الناس

سائقٌ بعشرةِ أذرعٍ و10 حِيَلٍ جديدة: إنّه أبو دحّام السوري/ عبدالله حسن


قبل مدة، اجتزتُ وللمرةِ الأولى منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2015 حدود مدينة «غازي عينتاب» التركية، متجهاً إلى العاصمة أنقرة؛ لم يكن الأمر ممكناً في السابق لعدم رغبتي وقدرتي وجرأتي عليه، وانعدام الدافع الحقيقي العابر للرغبات الذي من شأن أن تغيير واقع حياتي إلى صورة أفضل.

مثلما هو معلوم لدينا نحن معشر الهاربين من الموت السوري، لا يتيح القانون لك هنا في تركيا أن نتنقّل بلا إذنٍ من والي الأمر في الولاية، وهو ما أعجز عنه لعدم حيازتي بطاقة الحماية الموقتة؛ أما عن انعدام الجرأة فذاك لأنني (جبان)، أحسبها كثيراً، أخاف الموت وطرائقه الحسية والنفسية والمعنوية، وأشكالَهُ واحتماليّاته الكثيرة والضئيلة، وأحبُ الحياة أكثر من قدرتِها هيَ نفسَها على تحمُّلي واحتمالي.

اتصلتُ بمهنّد، أحد إعلاميي درعا الذين طاولتهم حملة التهجير الأخيرة وحطّت به الرحال في عينتاب هرباً بلا زوجته وابنته، أصيب أحد أصدقائه (إعلامي آخر) برصاصة في بطنه أطلقها حرس الحدود التركية إبّان عبورهما من ريف إدلب؛ أرسلت إلى مهند أطلب منه رقم جوال سائق سيارة خاصة كان أقلّهُ من عينتاب إلى أنقرة، فوَصَلني بالعم «أبو موسى».

«العم أبو موسى، مرحباً، أنا عبدالله حسن، من طرف مهند، لديّ موعد مهم جداً جداً في أنقرة، ولست أملك أي أوراق تثبت شخصيتي سوى الهوية السورية؛ هل يمكن أن تقلّني من عينتاب على أن أكون هناك في أنقرة عند الساعة التاسعة صباحاً كحد أقصى؟ أنتظر ردّك، شكراً جزيلاً»، ليَردّ برسالةٍ أنه في إسطنبول، وأنه سَيَصلُني بسائق آخر على الفور.

بعد دقائق أرسلَ لي -عبر واتس آب- سائق يدعى «أبو دَحّام» تسجيلاً صوتياً قال فيه إنه من طرف أبو موسى وإنه سيتولى العناية بأمري «رح حطّك بعيوني… بوصلك أنقرة، تاكل وتشرب وبنعملّك أركيلة عند أحد أقربائي، وتنام، والصبح بتروح ع الموعد، وأستناك وبعدها نرجع إلى عينتاب»، وتسجيلاً آخر أشار من خلاله إلى أن سائقاً من طرفه سينقلني من عينتاب إلى مدينة «أضنة» حيث يُقيم أبو دحام الذي سينقلني بدورهِ بعد ذلك من أضنة إلى العاصمة التركية.

ليس بالإمكان أن أستقلّ حافلةَ النقل بالصورة الشرعية أو الطائرة، كما أن الطريق من عينتاب إلى أضنة ثم أنقرة مُتخم بالحواجز؛ أن تُلقي الشرطةُ التركية القبض عليكَ، سائقاً يقلّ سوريين لا يحملون أوراقاً يعني أن يتم حجز سيارتك…

في اليوم التالي، عند نحو الثانية عصراً اتصل بي سائقٌ سوري آخر يدعى براء، قال إنه من طرف (أبو دحام)، وطلب مني إرسال مكان وجودي في المدينة عبر واتس آب، وتولّى الشاب بالفعل نقلي من عينتاب إلى أضنة، مُجتازاً بي الحواجز الأمنية على الطريق بين المدينتين… سلّمَني لأبي دحام، وتابع رحلته إلى «مرسين» حيث كانت سيدة معنا في السيارة لا تملك أوراقاً هي الأخرى عائدةً إلى منزلها من عينتاب برفقة طفلين صغيرين.

الجدير بالذكر أن السائقِين السوريين في تركيا -وهم كُثر- يتواصلون مع بعضهم بعضاً عبر مجموعات واتس آب حصراً وإحداثيات GPS…. تتصل في البداية بسائق، فيرسل برسالة صوتية (بعض السائقين لا يجيدون القراءة) إلى مجموعات واتس آب خاصة بهم أن «ثمة مسافراً في عينتاب يود الوصول إلى أنقرة، إن كان أحدكم قادماً من هناك (عينتاب) الرجاء التواصل معي»؛ وهكذا ينال السائق الذي يردّ على الرسالة الصوتية أولاً فرصةَ الحصول على الراكب، على أن يدفع هذا السائق عمولة (نحو 10 دولارات) للسائق الذي دلّه عليه، أو أن يجلبه إليه بالتكلفة المعتادة للرحلة، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك التكلفة تصل إلى ثلاثة أضعاف تكلفة السفر عبر الحافلة (النظامية) في الكراجات التركية.

