شعر

كتابـة/ صلاح فائق

 

الشعراء أمراء الكلام، يصرفونه أنّى شاؤوا، وجاز لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تسهيل اللفظ وتعقيده، ومدّ مقصوره وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والتوصيف بين صلاته، واستخراج ما كلّت الألسن عن نعته، والأذهان عن فهمه، يبعدون القريب ويقربون البعيد، يحتج بهم ولا يحتج عليهم. (الخليل بن أحمد الفراهيدي)

 

أنا متحفٌ، لا أحد غيري يعرفُ أين

انا زائره الوحيد

■ ■ ■

في جيبي مجموعتي الشعرية الأولى منذ سنوات

لا اقرأ منها أو فيها ولا أتحمّل أن يراها أي شخص

■ ■ ■

 

 

 

أسمعُ شخيري جيداً وأنا نائم

■ ■ ■

مرّ يسوعُ من أمام بيتي قبل قليل، بدراجته الهوائية

لوّح لي ولآخرين، لم يرد عليه أحد

■ ■ ■

ذهبتُ الى مشرحة المدينة، وجدت العاملين هناك يسكرون

وممرضة جميلة ترقص أمامهم

أهدت موتى على عدة طاولات ينتظرون،

مستائين، تشريحهم

■ ■ ■

ليس في ساعتي اليدوية أو تلك المعلقة في غرفتي

أي زمن. فقط كمية كبيرة من الوقت

■ ■ ■

كل ليلة أسير في نومي، أذهب الى المطبخ لأشرب ماءً

انتبهتُ الليلة، بعد دقائق، شربي نبيذاً

أخرج من البيت الى حديقة المنطقة

لأستمع الى غناء صعاليك ومهاجرين

أعود بعد ساعة الى غرفتي وأكتشف أني نسيت

مفتاح الباب في البيت

 

 

 

 

■ ■ ■

نظريات كثيرة حول الشعر وأشكاله، أتفادى قراءتها. الشعر لا يكتب وفق نظريات. النظريات تستنبط من الشعر. مهمتي تكريس وقتي لقصيدتي ولن أسمح لمخيالي بأن تعقلنه نظريات من هنا وهناك.

■ ■ ■

جدي كان يسافر، مشياً، من كركوك الى السليمانية، منذ الفجر ويصلها وقت الغسق. هكذا عاش مئة سنة

■ ■ ■

خلعت باب مقبرة، بعتهُ الى نجار لا يعرفني

بالمبلغ اشتريتُ قنينة نبيذ فاخر وربع كيلو فستق

■ ■ ■

القصائد الجميلة تكتب

على مياه الجداول

والأنهار

■ ■ ■

حين مات باخ، الموسيقي العظيم

أخذت زوجته رزمة كبيرة من أعماله الموسيقية

أعطتها الى قصاب المنطقة ليلفّ بها اللحوم.

هكذا فقدت الإنسانية مأثرة موسيقية عظمى

بزوجة حمقاء وبقصاب جاهل

■ ■ ■

كتب كثيرة لي مطبوعة من قبل «دار أشباح»

في الفيليبين. حتى أنا لا أعرفُ عنوان هذه الدار

هي تطبع مجموعاتي بدون موافقتي،

تجمعها من الفيسبوك ومن الإنترنت ومن أشخاص مجهولين.

لا أستطيعُ أن أفعل شيئاً لأني لا أدري أين هي

 

 

 

 

■ ■ ■

هناك صياد يغني في الساحل، صوته ساحر

أبحثُ عنه في كل مكان ولا أعثر عليه.

ألتقي أناساً من بلدتي وزواراً لا أعرفهم

كلهم يثنون عليّ ويهنئونني لجمال صوتي

■ ■ ■

أسير في نومي، ألتقي فلاسفةً يسرقون فواكه

من بستان. لا أشاركهم، أعود الى البيت

أطلب من امرأتي أن تحتضنني كي أنام

ــــ لكنك نائم، تقول

■ ■ ■

أنا مليءٌ بأكاذيب، لذا أعطسُ في الليل

فترنّ نواقيس كنائس قريبة

■ ■ ■

ليلة أخرى، تطرقُ حمامة زجاج نافذتي بمنقارها

أفتحها، تدخلُ وتتجه الى المطبخ

حيث تركتُ لها فتات خبز وطبق ماء.

