطوارئ، لم يعد بالإمكان تنظيم أية مظاهرات حاشدة في ساحة تقسيم. بل طال الحظر حتى اعتصامات أمهات يوم السبت، أي أمهات السجناء السياسيين المفقودين من ثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضي، واللواتي اعتصمن كل يوم سبت في ساحة غلطة سراي بين 1995 و1999، ثم من عام 2009 دون انقطاع حتى الاعتصام رقم 700 في آب 2018. حالياً هناك نقاط شرطة دائمة على جانبي شارع الاستقلال وساحة غلطة سراي. وقد تم هدم مركز أتاتورك الثقافي، ويجري حالياً بناء مسجد على الجانب الآخر من ساحة تقسيم. وبينما مثلت الساحة في السابق فضاءً ديمقراطياً يستقبل المواطنين المطالِبين بحقوقهم في المواطنة الفاعلة والمشاركة السياسية، أصبح جزءٌ منها اليوم مركز تجمع لسيارات الشرطة. ترافق هذا التعدي المستمر على الحقوق المدنية مع نزعة قومية متمادية، أدت فيما أدت إليه إلى تقلص مساحة السياسة الكردية المسموح بها قانوناً، وكذلك تقلص مساحات الحضور العام لرموز الهوية الكردية.

في هذا السياق السياسي تحديداً، لقي فيديو الشباب السوريين المحتفلين بمطلع العام الجديد مع أعلامهم في ساحة تقسيم انتشار كبيراً. وقد حدا ذلك ببعض المراقبين للتساؤل: «ماذا لو رفع مجموعة من الشبان الأكراد العلم الكردي عشية العام الجديد؟ أو رفعت مجموعة أخرى علم قوس قزح مثلاً؟ كيف كان للشرطة أن ترد؟». أي أن الانتقاد الذي كان ينبغي توجيهه، بحق، إلى ازدواج معايير الدولة التركية، وُجِّه بدلاً من ذلك إلى المجتمع السوري، الأمر الذي يعود غالباً إلى تعذر توجيه أي انتقاد للدولة. هذه الإزاحة للهدف هي، دون أدنى شك، شكل من أشكال العنصرية، وهي لا تختلف عن اتهام العامل المهاجر بسرقة فرص العمل بدلاً من توجيه الغضب نحو أصحاب العمل الذين يستغلون العمال المهاجرين والمحليين.

تُماهي المعارضة اليسارية والكردية في تركيا بين علم الثورة المرفوع في ساحة تقسيم و«علم الجيش السوري الحر»، وهذا الأخير بالنسبة لهم هو مجرد «عصابة جهادية مسلحة». أغلب الظن أن ذلك يعود إلى العملية العسكرية التركية في عفرين، والتي أصبح العلم من خلالها مرئياً أكثر لمواطني تركيا، حيث ترفع الفصائل السورية المدعومة من تركيا ذلك العلم. بالنسبة لفئة معينة من المعارضة التركية، الجيش الحر عبارة عن «جهاديين يقومون بالأعمال القذرة نيابة عن الدولة التركية في عفرين ضد الأكراد»، وهذا العلم هو علم هؤلاء. كفاح الشعب السوري على مختلف الجبهات منذ عام 2011، وجميع رموز هذه الكفاح، هي أمور غير مرئية لخط المعارضة التركية هذا، والذي رأى أن «كل هذا كان مخططاً له، هناك من سمح للجهاديين أن يسرحوا ويمرحوا في تقسيم».

رددت المعارضة القومية على طريقتها المعتادة: «لماذا لا يرفعون علمهم في بلادهم ويقاتلون هناك فيما جنودنا يموتون في سوريا؟». وهو ما لقي رداً من أناركيين ونقاد ذوي ضمير، أكدوا أنه طالما أن إيديولوجيا الدولة التركية هي «دولة واحدة، لغة واحدة، علم واحد»، وطالما أنه لا أحد يضع تواجد الجيش التركي في سوريا موضع استفهام، فليس لأحد الحق في وضع علامة استفهام على رفع «علم الجيش الحر» في ساحة تقسيم. انتشرت تغريدة شهيرة بهذا الصدد بالذات: «الأتراك لا يريدون سوريين في تركيا، لكن هل يريد السوريون تركيا في بلادهم؟».

لقد خرجت دعوات قوية مساندة لحقوق اللاجئين ومنتقدة لردود الفعل المعادية للسوريين في ساحة تقسيم، إلا أن مقاربة هؤلاء المناصرين اقتصرت على المنظور الحقوقي، ولم يتطرقوا إلى التماهي الواهم بين العلم والجهاديين، أو إلى مشكلة إنكار المشيئة السياسية على السوريين. مع ذلك، يمكننا اعتبار هذه المقاربة -بشكل عام- أحسن الموجود: ففي أفضل أحوالهم يتلقى السوريون معاملة كلاجئين ينبغي الدفاع عن حقوقهم، لكن ليس كفاعلين سياسيين ذوي خلفيات متنوعة وذوي مشيئات ومطالب سياسية يسعون لتحقيقها في سوريا. بهذا المعنى، المناصرون يعاملون السوريين كأطفال، فيتجاهلون تماماً الكفاح الذي خاضوه قبل مجيئهم إلى تركيا، ويرون فيهم مجرد ضحايا حرب بحاجة لمن يدافع عن حقوقهم.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق