سياسة

عن إعادة تأهيل الأسد -مقالات مختارة-

 

ستربتيز عربي عاجل/ عمر قدور

ستربتيز عربي عاجل وفد نقابة المهندسين الأردنيين في سوريا (الانترنت)

لم تحمل عودة بعض السفارات الخليجية إلى الأسد مفاجأة، وكذلك هو الحال مع العودة المرتقبة للأخير إلى جامعة الأنظمة العربية. في الأصل، يعلم الجميع عدم وجود خلافات جوهرية بين الأنظمة التي تتشارك بدرجات أسلوب القمع، ونعلم أن الأنظمة التي تعيد سفاراتها بذلت في مستهل الثورة جهداً مع بشار الأسد من أجل تقديم تنازلات بسيطة يمكن أن تطوي صفحة الثورة، وكان ذلك الجهد مقروناً بوعود مالية، ولم يكن نفوذ حزب الله وطهران قد ظهر على النحو الذي سنشهده في ما بعد. لكن يبقى أهم ما في التقارب الحالي مع بشار هو مجيئه ضمن مناخ دولي يحثّ عليه، وسيكون من الصعب علينا تخيّل خطوات من هذا القبيل لا تكون منسقة مع دوائر صنع القرار الأمريكي، ولا تتصل برغبة ترامب في الانسحاب من سوريا تمهيداً لتسوية مشينة.

بعد ما يزيد عن السبع سنوات قليلاً يأتي التراجع عن قرار الجامعة العربية، بطريقة منفردة أولاً، والطريف أن القرار المذكور قد اشترط على بشار الأسد التعهد بتوفير الحماية للمدنيين. في تشرين الثاني عام 2011، تاريخ القطيعة، لم يكن بشار قد قتل واعتقل سوى آلاف قليلة من السوريين، ولم يكن قد بدأ معركة الإبادة والتهجير الكبرى التي ستودي بالملايين. اليوم، بعد ارتكاب جميع الفظائع خلال تلك السنوات، تأتي المبادرة كأنها مكافأة على استخدام أقصى الوحشية من أجل البقاء في السلطة، وتُغطى بمبرر لم يكن موجوداً في قرار الجامعة، أي مواجهة النفوذ الإيراني!

كان ترامب أول من استعجل إفشاء السر، عندما أعلن على حسابه في تويتر استعداد السعودية لإعادة الإعمار بعد إعلانه قرار الانسحاب من سوريا. ورغم محاولة التنصل مما كتبه الأخير فإن الذرائع التي تُساق اليوم تدل على صحته، ومنها عجز طهران باقتصادها المتردي عن نجدة بشار اقتصادياً، ومنها أيضاً أنه كان في الحرب أقوى مما سيكون عليه في السلام، وبالتالي سيكون مستعداً لتقديم تنازلات من أجل جزرة إعادة الإعمار؛ تنازلات تحديداً في ملف النفوذ الإيراني عليه.

يكفي أن نتابع التحليلات التي أخذت تتوالى في إعلام الأنظمة الذاهبة للتطبيع مع بشار كي نحظى بأفكار لم تكن مقدماتها واردة قبل أسابيع قليلة، ولا يندر أن يكون أبطالها هم أنفسهم الذين شغلوا الصحافة وشاشات التلفزيون بإداناتهم القاسية لجرائم بشار. المفاجأة التي تلقاها هؤلاء جعلتهم مثل راقصة ستربتيز وجدت نفسها مضطرة لإنهاء فقرتها على عجل، فراحت تخلع ملابسها على نحو كاريكاتوري. هكذا مثلاً ستغيب نغمة التخويف من المشروع الإيراني، بما أن العقوبات الاقتصادية ستتكفل بانهيار النظام أو انهيار مشروعه الإقليمي قريباً كما بات يُروّج. الإشارة الخجولة إلى نفوذ طهران على بشار سيتم استدراكها سريعاً بالتنويه بالنفوذ الروسي الأقوى وبمصالح روسيا التي تقتضي إزاحة طهران، ولا حاجة لتقديم معلومات عن النوايا الروسية حيث يتكفل الحديث عنها بجعلها مؤكدة!

من المتوقع ألا تشعر القيادات العربية بالعار جراء التطبيع مع الجريمة التي يمثّلها بشار، هذا ينبغي ألا يكون حال الذين يبذلون اليوم جهودهم من أجل تسويغ التطبيع. الإسراع باتهام من يفعل ذلك بأنه بوق للأنظمة، أو مرتزق لديها، قد لا يكفي لشرح مقدار العار الحالي واللاحق. فنحن اليوم نرى انقلاباً يؤسس لمرحلة تجعل الكثيرين يتأسفون على زمن ما قبل الثورات العربية، لأن تلك الأقلام ذاتها كان في وسعها آنذاك إبداء شيء من الاستقلالية، وهي ذاتها الآن على مقصلة الانتحار المعنوي مؤدِّية الخدمة لأرباب الثورة المضادة.

ربما يستشعر البعض من هؤلاء العار الذي سيجللهم، في عيون من يشهدون انقلابهم، فتأتي تبريراتهم لتلقي باللوم على الشعوب وعلى الثورات التي خيّبت ظنهم. هكذا سنقرأ تحليلات عن “الأزمة السورية” التي تسببت بالقتل والتهجير، إنما مع تجهيل الفاعل واستخدام تعبير “ما يُسمى ثورات الربيع العربي” تبرؤاً من التسمية. الأسوأ هو القول بأن ثورة السورية قد اختُطفت من قبل الإرهاب، مع تحميل السوريين المسؤولية ضمناً، فهنا تحديداً يبرز عار الكذب والتدليس، أي مع تناسي الدور العربي في دعم ما بات يُسمى إرهاباً.

نستطيع تسمية عشرات الفصائل الإسلامية التي كانت مدعومة من الأنظمة التي تتقرب من بشار، ونستطيع استرجاع انتهاكات هذه الفصائل في حق نشطاء الثورة، مثلما نستطيع التذكير بدور تلك الأنظمة في إيقاف المعركة على تخوم دمشق، سواء من جهة الغوطة أو من جهة الجبهة الجنوبية، إرضاء لواشنطن المصرّة على حل سياسي. نستطيع أيضاً التذكير بالضخ الإعلامي الذي يركّز على المعركة المشتركة ضد المشروع الإيراني، ويروّج مقولات من نوع “الدم السنّي واحد”، من دون إعفاء سوريين لاقوا ذلك الضخ ورأوا فيه فرصة لدعم يحتاجونه، ومن دون تبرئة سوريين ركبوا الموجة تكسّباً ولم يجدوا داعماً يردعهم بقدر ما وجدوا داعماً يبحث عن مرتزقة من أمثالهم.

إن فضيحتنا بإعلاميين ومثقفين يتناسون المقتلة السورية “تحت مسمى الأزمة”، ويتناسون دور الخارج فيها ومن ضمنه الأنظمة التي يدافعون الآن عن سياساتها الجديدة، لا تقل بأي شكل عن عار الذين دافعوا عن جرائم بشار منذ البداية. ومع أن مثقف السلطان ليس بجديد علينا وعلى عموم القراء إلا أن الدور الذي يؤديه لم يعد يتوقف عند الترويج لسلطانه؛ الدور الأدهى والأخطر هو تسفيه مفاهيم مثل الثقافة والمعرفة والإعلام، ونزع الاستقلالية عن هذه الحقول بحيث توضع أية كتابة أخرى موضع شبهة، وبحيث تصبح مفاهيم مثل الحرية والحقيقة والعدالة مجرد ألاعيب لغوية تخفي وراءها قدْراً من عدم النزاهة. نحن، في أحسن الحالات، بعيدون عن الترويج لوجود إعلام يضمن حجم الحرية الذي نتمناه للقارئ والكاتب، ووجود كتّاب قيد الطلب يسهّل مهمة كل سلطة ترغب في تسفيه الكتابة والرأي. هؤلاء لا يكتفون فقط بأن يروا العالم على شاكلتهم، بل يبذلون ما في وسعهم ليصبح كذلك.

المدن

 

 

 

 

 

سيناريو “الأسد الجيد”/ عمر قدور

غنيّ عن الذكر أن التصورات المطروحة لمستقبل سوريا لا تأخذ في الاعتبار تطلعات السوريين أنفسهم، وحتى إذا أخذنا في الحسبان الانقسام السوري فإن التصورات المطروحة لا تكترث بالوصول إلى تسوية تضمن مصالح الجماعات السورية الكبرى. الإبقاء على بشار، وفق هذا المعيار، وإن حقق رغبة مؤيديه إلا أنه يأتي ضمن حسابات خارجية ليس إلا، ولن يكون من أجل مصالح المؤيدين، هذا إذا افترضنا زوراً أن بشار نفسه يكترث بها.

لقد إكتمل فعلياً طرد السوريين من ساحة الصراع، من خلال مصادرة مشروع التغيير، ومن خلال الاستيلاء الحثيث عليهم وتحويلهم إلى أدوات في الصراع الدولي والإقليمي. وإذا برزت خلال السنوات الأولى ما تُسمى “عقدة بشار” فقد تم تصفيرها منذ بدء التدخل الروسي، إنما على قاعدة النيل من قوته الذاتية لصالح حلفائه ومصادرة قراره، حيث أصبح معتاداً إطلاق المواقف بالأصالة عنه من موسكو أو طهران. ما تتفق عليه السيناريوهات المطروحة، والمتصارعة، هو الإبقاء على بشار بعد نزع مخالبه، بالتزامن مع تمكينه من السيطرة على كافة المناطق السورية!

السيناريو الروسي يطمح إلى استئناف وتطوير تصور إيراني سابق، تبقى فيه هيكلية السلطة الأمنية “الجيش والمخابرات” خاضعة لقبضة مركزية، على أن تكون هذه القبضة تحت سيطرتها. في المقابل يمكن إدخال تعديلات على الجانب المدني، لجهة تطوير مفهوم الإدارات المحلية، وأيضاً لجهة الاعتراف بالحقوق الثقافية والدينية لبعض المكونات. ذلك يتضمن إرضاء الأكراد على سبيل المثال، إلا أنه يتضمن أيضاً إرضاء بعض التنظيمات الإسلامية بإعطائها بعض الميزات في بعض المناطق، فضلاً عن تكريس مبدأ مشاركة جميع الأطراف في الحكومة المركزية التي ستبقى ضعيفة طالما هي مجردة من صلاحيات الإشراف على الجيش والمخابرات.

“الأسد الجيد” من وجهة نظر دول الخليج الأخيرة هو الخارج عن النفوذ الإيراني، ووجهة النظر هذه داعمة إجمالاً للتصور الروسي، باستثناء معارضة إعطاء مكاسب للتيار الإسلامي. ما تسرب إعلانه من مواقف تلك الدول ينص أيضاً على إبعاد بشار عن صفقة محتملة مع أنقرة، أي أن المطلوب منه الاكتفاء بالوصاية الروسية، على أن تتولى الأخيرة إبعاد أنقرة سلماً أو حرباً، لقاء جزرة إعادة الإعمار التي لا يوجد من يتكفل بها سوى الأموال الخليجية.

واقعياً، الأسد الجيد من وجهة النظر هذه هو نفسه بشار ما قبل عام 2011، أي ما قبل استنجاده بالإيرانيين والوقوع تحت سطوتهم المباشرة رغم وجود نفوذ إيراني في تلك المرحلة. الفكرة الأساسية التي تحكم هي محو آثار ثماني سنوات من الصراع، وكأنه لم تكن هناك ثورة أصلاً، فلا توجد مطالب أخرى من الأسد، باستثناء ما يلوّح هو نفسه بقبوله، أي إشراك أشخاص احتُسبوا على المعارضة في الحكومة، مع الاحتفاظ المطلق بالقرار الأمني. تعوّل دول الخليج التي بدأت التقارب مع بشار على شهيته العارمة إزاء أموال إعادة الإعمار، مع إدراكها أن مصيرها سيكون كمصير المساعدات القديمة التي قدّمتها له ولأبيه من قبل. الفهم الأساسي وراء ما يُسمى “إعادة الإعمار” هو شراء الولاء ممّن عُرف بفساده، على أمل أن يدرك “بعد انتهاء حاجته إلى الميليشيات الشيعية” انسداد الأفق للتكسب من الاقتصاد الإيراني الضعيف كما كان الأمر أثناء الصراع العسكري.

لا يختلف الأسد الجيد أمريكياً، أو بالأحرى ترامبياً، عن التصور الخليجي الذي سبق، باستثناء التركيز الأمريكي التقليدي على المصالح الإسرائيلية. واشنطن تريد بقاء بشار لكن خارج المظلة الإيرانية، وأيضاً مع تحجيم النفوذ التركي ما أمكن. لا حسابات خاصة لواشنطن في سوريا، ولا اشتراطات لديها على شكل الحكم القادم، ولا رغبة خاصة لديها في تعويم بشار خارجياً بناء على تجميل نظامه، فهي لا تريد منه سوى العلاقة الاستخباراتية القائمة تقليدياً “والتي ربما لم تنقطع” جراء انخراطه المزدوج في ملف الإرهاب. أما إسرائيلياً فالعلاقة الدافئة بين تل أبيب وموسكو تريح واشنطن من عبئها، والوجهة الأهم فيها تحجيم قوة حزب الله بعد أن استُنزف في الحرب على السوريين.

ثمة “أسد جيد” تركياً أيضاً، رغم تفضيل أنقرة رحيله وربما أملها أن يضطر بوتين إلى ذلك لاحقاً. الهواجس التركية تتمحور حول الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه إرهابياً، وتتمحور تالياً حول عدم استفادة أكراد سوريا من أي تغيير على منوال مكاسب إقليم كردستان العراق إثر التدخل الأمريكي. ما تريده أنقرة من الأسد السماح لها بحرية التحرك ضد الجناح السوري لحزب العمال، على غرار حريتها في التحرك أثناء السنوات الأخيرة من حكم صدام حسين، أو أن يتولى هو إقفال هذا الملف الذي ساهم أصلاً في تنشئته ومن ثم تمكينه بعد الثورة للضغط على تركيا. بدرجة أقل أهمية تريد حكومة أردوغان استئناف مشروعها القديم بالمصالحة بين الأسد والإخوان، على قاعدة إشراك الإخوان في السلطة، وتعتبر أن من حقها المقايضة بورقتين هما الفصائل التابعة لها التي تحولت من قتال الأسد إلى قتال الأكراد وورقة اللاجئين الذين تستضيف العدد الأضخم منهم.

ما تتفق عليه الأطراف السابقة جميعاً تفضيلها “الاستقرار” على التغيير، ولنا أن نتذكر سؤال “البديل عن الأسد” الذي ظل يُطرح هنا وهناك حتى انتفى موضوعياً بقضاء أصحاب السؤال على الفكرة من أساسها. الحق أننا، إذا نحينا اعتبارات الأخلاق والعدالة، لن نجد بديلاً موضوعياً عن بشار سواه، فالتأسيس اليوم هو لمرحلة من الصراع على النفوذ أو اقتسامه تستدعي تفريغها من إرادة السوريين، وتستدعي وجود مقاول محلي متحفز لإرهاب السوريين وقمع إراداتهم بمشاركة أدنى من قبل مقاولين صغار لدى قوى إقليمية مثل الخليج وتركيا. إلا أن الفشل قد لا يكون قدر السوريين وحدهم، وإذا نظرنا شرقاً وغرباً إلى التجربتين اللبنانية والعراقية فسنرى عجز الخارج عن تحقيق الاستقرار الذي ينشده رغم فائض النفوذ في الحالتين، فكيف سيكون الحال سورياً مع فائض غير مسبوق من الجريمة؟

المدن

 

 

 

افتراضات عربية خاطئة في تعويم الأسد/ غازي دحمان

تتجه الدول العربية تباعاً إلى مصالحة نظام الأسد، لم يعد ثمّة فائدة من تذكير هذه الأنظمة بأن هذا النظام مجرم، ولا تزال أثار دماء مئات آلاف السوريين على يديه، وأن لديه مشروع قتل للسوريين، سيشغل مساحة العقد المقبل. ولم تعد ثمّة فائدة من الطلب من هذه الأنظمة التريث قليلاً، على الأقل سنة، بانتظار تغير المعادلات نتيجة التفاعلات الجارية والمعطيات المستجدة.

لم يعد ذلك مجدياً، لأن سبحة السفارات والزيارات قد كرّت. وبعد مدّة، ليست طويلة، ستكون مقاطعة النظام السوري هي الاستثناء، وستتذرع الأطراف العربية بالواقعية السياسية، وأن أمر المقاطعة سينتهي، بل إن غالبية العرب سيقولون للمعارضين: انتظرناكم ثماني سنوات ولم تسقطوا الأسد، وأمر إسقاطه أكبر منا ومنكم، هو قرار دولي، وقالت أميركا نفسها إنها غير معنية بإسقاط الأسد، بل سيقول أغلبهم للسوريين إننا نفعل ذلك لأجلكم.

وما دام الحديث هنا عن الواقعية والمصالح العليا، سيكون كثيراً على العرب الوقوع في الخطأ مرتين في أقل من عشر سنوات، الأولى عندما اختلفوا في ما بينهم على طبيعة النظام الذي سيحكم سورية بعد سقوط الأسد، ما أدى إلى نجاته. والثانية إعادة احتضانه من دون وجود ضماناتٍ تحقّق مصالح العرب، أو الأهداف التي لأجلها يبرّر العرب إعادة تأهيل نظام الأسد، وإلا فسيجعلنا ذلك نؤمن بأن المسألة ليست سياسة، بقدر ما هي حظ، فسيكون الأسد قد حصل على أصدقاء لا يرحمون وقت الحرب، وأصدقاء لديهم قدرة على تمويل تثبيت سلطته.

بناء على ذلك، تستدعي الواقعية تخلي العرب عن الشعارات الكبيرة التي سيدفعونها أمامهم حين يأتون غداً لمصالحة الأسد، وحين تعلن جامعة الدول العربية في قمة تونس أنها ترحب بعودة عضوية نظام الأسد، انطلاقا من حرص الجامعة والأنظمة على حماية سورية واستقرارها ومساعدة شعبها على التخلص من آثار الحرب، مثل هذه العبارات من غير المقنع إسماعها للشعب السوري لأنه سيعتقد أن الجامعة والأنظمة ستبلسم جراحه بعد ثماني سنوات من التنكيل الفظيع الروسي والإيراني والمليشياوي العابر للقوميات، وهم لن يستطيعوا فعل ذلك، فلا داعي لرفع سقف طموحات السوريين بلا معنى.