بعد انتهائها، تطرق من جديد زجاج النافذة بمنقارها

أفتحها، تخرجُ، تطير

■ ■ ■

عرفتُ رجلاً في بلدتي، سرق زورقاً مهجوراً

غرقا وسط المحيط. امرأته أخبرتني اليوم، وهي تكوي قمصاني، بأنّه سيعود.

 

 

 

 

■ ■ ■

نجوتُ من لصوص هذه الجزيرة

بترك بابي مفتوحاً. كانوا يأتون، واحداً بعد آخر

لا يجدون شيئاً يمكنُ سرقتهُ وبيعهُ

يشربون ماءً في المطبخ ويذهبون

ذات مرة، ترك أحدهم خمسة دولارات لي

■ ■ ■

الشعرُ مصادفات. فيه المخيالُ في خصام دائم مع التفكير

■ ■ ■

عندي كمية مفاتيح لشققٍ، غرفٍ وبيوتٍ أقمتُ فيها

لعشرات السنوات. أحملها معي أينما أسافر

أو أهاجر.

■ ■ ■

في رأسي صديقات قديمات، يمشطن شعورهنّ

بينما أمسكُ مرآة كبيرة أمامهنّ كي يرين أنفسهنّ فيها

أجدهنّ يبتسمن في المرآة، وهنّ لسنَ كذلك

■ ■ ■

هناك قرصانٌ نائمٌ في أحد جيوبي

■ ■ ■

ظل القمرُ، هذه الليلة، يحدّق فيّ لساعات.

لم أفهم ما أراد

■ ■ ■

أنا وصلاح فائق نتبادل الأدوار

حول من الشاعر منّا، ومن يقلده بعد

منتصف الليل؟

■ ■ ■

خرجت من البيت هذا الصباح، وجدت

زورقاً وفيه عدد من الدببة. رجاني الدب

القبطان ماءً نظيفاً. هرعت الى البيت، حملت

سطل ماء ثم سطلات أخرى حتى ارتوت الدببة

أعدت السطل وشاهدت الزورق، من نافذتي،

يبتعد ومع تلويحات لي

■ ■ ■

أذهبُ الى السوق لتصليح مظلتي: أصيبتْ بعطلٍ

بسبب ريحٍ قوية. جرائم الطبيعة ليست قليلة

في جزيرةٍ جميلةٍ كهذه

■ ■ ■

أحلامي كثيرة، لكنّ حظي عاثر

■ ■ ■

عليك أن تحكي حول عمال فنارات

وأبطال السير الشعبية، عن المهمشين وتهملَ، أحياناً

قواعد النحو والصرف.

■ ■ ■

زمرة سجناء يقفون مبتسمين لالتقاط صورة

تذكارية لهم، بينهم عدد سيشنقونَ، قريباً

في فجرٍ ما.

■ ■ ■

كلبي رائع لفهم ما أكتب، فحالما أقرأ عليه قصيدة آليّة، يبدأ بالنباح، ما يعني أنه لا يفهمها

ولا يتحملها. حسناً أنتظر عزيزي الكلب

أعيد كتابتها بمقاطع تلائمها أنفاسي.

أراه يتمطى ويبتسم.

■ ■ ■

إنني مجبرٌ على تدليلِ روحي بتحقيق رغبتها هذه أو تلك كي لا تغضبَ وتغادرَ جسدي، فلا أستطيعُ الغناء مرةً أخرى

■ ■ ■

ذهبتُ الى إحدى الحدائق الكبرى، قبل أيام، بقيتُ لساعات هناك، لم أشاهدْ أو ألتقِِ أحداً: تحدثتُ الى شجرةٍ ونامَ في حضني طيرٌ مهاجر

■ ■ ■

أجلسُ في مقهى، أطلبُ شاياً. يغيبُ الخادم، بعد دقائق، يظهرُ حصان بين فكيهِ كوب شاي، يضعهُ أمامي فوق طاولتي. هدوؤهُ يعجبني.

■ ■ ■

لم أذهبْ الى أي حرب

مبادئي قليلة في هذه الحياة

منها التحممُ قبل النوم

وتلميع حذائي في بدايةِ كلّ أسبوع

 

* قصائد من ديوان حديث الصدور، عنوانه الكامل: «كتابة: محاولات للعثور على الشعر والشعري في الحياة اليومية، الذاكرة والنشاطات الغامضة والمريبة، لكن المبهجة، للمخيال». منشورات «دار أشباح»، الفيليبين، 2018. الكولاجات المرافقة للنصوص من وضع صلاح فائق أيضاً.

ملحق كلمات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق