ثقافة وفكر

الهيمنة الفاشلة: كيف يفقد المنتج الثقافي سحره/ محمد سامي الكيال


يعود مفهوم فقدان العمل الفني والثقافي لهالته الفريدة إلى المفكر الألماني فالتر بنيامين، وكان يعني به أساساً أن الشرط الحداثي لإنتاج الثقافة الجماهيرية، بما يتيحه من إمكانيات النسخ وإعادة الإنتاج والتوزيع غير المحدود، أفقد العمل الفني أصالته المرتبطة أساساً بالزمان والمكان، أي وجوده الأول في المكان الذي أُحدث فيه، بما يلازمه من سياقات ثقاقية واجتماعية، وجمهور مخصص ومحدود نوعاً ما من المتلقين. هذا التغير التاريخي في أساليب إنتاج وتوزيع الثقافة حرر المنتج الفني من ارتباطه بالسياق الطقوسي، وجعله ملازماً لسياق جديد هو السياسة. فالفن، بعد أن أصبح منتجاً جماهيرياً، صار من الممكن استخدامه لفرض الهيمنة السياسية والأيديولوجية، كما أنه يحوي إمكانية مضادة لمواجهة هيمنة السلطات السائدة، وتثوير الوعي الاجتماعي.

فقدان «هالة» الفن لم يكن يعني لدى بنيامين خفوت تأثيره على الناس، بل على العكس، بات أكثر سحراً وجاذبية، نظراً لانتشاره الواسع وقدرته على إنتاج الهيمنة. إلا أننا نعيش اليوم في فترة بدأ فيها المنتج الثقافي يفقد سحره السابق، ويتحول إلى نوع من البروباغندا المكشوفة والفجة، التي يدرك الناس بسهولة طبيعتها السياسية ونوع الخطاب الذي تحاول اصطناعه. وهذا يعود برأينا إلى فهم مغلوط لدى العديد من منتجي الثقافة و«الناشطين» لنظريات الهيمنة بنسخها المتعددة، ومحاولتهم تطبيقها بأسلوب ساذج ومبتذل، ما يجعل الهيمنة التي يريدون فرضها منفرة وغير فعالة، ومثيرة للسخرية في كثير من الأحيان.

كوميديا الهيمنة

بما أن تصوراتنا عن الواقع وحسنا السليم وأدوارنا الاجتماعية والجنسية مبنية اجتماعياً، وليست وضعاً «طبيعياً» قائماً على حقائق ثابتة، وبما أن المؤسسات الاجتماعية والثقافية، والمجتمع المدني عموماً، هي ميدان لفرض الهيمنة السياسية والأيديولوجية، فيمكننا إذن أن نبني ذواتنا والواقع الاجتماعي وفهمنا للتاريخ كما نشاء، وأن نفرض بقوة نفوذنا المؤسساتي والإعلامي، الهيمنة التي نريدها، وعالماً مفاهيمياً ورمزياً متكاملاً، على البشر أن يفكروا ويتصرفوا وفقاً لمحدداته، بل يمكننا حتى تغيير المفردات وأساليب الكلام في اللغات الحية التي يتواصل بها الناس.

بهذه المباشرة والسطحية يفهم كثيرون من «ناشطي» اليوم معنى الهيمنة، ما يؤدي إلى كثير من المفارقات المدهشة، والمطالب الغريبة، ومنها الدعوة إلى إلغاء علامات التذكير والتأنيث في اللغة الفرنسية، أو تعديل عدد من المفردات وطريقة كتابتها في الإنكليزية، مثل Women، التي يريد البعض كتابتها Womyn، لإزالة لفظ «men» المكروه منها. واستبدال كلمة Mankind (بشرية) بكلمة Peoplekind، كما تفتقت قريحة رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو. فضلاً عن كم كبير من الأعمال الأدبية والسينمائية، التي تحاول فرض التنوع بأسلوب فج، وضمن سياقات لا تحتمل كل هذا الضخ الأيديولوجي، بالإضافة إلى مبالغة شديدة في موضوع تقرير الهوية الجنسية، وجعل الذكورة والأنوثة مجرد شعور ذاتي يحدده المرء كما يشاء، وعلى اللغة وأساليب المخاطبة أن تتكيف مع هذا الشعور بقوة القانون. هذه مجرد أمثلة من قائمة طويلة ومعروفة من السياسات الصغرى، أصبحت ركناً طريفاً ومكرراً في قضايا وأخبار وسائل الإعلام الجماهيرية.

هذا الأسلوب الفوقي في تغيير السلوكيات والثقافات يؤدي إلى ردود أفعال سلبية، وإلى نقمة واستياء كثير من الأفراد، من مختلف المواقع الاجتماعية، الذين يرون أن هنالك من يريد السيطرة بشكل فج على عقولهم وألسنتهم وأنماط حياتهم. الأمر الذي أدى لاندلاع عديد من المعارك الثقافية، مثل الصراع بين فئة من علماء البيولوجيا وناشطي «دراسات الجندر» حول معنى الجنس والنوع الجنسي، وقيام عالم الفيزياء آلان سوكال بتجربته الشهيرة، عندما نشر في التسعينيات من القرن الماضي نصاً احتيالياً في إحدى أهم دوريات «الدراسات الثقافية» آنذاك، ادعى فيه أن الجاذبية الكوانتية هي مجرد «بناء اجتماعي»، ليسخر من نظريات «ما بعد الحداثة» السائدة في بعض الجامعات الأمريكية، ويبيّن تهافت معايير النشر في دورياتها «المحكمة». فضلاً عن الضجة التي يثيرها في أيامنا أستاذ علم النفس الكندي جوردان بيترسون، الذي استطاع أن يقدم نفسه واحداً من أبطال حرية التعبير، لرفضه مشروع القانون الكندي الذي يُلزم باستخدام ضمائر معينة لدى الحديث مع المتحولين جنسياً وعنهم. فشل الهيمنة التي يحاول الخطاب الأيديولوجي المعاصر فرضها لا يكمن فقط في ما تثيره من معارك ثقافية، بل بالوضوح الشديد لطابعها الملفق والمصطنع، وهو ما يعاكس تماماً معنى الهيمنة.

أسرار مدفونة

أيا كان المصدر الذي نستقي منه تعريفاً للهيمنة، سواء كان تنظيرات غرامشي أو ألتوسير، أو النسخ المختلفة للنظرية البنائية الاجتماعية، حتى في أكثر أشكالها راديكالية، أو دراسات فوكو عن السلطة والمعرفة، لن نجدها تشبه الفهم المعاصر لها، فالهيمنة لا تأتي من فراغ، ولا يمكن فرضها بقرار فوقي تتخذه فئة محدودة من الناشطين ومنتجي الثقافة. عندما تحدث غرامشي، أهم منظري الهيمنة، عن «الكتلة التاريخية»، فكان يعني تراكب البنى الاجتماعية والاقتصادية، بما تحويه من أوضاع ووقائع وطبقات، مع البنى الفوقية بمؤسساتها السياسية والقانونية والثقافية، ما ينتج طرازاً معيناً من الهيمنة نتيجة لتلاقي هذين المستوين. الهيمنة المضادة التي دعا لها، تقوم على عمل المثقفين العضويين على إيجاد ثغرات في الكتلة التاريخية القائمة، من خلال اختراقهم لمؤسسات البنية الفوقية الأكثر مرونة بطبيعتها، وتجييرها لصياغة خطاب ما يمثلونه من طبقات اجتماعية صاعدة، الأمر الذي يؤدي لتأسيس كتلة تاريخية جديدة، في فعل شبّهه غرامشي بحرب الخنادق. لا يتوقف الأمر إذن على قرار ذاتي لمثقفين طيبين، بل هو انعكاس لعمليات اجتماعية وتاريخية معقدة، لها أساسها الموضوعي.

في بنيوية ألتوسير تشكل أجهزة الدولة الأيديولوجية إحدى جوانب البنية الاجتماعية العامة، بتراكب مستوياتها الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية، وبالتالي فهذه الأجهزة تكتسب معناها ووظائفها من خلال العلاقة المتبادلة بين هاته المستويات في نسق معين، ولا تتوقف على إرادة القائمين عليها. أما فوكو فيرى أن السلطة ليست مؤسسة، أو قدرة يتمتع بها طرف واحد على حساب الآخرين، بل هي وضع استراتيجي معقد لا ينبع من مركز واحد، وما ينتج عن السلطة من خطاب ومعرفة هو نتيجة لما تراكمه تقنياتها في الرقابة والتطويع والأرشفة.

في كل الأحوال لا تعمل الهيمنة إلا من خلال إخفاء طابعها كهيمنة، فهي تطرح ما تقرره من أفكار وتصورات بوصفها حساً سليماً، بديهياً ومشتركاً بين جميع البشر، وتقدم ما كان مجرد إمكانية، تحققت في ظروف تاريخية معينة، على أنه ضرورة «طبيعة» لا جدال فيها. إخفاء تعددية الممكنات، وجعلها سراً مدفوناً لا يعيه الناس بوضوح، هو أحد أهم أسس تحديد النظرية البنائية الاجتماعية لمفهوم الهيمنة، الذي طورته نظرية الأنظمة في ما بعد، لتجعله ضرورة لتحقيق التواصل بين البشر، فبفضل التركيز على عدد محدود من الممكنات، من ضمن الاحتمالات اللامحدودة الموجودة في «البيئة»، أي في الواقع الطبيعي والاجتماعي غير المتمايز بالنسبة للمراقب، ينشأ النظام المميز عن بيئته، بما يحويه من بيانات ومعان محددة يمكن تداولها وفهمها.

عندما يتعلق الأمر بمحاولات فوقية ومفضوحة لفرض تصورات وأساليب تعبير معينة، فنحن لا نتحدث عن هيمنة، بل عن عنف ثقافي ورمزي ولغوي ومؤسساتي، والعنف هو فشل الهيمنة.

«مسافة أمان» للفن

بالعودة إلى فالتر بنيامين، يمكن للفن الذي فقد هالته أن يصبح أسلوباً لفرض سيطرة الأنظمة الشمولية، التي تحاول صياغة جماليات لسياساتها العدوانية والقمعية. الرد على «جماليات السياسة» هذه، بحسب بنيامين، هو تسييس الفن، أي الانتباه لقدرته على الهيمنة والتأثير، والعمل على أساسها. إلا أن تسييس الفن لا يعني صياغة أعمال وعظية ومباشرة ومفروضة على البشر، وهو ما نبّه اليه ألتوسير، فإذا كان من الصحيح أن المنتج الثقافي لا يمكنه الفكاك من السياق الأيديولوجي الذي نشأ فيه، إلا أن الفن قادر على اتخاذ مسافة معينة من هذا السياق، تمكّنه من إعطائنا إدراكاً وحساً بالأيديولوجيا وبأساليب عملها، وهنا يكمن الأثر الحقيقي للعمل الفني.

لا بد من الاعتراف بأن الجماليات التي انتجتها الأنظمة القمعية كانت أكثر قدرة على الاقناع مما تقدمه جهات إنتاج الثقافة في العهد النيوليبرالي «ما بعد الديمقراطي» الذي نعيشه، فالفاشيون والشموليون استطاعوا حشد ملايين البشر في مشاريع كبرى وحروب مدمرة، بينما لا يفرض أغلبية منتجي الثقافة و«الناشطين» اليوم إلا الابتذال، والكثير من التذمر والتظلم المثير للملل والنفور. في هذا الجو الذي تفقد فيه الثقافة سحرها ويسود العنف الرمزي والمؤسساتي، نحتاج إلى «مسافة أمان» عن الأيديولوجيا التي تحاول أن تكون سائدة، وهو التحدي الأكبر الذي يواجه الفن والثقافة في أيامنا، ليس فقط في دولنا القمعية، بل في «العالم الحر» أيضاً.

٭ كاتب من سوريا

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.