وتستدعي الواقعية أيضا إدراك حدود قدرة العرب على طرد التأثير الإيراني من سورية أو منافسته على الأقل، كل ما سيستطيع العرب فعله هو إعادة فتح السفارات، التي بدورها لن تستطيع الوصول إلى أبعد من مكتب وليد المعلم (وزير الخارجية)، الذي لا يمون على الفرّاش الذي يحضر له القهوة، فلن يسمح نظام الأسد ومخابراته لأي سفارةٍ بنشاط ثقافي مهم، ولا التواصل مع المعارضين، ولا التأثير في الرأي السوري، ثم لدى إيران مشروع “التشييع”، وعلى أساسه تستقطب بعض السوريين، بالمال أو بغيره، وتلك مسألة أخرى.. القصد أين هو مشروع العرب الذي سينافس المشروع الإيراني؟ لا يمكن مواجهة المشاريع بغير المشاريع، والمشروع الإيراني أيضاً مدعوم من نظام الأسد الذي في الحقيقة أصبح جزءاً من المشروع الإيراني في المنطقة.

وما ينبغي إدراكه، تحت ظلال شعارات الهجمة الواقعية العربية على سورية، وأن يدركه الزعماء العرب أن انخراطهم بمشاريع الأسد الإعمارية هو عمل تجاري (بزنس) بحت، وهو ما لا يحتاج إلى شعاراتٍ لتغليفه، لأن فائدة هذه العملية وأرباحها ستصب في جيوب المقرّبين من الأسد، والأدهى أنها ستكون دعماً للنفوذ الإيراني وتثبيته في سورية. والمفترض أن العرب عرفوا، من عشرات التقارير الدولية، أن إيران تجهَّزت جيداً لعملية الإعمار، وأسست عشرات الشركات بأسماء واجهات سورية، وأنها، ومعها شركات الرئيس بوتين، سيجنون مليارات الدولارات من الأرباح. وسيسبب ذلك للسوريين ألماً لا طاقة لهم على احتماله، فمن جهة سيشعرون أن العرب لم يأبهوا لجراحهم، ومن جهة ثانية ستظهر العملية كأنها مكافأة لكل عنصر مليشياوي أو مرتزق قتل طفلاً سورياً أو اغتصب امرأة سورية، وإن لم يكن ثمّة اعتراض على مساهمة العرب في عملية الإعمار، فليكن ذلك بعقليةٍ تجاريةٍ، يستطيعون من خلالها ضمان تحقيق أكبر قدر من الأرباح لأنفسهم.

سيكون رائعاً إذا لم يسمح العرب لروسيا البوتينية بالضحك عليهم، إذ يجب ألا يسمحوا لها ببيعهم وهم إخراج إيران من سورية، فهذه كذبةٌ لا تستحق الانشغال بها، وهي كذبةٌ لا توازيها إلا نظيرتها الأميركية التي أشاعت بقاء القوات إلى حين خروج إيران، والبدء بعملية سياسية حقيقية. وعلى الرغم من كل جراح السوريين وآلامهم، سيكون مؤلماً عليهم وقوع أشقائهم العرب ضحية خداع بوتين الذي فعل كل ما فعل، ليمنع مرور خطوط النفط والغاز العربية إلى أوروبا حتى لا تنافس شركاته، والذي يعتقد أنه ليس أقل من أميركا في الحصول على حصّةٍ من أموال العرب، فإيران مارست كل موبقاتها، من التهجير الديمغرافي إلى فرض التشيّع، إلى إبادة السوريين تحت نظر روسيا وسمعها، وهي التي كانت تساعدها على إنجاز مهاتها تلك بعاصفة السوخوي الشهيرة.

كلمة أخيرة، الفائدة الوحيدة للشعب السوري، أو لنقل بتعبير أدق، لخمسة عشر مليون سوري أضر بهم نظام الأسد، هو إضعاف هذا النظام، أضعف الإيمان، عبر استمرار عزله ومقاطعته، لأن ذلك سيجبره ويجبر رعاته على تخفيف حدّة بطشهم بالسوريين. وكل ما من شأنه تقوية الأسد هو تحطيم للسوريين، وليس مستغرباً أن نظام الأسد قتل في الشهرين الأخيرين آلاف السجناء في صيدنايا، بغرض تفريغ السجون وجلب آلاف آخرين، تعتقلهم أجهزته ليل نهار من المناطق التي أجرت مصالحاتٍ مع نظامه، بغرض قتلهم، للوصول إلى مرحلةٍ يتخلص فيها من كل واحد نطق بكلمة حرية.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

العلاقات العربية مع نظام الأسد: الذرائع والأهداف/ عروة خليفة

تسارعت التحركات الرسمية العربية لإعادة العلاقات مع النظام السوري خلال الأشهر الماضية، وكان آخرها إعلان دولة الإمارات إعادة افتتاح سفارتها رسمياً في دمشق نهاية الشهر الفائت. وقبلها بأسابيع كانت القاهرة قد شهدت لقاءً رسمياً بين علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني في النظام السوري وعباس كامل رئيس المخابرات العامة المصري، وصفته تصريحات رسمية مصرية بأنه كان لقاءً هاماً. وفي شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي أيضاً حطت طائرة روسية كانت تقل الرئيس السوداني عمر البشير في مطار دمشق الدولي، لتكون أول زيارة لرئيس عربي إلى سوريا منذ انطلاق الثورة في آذار 2011.

جاءت هذه التطورات بعد لقاءات جمعت النظام السوري بمسؤولين أو مندوبين عن أنظمة عربية خلال العام الماضي، تمّ الإعلان عن بعضها وتسريب بعضها الآخر، وهدفت بشكل رئيسي إلى تمهيد الأجواء لإعادة العلاقات المقطوعة رسمياً مع نظام بشار الأسد، بعد تعليق عضويته في جامعة الدول العربية نهاية عام 2011.

وترافق هذا مع تصريحات متعددة أطلقها مسؤولون في لبنان وتونس والعراق والجزائر، تؤكد على ضرورة عودة العلاقات العربية مع النظام السوري، ومن أبرزها تصريحات متكررة لوزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية جبران باسيل، الذي قال في تصريح للصحفيين قبل أيام قليلة إن مصلحة لبنان في عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية.

كذلك، نشرت صحيفة الأهرام الرسمية المصرية تقريراً بداية الشهر الجاري، تحدّث عن أن اجتماع المندوبين التحضيري لقمة بيروت الاقتصادية العربية يوم غد الأربعاء، سيمرر قرار إعادة النظام إلى جامعة الدول العربية. وعلى الرغم من غياب التصريحات الرسمية حول الأمر حتى اللحظة، فإن التسريبات تقول إن عدداً كبيراً من الدول العربية، من بينها دول خليجية، ستوافق على عودة نظام بشار الأسد إلى مقعد سوريا في جامعة الدول.

وتستند معظم التصريحات الرسمية للأنظمة العربية في هذا السياق، إلى ذريعة ضرورة إعادة سوريا إلى الحضن العربي، وإبعادها عن النفوذ الإيراني والنفوذ التركي، وإلى ضرورة تمهيد الأرض لاستعادة الدور العربي في سوريا من بوابة العلاقات الدبلوماسية.

لكن هذه النظرية تواجه تناقضات تبدو أكثر وضوحاً من أن تحتاج إلى شرح، فعلاقة نظام الأسد مع إيران، التي تعمقت كعلاقة تبعية خلال سنوات الثورة، لن تحدّ منها بالتأكيد عودة العلاقات الدبلوماسية أو بعض المكتسبات الاقتصادية من جانب دول الخليج، وبالتحديد الإمارات والسعودية. بينما لا تستطيع هذه التحركات بالتأكيد التعويض عن التواجد العسكري التركي مباشر شمالي سوريا. التحركات الدبلوماسية ليست قادرة على أداء أدوار كهذه بالتأكيد، وهو أمر واضح للدول العربية نفسها أولاً دون شك.

وبعيداً عن الذرائع والحجج التي يسوقها دعاة عودة العلاقات الدبلوماسية، سواء كانوا مسؤولين رسميين أو محللين أو شخصيات سياسية، فإن الحراك الدبلوماسي العربي الأخير جاء نتيجة لمقدمات بدأت بالتبلور خلال السنوات الماضية، وراحت نتائجها وانعكاساتها تظهر في سوريا بوضوح منذ دخول النظام السوري إلى درعا بتسهيل ومساعدة الأردن، الذي أغلق حدوده في وجه عشرات آلاف الفارين من هجمات النظام وروسيا، وضغط بقوة على الفصائل للانسحاب أو عقد تسويات مع قوات النظام.

وتعتمد السياسة العربية تجاه نظام الأسد على محددات رئيسية، أبرزها قضية اللاجئين السوريين في دول الجوار، ورغبة الدول العربية في ترتيب خطوات لإعادتهم بصرف النظر عن المصير الذي ينتظرهم تحت حكم النظام. وقضية التنسيق الأمني لحلّ مشكلة المقاتلين العرب والأجانب في سوريا، ومشكلة التنظيمات الجهادية عموماً. وأيضاً الوضع الاقتصادي في الأردن، الذي سيستفيد من عودة العلاقات مع النظام، ومن فتح طرق التجارة الدولية عبر سوريا والأردن مجدداً. كما أن الأردن ولبنان يبحثان عن دور رئيسي في عملية «إعادة الإعمار»، التي يُتوقَّع أن تبدأ دول الخليج بالاستثمار فيها أيضاً، وخاصة الإمارات.

كذلك، فإن سعي كل من السعودية والإمارات إلى إنهاء الحرب في اليمن بأسرع وقت ممكن، سيتطلب حتماً مفاوضات مع إيران، تبدو دمشق التي يحتلها الأسد العنوان الرئيسي لخوضها، بهدف العودة إلى التوازنات التي كانت تحكم المنطقة بشكل ثابت خلال العقد السابق للثورة السورية، رغم ما كان يتخلل ذلك الثبات من توترات.

ويبدو أن قرار ترامب بسحب قواته من سوريا سيسرّع من هذه الخطوات، التي يُحتمل أن تكون مدعومة من قبل الولايات المتحدة، في إطار سعيها لترتيب الأمور في المنطقة بسرعة قبل انسحابها. وبذلك تكون عودة العلاقات الدبلوماسية العربية مع النظام السوري نتيجة لاتجاه عربي ودولي، سيطر على سياسات العالم خلال العام الفائت، ويستند بشكل رئيسي على مقولة انتصار الأسد، ومن ثم ضرورة التفاوض معه باعتباره الطرف المنتصر.

سيقود هذا المسار في النهاية إلى الانتقال من الاعتراف الضمني إلى الاعتراف الرسمي ببقاء النظام، ومن ثم العمل على حلّ المشكلات الإقليمية الناجمة عن الأوضاع في سوريا، بدلاً من العمل على حلّ المشكلات داخل سوريا نفسها.

موقع الجمهورية

 

 

 

 

 

لعنة الأسد/ برهان غليون

لم يدهشني أبدا استئناف بعض الحكومات العربية، وعلى رأسها الإمارات المتحدة والبحرين، وربما قريبا حكومات أخرى، علاقاتها مع نظام الأسد، ولا احتمال مناقشة الحكومات العربية إعادته، في مستقبلٍ قريبٍ، إلى صفوفها في إطار جامعة الدول العربية، على الرغم مما كان قد وجّه لها جميعا من اتهامات، وما قذفها به من نعوتٍ بذيئةٍ في الماضي، وما كانت قد أمطرته ونظامه به من أبشع صفات القتلة والمجرمين. ولن أستغرب أيضا تراجع جامعة الدول العربية، الممثلة لهذه الحكومات، عن قراراتها السابقة التي برّرت بها تعليق عضوية سورية، طالما بقي نظام الأسد يقتل شعبه، وعن الشروط التي فرضتها عليه للعودة، والتي صاغت من أجلها أول مبادرة سياسية تبنتها المنظمة الدولية، من أجل انتقالٍ سياسيٍّ منظم، بمشاركة الحكم والمعارضة، على سبيل التسوية السياسية التي كانت تأمل منها أن تحول دون انزلاق سورية إلى الحرب الداخلية، وتحفظ لها ولشعبها الحد الأدنى من الو

قرار، وتقيها من مخاطر الدمار السياسي والحضاري، وهي المبادرة التي عطلها الأسد، كما عطل مبادرات جميع المنظمات الدولية.

ليس لهذا التراجع العربي، في نظري، أي علاقة بالواقعية السياسية، فكما ذكرت أكثر من مرة، ليس من الواقعية أن تقبل الدول، حتى غير الديمقراطية وغير المؤمنة بحقوق الإنسان، إعادة تأهيل رئيسٍ لم يتردّد في قتل مئات الألوف من شعبه، وتهجير الملايين منه خارج البلاد وداخلها، واستصدار عشرات القوانين لشرعنة السطو على أملاكه، لحرمانه من العودة إلى بلده، توجد عليها جميعا إثباتات دامغة، وتأكيد من جميع تقارير المنظمات الإنسانية العالمية. ولا تنبع لاواقعية ذلك مما تحمله هذه الوصفة من الحرب في جرح السوريين النازف، بدل السعي إلى تضميده، ولا ما تعمل عليه من تعميق مشاعر الضغينة والحقد وروح الانتقام عند أهالي

الضحايا الذين لا تزال ذاكرتهم عامرةً بمشاهد العنف الوحشي الذي مورس على بناتهم وأبنائهم وإخوانهم فحسب، وإنما لأن العرب العائدين ينفخون في قربة مثقوبة، ويحيون جثةً هامدة، لن يجنوا من إنعاشها سوى البلاوي والأخطار، فقد انهار تماما الأساس الذي قام عليه نظام الأسد بأكمله، وهو الخوف الذي رعته أجهزته وسياساته الانتقامية الدموية عقودا، بعد أن فجر ثورة المظلومين والمقهورين، فأصبح الموت أرخص لديهم، وأفرج من الحياة، وربما سيصبح، أكثر فأكثر، سلاح هؤلاء الأمضى لبث الذعر في قلب نظامٍ لم يتقن غير سياسة القتل والعنف والكراهية والتمييز والإذلال.

يستطيع الأسد أن يزوّر التاريخ، وأن يكذب على نفسه وجمهوره، بالاستمرار في ادّعاء أن ما قام به هو حربٌ ضد الإرهاب والإرهابيين، وأنه فعل ذلك، كما بدأت أجهزة إعلامه تسرّب منذ الآن، حمايةً للشعب من “المؤامرة الكونية” التي انتصر فيها على 140 دولة وحكومة، أعلنت في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 إدانتها سياسة الإبادة الجماعية التي مارسها الأسد، وتبنيها، ومن هذه الحكومات أغلبية الحكومات العربية، مطالب الشعب العادلة، لكنه لن يستطيع أن يقنع السوريين الذين عاشوا تجربة الموت، في أجسادهم وأجساد أطفالهم وأحفادهم وأمهاتهم وأخواتهم، ولا تزال آثار العنف الذي مورس عليهم تحفر في ذاكرتهم، وترسم ملامح وجوههم، بهذا الكذب والتزوير. ويحتاج الأسد الذي يعرف أنه قتل، ويعرف أن روح القتيل سوف تلاحقه أينما ذهب، إلى حارسٍ ورقيبٍ على كل سوري حي، حتى يضمن الأمن والاستقرار لحكمه. ولن تسعفه جماعات الحشد الشعبي الإيراني، أو الطائفي، لضمان ذلك، إن لم تضاعف من حجم الحقد ورغبة الانتقام التي تسكن قلوب ملايين السوريين، ما لم تتحقق العدالة، وينال القاتل جزاءه.

قلت لم يدهشني تطبيع بعض الحكومات العربية مع الأسد، فهي تشترك معه في أمرٍ كبيرٍ واحد، هو افتقارها أي مفهوم للدولة والقانون. وقبل ذلك الاحترام لشعوبها. وبالتالي، لمفهوم الحق الذي هو معيار تقدّم الحكومات الحديثة، ومكمن شرفها، فالعدالة ليست من سمات سياساتنا، نحن العرب، في هذا العصر الذي قام على مفهوم الحق والعدل والكرامة والمساواة والالتزام بالعهود والمواثيق والقرارات. ونعتقد، أو بالأحرى يعتقد “زعماؤنا”، بالعكس، أن الحرية هي في التخفّف من أي التزاماتٍ قانونيةٍ أو أخلاقيةٍ أو سياسيةٍ تجاه الشعوب، والرهان على “صفقات القرن” الكبرى التي تجمعنا مع “الكبار” و”الأقوياء”، أي الأكثر قدرةً على خرق العهود والالتزامات، وتمزيقها في أي وقت. وربما هذا ما أوحى به الأسد، عندما غدر بشعبه، وخان التزاماته بصفته رئيسا أوتمن على مصير شعب، فلم يتردّد في التهديد بحرقه، ثم حرقه بالفعل، وخرّب عمرانه، وشرعن نهب أرزاقه وممتلكاته، وتقديمها هدية لمعاضديه ومناصريه ومؤيديه من الأجانب قبل السوريين، من أجل البقاء في الحكم.

لكن لعنة الأسد التي رافقت الرئيس السوداني عمر البشير من دمشق إلى الخرطوم، وقوّضت أركان نظامه، وسوف تطيحه لا محالة بعد وقت، ستلاحق كل من يسير في طريقه، ويقبل شرعنة الجريمة، والدوس على ذاكرة الضحايا، وتبييض وجه الخيانة والعار.

أعرف أن مصالح الدول قد تقتضي صرف النظر عن حقوق الأفراد، وأن التغييرات العسكرية

في السنة الماضية قد مكّنت موسكو وطهران من إعادة وضع الأسد على السرج الممزّق من جديد، لكن حسابات الحكومات العربية ستكون متسرّعةً جدا، إذا اعتقدت أن النظام قد خرج منتصرا وكسب السباق. فلا يمكن لنظامٍ أن ينتصر ضد شعبه وعليه، لأنه لن يكون بعد ذلك نظام، وإنما عصابة قتلة، لا بديل لها عن الالتحاق بالقوى التي مكّنتها من ارتكاباتها، والعمل في خدمتها ولأجلها. خسر النظام نفسه، كما خسر “شعبه”، وتحوّل إلى عميلٍ للقوى التي ضمنت بقاءه، وغطّت على جرائمه. ولذلك، تخطئ الحكومات العربية أيضا إذا اعتقدت أن عودتها إليه سوف تساعده على الخروج من أسر خصومها الإيرانيين، وتساعدها عليهم. فلم يعد لوجوده معنى ولا مضمونا، إلا من حيث هو أداة في يدهم. وبمقدار ما يقبل أن يكون سيفا مسلّطا على العرب بعد السوريين لخدمة مصالحهم. وتمديد حكمه لن يكون سوى تعزيز للاحتلال الإيراني.

قد يحلم بعض الخليجيين بأن تساعدهم خطوتهم الخاطئة هذه على كسب ود الروس، والاستفادة من صعود نجم موسكو، بعد أفول نجم الولايات المتحدة في المشرق، لضمان أمنهم. أو ربما فكّر بعضهم بأن الارتماء على الأسد سوف يمكّنهم من الضغط على أنقرة، وردعها عن دعم الإسلام السياسي الذي حولوه بأنفسهم إلى كابوسٍ يقض مضاجعهم، في الوقت الذي ترتع الأفاعي “الداعشية” في أقبية قصورهم المبنيّة من ورق.

للأسف، أقول لإخواني الخليجيين، الذين أعرفهم وأقدّر مخاوفهم وطموحاتهم أيضا، إن أسوأ مرشد للعمل السيرُ وراء الأوهام والأهواء، وأنهم، بفتحهم باب إعادة تأهيل المجرم ونظام الجريمة في دمشق، كمن يوجه خنجره إلى صدره.

العربي الجديد

 

 

 

 

الدرس السوري والدرس المضاد/ بكر صدقي

لم يمض وقت طويل على تحول الثورة الشعبية في سوريا إلى حرب مدمرة خاضها النظام على سوريا والسوريين، حتى بدأ طغاة من العالم العربي، وإعلامهم، يستثمرون الحالة السورية بوصفها «درساً» لشعوبهم ليعتبروا به، ويتخلوا عن كل أمل في التغيير، بدعوى أن التمرد الشعبي هو المسؤول عن دمار سوريا وقتل مئات آلاف السوريين وتشريد ملايينهم.

مضمر هذا التلفيق هو أن الأنظمة الدكتاتورية المزمنة هي قدر لا مفر منه، وأنها من الوحشية ما يجعلها تدمر البلدان التي تحكمها ولا تسلمها لشعوبها. هذه «طبيعتها» المجبولة عليها، كحال الذئب الذي لا يمكن أن نتوقع منه أن يمتنع عن افتراس الشاة.

والحال أن هذا الوصف المضمر وحده سبب كافٍ لكي تحسم الشعوب المقهورة أمرها، فلا تستكين حتى إسقاط تلك الأنظمة الذئبية والتخلص منها إلى الأبد، حتى لو كان ثمن ذلك الفناء التام. أي أنه في مقابل شعار «الأسد أو نحرق البلد» لا يمكن أن يقوم إلا شعار «يسقط الأسد حتى لو دمر البلد». ذلك لأن الاستكانة والخضوع، أمام خطر الفناء، وبخاصة إذا كان بعد تمرد فاشل، يعني العبودية المطلقة التي لا يمكن لإنسان أن يتحملها.

ربما في فترة أولى فعل «الدرس السوري» فعله، فتوقفت التمردات الشعبية في عدد من البلدان، واستكانت مصر التي شهدت، في العام 2011، واحدة من أجمل ثورات الربيع العربي وأكثرها وعداً، لحكم عبد الفتاح السيسي، فبدا أن موجة تلك الثورات قد انحسرت بعد ارتطامها بالجدار السوري القاسي. لكن عودة الربيع من الباب السوداني تكاد تعيد إشعال شرارة أمل جديدة تخبرنا بأن ما بدأ في العام 2011، ثم انتكس بسبب وحشية قطيع الذئاب الذي انقض على الربيع العربي، لن يدفن بسهولة كما أملت تلك الذئاب. وهذه لا تقتصر على نظام بشار الكيماوي أو ذئاب الجهادية العالمية الذين انخرطوا في الصراع على وأد الثورة السورية، بل تشمل أيضاً تلك الأنظمة المرعوبة من يقظة شعوبها التي استبقت أي تمرد في بلدانها بالعمل على ضرب الثورات القائمة في البلدان الأخرى، سواء بمساندة نظام الأسد أو أشباهه، أو بإغراق الثورة الشعبية بوحشية الجهاديين. وبعض من تلك الأنظمة يتلهف اليوم لتطبيع علاقاته مع نظام الأسد، بعد عداء ظاهري استمر لسنوات. فهذا، في نظرها، أوان قطاف الحصاد، بعدما أوشكت الحرب على النهاية، كما يذهب بها الظن.

سفاح السودان عمر البشير الذي انتقل من الدعوة إلى قتل الأسد إلى فاتح باب التطبيع معه، عاد من دمشق إلى الخرطوم ليستقبله الشعب السوداني بتمرد عفوي لا يبدو أنه قابل للاحتواء بسهولة. لقد طفح الكيل وانتهت فترة السماح، بعد عدد من المحاولات السابقة المحبطة. من شأن النجاح المأمول للثورة السودانية القائمة الآن أن يعيد الأمل إلى حركة التاريخ بعد الانتكاسة السورية ـ الليبية ـ اليمنية.

والحال أن فقدان القدرة على تحمل ما لا يطاق لا يقتصر على السودانيين أو العرب، وإن كانت ظروفهم هي الأشد قسوة. فحركة السترات الصفراء في فرنسا، على رغم انتمائها إلى مجال حضاري مختلف، كانت أيضاً، بمعنى من المعاني، رداً على التردي السياسي الذي بات يطبع العصر بطابعه. تردٍ من علاماته المشؤومة صعود اليمين الشعبوي وخطاب الكراهية والعداء للاجئين والأجانب في أكثر من بلد في أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية.

كذلك هي الحال مع الإيرانيين الذين لم تتوقف احتجاجاتهم منذ ما قبل بداية العام الماضي. تخبو حيناً ثم تعود من جديد. فأربعين سنة من حكم الملالي وفسادهم وقبضتهم الحديدية ومغامراتهم الحربية المكلفة والحصار الخانق الذي تسببوا به، قد جعلت الحياة في ظل تغولهم لا تطاق.

ربما هذا هو الدرس المضاد الذي سيعمل في الاتجاه المعاكس للدرس السوري. بل حتى في سوريا نفسها، وفي لحظة سياسية يبدو فيها النظام وكأنه «انتصر»، وحليفه الروسي متفرداً في تقرير مصير البلد، ولم يبق في الميدان «المعارض» غير بقايا منظمات جهادية معادية للثورة أو مجموعات مرتزقة فالتة ملحقة بالأجندة التركية أو مقاتلو «قسد» الذين يستعدون للعودة إلى حضن النظام… في هذه اللحظة القاتمة، إذن، تظهر شعارات مناهضة لنظام الأسد على جدران مدن وبلدات استعاد السيطرة عليها خلال العام الماضي، ويتم تنفيذ عمليات نوعية متفرقة ضد تجمعات ميليشياته.

ربما من المبكر تحميل هذه التطورات الأولية أكثر مما تحتمل. لكنها تحمل رسائل لا تحتمل الجدال فحواها أن هناك حدوداً لطاقة البشر على التحمل. فإذا تجاوز الطغاة الذين ظنوا أنهم آلهة مؤبدون تلك الحدود، فلا شيء يمكن أن يقف أمام السيل الجارف.

إذا كانت الأنظمة ـ الذئاب حيوانات مفترسة بطبيعتها، فالبشر ليسوا خرافاً دائماً.

 

كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

 

 

خطة عربية ضد إيران/ ميشيل كيلو

ما أن أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم 15 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، سحب قوات بلاده من سورية، وأقر في اليوم الثاني من العام الجديد (2019) بالهزيمة أمام إيران فيها، بسبب سياسات سلفه باراك أوباما، الذي “ضيّع سورية”، وهذه “أرض الرمل والموت”، حسب وصفه، ما أن فعل ذلك حتى أعلن بعض العرب خطةً برّروا بها إعادة علاقاتهم مع الأسدية، وقالوا إنها تهدف إلى استعادة دمشق من طهران: المنتصرة في سورية الشقيقة واليمن السعيد، حيث هُزم “عرب الخليج” في الأولى، وعجزوا في الثانية عن فك حصار تعز المستمر منذ ثلاثة أعوام، على الرغم من إعلانهم مرات عديدة إنه أولوية بالنسبة إلى “التحالف العربي/ الإسلامي”، بينما عجزت جيوشهم عن تحرير الحديدة التي قالوا، منذ عام، إنها على بعد أربعة كيلومترات من مرفئها، كما عجزت عن منع الإمدادات عن الحوثيين “المحاصرين” فيها، على الرغم من السيطرة الجوية المطلقة لطيران “التحالف”، وما أشيع دوماً عن قطع طرق الإمداد إليه!.

لن أصدّق أن رئيس السودان، عمر البشير، وأقرانه العرب، أتوا إلى سورية لانتزاعها من إيران، بينما يعلن رئيس أقوى قوة عسكرية عرفها التاريخ انسحابه منها، ويلمح إلى أن العمل لاستردادها لن يكون غير ضربٍ من العبث. ولن أذكّر بمحاولاتٍ سابقةٍ قامت بها دول كبيرة توهمت أنها تستطيع انتزاع الأسدية من الملالي، كما فعل الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2008، ثم تبين أن محاولته كانت فشلاً ذريعاً، لأنها تجاهلت ما يتجاهله عرب اليوم: طبيعة العلاقات الإيرانية الأسدية التي تنتمي إلى مجال عقدي، مذهبي/ طائفي، لا يشبه حقل الدول السياسي، بل له طبيعة خاصة، ما دون دولوية. لذلك تنبع خيارات الأسدية وأغراضها من بيئة أيديولوجية حافلة بالمقدّس محدّداً للدهري والدنيوي، بما في ذلك لما هو سياسي. ولذلك تنتفي من علاقاتها الصلات التعاقدية القابلة للتعديل والإلغاء، والتي تقوم عادة بين كيانين سياسيين، أو دولويين متعاقدين، وتقتصر على علاقات احتواء ودمج، يبتلع أحدهما فيها الآخر، وبالتالي الكبير الصغير والقوي الضعيف، ويطبعه بطابعه إلى الحد الذي يقيّد حريته، ويقوّض إرادته، أو يسلبه إياها بصورة تامة، فكيف إن كان هو الذي أنقذه وأبقاه في السلطة منذ عام 2012، ورابط على أراضيه بقوات متعدّدة الجنسيات، كما يرابط الملالي بجيوش ومرتزقة تجمعهما هوية واحدة وأهداف مشتركة، لا قبل للحطام المتبقي من الأسدية بها، ولن يتمكّن من الانفكاك عنها. ومن المحال أن يفكّر في أمرٍ كهذا، لأن ملالي طهران يستطيعون “فك رقبته” إن فكر بالانفكاك عنهم، أو صدر عنه ما يشير إلى نيته التفاعل بإيجابيةٍ مع عرب الخليج الذين لا يأمن جانبهم إن رفعت عنه حماية طهران. ويبدو أنهم لم يقرأوا ما كتبه إعلامه من شتائم شخصية لهم، لم توفر آباءهم وأجدادهم، أعلمتهم أنهم رجعوا إلى دمشق صاغرين مدحورين. وكان عليهم تقبيل حذاء الأسد مقابل سماحه لهم بالرجوع، علماً بأنه “سيحاسبهم على دعم للإرهاب”، ولن يشفع لهم عندئذ توسل أو اعتذار.

هل يوجد في وطننا العربي من يراهنون حقاً على عروبة حاكمٍ لم يكتفِ بقتل مليون سوري، وإنما قال في حديث متلفز: “ليذهب العرب وفلسطين إلى الجحيم، نحن لسنا عرباً”؟ ألا يدرك هؤلاء أن الأسدية ستعاود مألوفها في ابتزازهم مالياً، لمصلحة إيران المحاصرة والمستنزفة أيضاً، المحتاجة جداً إلى أموالهم؟

يعود إخوتنا إلى دمشق، ويعلن النظام انتصاره بدعم الملالي، وترامب انسحابه أمامهم، في حين تعرف طهران دور العرب في إفشال ثورة الحرية، ويرجّح أن ترى في خطوتهم محاولةً للتقرّب منها، ولتهنئتها بانتصارها.

العربي الجديد

 

 

 

 

روسيا تشكل الأجندة العربية في زيارة الرئيس السوداني إلى سوريا/ خالد التيجاني النور

لا يمكن عزل زيارة البشير لسوريا عن الأجندة الروسية المنسقة مع دول عربية بالمنطقة، فموسكو تسعى لتسويق نموذجها السوري عربيًّا على حساب النفوذ الأميركي المتراجع. ومن شأن نجاح البشير في فتح الطريق للتطبيع العربي مع سوريا أن تُفتح أبواب موسكو أمام الخرطوم.

 

في خطوة مفاجئة، أدى الرئيس عمر البشير، في السادس عشر من شهر ديسمبر/كانون الأول 2018، زيارة عمل إلى دمشق لإجراء محادثات مع الرئيس السوري بشار الأسد، هي الأولى من نوعها لرئيس دولة عربية منذ أن علَّقت جامعة الدول العربية عضوية دمشق في المنظمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 بعد أشهر من اندلاع الانتفاضة الشعبية السورية في بواكير حقبة الربيع العربي.

أثارت زيارة الرئيس السوداني لسوريا الكثير من التكهنات حول دوافعها، والملابسات التي رافقتها في ظل شواهد عديدة تشير إلى بروز معطيات جديدة بشأن تحولات مهمة ومتغيرات جيوسياسي إقليمية ودولية تتأهب لإعادة حساباتها بما ينبئ عن إعادة ترتيب درامي لخارطة التحالفات والمحاور السياسية في المنطقة، بعد حقبة قصيرة سادت في حقبة زلزال الربيع العربي وتوابع هزاته الارتدادية التي خلطت أوراق اللاعبين الدوليين والإقليميين والمحليين على حد سواء.

ومع تباين التحليلات حول خلفيات الزيارة ودوافعها، ما إذا كانت مبادرة سودانية محضة أم جاءت مدفوعة بأجندة قوى خارجية، إلا أن ثمة اتفاقًا على أنها مثَّلت نقلة نوعية فيما يخص تحريك الجمود السوري عربيًّا وتأهيله للتطبيع، لاسيما عند قراءة ردود فعل بعض الدول العربية التي توالت بعد الخطوة، في ضوء لجوء عدد من العواصم إلى إعادة حسابات موقفها من الوضع في سوريا بما يدع الباب مفتوحًا على الاحتمالات كافة، من المسارعة إلى التطبيع دبلوماسيًّا مع دمشق إلى إعادة تشكيل الاصطفافات في لعبة المحاور بالمنطقة.

ماذا جرى في المحادثات؟

أعرب البشير عقب مباحثات ثنائية مع الرئيس الأسد، حسب بيان للرئاسة السورية، عن أمله في أن تستعيد سوريا عافيتها ودورها في المنطقة بأسرع وقت، وأن يتمكن شعبها من تقرير مستقبل بلده بنفسه بعيدًا عن أي تدخلات خارجية. وأكد وقوف بلاده إلى جانب سوريا وأمنها، وأنها على استعداد لتقديم ما يمكنها لدعم وحدة أراضي سوريا.

وقال البشير، حسبما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)(1): إن سوريا دولة مُواجهة وإضعافها هو إضعاف للقضايا العربية، وأفاد: إن ما حدث فيها خلال السنوات الماضية لا يمكن فصله عن الواقع، وإنها بالرغم من الحرب بقيت متمسكة بثوابت الأمة العربية.

أما الرئيس السوري بشار الأسد، الذي شكر الرئيس البشير على زيارته، فقد أكد أنها ستشكِّل دفعة قوية لعودة العلاقات بين البلدين كما كانت قبل الحرب على سوريا. وقال إن بلاده -وعلى الرغم من سنوات الحرب- بقيت مؤمنة بالعروبة ومتمسكة بها، موضحًا أن تعويل بعض الدول العربية على الغرب لن يأتي بأي منفعة لشعوبهم لذلك فالأفضل هو التمسك بالعروبة وبقضايا الأمة العربية.

واتفق الرئيسان، حسب البيان الرسمي، خلال مباحثات جرت بقصر الشعب في العاصمة دمشق، على أن الظروف والأزمات التي يمر بها العديد من الدول العربية تستلزم إيجاد مقاربات جديدة للعمل العربي، تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وهذا بدوره كفيل بتحسين العلاقات العربية بما يخدم مصلحة الشعب العربي.

دوافع الزيارة سودانيًّا

اللافت في الرواية الرسمية السودانية بشأن دوافع زيارة البشير إلى سوريا إقرارها بأنها لا تتعلق بأجندة ثنائية على مستوى العلاقات بين البلدين، لاسيما وقد احتفظت الخرطوم ودمشق بعلاقتهما الدبلوماسية قائمة على مستوى السفراء على الرغم من قرار الجامعة العربية بتجميد عضوية سوريا فيها منذ العام 2011. فقد تواترت تصريحات المسؤولين السودانيين التي تؤكد على أن أجندة الزيارة تتعلق بقضايا العمل المشترك وجمع الصف العربي.

فقد أكد فيصل حسن إبراهيم، نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ومساعد رئيس الجمهورية “أن زيارة الرئيس عمر البشير لسوريا أتت مواصلة لقيادته مبادرات لجمع الصف العربي”، وأضاف: إن “الزيارة جاءت أيضًا لتجاوز الأزمة السورية بعد حالة التخاذل التي تشهدها الساحة العربية في كثير من المحافل”، وتابع قائلًا: “إن التدخلات الدولية والإقليمية التي تشهدها سوريا تستوجب العمل على إنهاء الصراع وتقوية الصف وتضميد جراح سوريا، ووحدة القرار والصف العربي”(2).

في الوقت الذي نفى خالد محمد أحمد، السفير السوداني لدى سوريا، أن يكون هناك طرف آخر وراء الزيارة، وشدَّد على أنها “تحرك سوداني خالص، وليس بمبادرة من أي دولة أخرى”، مضيفًا: “السودان دولة ذات سيادة، ولها قيادة سياسية تعلم ما تفعل، ولا تتحرك بالريموت كنترول من هنا وهناك”، على حد تعبيره، وقال السفير خالد: إن “القيادة السودانية تتخذ القرار الذي تراه مناسبًا لمصلحتها ومصلحة العالم العربي”(3).

ودخول “إسرائيل” كذلك على خط الزيارة جاء أيضًا كمعطى في السردية الرسمية السودانية؛ فقد ذكر السفير السوداني في دمشق أن زيارة البشير إلى سوريا تعتبر “ضربة قاضية أمام أي حديث إعلامي عن تقارب إسرائيلي-سوداني”، مضيفًا أن “السودان دولة ضد إسرائيل، ولم تغير موقفها في يوم من الأيام منها”(4)، في إشارة إلى تقارير إسرائيلية تواترت أخيرًا عقب زيارة الرئيس التشادي، إدريس ديبي، إلى تل أبيب الشهر الماضي واستئناف العلاقات بين البلدين تكهنت بأن السودان، الجار الشرقي لتشاد، سيكون المحطة التالية للتطبيع، وأن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، سيزور الخرطوم قريبًا.

ردود الفعل عربيًّا على الزيارة

بدت رحلة البشير الدمشقية مفاجأة للكثير من المراقبين، وربما كذلك للعديد من عواصم القرار سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي، فقد ذهب غالب المحلِّلين إلى قراءة مدلولاتها في إطار تطورات ملحوظة على الساحة العربية تجاه الموقف من الأزمة السورية لاسيما بعد تزايد استعادة القوات الحكومية، بمساعدة من حلفائها الروس والإيرانيين للسيطرة على الأرض، وسط تراجع كبير للمعارضة سياسيًّا وعسكريًّا، لاسيما بعد رفع الغطاء السياسي والعسكري والدعم الإقليمي الدولي التي كانت تحظى به على مدار السنوات الماضية، وهو ما ظهر جليًّا في إقدام أكثر من عاصمة، على وجه الخصوص الرياض وأنقرة، في إعادة حساباتها تجاه المسألة السورية مدفوعة باعتبارات أجندة داخلية بامتياز، كانت نتيجتها المباشرة فقدان المعارضة السورية لأهم أوراقها، رافق ذلك إرسال إشارات لافتة في بريد الأسد تحمل نيات تطبيع يحتاج إلى مسهِّل يبادر يكسر الطوق ويعبِّد طريقًا سالكًا إلى دمشق.

ولعل هذه المعطيات هي التي جعلت المحلِّلين يكادون يُجمعون على أن زيارة البشير إلى سوريا لم تكن تنطوي سوى على احتمال واحد هو أنه لم يذهب إلى الأسد مبادرًا من تلقاء نفسه، بل رسولًا لتحقيق هدفين: أولهما: توصيل رسائل تحمل عروضَ تطبيعٍ من بعض زعماء المنطقة، مع اختلاف في الأطراف المعنية إن كانت من تركيا التي بدأ تحولها من دعم المعارضة السورية منذ نحو العام مع تزايد انشغالاتها بأجندتها الداخلية خشية تبعات الملف الكردي المستفيد من الأزمة السورية، أو من السعودية والإمارات، أو منها جميعًا مع أطراف أخرى(5)، والهدف الثاني، من خلال التشديد على وصف زيارة البشير بأنها الأولى لرئيس عربي منذ بداية الأزمة، كان القصد منه التأكيد على كسر طوق العزلة العربية الرسمية المفروضة على سوريا المجمدة عضويتها في الجامعة العربية منذ أواخر العام 2011 الذي انطلق في أوله العمل المعارض لحكم الأسد ضمن موجات الربيع العربي الأولى.

غير أن دخول العلاقات بين الخرطوم ومحور الرياض/أبوظبي في حالة من الفتور، على خلفية غضب مكتوم في دوائر الحكومة السودانية لتقاعسها عن دعمها في محنتها الاقتصادية، يرجِّح أن البشير لم يذهب إلى دمشق رسولًا من الدولتين، ولكن ذلك لا ينفي استفادتهما من الخطوة في سياق تنسيق بينهما والموقف الروسي الذي سنتطرق إليه لاحقًا.

يستند المرجحون للسيناريو العربي في تحليل دوافع وأسباب زيارة البشير إلى سوريا إلى أن الرواية السودانية الرسمية، وكذلك السورية، تركز من خلال التصريحات الحكومية على أنها ذات بُعد يتعلق بالنظام العربي الرسمي الذي بدأ ينحو باتجاه التهدئة وتسوية النزاعات المشتعلة والتخفيف من غلواء التدخلات الأجنبية التي لم تستثنِ وطأتها وتأثيرها أيًّا من الدول العربية بما في ذلك تلك الدول التي ظنت أنها ذاتُ حظوة تجعلها بمنجاة من الضغوط الخارجية، والشاهد هنا الضغوط الأميركية على السعودية في قضية اغتيال جمال خاشقجي، ولعل رئاسة السودان للدورة الحالية للمجلس الوزاري للجامعة العربية -التي بدأت في سبتمبر/أيلول 2018- أوحت بتفسير الخطوة السودانية باعتبارها مهمة قام بها البشير بتفويض وفق هذا الترتيب، وهو ما يجعل الرسائل التي حملها إلى الأسد تتعدى الدول التي أشرنا إليها آنفًا، لتعبِّر عن المنظومة العربية بكاملها وعلى رأسها مصر بالطبع التي احتفظت بموقف مستقل عن حلفها التقليدي مع بعض دول الخليج التي نشطت لفترة في دعم المعارضة في الصراع في سوريا وعليها، ولعل ما يعزز هذا المنحى في التحليل أن زيارة البشير إلى دمشق على الرغم من أنها لا تزال معلَّقة العضوية في الجامعة العربية إلا أنها لم تجد استنكارًا أو انتقادًا رسميًّا من أية دولة عربية، ولعل الصمت أيضًا عن الترحيب بها كان كافيًا ليمثل علامة رضى.

الأجندة العربية وحدها لا تكفي

ولكن على الرغم من هذه المعطيات، إلا أنها ليست كافية وحدها للإجابة على سؤال دوافع السودان خلف تحرك الرئيس البشير في هذا التوقيت بالذات باتجاه سوريا، فالنظام العربي الرسمي لا يعاني فقط من وجود سوريا خارج منظومته، بل ظل يعاني -كما هو شأنه في أغلب الحقب- من حالة انقسامه على نفسه، وقد تحول إلى كتل من المحاور والتحالفات المتناقضة. وبالتالي، فالتصور أن الإلحاح على أن تطبيع العلاقات مع سوريا يأتي لوجه العمل العربي المشترك الخالص زعم لا تسنده وقائع الحال الماثل، وإلا فإن ترميم البيت الخليجي ليس أقل إلحاحًا والحصار المفروض على قطر من بعض جيرانها الأقرب لا يزال مستمرًّا، كما أن تسوية النزاعات العربية في أكثر من حالة ليست أقل شأنًا، وبالتالي يبقى الاحتمال الأكثر رجحانًا هو أن مشاغل الأجندة الداخلية على الصعيد الوطني لبعض الدول العربية التي نشطت أخيرًا في تحريك قطار التطبيع باتجاه دمشق هي أحد العوامل الأكثر تأثيرًا في المعادلة الراهنة.

ومن المؤكد أن السودان ليس بدعًا في هذا الخصوص، فالموقف الرسمي في الخرطوم ظل يحتفظ بصلات طبيعية مع دمشق، حيث احتفظت العاصمتان بالعلاقات الدبلوماسية قائمة على مستوى السفراء دون أدنى تغيير حتى بعد قرار الجامعة العربية بتجميد العلاقات الرسمية، كما فتح السودان أراضيه لاستقبال السوريين دون قيود، وظل الرئيس البشير يدعم تسوية سياسية سلمية لا تمس قيادة الأسد ويرى أنه لا حلَّ ممكنًّا للقضية السورية بدونه، ولكن مع ذلك لم يكن هناك ما دفع البشير للقيام بزيارة دمشق في عز تصاعد الأزمة، فلماذا توجه إليها الآن؟ وما الجديد على صعيد العلاقات الثنائية يدعوه إلى ذلك، خاصة أن خطوة زيارة دمشق لم تكن مثلًا في إطار مبادرة مصالحة عربية شاملة معلومة ومتفق عليها، سواء بمبادرة منه أو من الجامعة العربية؟

الحسابات السودانية في هذه الخطوة

هذه المؤشرات ترجِّح أن الأجندة الداخلية السودانية، وحساباتها المعقدة على وقع الأزمة السياسية الراهنة المستفحلة التي تبدت تجلياتها في التدهور المتسارع للاقتصاد السوداني، وسط نذر احتقان اجتماعي متزايد لم يلبث أن انفجر في احتجاجات شعبية غير مسبوقة بعد ثلاثة أيام فقط من زيارة البشير لسوريا، والبحث عن مخرج منها كانت حاضرة بقوة في أجندة الرئيس البشير عند توجهه إلى دمشق، في ظل عزوف خليجي، لاسيما من محور الرياض/أبوظبي الذي انخرط في حربه في اليمن دون أن يجني من ذلك التحالف مصالح ذات بال، وقد تغاضت عن دعمه اقتصاديًّا في وقت شدة بات يهدد استمراره في الحكم بصورة جدية أكثر من أي وقت مضى منذ وصوله إلى السلطة بانقلاب عسكري في العام 1989.

لم تكن خيبة أمل الرئيس البشير في سياسته الخارجية محصورة في فقدان الرهان على الاصطفاف في محور الرياض/أبو ظبي، الذي كان ثمنه الباهظ التراجع عن علاقة وثيقة منتجة مع الدوحة إلى مجرد صلات تقوم على الاحتفاظ بشعرة معاوية مع قطر التي أسهمت بدور محوري مدعوم دوليًّا في إيقاف الحرب وصنع السلام في دارفور، ولم تفلح محاولة الخرطوم في الوقوف على الحياد في الأزمة الخليجية ومحاصرة قطر في نيل رضى أي من الطرفين، وكذلك فقدت الخرطوم ورقة مهمة بالمضي قدمًا دون مسوغات ضرورية في قطع العلاقة مع إيران، بل امتد رهان السياسة الخارجية السودانية الخاسر أيضًا إلى تعثر محاولات التطبيع مع واشنطن على الرغم من أن الخرطوم دفعت كلفة عالية على هذا الصعيد منذ انخراطها في الحرب الأميركية على الإرهاب، التي جاءت خصمًا من الرصيد الأخلاقي ومن مشروعية نظام الإنقاذ الذي يرفع شعارات الإسلام الحركي حيث اضطرت إلى كشف أوراق وتسليم كثيرين من المستجيرين بها من “الإسلاميين” المطلوبين من واشنطن، وكان كذلك من بين الخسائر الباهظة القبول بتقسيم السودان في محاول لإرضاء جماعات الضغط الأميركية التي نجحت في فصل جنوب السودان(6).

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة رفعت، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2017، العقوبات الاقتصادية المفروضة على الخرطوم منذ العام 1997، دون أن يُحدث ذلك أثرًا إيجابيًّا ملموسًا على الاقتصاد السوداني، بسبب استمرار إدراج السودان ضمن اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب منذ العام 1983، وهو ما ترتب عليه أيضًا عقوبات اقتصادية من بينها حرمان السودان من الاستفادة من مبادرة الدول الأكثر فقرًا بالإعفاء من ديونه البالغة نحو ستة وخمسين مليار دولار.

ويزيد من تعقيدات الوضع في السودان تضاؤل احتمالات حدوث تقدم منظور في العلاقات مع الولايات المتحدة، وبالتالي خروجه من لائحة الدول الراعية للإرهاب وإنهاء حصاره الاقتصادي في المرحلة الثانية من الحوار بين البلدين الذي ابتدر السودانَ قبل شهرين بأن واشنطن تتمسك بلائحة من ستة شروط يتوجب على الخرطوم الوفاء بها قبل النظر في مراجعة وضعية السودان في لائحة الإرهاب، وهي شروط قاسية يعني تنفيذها الفعلي تفكيك بنية النظام الحالية.

كما أن العلاقات التي تبدو متينة مع تركيا لم تحقق ما كان مأمولًا منها بعد مرور عام على زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الخرطوم والوعود الكثيرة التي بذلها لمضاعفة حجم العلاقات الاقتصادية بين البلدين، في حين أن العلاقات الوثيقة التي كانت تربط الخرطوم مع بكين، الشريك الاقتصادي الأول للسودان، ظلت تتراجع باستمرار ولا تزال تعاني من جمود لم تفلح كل الجهود في تذويبه على خلفيات الأضرار التي لحقت بالصين في مشروعها الاستراتيجي في صناعة النفط في السودان إثر انفصال الجنوب والصراع المحتدم بين البلدين المنقسمين وفي داخلهما والذي كانت الصناعة النفطية أبرز ضحاياه.

بوتين الحامي والمنقذ الجديد

في ظل هذه الأوضاع بالغة التعقيد التي جعلت السودان مرتهنًا لحالة من الأزمات المستدامة لم يجد الرئيس البشير بدًّا من أن يُيَمِّم شطر موسكو خاطبًا وُدَّ الرئيس فلاديمير بوتين. وقد بقيت روسيا، بوصفها دولة كبرى، الخيار الوحيد المتاح الذي يمكن التعويل عليه في بناء علاقات ذات طابع استراتيجي قد تعود ببعض الفوائد السياسية والاقتصادية في دعم الحكومة السودانية المحاصَرة بالتحديات الخارجية والداخلية، وبدا ذلك واضحًا إبان قمة سوتشي الروسية التي استقبل فيها بوتين ضيفه البشير في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2017، وهي زيارة كان قد تم تأجيلها أكثر من مرة، وبلغت “الإثارة السياسية” قمتها حين فاجأ البشير بوتين علانية ليس بطلب دعم اقتصادي بل ذهب أبعد من ذلك بكثير حين طلب الحماية العسكرية الروسية من “التدخلات الأميركية”، وقدَّم عرضًا لموسكو لبناء قاعدة عسكرية داخل الأراضي السودانية على ساحل البحر الأحمر، وهو ما سبَّب حرجًا سياسيًّا للحكومة على خلفية الجدل الواسع الذي أثارته الخطوة مما اضطر معه وزيرا الخارجية والإعلام حينها عبثًا لمحاولة التخفيف من وقع التصريح الرئاسي وإعطاء تفسيرات تقلِّل من خسائره السياسية.

لم تُبدِ موسكو حماسة كبيرة لمسألة بناء قاعدة عسكرية في السودان(7)، لكنها استفادت من العرض لتوثيق علاقتها مع الخرطوم لخدمة أجندتها ومصالحها في السودان والمنطقة على حد سواء؛ فقد عهد البشير إلى موسكو بمهمة تحديث الجيش السوداني(8)، لاسيما أن معظم تسليح القوات المسلحة السودانية ذو منشأ روسي، وهي صفقة تكلف عدة مليارات دولار، لكن ليس معروفًا من أين وكيف سيتم تمويلها، إضافة إلى مشروعات استثمارية في مجال التعدين خاصة الذهب. من جانب آخر، وعد بوتين بتصدير مليون طن من القمح إلى السودان، ولكن ذلك لم يتم من واقع ما أفرزته الأزمة الاقتصادية في السودان بسبب معاناة الحكومة في الحصول على دقيق الخبز الذي كان أحد أسباب تفجير الاحتجاجات الشعبية.

وأبدى السودان حماسة لافتة للدخول في حلف جديد يعزز النفوذ الروسي في المنطقة، لاسيما أن السودان يحتفظ بموقع جيوستراتيجي على تخوم العالمين العربي والإفريقي، وظهر ذلك في المبادرة السودانية المدعومة روسيًّا للتسوية السياسية بين فرقاء الصراع في إفريقيا الوسطى على تخوم المصالح الفرنسية والتي أزعجت باريس، وانتقدتها علانية.

ولأن الدور الروسي في نموذج الحماية القوي الذي كفله للرئيس الأسد أثبت جدواه، فقد بات في حاجة لترجمة الانتصار العسكري على الأرض إلى تتويجه بنصر سياسي لا يكسر طوق العزلة العربية عن سوريا فحسب، بل يمهد لإعادة تطبيع العلاقات المرجوة من أكثر من طرف مع دمشق لأسباب مختلفة وإعادة فاعليتها في المنظومة العربية الرسمية، وكانت روسيا في حاجة لطرف عربي يقوم بهذه المهمة، مهمة خرق قرار الجامعة العربية بتجميد عضوية سوريا، ليزيل الحرج عن العواصم العربية الراغبة في تطبيع العلاقات مع دمشق، ولكنها تريد أن تحفظ بعض ماء الوجه.

الأجندة الروسية

ثمة عدة دلائل تعزز من فرضية أن زيارة البشير لسوريا حدثت مدفوعة بمبادرة وأجندة روسية بالأساس، وربما بتنسيق مسبق مع موسكو من بعض الدول العربية التي أشرنا إليها آنفًا، فقد تسربت معلومات من مصادر وثيقة الصلة بالرئاسة السودانية بأن البشير قام بزيارة سرية إلى روسيا قبل أسبوعين من رحلته المفاجئة إلى دمشق(9)، كما أن القرينة التي قطعت الشك باليقين هي أن البشير استخدم في زيارته إلى سوريا طائرة عسكرية روسية من طراز (تو-156) تابعة للجيش الروسي، وهو ما أكده السفير السوداني في دمشق، خالد محمد أحمد، الذي اعتبر أن سفر البشير إلى دمشق بـ”طائرة روسية أمر طبيعي”، مضيفًا: “ليس هناك ما يمنع التعاون مع دولة صديقة مثل روسيا في استخدام طائرتها في سفر الرئيس البشير إلى سوريا”(10). ويُعزى ترتيب الزيارة إلى يفغيني بريغوزين، رجل الأعمال الروسي المقرب من الرئيس بوتين، وعراب العلاقات الروسية-السودانية الجديدة. ويتهم زعيم المعارضة في الدوما شركات بريغوزين بالسيطرة على كل عقود وزارة الدفاع الروسية، إضافة إلى امتلاك شركة أمنية على غرار بلاك ووتر الأميركية تستأجر مجندين للقيام بعمليات قتالية في سوريا وفي شرق أوكرانيا، إلى جانب وجود لمنسوبيها في السودان لأغراض التدريب، وكذلك في إفريقيا الوسطى(11).

كانت زيارة البشير لدمشق مهر هذا التوجه الروسي للاستفادة من رغبته الملحَّة في إيجاد حليف دولي، لإعادة تسويق نموذج روسيا السوري عربيًّا وفتح الطريق أمام استعادة دورها العربي بما يعزز نفوذ موسكو المتنامي في منطقة الشرق الأوسط على حساب النفوذ الأميركي المتراجع بفعل أسلوب قيادة ترمب المنكفئ والانسحابي. من المؤكد أن زيارة البشير إلى سوريا قدمت خدمة كبيرة لأجندة بوتين المتطلع لتوظيف استثماره الضخم في الدفاع عن نظام الأسد في تحقيق نصر دبلوماسي حاسم يعيد تقديم موسكو كلاعب رئيس في المنطقة؛ إذ سرعان ما توالت بعد تدشين البشير للتطبيع مع دمشق خطوات دول عربية لاستئناف علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا.

ومن شأن نجاح البشير في مهمة فتح الطريق للتطبيع العربي مع سوريا أن تُفتح أبواب موسكو أمام الخرطوم التي تنتظر أن ترد لها الجميل بمساعدتها في مخاطبة أجندتها الملحَّة وكسر عزلتها الدولية وتخفيف حصارها لاسيما في الجبهة الاقتصادية المتداعية التي باتت تشكِّل خطرًا ماثلًا على بقاء النظام(12). ومن المهم الإشارة في هذا الخصوص إلى أن ضغوط الوضع الاقتصادي زادت من قرون الاستشعار في الرأي العام السوداني في قراءة أية تحركات للرئيس البشير خارجيًّا وقياس نجاحها بمردودها الاقتصادي، ويبقى السؤال: إلى أي مدى سيستفيد اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا من الانتقال إلى المحور الروسي.

________________________________________

* خالد التيجاني النور، خبير في الشؤون السياسية السودانية.

مراجع

1 – انظر: الرئيس الأسد يستقبل الرئيس السوداني ويعقد معه جلسة محادثات تناولت تطورات الأوضاع في سورية والمنطقة، موقع وكالة الأنباء السورية (سانا)، 16 ديسمبر/كانون الأول 2018، تم التصفح في 30 ديسمبر/كانون الأول 2018:

الرئيس الأسد يستقبل الرئيس السوداني ويعقد معه جلسة محادثات تناولت تطورات الأوضاع في سورية والمنطقة

2 – انظر: السودان يكشف رسميًّا هدف زيارة البشير لسوريا، صحيفة الرأي العام السودانية، في العدد الصادر في 18 ديسمبر/كانون الأول 2018، تم التصفح في 30 ديسمبر/كانون الأول 2018:

https://goo.gl/Bvw9Yc

3 – انظر ما وراء زيارة الرئيس البشير إلى سوريا، برنامج حال البلد، قناة سودانية 24، 18 ديسمبر/كانون الأول 2018، تم التصفح في 30 ديسمبر/كانون الأول 2018:

4 – انظر إلى برنامج حال البلد، المصدر السابق ذكره.

5 – انظر تقرير بيثان ماكرنان ومارتن شولوف في صحيفة “الغارديان”، ترجمة موقع بي بي سي عربي، 26 ديسمبر/كانون الأول 2018، تم التصفح في 31 ديسمبر/كانون الأول 2018:

http://www.bbc.com/arabic/inthepress-46683319

6 – راجع مقال سياسات السودان الخارجية المتأرجحة، سعيد الشهابي، جريدة القدس العربي، 23 ديسمبر/كانون الأول 2018، تم التصفح في 31 ديسمبر/كانون الأول 2018:

https://goo.gl/6FQ79y

7 – انظر: تصريح السفير الروسي في الخرطوم، فلاديمير جيلتوف لـ”سبوتنيك” حول مصير اقتراح الرئيس عمر البشير على روسيا، بناء قاعدة عسكرية بحرية في بلاده، موقع سبوتنيك عربي، 9 يونيو/حزيران 2018، تم التصفح في 31 ديسمبر/كانون الأول 2018:

https://goo.gl/xVRQsj

8 – تصريح السفير السوداني لدى روسيا نادر الطيب لـ(سبتونيك) حول دور روسيا في خطة تحديث الجيش السوداني، موقع سبوتنيك عربي، 18 أبريل/نيسان 2018، تم التصفح في 31 ديسمبر/كانون الأول 2018:

https://goo.gl/1W3Bge

9 – معلومات حصل عليها الكاتب من مصدر مطَّلع طلب عدم الإفصاح عن هويته.

10 – انظر إلى برنامج حال البلد، المصدر السابق ذكره.

11 – انظر حكاية المرتزقة الروس الذين يقاتلون في سوريا وإفريقيا وأوكرانيا، تقرير بي بي سي المنشور بتاريخ 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، تم التصفح في 31 ديسمبر/كانون الأول 2018:

http://www.bbc.com/arabic/world-46319188

12 – انظر: خالد التجاني، أجندة روسية أم عربية في الرحلة الدمشقية للبشير؟، موقع الراية، 20 ديسمبر/كانون الأول 2018، تم التصفح في 31 ديسمبر/كانون الأول 2018:

 

 

 

 

 

التطبيع العربي مع الأسد أمر واقع..مقاومة الأسدية أمر واجب الوقوع/ يوسف بزي

واقعياً، علينا الانتظار كثيراً للتخلص من النظام السوري. رست موازين القوى والإرادات السياسية، إقليمياً ودولياً، على معادلة إبقاء الأسد وحاشيته حكّاماً لدولة، منهكة وممزقة وضعيفة وواقعة تحت احتلالات، هي سوريا اليوم. بالطبع، دفع السوريون وسيدفعون لفترة طويلة أثماناً هائلة لهذا الاستعصاء في التغيير.

“الانفتاح” العربي، المحسوب والمقنن حتى الآن، وخطوات “التطبيع” الجارية مع الدولة السورية، تبدو مبرراتها المعلنة سخيفة وفاقدة للمعنى. فالقول بضرورة عودة العلاقات من أجل الحد من النفوذ الإيراني في بلاد الشام، هو قول يفتقد لأية صدقية، إن لم نقل إنه غباء، أو مجرد دجل سياسي. فمراجعة بسيطة لخيارات بشار الأسد منذ العام 2000 إلى اليوم، نستخلص منها مبدأ ثابتاً: التضحية بكل الشيء إلا الارتباط العضوي بالنظام الإيراني. تجربة الملك عبدالله عام 2009، وتجربة الرئيسين الفرنسيين جاك شيراك (2002) ونيكولا ساركوزي (2008)، أفضت إلى أن من يثق بالأسد يتذوق طعم الخديعة والكذب وألم الطعن في الظهر.

لذا، عودة العلاقات العربية مع النظام لن تحقق أي تغيير في سياسة الأسد ولا في سلوكه ولا في تحالفاته. بل وأبعد من ذلك، الأنظمة العربية نفسها، المنتصرة بثوراتها المضادة، هي متناغمة جوهرياً مع طبيعة السلطة القائمة في سوريا، وإن تباينت الوجهة السياسية.

مع ذلك، وبالرغم من نزعتنا العاطفية، إعادة العلاقات هي حاجة واقعية، أشبه بالشر الذي لا بد منه. فالمصالح العربية في سوريا هائلة وضخمة. كذلك، مصالح السوريين في البلاد العربية واسعة وكبيرة وبالغة الحيوية. التشابك العميق بين السوريين والبلاد العربية لا يمكن الفكاك منه أو تجاهله. وهذه حقيقة اجتماعية واقتصادية وثقافية من الصعب حذفها من أجل مبدأ القطيعة والعداوة مع النظام.

إن مصالح ملايين العراقيين واللبنانيين والأردنيين والفلسطينيين تتصل على نحو وثيق ويومي بنوع من أنواع العلاقة مع سوريا. إن أهل مدينة طرابلس في شمال لبنان، مثلاً، يكنون عداوة دائمة للنظام السوري. مع ذلك، فهم الأكثر إلحاحاً في إعادة ترتيب علاقة لبنان مع سوريا من أجل تشغيل مرفأ المدينة، وورشها الصناعية، وتجاراتها. المدينة تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، ولا يمكن الطلب من هؤلاء التضحية بحاجاتهم وأرزاقهم من أجل مبدأ مقاطعة النظام. كل المزارعين اللبنانيين يعانون منذ العام 2011، من صعوبة تصريف منتجاتهم للسبب نفسه.

إن صلات القرابة وتداخل العائلات، عدا المصالح التجارية والمالية، تستوجب القدرة على التواصل مع سوريا كبلد وشعب ومؤسسات حكومية. حتى السوريون أنفسهم المقيمون خارج سوريا، هم بحاجة ملحة واضطرارية للتعامل مع “الدولة السورية” ببيروقراطيتها، كما بمؤسساتها المصرفية والقضائية. والأهم، أن المقيمين داخل سوريا، سيستفيدون بشكل أو بآخر من عودة العلاقات مع الدول العربية، لتحسين أوضاعهم السيئة. فكما نعرف من تجربة حصار العراق ومقاطعته، لم يؤثرا كثيراً بنظام صدام حسين، لكنهما أنزلا الضائقة والعوز بالشعب العراقي.

بالتأكيد، نظام الأسد يستثمر هذا الواقع ويبتز الجميع به. والأكيد أيضاً أن “تطبيع” العلاقة معه يمنحه أوكسجين الحياة، ويمده بأسباب القوة والاستمرارية. فالإقرار العربي بالأمر الواقع هو لا شك انتصار ديبلوماسي للأسد. وبمعنى آخر، خسرت المعارضة السورية واحدة من أهم أوراقها.

ليست المعضلة في إعادة خطوط الطيران إلى مطار دمشق أو فتح سفارات أو إعادة فتح المعابر البرية، وتجديد الاتفاقيات التجارية، أو حتى عودة الاستثمار والمستثمرين والشركات.. إلخ، أو أن يستعيد النظام مقعده في الجامعة العربية. لكن المعضلة هي معنى العلاقات كما يترجمها النظام نفسه.

المكسب الأول بالنسبة للأسد، بعد التطبيع العربي معه، أن لا اعتراض عربياً بعد اليوم على سياسة الإجرام المستمرة، في سحق أغلبية الشعب السوري وإخضاعه بالقوة. أما المكسب الثاني فيتجلى بعودته شريكاً في صياغة السياسة العربية والتأثير فيها كلاعب على قدم المساواة مع الزعماء الآخرين. وهذا سيصب ربحاً صافياً لحليفته إيران.

إن أفضل مثال هنا هو ما جرى خلال الأيام القليلة، فبسبب تمنع الجامعة العربية عن دعوة الأسد إلى القمة الاقتصادية في بيروت، استطاع الأسد (الذي عاد مخيفاً لدى الأطراف السياسية اللبنانية، فعادت إلى تملقها له)، أن يحرك “الشيعية السياسية” لتخريب القمة وربما التسبب بإلغائها.

معنى عودة العلاقات بالنسبة للأسد، ليست “ديبلوماسية” وأصولاً وأعرافاً وتقاليد ولياقات بين دول مستقلة وسيدة، بل هي منازعة وإرهاب وابتزاز وشبكات سرية وعقد أحلاف مع جماعات أهلية داخل الدول الأخرى، ولا مانع من تسليحها وتحريضها وإخراجها من الإجماعات الوطنية، فيسوغ لنفسه أن يمد يده إلى أحشاء الداخل الفلسطيني ويحاول الاستحواذ على تمثيل مصالح الفلسطينيين وسياستهم، والأمر عينه وعلى نحو أشد سيعود إلى لبنان لا طلباً لصداقة وتعاون مع الدولة، بل طمعاً في الوصاية عليه مجدداً واستتباعه وقيامه حكَماً بين جماعاته وطوائفه، التي يألبها على بعضها البعض. وهو الضالع أيضاً بسياسة “محورية” مع إيران في العراق، حيث على النسق اللبناني يتم تدبير الفوضى والضعف والعصبيات المذهبية بما يديم الهيمنة والاستغلال والنفوذ. أما الأردن والسعودية فتجاربهما مع هذا النظام كانت أشبه بالحرب الخفية.

القبول بالأسد بلا شرط، ولو بتغيير بسيط في سلوكه وفي “أيديولوجيته”، يعني إدخال جندي ولي الفقيه إلى مطبخ السياسة العربية ليدس السم فيه. فهو كما والده، عبارة عن كتلة من أحقاد، ويحمل رغبة عنيفة بالثأر وطموح جامح كي يهين الدول التي خاصمته في السنوات الماضية. لم يتورع عن تسريب الكثير من التصريحات المفعمة بالضغينة والتهديد لكثير من السياسيين الذين خاصموه.

لا مهرب على ما يبدو من إعادة العلاقات مع سوريا، بغض النظر عن مستوى التطبيع أو “المصالحات” التي ستقوم بها الدول العربية مع الأسد. لكن، هل سيلجأ العرب إلى مقايضة “إعمار” سوريا مقابل تغيير سياسة النظام؟ هل هو أصلاً على قدر من الاستقلالية وحرية الإرادة تجاه إيران؟ نشك كثيراً بذلك.

إزاء هكذا حال عربية مزرية، وواقع سوري مرير، لا مهرب من ابتكار سياسة “مقاومة الأسد”. بندها الأول هو الامتناع عن منحه الشرعية. وبندها الثاني الضروري هو الخروج من الحرب، تمهيداً لإعادة الصلة بالمجتمع السوري كله، ومراجعة تجربة السنوات الثماني، في أوسع حوار مع كل أطياف السوريين، بحثاً عن برنامج سياسي اعتراضي ومعارض هدفه تحرير سوريا من هذه السلطة.

مقاومة الأسدية هي المعبر الإجباري لـ”عودة سوريا” وذهاب الاستبداد

تلفزيون سوريا

 

 

 

تهافت التطبيع مع النظام السوري/ بشير البكر

لو أن نظاماً عربياً واحداً من الأنظمة التي تستعد للتطبيع مع نظام بشار الأسد ناصر قضية عربية واحدة بنزاهة، ومن منطلق المصالح الوطنية والقومية، لما كان هناك أي شك حول حملة ترويج إعادة العلاقات مع النظام السوري، وفتح الباب له ليعود إلى جامعة الدول العربية. ومن هذا المنطلق، يبدو التلطي وراء أهداف قومية ووطنية أمراً مفضوحاً، ولا يخفى على السوريين تحديداً أن هذه الأنظمة تعمل وفق أجندات خاصة، وحسابات ضيقةٍ لا علاقة لها في ما يخص سورية وأهلها.

تحاول أنظمة مصر والسعودية والإمارات أن تقنع الرأي العام بأنها، من منطلق غيرتها على سورية وشعبها ووحدة أراضيها، تتحرّك الآن للتطبيع مع النظام، وتنسى أنها لم تتصرف على أساس ما يمليه عليها الواجب القومي والأخلاقي تجاه هذا البلد وأهله طوال سنوات النزيف الثماني. لم يكن هؤلاء يتفرجون على التراجيديا السورية فحسب، بل كانوا يرمون الحطب في النار لتزيد اشتعالاً. وأكثر من ذلك لو أنهم كانوا حريصين على سورية لما سمحوا لدولةٍ مثل إيران أن تتدخل في الشأن السوري، وكان في وسعهم أن يوقفوا ذلك عن طريق تحريك الأمم المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا. ترك هؤلاء إيران تلعب في البيت السوري، حتى انهارت أركانه، وكانوا يرمون من وراء ذلك إلى استنزافها عسكرياً واقتصادياً على حساب سورية وشعبها. ويريدون الآن أن يواصلوا اللعب في مواجهة تركيا على الأرض السورية، وليس إيران كما يروّجون، والدليل أن السعودية والإمارات تمولان، منذ فترة طويلة، قوات سورية الديموقراطية ذات الأغلبية الكردية، ليس حباً بالأكراد، بل لاستخدامهم ورقة في وجه تركيا، يلوحون بها تهديداً للأمن الحدودي التركي، بعد أن عجزوا عن اختراق تركيا من الداخل، منذ دعم محاولة انقلاب 2016، واغتيال الصحافي جمال خاشقجي.

من مصلحة الشعب السوري أن يصبح الحل في سورية عربياً، تضع أسسه جامعة الدول العربية، وتشرف على تنفيذه، ولكن شرط نجاح ذلك وضع مشروع وبرنامج واضحين، على أساس الحفاظ على سيادة سورية ووحدتها، وخروج كل القوات الأجنبية من أراضيها، وحل المسألة السورية ضمن تسويةٍ سياسيةٍ تشارك فيها الأمم المتحدة، وتضمنها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وفق بيان جنيف 1. هذا هو الطريق الممكن للحل، لا التسويات والصفقات التي تتم بالقطعة، وفي الكواليس، وبالرشوات على طريقة ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، الذي يهمه اليوم تببيض ملفه الأسود بعد جريمة قتل خاشقجي التي وجهت ضربةً كبيرةً لمستقبله السياسي. لا يريد الشعب السوري أن تحشر هذه الدول نفسها في الشأن السوري، وجل ما يطلبه منها أن تتركه وشأنه، يعالج مشكلاته مع نظام الأسد الذي بات يمثل الاحتلالين، الإيراني والروسي.

وعلى الدول المستعجلة لإعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية أن تعرف أن الدول المتضرّرة أكثر من الوضع في سورية هي دول الجوار، العراق، لبنان، الأردن، تركيا، وهي التي دفعت فواتير كبيرة من جرّاء الأزمة السورية. وكان يمكن أن نتفهم مواقفها لو أنها تحرّكت من أجل تأهيل النظام، بحجة أن ذلك يفتح الباب لعودة المهجّرين على الأقل، ولكن هذه البلدان التي اكتوت بنار المأساة السورية تريثت، لأنها باتت تدرك أن المتاجرة بسورية والسوريين وصلت إلى أعلى السقف، ولم يعد ينطلي على أحدٍ هذا التذاكي المكشوف.

لو أن النظام السوري قدم تنازلاً واحداً، مثل التساهل في عودة اللاجئين، لكان من الممكن أن تعتبر هذه الدول أن محاولاتها للتطبيع معه قد تلقى قبولاً من السوريين. وأما أن النظام مستمر في سياسات القتل والإقصاء، فإن عملية تأهيله ستكون بمثابة مكافأة للقاتل، وتواطؤاً ضد الضحايا الذين تركهم العالم فريسة للمجرمين.

العربي الجديد

 

 

 

 

نظام الأسد: إعادة تأهيل برعاية إسرائيل/ مالك التريكي

لا يزال مسلسل الأدلة على حقيقة التحالف الموضوعي بين النظام الأسدي ودولة إسرائيل متواصلا. حيث أظهرت أحدث الحلقات، التي عرضها موقع ميدل ايست آي، أن إسرائيل، ممثلة في مدير الموساد يوسي كوهين، قد بحثت الشهر الماضي مع مصر والسعودية والإمارات خطة لإعادة تأهيل النظام الأسدي وقبوله في الجامعة العربية. عند هذا الحد من حلقات المسلسل، أصبح من حقنا أن نتقدم لأنصار النظام، المنتشرين على طول البلاد العربية، برجاء إنساني خال من الاعتبارات السياسية. ورجاؤنا هو أن يأخذوا، من هنا فصاعدا، بظروف التخفيف عند إنزالهم عقوبة الكذب المؤدلج علينا: لهم أن يستمروا في التهليل لانتصار بطلهم على شعبه المعذب المشرد وعلى ما تبقى من بلاده الممزقة المحرّقة، ولكننا نناشدهم أن يرحمونا ويعتقونا عتقا نهائيا من نكتة «الممانع» فلم يعد في هذه النكتة الشاتمة للذكاء الإنساني ما يضحك.

وإذا قبلوا بإعفائنا من هذه النكتة، فإننا مستعدون، في المقابل، أن نتفهم تهليلهم لتزايد عدد الدول التي تعتزم التطبيع مع نظامهم المحبوب، بل وأن نتفهم حسبانهم ذلك انتصارا سياسيا يتوج الانتصار العسكري. هذا رغم أنه لا مفاجأة بتاتا في اتجاه بعض الدول نحو تطبيع العلاقات مع دمشق. فالدول لا تتعامل مع الأفكار بل مع الوقائع ولا تحتكم إلى القيم بل إلى المصالح. والمعهود في السياسة الدولية، عند نشوب نزاع بين طرفين أو أكثر داخل بلد واحد، أن الدول لا تعترف إلا بالطرف الذي تؤول إليه الغلبة العسكرية والسيطرة الفعلية على معظم مناطق البلاد. حتى الدول التي تنحاز لطرف ضد آخر وتدعمه بالمال والسلاح لا تملك في نهاية المطاف إلا أن تعترف بالطرف الغالب عسكريا، بصرف النظر عما إذا كانت منحازة إليه بادئ الأمر أم لم تكن.

ولا يعني هذا أن الدول لا تتحرك إلا وفق المصالح. بل إنه يحدث في بعض الحالات أن تتحرك وفق بعض المبادئ والقيم، أو ما تزعم أنه مبادئ وقيم. إذ من المعروف أن بريطانيا وفرنسا كانتا مستعدتين مبدئيا للتدخل العسكري في سوريا دعما للثورة الشعبية، إلا أن ميوعة موقف أوباما أولا، وتصويت البرلمان البريطاني ضد التدخل ثانيا، قد حالا دون ذلك. ولكن حتى في الحالات التي يتم فيها التدخل باسم المبادئ والقيم، مثلما حدث إبان التدخل العسكري الغربي لدعم الثورة الشعبية الليبية، فإن هذا لا ينفي احتمال تشابك المواقف المبدئية مع حسابات الربح والخسارة.

وإذا كان للديمقراطيات الليبرالية مشروعية في مجال اتخاذ مواقف من النظام السوري منذ اندلاع الثورة الشعبية السلمية عام 2011، فإن من غير المعقول أن تزعم أي دولة عربية أن لها مشروعية مماثلة في هذا المجال. إذ إن الاختلاف بين الأنظمة العربية، بشتى تلويناتها، وبين النظام السوري ليس اختلافا في الطبيعة وإنما هو مجرد اختلاف في الدرجة. فجميع هذه الأنظمة تتحد في الطبيعة القمعية، ولا تختلف إلا في درجات الاستعداد لارتكاب المجازر، أي الاستعداد للدفع بروتين القمع اليومي المعتاد إلى نهاياته الجهنمية القصوى، تذبيحا للبشر وتهديما للعمران وتجفيفا للحياة. ولنتذكر أن القذافي هدد بإخماد الثورة الليبية بالحديد والنار، أي بنفس الطريقة الإجرامية التي سلكها النظام الأسدي بعد ذلك. ولهذا فقد برر التحالف الغربي تدخله في ليبيا بمنع القذافي من تنفيذ تهديداته. ومن ذا الذي يجرؤ على الجزم القاطع بأن الأنظمة العربية القائمة حاليا ستسلك مسلكا غير الذي سلكه النظام الأسدي، وهدد به القذافي، لو أنها جابهت نفس الخطر الذي جابهاه، أي خطر الهبوط من جنة الحكم التوريثي المطلق؟

فلا جدال إذن في أن الطبيعة المشتركة بين الأنظمة العربية إنما تجعل التطبيع مع نظام الأسد مسألة طبيعية لا تناقض فيها. وقد شاء التاريخ أن ييسّر لنا إدراك الدلالة، فجعل هذا التطبيع متزامنا، بل متضافرا، مع تسارع خطوات التطبيع مع إسرائيل، فإذا بأسرع المطبعين مع الأسد هو أسرع المطبعين مع نتنياهو. ولأن كل هذا طبيعي ومفهوم، فقد آن الأوان حقا ليعفينا القوم من هاتيك النكتة. نكتة الممانعة والمقاومة والصمود والتصدي.

كاتب تونسي

القدس العربي

 

 

 

 

 

عندما يكون النظام أهم من حرية الشعب/ سعد كيوان

يكثر الحديث هذه الأيام عن إعادة الاعتبار لنظام بشار الأسد، قاتل شعبه بالبراميل المتفجرة. والمبادرون هم العرب أنفسهم، تحت ذرائع وحجج متعدّدة. أولاها إبعاد الأسد عن أسياده في طهران وإعادته إلى الحظيرة أو الحضن العربي. وثانيها الحفاظ على وحدة الدولة السورية من التقسيم أو التفكّك، بفعل نفوذ وأطماع الجيوش والمليشيات المتعدّدة على أراضيها، وفي مقدمها جيش العثماني الجديد أردوغان الذي يطمح إلى استعادة دور السلطنة العثمانية التوسعي، بدءا من شمال سورية. أي بمعنى آخر، “اكتشف” العرب فجأةً أن سورية عربية، أو أنها يجب أن تبقى عربية، وكأن النفوذ الإيراني استجد أخيرا، ولا يعود وجوده إلى نحو أربعين سنة، عندما شبك حافظ الأسد منذ 1980 خيوط نظامه مع ثورة الملالي، وانحاز إلى جانب الخميني في حربه ضد رئيس العراق العربي، ورفيقه في حزب البعث، صدام حسين، الحزب القومي والعروبي الذي كان يدعو إلى الوحدة العربية، ويسيطر على الحكم في أهم بلدين عربيين. كما أن هذه العلاقة هي التي مكّنت إيران من مد نفوذها إلى لبنان وتعزيزه، عبر إيجاد ذراعها المسلحة، حزب الله، لقطع الطريق على مقاومة وطنية لبنانية عربية ضد الاحتلال الإسرائيلي، لا تخضع لأوامر حافظ الأسد وللديماغوجيا القومية، والتي يصعب صرفها على طاولة المفاوضات.

واستمر التغلغل الإيراني مع الأسد الابن، على الرغم من انسحاب إسرائيل من لبنان في 25

مايو/ أيار 2000، قبل وراثته الحكم بعد وفاة أبيه. يومها، عرفنا أن الحزب القومي العروبي التقدمي العقائدي يقوم بتوريث السلطة أيضا، مثل أنظمة الحكم الملكية العربية. وعلى مدى عشر سنوات، استمر التغلغل الإيراني وتوسع في سورية ولبنان ثم امتد إلى العراق واليمن. وما كان يجري بالتالي هو “أيرنة” بلدان عربية، وليس العكس. وكان ذلك يجري بملء إرادة النظام السوري الذي كان يطمح إلى لعب دور الوسيط بين الدول العربية وإيران، والمبتز لها في الوقت عينه، ولعب دور الوسيط أيضا بين إيران من جهة وأميركا والغرب من جهة أخرى. في الثمانينيات، كانت ورقة حافظ الأسد التوسط لتحرير الرهائن الغربيين في بيروت، بعد أن يكون جيشه قد غطى اختطافهم من منظمات “جهادية” متطرّفة، كانت إيران قد بدأت بتفريخها وتسليحها وتمويلها. وكان يبتز الدول الأوروبية والخليجية بحماية مصالحها، في مقابل الحصول على دعمها السياسي والمالي. أما بشار فقد تحول، مع الوقت، أداة للملالي ولحزب الله الذي تحول إلى دويلة داخل الدولة اللبنانية، منذ اغتيال رفيق الحريري في 2005، ومن ثم ذهب للقتال في سورية من أجل إنقاذ النظام فيها من السقوط بعد اندلاع الثورة في 2011. وهذا رئيس الوزراء العراقي الأسبق، حليف طهران اليوم، نوري المالكي، كان يتهم بشار بالوقوف وراء التفجيرات الانتحارية في بغداد بن عامي 2009 و2010. وبالتالي، بشار مدينٌ اليوم ببقائه في السلطة لإيران ولروسيا، لا بل تحول دميةً يتجاذبها الطرفان اللذان يتنازعان مصير سورية. فكيف يمكن “تعريبه” وإبعاده عن إيران؟

يسوق بعض العرب تنظيراتٍ من نوع أن الخطر الأساس المطلوب تفاديه هو تقسيم سورية الذي في حال حصوله سيشكل تهديدا لسلطة الأسد، ويقلص رقعة نفوذه، وانتفاءً لدوره، ما يمهد لسقوطه. فهو لذلك له مصلحة ببقاء سورية موحدة، وبقاؤه بالتالي يصبح من شروط هذه الوحدة. ومن قال إن الخيار هو وحدة سورية أو رحيل الأسد؟ واستطرادا، هل وحدة سورية أهم من حرية الشعب السوري؟ ثم ألم ينتفض الشعب السوري من أجل حريته، وليحرر بلده سورية من نظام استبدادي يجثم على صدره منذ نحو خمسين سنة؟ أم أن النظام، أي نظام، أهم من حرية الشعب، وما نفع دولةٍ موحدةٍ في ظل حاكم يقتل شعبه بالبراميل المتفجرة، ويقصفه بالدبابات، ويشرّد الملايين، ويزج الآلاف منه في السجون؟ أيضا، ومن منطلق الوحدة التي يتغنّى بها معظم العرب مجرد شعار براق، فإن بعضهم يسوّق أن وحدة الأراضي السورية هي ضمانة للحفاظ على وحدة الدول المجاورة وأمنها تحديدا، علما أن هذه الدول اليوم واقعة تحت النفوذ الإيراني باستثناء الأردن، فمن الذي يهدد وحدتها؟ وهل الوحدة أو العروبة تعني مجرد حدود جغرافية؟

أما النظرية الأخرى التي يتم ترويجها فهي أن سقوط الأسد يمهد الطريق أمام انتشار التنظيمات الإرهابية المتطرفة، ووقوع سورية تحت سيطرتها، وكأن المقصود القول إن بقاء الأسد يشكل

ضمانةً لمنع عودة هذه الجماعات إلى السطح، غير أن مروجي هذه النظرية يعلمون علم اليقين أن تنظيم داعش، على سبيل المثال، هو في الأساس من صنع النظام السوري نفسه، وأن غالبية قياداته الأساسية تم إطلاقها من السجون السورية. وبدأ ممارسة إرهابه ومجازره عام 2013 يمينا وشمالا، وتحديدا ضد المعارضة السورية، وليس ضد النظام. ثم تمدّد لاحقا إلى العراق، وانضمت إليه بعض قيادات وعناصر من بقايا “البعث” العراقي. وفي ما بعد، تحول “داعش” إلى وحشٍ غذّاه جميع المتورطين في الحرب السورية، وحاول كل طرفٍ استخدامه لمصلحته. ناهيك بأن الأسد هو من بدأ ممارسة الإرهاب ضد شعبه، حتى قبل ظهور “داعش” وجبهة النصرة وغيرهما من الجماعات المسلحة.. فهل المقصود إذاً من إعادة تعويم النظام السوري والتلحف بغطاء العروبة هو الدفاع عن أنظمة الحكم القائمة، كل من موقعه ودوره؟

ولكن كيف يمكن لدول وحكومات عربية قاطعت، منذ نحو ثماني سنوات، النظام السوري، وجمّدت عضويته في جامعة الدول العربية، بسبب قتله شعبه ورفضه أي وساطة عربية أو دولية، واستمراره طوال هذه السنوات بممارسة القتل والإرهاب ضد شعبه وتشريده في أصقاع الأرض، أن تقرر فجأة إعادة الاعتبار له، وتعيد علاقاتها معه، وتستقبله بين صفوفها، من دون أن يتراجع قيد أنملة عن سياسته وممارساته، ويرفض القرارات الدولية ومجلس الأمن والحل السياسي الذي يقوم على عملية انتقالٍ تدريجيٍّ للسلطة، بحسب قرار مجلس الأمن 2254؟ لا بل إن ما يقوم به هو بالضبط ما يريده حُماته وأسياده الإيرانيون والروس، وكذلك إسرائيل. إعادة تعويم الأسد اعتراف بفشل العرب، وعجزهم عن تقديم أي مشروع عربي حضاري يلاقي طموحات شعوبهم، هو حقيقة ما تريده طهران بالذات.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

 

 

العودة إلى أحضان الأسد/ دلال البزري

كان المشهد الافتتاحي من بطولة عمر البشير: رجل يحكم السودان منذ ثلاثين عاماً، بعد انقلاب عسكري على الحكومة المنتخبة آنذاك، عام 1989. مُلاحَق دولياً بعد اتهامه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور. حكمه الفاشل أفضى إلى تقسيم السودان. معروفٌ ببطشه. أعلن أخيرا عن ترشّحه لـ”انتخابات” 2020 الرئاسية.. وهو الآن يواجه انتفاضة شعبية، ضده وضد سياسته التجويعية، يصفها، كما يفعل بشار، بـ”المؤامرة الصهيونية”، تهدف إلى “النَيل من سياسته الرافضة للتطبيع مع إسرائيل”.

ليس هناك من رمزيةٍ تتفوَّق على هذه التي يجسّدها البشير، بتدشينه موسم العودة العربية إلى بشار، بكلماتٍ ممتلئة بنفسها، بلقاء حارٍّ مع بشار، بشوقٍ متبادَل، وطبعا بالنشوة المشتركة في الانتصار على شعبيهما، وقد سبق البشير بشاراً بعقود. ولعلّه الآن يتبادل معه النصائح، فيخلص إلى انتصارٍ آخر ضد الانتفاضة المشتعلة في دياره؛ الأول يحمل للثاني خبرة “الصمود” بعد هذا الانتصار، فيما الثاني يسنده وقت الشدّة. هل يحتاج المرء إلى رمزيةٍ أقوى من هذه: شبيه بشار الأسد، في كل شيء تقريباً، إلا توقيت شعبه، يشقّ طريق العرب، مجدّداً، نحو دمشق.

يتقدم العرب الباقون بخطواتٍ خلفية، بعد المشهد الافتتاحي: كما صار معلوماً، الإمارات وسفارتها في دمشق، والبحرين واستمرار “عملها الديبلوماسي” مع سورية، وزيارات علي

مملوك إلى مصر وعُمان والسعودية. وهذه الأخيرة، أي المملكة السعودية، كانت تحتاج، وما زالت، إلى صكّ براءةٍ على جريمةٍ لا تقلّ وحشية، بأسلوبها “المبتكَر”، متهم فيها حاكمها الفعلي، أي ولي العهد؛ جريمةٍ عنوانها جمال خاشقجي، تحولت بعد أشهر من ارتكابها إلى عين هابيل تلاحق كايين.. رمزٌ آخر لا يقلّ وزناً عن ذاك الذي يمثله عمر البشير: ملكٌ مقبل، يرتكب جريمة جديرة بالسلاطين، يزجّ في السجون أقلّهم ترحيباً به، لن تكون لديه مشكلة مع بشار؛ إنما بالعكس، سوف يكون بشار رافعته المعنوية، فمجرد مقارنة بين جرائم الاثنين تريح ضميره، وتحول اغتياله خاشقجي إلى لعبة عيال، إذا ما قيست بالاغتيالات الصناعية التي قام بها بشار بحق ملايين السوريين. نعترف بكم، تعترفون بنا، عنوان “المصالحة العربية” و”رفع الحظر عن سورية”، (تصريح السعودي مشعل السلمي رئيس الوفد السعودي في “البرلمان العربي” الشهر الماضي).

طبعاً، لا بد، في المقابل، من “تسريبات المصادر”، من نوع أن السعودية قادمة إلى دمشق، من أجل “تمويل إعادة الإعمار”، أو من أجل “مقارعة النفوذ الإيراني”، فقط الإيراني. وتحت هذين الدورَين، “رؤى” سعودية للوضع السوري، من قبيل أن إعادة الإعمار مثلاً، أي تمويلها لها، مشروطة بـ”تقدم حل سياسي” في سورية، وقوامه “الدستور والانتخابات ووضع المعارضة”؛ أي أن الحاكم السعودي فوق أنه عائد، ينظف سجلّه، وسجل نظيره، يستعد بأدواته المناوراتية البسيطة أن يميّع، أو يساوم، أو يتبحّر في الصفقات.. ولا مرة إلا لصالحه، أي حماية عرشه.

أما العجيبة في هذا الفصل، فردّة فعل الأسد ورفاقه من محور “المقاومة”، على هذه العودة. عنوان بحد ذاته، يلخصها: “هرْولة المهزومين للعودة إلى دمشق”. مقال لا يفوته انتصار الأسد، ولا ثباته فوق شعبه، ولا النهاية المخزية للثورة ضد بشار.. يستند إلى تلك الحقيقة، ليرفع شارة النصر، ليشمت بالعرب الذين قاطعوا بشار، ثم يعودون إليه اليوم ركضاً، بعدما وجدوا فيه صلابةً في مواجهة شعبه، هي أمثولة لهم، للسنوات العجاف التي تنتظرهم. مع أنه ليس هو الحاكم الآن. ولكن ذلك لا يهمّ، لا الشامتين ولا المهرولين، الواقعين بدورهم تحت أشكالٍ من النفوذ الخارجي. المهم الآن، بعدما أفشل العرب الثورة السورية، بعدما أشبعوها “جهاداً” وأموالاً واعتباطياتٍ، وهذا طبيعي، نظرا لتركيبتهم غير السوية، ولا الثورية ولا الإصلاحية، ولا حتى التقليدية… بعد هذا الفشل، لا بد من اللقاء ثانيةً مع بطلٍ باع كل شيء من أجل كرسيه؛ لقاء دشنه بطل آخر، كان سباقاً في ضرب الأرقام القياسية في الإجرام والفساد.

في الشماتة الممانِعة من أولئك العرب، تجاهل، أو لغة أخرى. الواقع أن بشار ليس هو المنتصر. إنما الربيع العربي هو الذي هُزم. في بؤرته الأخيرة، سورية، الأطول أحداثاً،

الأوسع دموية ومأساة. ما من عربي، أو سوري واحد انتصر بحصيلة هذا الربيع. أصحاب الغنائم، الطامعون بموارد سورية وموقعها، ازداد عددهم، روسيا، إيران، تركيا، إسرائيل.. هذا غير الولايات المتحدة التي أضاعت نهجها من دون سطوتها، ولم نَعُد نفهم تماماً موقفها، ولا تحرّكاتها على الأرض السورية. ولكن كل هذه “الأضرار” لا تساوي شيئاً أمام الرئاسة، السلطة، ولو الصُورية. والعرب، بعودتهم إلى بشار، يكادون أن يصرخوا بلقائهم الوجودي العميق معه؛ ولن تزيد غنيمتهم عن التي انتزعها المتنافسون على سورية، الحائمون حولها كالضباع؛ ولكل ضبع نهجٌ خاص به. ولكن لا بأس: صَكَا براءة يتباريان، يتساويان في الإفلات من العقاب، كلٌ يخدم نفسه على قدّ حظه من القوة، على تنوّع هذا الحظ، واختلاف سُبُله.

نصيب لبنان من هذه “العودة” خير شاهدٍ على ذاك اللقاء الوجودي بين أنظمة الحكم العربية: الذين ينشدون العودة إلى سورية “المنتصرة”، لو كسبوا، فسوف ينالون مزيداً من السلطات والوزارات وحرية أكبر في السطو على خيرات الدولة. فيما غرماؤهم، لو عرفوا كيف يدوزنون ألحانهم، ويضبطون إيقاع حركتهم، سوف يكسبون، هم أيضاً. المهم من يغتنم “حصته”، بعودته إلى سورية، بشروط، أو من دونها. بحُماتها ورُعاتها والغربان المتناتشين على “إعادة إعمارها”. عربا كانوا، أو غرباء.

العربي الجديد

 

 

 

 

لماذا يعيد العرب تأهيل الأسد؟/ رضوان زيادة

بالرغم من أن جامعة الدول العربية تعد أقدم المنظمات الإقليمية على الإطلاق إذ يعود تأسيسها إلى ما قبل الأمم المتحدة ذاتها، عام 1945 إلا أن تطورها سياسياً وكمنظومة أمنية وإقليمية يعد الأسوأ على الإطلاق مقارنة مع كل المنظمات الإقليمية عبر العالم، ومكون العدالة أو المحاسبة بوصفه مؤشراً لتطور مبدأ حكم القانون في المنطقة ذاتها، يعد بالتالي الأكثر تخلفاً وتأخراً.

لقد كانت المنظومة الأوروبية لحقوق الإنسان الأسرع تطوراً ونمواً بعد الحرب العالمية الثانية ولحقتها المنظمة بين الأمريكيتين في أمريكا اللاتينية التي تمكنت من تأسيس محكمة حقوق الإنسانية الأمريكية (inter American court of human rights) وكان آخرها منظومة الاتحاد الأفريقي التي شكلت محكمة خاصة ضمن منظومة حقوق الإنسان والشعوب الأفريقية تحت اسم (المحكمة الأفريقية للعدالة وحقوق الإنسان) في عام 2008 وتمكنت من محاكمة رئيس تشاد السابق حسن هبري بتهم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب التي ارتكبها.

بقيت المنظومة الحقوقية العربية تعكس دور القانون في الحكومات العربية، حيث لا استقلال للقضاء مع هيمنة كاملة للسلطة التنفيذية على مؤسسات القانون والتلاعب السياسي الدائم بمؤسسات إنفاذ القانون حتى إن مصر التي كان لها بوادر تطور مستقل للقانون تراجعت لمستويات مخيفة مع استلام الرئيس السيسي السلطة عام 2013 وتحول القضاء إلى أداة لقمع المعارضين السياسيين ومحاسبتهم، وعلى ضوء ذلك كان من المستحيل أن يتبلور موقف حقوقي قائم على المحاسبة ضد نظام الأسد لغياب هذه المنظومة أصلا، وأصبح الكل يتعامل معه وفق مبدأ الواقعية السياسية بوصفه “المنتصر عسكرياً” بما يعنيه ذلك من انهيار مطلق لمفهوم القيم ودورها في الحياة السياسية العربية العامة ولذلك بدأت العديد من الدول العربية تفكر في إحياء علاقاتها مع نظام الأسد وفقا لمبدأ النفعية السياسية واستجابة بشكل أو بآخر للضغوط الروسية التي ترى من أحد مهماتها السياسية اليوم إعادة تأهيل نظام الأسد وتعويمه عربيا لاسيما في ظل انسحاب أمريكي كامل ليس من الملف السوري وإنما أيضا من الأراضي السورية وفق ما أعلنه الرئيس ترامب الشهر الماضي.

يمكن القول إذاً إن إعادة تأهيل نظام الأسد يعتبر نتيجة طبيعية لانهيار منظومة العدالة في العالم العربي، إذ ما زال ينظر لها من زاوية أخلاقية بدل النظر لها من زاوية الكرامة وحقوق الإنسان العربي في إرساء مبدأ العدل والمساواة وحكم القانون، وعندما تطال بعض الأصوات بإبعاد الأخلاق عن السياسية ينكرون على السياسة بعدها الرئيس بوصفها خدمة للمجتمع العام ومصالحه، ولذلك علينا أن ننظر إلى عودة الأسد إلى الحظيرة العربية بوصفها منظومة عاجزة عن استعادة معنى القيم في الحياة العامة، وعلى رأس هذه القيم هي قيم العدالة وحقوق الإنسان.

أما العامل الثاني فهو الدور الروسي في إعادة تأهيل الأسد: إذ بقدر ما تنسحب الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط بقدر ما تملأ هذا الفراغ روسيا، ليس بسبب أهمية هذه المنطقة فحسب وإنما لفشل تطور المنظومة الإقليمية العربية ككل ضمن منظور العلاقات البينية وإنما تطورها اعتمد بشكل رئيسي على الفاعلين الدوليين بوصف العلاقة معهم أهم أمنياً واستراتيجياً من العلاقة مع الجار العربي أو الدول الأعضاء ضمن المنظومة العربية، ولذلك استغلت روسيا هذا المبدأ في إعادة تركيز دورها عربيا بشكل رئيسي من خلال الأزمة السورية، ووضعت تأهيل نظام الأسد ضمن أحد محاورها وأهدافها السياسية لاسيما أن روسيا أكثر تقاربا مع محور العداء لثورات الربيع العربي التي وجدت فيها نافذة لتقارب بين العلاقات العربية والغربية عندما تصبح الدول العربية أكثر ديمقراطية وتعددية وهو ما ينتفي مع التصور الروسي في صعود التسلطية العالمية ودعمها من خلال دعم الأنظمة التسلطية عربياً، وتخلّي الولايات المتحدة أصلاً عن دورها في دعم قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان خلال فترة الرئيس ترامب.

ولذلك وفي محاولة لمزيد من التقارب مع روسيا تحاول حكومات مثل البشير في السودان أو موريتانيا التقارب مع الأسد بهدف زيادة كسب الود الروسي بما يعنيه ذلك من حماية روسية في مجلس الأمن الدولي ضد أية إدانات محتملة لاسيما أن البشير مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، وأيضا ربما يفتح الطريق باتجاه المزيد من المساعدات الروسية لدول فشلت في تطوير اقتصاد الإنتاج وأصبح اعتمادها كليا على الهبات والمساعدات.

في النهاية يمكن القول، إن عودة الأسد عربياً كانت متوقعة بسبب هشاشة المنظومة الإقليمية العربية وتغول الدور الروسي، ولذلك يبقى أن من دعم ثورات الربيع العربي في دورها الديمقراطي يجب أن يركز بناء جسور إقليمية تعيد التوازن لقيم الكرامة والحرية وحقوق الإنسان.

تلفزيون سوريا

 

 

 

واشنطن بوست: عملية إعادة تأهيل الأسد دولياً بدأت بالفعل

ترجمة منال حميد – الخليج أونلاين

قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن عملية تأهيل رئيس النظام السوري بشار الأسد دولياً بدأت، وخاصة في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قراره بسحب قوات بلاده من شرق سوريا، والإشارات التي انطلقت من عدة دول عربية عن استعدادها للمصالحة مع النظام السوري.

وأوضحت الصحيفة، في تحليل إخباري كتبه كريستوفر فيليبس، أن زيارة الرئيس السوداني عمر البشير لدمشق في ديسمبر الماضي، كأول زعيم عربي يكسر عزلة سوريا منذ أكثر من سبع سنوات، أعقبه بوقت قصير إعلان الإمارات إعادة علاقاتها مع سوريا، وأيضاً فعلت البحرين ذات الشيء، في حين أعلنت الكويت أنها ستكون ملزمة بما تقرره الجامعة العربية حيال التعامل مع دمشق، واستُؤنف الطيران المباشر بين دمشق وتونس، وأيضاً عادت الرحلات المباشرة مع الأردن في إطار عودة العلاقات التجارية.

هذه الإشارات- وفق ما تقول الصحيفة- يرى فيها مراقبون أن نظام الأسد لم يعد منبوذاً في المنطقة كما كان قبل سنوات، حتى الرياض، الراعي الرئيسي لفصائل المعارضة السورية المسلحة، باتت مستعدة للقبول بشكل متزايد بنظام الأسد، على أمل التقليل من اعتماده على إيران، المنافس الإقليمي للسعودية.

وترى الصحيفة أنه حتى جامعة الدول العربية، التي طردت الأسد في أعقاب القمع الوحشي الذي قام به ضد المحتجين في عام 2011، يمكن أن ترحب بعودته عام 2019.

– عزلة الأسد

لم يكن الأسد معزولاً دولياً قط، تقول واشنطن بوست، وهذا هو أحد أهم الأسباب التي جعلته ينجو، في ظل مساعدة كبيرة من قبل حلفائه في روسيا وإيران، فقد منعت موسكو استصدار أي قرار بحق نظام الأسد في مجلس الأمن، مثل تلك القرارات التي عانى منها نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، كما قدمت روسيا، إلى جانب إيران، القروض والدعم العسكري والمساعدات لنظامه.

أما عن بقية دول البريكس (البرازيل والهند والصين وجنوب أفريقيا)، فإن الصين كانت أكثر الدول الرافضة لفكرة إسقاط نظام الأسد، في حين احتفظت الهند بعلاقات مع دمشق خشية صعود الإسلاميين في سوريا وأيضاً كمكأفاة لسوريا على موقفها المؤيد للهند في قضية كشمير.

البرازيل سبق لها أن سحبت سفيرها في دمشق لأسباب تتعلق بالسلامة، وليس بسبب موقفها الرافض لنظام الأسد، وفي وقت سابق أعلنت البرازيل، على لسان رئيسها يائير بولسونارو، عن رغبتها في استعادة العلاقات الكاملة مع سوريا والمساهمة في إعادة إعمارها.

ومن غير المحتمل- تقول الصحيفة- أن تستطيع دول البريكس وحلفاء الأسد توفير 400 مليار دولار لإعادة إعمار سوريا بعد الحرب، ويبدو أن الصين لن تكون متحمسة لمثل هذا المشروع، في حين تفتقر روسيا وإيران للأموال اللازمة، وهو أمر أدركه نظام الأسد، وبات اليوم يبحث عن المساعدات من طرف دول الخليج العربية أو من الغرب لإعادة إعمار البلاد، وهو ما يفسر عودة الروح للعلاقات بين دمشق ودول خليجية.

وحتى على صعيد العالم العربي لم تكن عزلة نظام الأسد كاملة؛ فقد احتفظ بعلاقات كاملة مع كل من العراق ولبنان اللذين رفضا الانضمام إلى أي عقوبات تقودها دول الخليج، في حين احتفظ الأردن بعلاقات دبلوماسية مع سوريا حتى عند إجباره دولياً على وقف التجارة ومنح المعارضة السورية ملاذاً آمناً.

كذلك عارضت الجزائر طرد نظام الأسد من الجامعة العربية، في وقت طور نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي علاقاته مع نظام دمشق بشكل سري.

– عقبات تأهيل النظام دولياً

تقول واشنطن بوست إنه وعلى الرغم من تلك الإشارات فإن هناك بعض العقبات التي ربما تقف عائقاً أمام عودة نظام الأسد لحضن المجتمع الدولي، وهي ثلاثة عوائق مهمة تتمثل بتركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

الأصوات المؤيدة لإسرائيل والمناهضة لإيران داخل الولايات المتحدة، تجعل من المستبعد رفع العقوبات عن نظام الأسد قريباً، وهو ذات الأمر الذي تعتقد به دول أوروبية على رأسها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا الذين أيدوا مواقف واشنطن المتشددة.

وترى الصحيفة أن نظام الأسد سيرحب بأي خطوة من طرف الجامعة العربية، ولكن أهمية مثل هذه الخطوات ستبقى ناقصة ما لم يبدأ النظام خطواته للتصالح مع الغرب وتركيا، وهو أمر يمكن أن يقوم به النظام السوري صاحب الخبرة الطويلة في مواجهة العقوبات والعزلة الغربية والإقليمية والتي كان آخرها منتصف العقد الأول من القرن الحالي.

 

 

 

 

ثمن الانفتاح العربي على الأسد: مواجهة “النفوذ التركي”؟

كشف مقال للصحافي البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ديفيد هيرست في موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، عن تفاصيل اجتماع أمني رباعي جمع مدير الموساد الإسرائيلي، بقادة استخبارات السعودية والإمارات ومصر، ناقش سبل تقليص نفوذ تركيا في الإقليم، وإعادة تأهيل نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وعُقد اللقاء الأمني في كانون الأول/ ديسمبر في عاصمة خليجية. وأعدت الخطة بالتعاون مع رئيس الموساد يوسي كوهين، الذي شارك في اللقاء، للترحيب بعودة الرئيس السوري إلى جامعة الدول العربية، بهدف تهميش النفوذ الإقليمي لتركيا وإيران.

وجاء اللقاء رداً على ما وصف بالبرود في العلاقات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرياض، منذ جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي، خاصة بعد أن أخبر مسؤولو المخابرات في هذه الدول أن “ترامب فعل ما يستطيع، وأنه لن يفعل أكثر”.

كما اتفق المسؤولون في اللقاء على اعتبار تركيا، لا إيران، الخصم العسكري الرئيسي في المنطقة، وناقشوا خططاً الهدف منها مواجهة “النفوذ التركي”.

وخلال اللقاء، قال المسؤولون الإسرائيليون إنه بالإمكان احتواء إيران عسكرياً، أما تركيا فلديها قدرات أكبر بكثير. ونقل عن كوهين أثناء الاجتماع قوله: “إن القوة الإيرانية هشة، أما مصدر التهديد الحقيقي فيأتي من تركيا”.

واتفق المشاركون في اللقاء على أربعة إجراءات: أولها مساعدة ترامب في مساعيه لسحب 14 ألفا من قوات بلاده من أفغانستان، وإثر ذلك عقد لقاء بين حركة طالبان ومسؤولين أميركيين في أبو ظبي.

والإجراء الثاني يهدف للتحكم بسنّة العراق، أي لبذل جهود لتقليص نفوذ تركيا داخل “تحالف المحور الوطني”، أكبر كتلة برلمانية من السنة في البرلمان العراقي، ويظهر ذلك من خلال الزيارة التي قام بها رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي إلى الرياض قبل شهر. والتقى الحلبوسي السفير السعودي السابق في العراق ثامر السبهان، الذي خيّره بين تقليص نفوذ تركيا في “تحالف المحور الوطني”، أو الانسحاب منه تماماً.

والإجراء الثالث هو السعي لإعادة العلاقات الديبلوماسية الكاملة بين الدول العربية الثلاث ونظام الأسد، وناقش رؤساء أجهزة المخابرات في اجتماعهم الرسالة التي أرادوا إيصالها إلى الرئيس السوري. وتحدث هيرست عن كثير من التفاصيل التي اتُبعت، ومنها وصول الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، وزيارة نائب رئيس المخابرات الإماراتية علي الشامسي إلى سوريا، وإعلان بلاده إعادة فتح سفارتها هناك، كما أعلنت البحرين أنها ستفتح بعثتها الديبلوماسية في دمشق.

ووافق المجتمعون على السياسة التي تقضي بالسعي إلى تمكين الأسد، على أن تتواصل معه إسرائيل عبر رجال أعمال سوريين: مسيحيين وعلويين، كوسطاء.

أما عن زيارة رئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك إلى القاهرة، فتقول المصادر إن مصر ستطلب من الحكومة السورية الإعلان أن أعداءها الرئيسيين هم: تركيا وقطر والإخوان المسلمين، مقابل إعادة العلاقات الكاملة معها. وتتضمن المبادرات تجاه الأسد تحديد مسار عودة نظامه إلى جامعة الدول العربية، ودعم الدول العربية لدمشق في معارضة الوجود العسكري التركي في شمال سوريا.

والإجراء الرابع الذي تم الاتفاق عليه في اللقاء، هو دعم أكراد سوريا ضد المساعي التركية لطرد “وحدات حماية الشعب” الكردية من الحدود التركية.

ووافق رؤساء أجهزة المخابرات على تعزيز العلاقات مع حكومة إقليم كردستان العراق والحيلولة دون أي مصالحة مع أنقرة منذ إخفاق استفتاء الإقليم.

المدن

 

 

 

في الفصام ونشوة الإجرام/ حسن النيفي

لا يرى بشار الأسد نفسه سوى أنه صاحب مُنجَز كبير، ولا تكمن عظمة هذا المنجز – وفقاً لما يراه بشار- في كونه استطاع الإجهاز على الثورة السورية فحسب، بل في قدرته أيضاً – بحسب ما يرى نفسه – على عرقلة ثورات الربيع العربي أيضاً، ووضع العصي بين عجلات قطار الحراك الثوري الذي كان يؤذن باجتياح المنطقة، ويطال معظم أقران الأسد من الحكام الطغاة. ولعلّ هذا التصوّر المُتَخيّل لرأس النظام، هو ما جعله يرى في نفسه ذلك الحكيم الذي استطاع الوقوف في وجه الإرهاب ، بل والإسهام في وقف انتشاره أو امتداده نحو الآخرين، الأمر الذي حدا به إلى إصدار قائمة بأسماء ( 621 ) شخصية، من جنسيات مختلفة، وذات توجهات واختصاصات متنوعة،(سياسيون – فنانون – مثقفون – رجال دين)، ومن هذه الشخصيات المذكورة رؤساء دول ووزراء ونواب في البرلمان، وجميع هؤلاء محكومون بالانتماء إلى الإرهاب، أو من الممولين له، لأنهم ناهضوا سياسة العنف التي مارسها الأسد، إبّان مواجهته للثورة السورية، وأدانوا نهجه الإجرامي بحق السوريين.

يمكن القول بكل تأكيد، إن قائمة الأسماء المذكورة لم يكن المراد إيصالها أو بيانها للشعب السوري، بقدر ما هي رسالة موجهة للعالم العربي، بل وخصيصاً لأنظمة الحكم العربية التي تقف متردّدةً في إعادة علاقاتها الرسمية مع نظام دمشق، بل ربما نظرت بإعجاب إلى قدرة الأسد على التصدّي لتطلعات شعبه، وباتت ترى فيه النموذج الأمثل في قمع حركات التحرر، والإيغال في العنف المفرط الذي تجاوز كل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية، إذْ تعززت القناعة التامة لدى كثير من الحكام العرب، بأن إبادة الشعوب بالسلاح الكيمياوي والبراميل المتفجرة، واستخدام المحارق الجماعية في السجون، واستئصال السكان من مدنهم وبلداتهم ورمْيهم في العراء، كل ذلك لا يمكن أن يثير حفيظة المجتمع الدولي، طالما أن المعايير الناظمة للمواقف الدولية لا تنتمي قطّ إلى منظومة القيم الإنسانية سوى من حيث الشكل فقط، بل الاعتبار الجوهري

ينبع من مفاهيم المصالح المادية بالدرجة الأولى، ووفقاً لذلك، لا يرى الحكام العرب في استقواء بشار الأسد بروسيا وإيران وجميع شذّاذ الأرض على شعبه، سوى أن ذلك ضربٌ من فن إدارة الأزمة، وقدرة أو حنكة على الالتفاف على الخصم ( الشعب) ليس بهدف إجهاض مطالبه فحسب، بل والشروع في تأديبه وجعْله عبرة لغيره من الشعوب التي تراودها رغبة في التحرر من الاستبداد والظلم.

ثمة شعور زائف بالعظمة، بدا يتنامى في نهاية العام 2018 لدى بشار الأسد، مبعث هذا الشعور عاملان اثنان، أولهما حالة (الفصام) التي باتت تتلبّسه بقوّة، حين وجد أن وعوده التي أطلقها حين انطلاقة الاحتجاجات السلمية قد حققها بالفعل، ألم يقل بشار الأسد للسوريين عام 2011، أن ما حصل في تونس ومصر وليبيا لا يمكن أن يحصل في سوريا؟ ثمّ ألمْ يتهم بشار الأسد جميع السوريين بالإرهاب، وبالتالي وعد باستئصالهم؟.

ولئن كان داء( الفصام) كحالة مرضية، هي النتيجة الطبيعية التي تنتاب جميع الطغاة والجبابرة في العالم، وتصل إلى تجلياتها القصوى لدى مدمني الإجرام بحق الشعوب، فإن ما عزّز هذه الحالة لدى قاتل السوريين، وحوّلها لديه إلى حالة من الشعور بالزهو والنشوة، هي مجمل المبادرات التي بدأ بها أقران بشار من الحكام العرب، بدءا من زيارة الرئيس السوداني إلى دمشق في 16 كانون الأول 2018 ، ثم قرار دولة الإمارات بعودة علاقاتها الدبلوماسية مع نظام الأسد، واستعداد الكويت للقيام بخطوة مماثلة، وكذلك الزيارة المرتقبة بتاريخ 10 – 1 – 2019 للرئيس الموريتاني، وصولاً إلى الحديث بجدية عن تعليق تجميد عضوية النظام الأسدي في الجامعة العربية، ولعل أهم ما في الأمر، أن جميع هذه المبادرات لعودة احتضان الأسد تجري تحت شعار: أهمية دور سوريا في خارطة الصراع العربي الإسرائيلي، والدور الرائد لسوريا في حماية الأمن القومي العربي، الأمر الذي يعني أن ما يقوم به رأس النظام منذ عام 2011 وحتى اللحظة، من عمليات قتل وتشريد وخراب بحق السوريين، ما هو إلّا نضال في مواجهة العدو الإسرائيلي، وسعي في سبيل الحفاظ على الأمن القومي العربي، وهذا ما أوجب مكافأة بشار الأسد على هذا المنجز القومي العظيم. ولعلّ من طريف المفارقات

في سلوك أقران الأسد من الطغاة، وخاصة دول الخليج، هو مناصرتهم لثورة السوريين إبان انطلاقتها، ليس تأييداً لمطلب السوريين في الخلاص من نظام الاستبداد وإقامة دولة القانون والعدالة والديمقراطية، بل رغبةً في محاربة إيران على الأرض السورية، للحيلولة دون تمدد شرورها إلى بقية الدول العربية، انطلاقاً من يقين سائد لدى الجميع، بأن زوال نظام الأسد هو أحد أشكال تقزيم النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، أمّا اليوم فأصبح الشكل الأمثل لمحاربة إيران هو العودة إلى احتضان نظام الأسد، والعمل على إعادة إنتاج وحشيته، وشرعنة إجرامه من جديد.

ما هو ثابت أن ماهية نظام الأسد لن تتغيّر، ولو احتضنته دول العالم أجمع، فلن تستطيع تجريده من صفة الإجرام التي باتت إحدى سماته الجوهرية، وإنْ كان ثمة فائدة ترجوها بعض الأطراف العربية المتلهفة لاحتضانه وتبنّيه من جديد، فإنها لن تكون سوى السفور الكامل لما تبقى من قبح أخلاقي وإنساني لدى تلك الأطراف ذاتها. ويجب ألّا ينسى الجميع، أن أقرب المقربين إلى بشار الأسد، بل الذين يدين لهم ببقائه في السلطة، وأعني الروس على وجه الخصوص، قد نعتوه ب (ذيل الكلب)، كما نعته ترمب ب(الحيوان)، إلّا أن هذا (الذيل – الحيوان) وفقاً للروس والأميركان معاً، ما زال قابلاً للاستهلاك، وحين تنتهي صلاحية استهلاكه، فلن يورث أقرانه سوى المزيد من لعنات السوريين.

تلفزيون سوريا

 

 

 

«ربيع العرب»: انتهى في الصالونات مستمر في الشارع/ توفيق رباحي

على الذين يرون أن «الربيع العربي» انتهى وأن الدليل في سوريا، أن ينظروا إلى السودان. لا علاقة مباشرة لزيارة الرئيس السوداني المأزوم، عمر البشير، إلى نظيره السوري، المأزوم أكثر منه، بشار الأسد، إلا من حيث كونها (الزيارة) تُفسَّر، عبثا، بأنها آخر مسمار في نعش «الربيع العربي»ا.

يجب بداية الاتفاق على أن هناك أشياء لا تتكرر مرتين في الحياة، أحدها طوفان 2011 في المنطقة العربية. حتما لن يتكرر في صيغته تلك وبكل تفاصيله ومفاجآته الكثيرة التي نذكر. لكن سيأتي ما يشبهه أو ما يختلف عنه، لا يهم. الأهم أنه من الخطأ تناسي أن رغبة الشعوب في التغيير سُنة من سنن الحياة.

ما أن تواردت أخبار التطبيع الخليجي مع النظام السوري في دمشق، حتى تهاطلت عبارات النعي لـ«الربيع العربي». بسرعة برزت لغةٌ تقسّم الواقع إلى منتصر ومهزوم ـ مع إبراز الرئيس بشار الأسد منتصرا. لكن، عن قصد ومن دونه، تكرر في كل عبارات النعي أن «الربيع العربي» مات رسميا. ما يعني أنه مستمر شعبيا، أو لم يمت، على الأقل.

هنا مربط الفرس. مصطلح «رسميا» في الثقافة السياسية العربية لا يبعث على الارتياح، ويحيل إلى عدم الثقة. كل شيء رسمي هو مبعث قلق.

أما الزعمُ أن هذا الربيع مستمر شعبيا، فلا يحمل مغالطة أو مخاطرة. إنه فعلا مستمر، والدليل في شوارع السودان. بتوضيح أكثر: انتهى ربيع العرب في صالونات السياسة وتحليلات «الخبراء الاستراتيجيين» وخطابات محترفي السياسة. وانتهى في مخيلة ممولي ومروجي الثورات المضادة، لكنه يتواصل في السودان، في انتظار دول أخرى قادمة بلا أدنى شك. صحيح أن شوارع السودان تصرخ بشعارات رفض الجوع والغلاء والقهر الاقتصادي أكثر منها بنداءات الحرية والديمقراطية، لكن الأسباب واحدة هي ذلك النظام القمعي الحاكم وتفرعاته. والمحصلة واحدة، وهي أنْ طفحَ الكيل بالناس. يستطيع االرئيس عمر البشير والمستفيدون من وجوده أن يكيلوا ما شاؤوا من الاتهامات لمن نزلوا إلى الشارع. لم يعد ذلك ينفع، وقد سبقه إلى دفتر الاتهامات الجاهزة زين العابدين بن علي ومعمر القذافي وحسني مبارك وبشار الأسد في ما يشبه العمى السياسي والدخول في حالة إنكار لوجود أنهار من الغضب الشعبي.

الذين يحتفلون بنهاية «الربيع العربي» ينطلقون من مقاربة في غير محلها تقوم على مقارنة بين 2011 و2018. التغييرات الكثيرة والسريعة التي طرأت دوليا وإقليميا لا تسمح بالمقارنة بين الفترتين. 2011 ترك وراءه دروسا وعِبَر هائلة غيّرت الناس وأمزجتهم لكنها لم تقتل فيهم رفض الإذلال والظلم. الظروف تغيّرت فعلا، لكن نحو إفراز مزيد من الغبن والقمع والغضب الفردي والجماعي، ما يعني تجدد أسباب الانتفاضة للشباب العرب في أكثر من بلد. رعاة الثورات المضادة الذين يعتقدون أن القمع الذي أعقب موجات 2011 و2012 في مصر وسوريا وليبيا وغيرها، سيكون هو العلاج مخطئون، وعليهم أن يدركوا أنه سيكون هو وقود الثورات المقبلة، عاجلا أم آجلا. إنها مسألة وقت فقط.

التطبيع الخليجي مع نظام الأسد، الذي يراد له أن يكون هو مقياس فشل ثورات الشعوب، لا يبدو نابعا من قناعة سياسية ورؤية استراتيجية واضحة. إنه بالأحرى تعبير عن إرباك تعيشه الدول التي تعتبر نفسها رئيسية في الخليج، كالسعودية، نتيجة الاخفاقات المتكررة لسياساتها إقليميا ودوليا.

هو انتقام وردُّ فعل عشوائي على واقع مُرّ يحاصر هذه العواصم بقيادة الرياض. الدول (الخليجية) التي تقف وراء محاولات التطبيع مع الأسد لا تملك حرية قراراتها. والدول التي يُنفَّذ بواسطتها هذا التطبيع (السودان، وقريبا موريتانيا إذا تأكدت زيارة رئيسها إلى دمشق، والأردن) لا تملك حرية قراراتها وسياساتها هي الأخرى. العنوان الأكبر لهذا الواقع هو إيران التي تحوَّلت إلى كابوس لدول خليجية على رأسها السعودية. والعنوان الآخر هو قطر، وكذلك تركيا التي تزعج سياسيا واقتصاديا أكثر مما تفعل طائفيا كما هو حال إيران. الهوس بإيران دفع السعودية إلى البحث عن تقارب مع إسرائيل منتهكة كل المحاذير السياسية والاستراتيجية والنفسية. هل بعد هذا يُستغرَب سعيها للتقارب مع النظام السوري؟

نحن، إذن، أمام شبكة عنكبوتية من العلاقات والمصالح: هذا التطبيع تلتقي فيه المصالح الروسية والسعودية والإيرانية والأمريكية والسورية! روسيا تحرّض العرب في الخفاء على التطبيع مع الأسد. السعودية والإمارات توفران له الغطاء السياسي والدبلوماسي والمعنوي. هذا التطبيع يصب في مصلحة الرئيس فلاديمير بوتين (قائد معسكر العداء لأمريكا والسعودية دوليا وإقليميا)، ولا يزعج دونالد ترامب، ويقلق تركيا ويكرس انتصار إيران التي تدّعي السعودية محاربتها في سوريا وأماكن أخرى.

إذا نجحت روسيا في إقناع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي واللبناني ميشيل عون بزيارة دمشق («إنتيلجنس أونلاين» 19/12/2018)، ومع زيارة الرئيس الموريتاني المرتقبة وجهود إعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية، سيتحقق ما يسعى إليه المحور السعودي في الخليج. وسيتكرس انتصار روسيا وإيران ونظام الأسد. لكن ماذا عن السعودية مثلا؟ هل ستكون قد حققت انتصاراً ما، وما طبيعته؟ أم سيكون ذلك انتكاسة أخرى تضاف إلى سجل انتكاساتها الكثيرة في السنوات الأخيرة؟

هناك أطراف عدّة مستفيدة من التطبيع مع الأسد، ليس من بينها العرب «المُطبِّعون». هؤلاء تعودوا على الخسائر ودفع فواتير ما يجني الآخرون.

كاتب صحافي جزائري

القدس العربي

 

 

خرافة مواجهة الخليجيين للنفوذ الإيراني في سوريا/ علي حسين باكير
تسارعت خُطا العديد من الأنظمة الخليجية مؤخراً باتجاه التطبيع الكامل مع نظام الأسد انطلاقاً من إعادة تفعيل عمل البعثات الدبلوماسية لهذه الدول في دمشق. تصدّرت الإمارات العربية المتحدة المشهد بالرغم من أنّ تواصلها مع النظام السوري لم ينقطع يوماً منذ اندلاع الثورة السورية لا فوق الطاولة ولا تحتها كما يقال. تبعت البحرين مسار الإمارات مؤخراً، علماً بأنّه من المتعارف عليه أنّ المنامة لا يمكنها إطلاق مبادرات إقليمية من دون ضوء أخضر سعودي. وإذا ما أخذنا ذلك بعين الاعتبار إلى جانب حقيقة أنّ سلطنة عُمان لم تقطع هي الأخرى علاقاتها مع النظام السوري، فهذا يعني أنّ ثلثي دول مجلس التعاون ماضية باتجاه إعادة تشريع نظام الأسد.
تبرر هذه الدول هرولتها باتجاه النظام السوري بدعوى ضرورة مواجهة النفوذ الإيراني في سوريا. يُؤمن البعض أنّ هذه الخطوة هي خطوة عقلانية قد تساعد بالفعل على الحد من نفوذ نظام الملالي ومن سطوته على النظام السوري وذلك على اعتبار أنّ الأسد سيكون بحاجة إلى خيارات أخرى لتخفيف اعتماده على طهران. لكن أولئك الذي يطرحون مثل هذا التفسير المنطقي، يغفلون طبيعة صناعة القرار في الدول الخليجية أولاً، وتاريخ هذه الأنظمة ثانياً، وكذلك تجاربها السابقة المتعلقة بفصل التحالف القائم بين نظام الولي الفقيه ونظام الأسد.
في هذا السياق، يمكن اختبار دعوى مواجهة النفوذ الإيراني في سوريا من خلال الإشارة إلى عدّة تناقضات، لعل أهمّها:
أولا: بعيداً عن الموقف من الثورات العربية، فإن قرار مقاطعة نظام الأسد خليجياً جاء على خلفية التحالف القائم
بينه وبين النظام الإيراني. بعض الدول الخليجية فضّلت ركوب الموجة الشعبية التي أرادت الإطاحة بالأسد عام ٢٠١١ من أجل فك هذا التحالف مع نظام الملالي. فإذا كان قرار المقاطعة قد جاء بناءً على هذا المنطق، فكيف يساعد إعادة العلاقة مع نظام الأسد اليوم على تحقيق نفس الهدف؟! في هذا الطرح تناقض بيّن.
ثانيا: الدول الخليجيّة التي تدّعي أنّ هدفها هو مواجهة النفوذ الإيراني في سوريا أو الحد منه، لا يتطابق خطابها الإعلامي مع أفعالها الرسمية على الأرض. إذا ما أخذنا الإمارات كمثال -على اعتبار أنّ أبو ظبي الأبرز خطابياً فيما يتعلق بحجّة مواجهة النفوذ الإيراني-، فإننا سنلاحظ عملياً أن الإمارات لا تعتبر طهران الخطر الأكبر أو الأكثر أهميّة مقارنة مثلاً بالخطر المتأتي عن الثورات العربية أو ذلك المتأتي عن صعود ما يسمى بالإسلام السياسي، أو ربما ولادة أنظمة ديمقراطية حقيقية في المنطقة. لذلك، فإن أولوية أبو ظبي خلال السنوات السبع الماضية كانت وما تزال مواجهة الثورات العربية وليس إيران، ولذلك فإن تبرير التقارب القائم مع نظام الأسد من خلال الحديث عن مواجهة النفوذ الإيراني يتناقض مع هذه الحقيقة المذكورة سلفاً.
ثالثا: في العام ٢٠١٧، قاطعت الإمارات ومعها ثلاث دول أخرى هي السعودية والبحرين ومصر دولة قطر، وفرضت عليها حصاراً لا يزال قائما حتى اليوم بحجّة علاقاتها مع إيران. فإذا كانت هذه الدول مستعدة لإعادة علاقاتها الدبلوماسية مع نظاما الأسد بذريعة الحد من النفوذ الإيراني، فلماذا لا تفعل الشيء نفسه وتعيد علاقاتها الدبلوماسية مع قطر وترفع عنها الحصار، أو تبقي القطيعة قائمة مع نظام الأسد وتشدد الحصار عليه؟!
بالرغم من كل ما قيل، ربما يفترض البعض بأنّ الأسد قد يكون بحاجة فعلاً إلى تحرّك إقليمي يخفف عنه وطأة الحليف الإيراني، لكن ما الذي سيدفعه إلى الركون أو الثقة بأنظمة خليجية تخلّت عنه في أول اختبار بينما هبّ النظام الإيراني للدفاع عنه بكل ما يملك منذ اللحظة الأولى؟ بمعنى آخر، لو تجاهلنا كل التناقضات السابقة الذكر وافترضنا وجود نيّة حقيقة لدى الأنظمة الخليجية لمواجهة النفوذ الإيراني في سوريا، فإن نظام الأسد لن يثق بهم أو بدورهم، وبالتالي لن يضحي بحليفه الإيراني ويستعيض عنه بهم.
هذه المعطيات تقودنا إلى الاستنتاج بأنّ ما يتم التحضير له في سوريا هو مواجهة تركيا بحجّة مواجهة إيران، وذلك انطلاقا

من التصوّرات المتعلقة بأولوية مواجهة الخطر المتأتي عن أنقرة وما تمثّله في المنطقة. لقد سبق للإمارات أن دفعت السعودية إلى فرض حصار على قطر بحجّة علاقاتها مع إيران مفتعلة بذلك أزمةً غير مسبوقة في تاريخ دول مجلس التعاون الخليجي، وها هي تندفع اليوم لحشد مجموعة من الدول الخليجية لتقويض السياسة التركية بذريعة الحد من نفوذ إيران في سوريا.
ما سيحصل هو أنّ الأسد سيستفيد بالفعل من انفتاح الدول الخليجية عليه لناحية تسريع عملية إعادة الاعتراف به كرئيس شرعي وكذلك الأمر بالنسبة إلى نظامه والانتهاء كلّياً من أية التزامات بالتوصل إلى اتفاقات سياسيّة مع المعارضة. الأسد سيستفيد من الانفتاح الخليجي أيضاً في تخفيف العبء المالي المترتب عليه فيما يتعلق بإدارة الدولة وتسيير أمورها وفيما يتعلق بعملية إعادة البناء، ولن نتفاجأ إذا ما دخل نظام الأسد بنفسه إلى اللعبة الخليجية فطالبهم بضخ المزيد من الأموال بحجة مساعدته على تخفيف اعتماده على إيران قبل أن يعود ويبيعهم مرةً أخرى كما حصل مراراً وتكراراً خلال عقود.
المفارقة أنّه بذلك تكون الدول الخليجية قد خففت عن إيران العبء المتعلق بدعم نظام الأسد وخدمت المشروع الإيراني في سوريا مجاناً دون أي مقابل.
تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.