على طول الطريق بين عينتاب وأضنة لم يترك (براء) الهاتف الجوال من يده، رسائل صوتية الواحدة تلو الأخرى: «حاجز أنجرليك لا يعمل»، «كاميرات المراقبة في المنطقة الفلانية لا تعمل»، «الحاجز الفلاني يمكن تلافيه عبر الدخول إلى الاستراحة الصفراء»، «حاجز دخول أضنة يعمل حتى الساعة الرابعة عصراً»، «ثلاثة مسافرين في مرسين يودّون الذهاب إلى قونية»…. الجميع كان يُطلِع الجميع على آخر المستجدات؛ أولئك السائقون على دراية بكل ما يحصل على الطرق الرئيسية بين المدن التركية الكبرى.

صعدتُ إلى جانب أبي دحام، وما إن جلستُ إلى جانبه حتى أمسك المقود بيده اليسرى والجوال باليمنى التي هوَت فجأة نحو ناقل الحركة لتأذن بالمسير؛ لم تكن يدا أبي دحام تحيطان بالمقود حتى سمعت رسالة صوتية تقول: سيدتان في أضنة تودان السفر إلى مرسين…

«سنذهب إلى مرسين -قال أبو دحام- استعِد، سيدتان مسكينتان سنوصلهما ونعود إلى أضنة، لا تخف، سأوصلك في الموعد المناسب إلى أنقرة». كانت الساعة الخامسة مساء، أنا على بعد نحو 16 ساعة من الموعد، لذا التزمتُ الصمت، وأخذت أفكر بالسيدتين في مرسين… اللعنة، مرسين! حواجز أمنية! هل يُدرك هذا الرجل أنني لا أملك أوراقاً ثبوتية وأن موعدي في أنقرة سيقرر مصيراً يقع على الزاوية 180 درجة مما عشته وأعيشه؟ كيف عساني أفتتح حديثاً ليست لديَّ أدنى فكرة إلى أين سيأخذني مع رجل غريب لستُ أدري ما الذي يمكن أن يتلفّظ به من كلمات أيضاً؟!

انطلقَ أبو دحام يجوب المدينة الجميلة ليلاً بانتظار أن يصله موقع منزل السيدتين عبر واتس آب، وبدا يحاول تبادل أطراف الحديث معي لكسب المودّة:

    ما الذي ستفعله في أنقرة؟

    سأقابل أحد موظفي السفارة الفرنسية

    كويس، السفارة الفرنسية، مشان؟

    سفر

    كندا أفضل من فرنسا

    خلينا نوصل أنقرة بالأول

(يا لهؤلاء الناس)

    لا تخف… لا تخف

    ليك.. مستحيل روح لمرسين

    ليش يا ابن الحلال… ليش؟

في تلك اللحظة اتصل رجل بأبي دحام، قال إن السيدتين قد غيّرتا رأيهما، وترفضان السفر مع رجل غريب بمفردهما، ليردّ أبو دحام بأن ثمة مسافراً آخر معهما (يقصدني) وأن الوضع آمن، ولن يتم إزعاجهما لأنهما أُختانا و”عرضُنا” على حد قوله، فاقتنعت السيدتان؛ أما أنا فكنت في مكان ما بين الموت ضحكاً والموت حزناً والموت رعباً… يا لهؤلاء المساكين وعاداتِهم، أهذا العالم قاسٍ فعلاً إلى تلك الدرجة؟ هل يمكن أن يُلقَى عليَّ القبض في مدخل مرسين ويتم ترحيلي قبل إجراء المقابلة؟ أيُّ أمر يستحقُّ الاهتمامَ الآن أكثر من أن تدعوك السفارة الفرنسية في أنقرة لإجراء مقابلة قبل منحك التأشيرة والهرب من الشرق الأوسط وأخبار قراءاته واستقراءاته العمليّة البائسة للماضي والحاضر والمستقبل؟ كل تلك الأشياء كانت تدور في رأسي في وقت واحد.

نظرَ إليَّ أبو دحام بعد أن أغلقَ الخط وضبط إعدادات GPS  الخاصة بموقع السيدتين، وأدارَ المقود ناحيةَ منزلهما، وبدأ يقسم بكل مقدساته، ويطوّع اللغة ويَلوكُها داخل فمه بعد أقل من أسبوعين على مرور يوم اللغة العربية، ويستخدم أجزل تعابيرِ أهل القرى البِكر على ضفاف نهر الفرات السوري التي لم تغير لهجة أهلها أشكالُ الاحتلال التي مرت منذ قرون، تارة يُقسم بالله، بمحمد، بأهله وأتباعه وأبنائه وذويه، ثم ينطلق في جولة سُعَار أخرى يقسم بفَقرِه ويشتم أم الكذب وأمه أنه بحاجة ماسة إلى الاستفادة من كل دقيقة يعيشها ليطعم أبناءَه الصغار وزوجته.

أشحتُ وجهي ناحية أبنية أضنة الشاهقة، ورحت أفكّر بحبيبتي، تعيش في اللاذقية، أحمل أوراق طلب “الفيزا” الخاصة بها في جعبتي أملاً في أن تسمح لها السفارة بالخروج إلى فرنسا من لبنان ولقائي هناك للمرة الأولى منذ أن عرفتها عبر الإنترنت (الاختراع البديع)؛ كنتُ أقول في نفسي إنه لا يمكن أن أسمح لأحد بطردي إلى تلك البلاد المرعبة سوريا، ثالث أشد دول العالم فساداً، كنتُ أفكّر بغرائزي، وأودُّ لو تحتلّ رغبتي بالسفر حاجزَ تفكيري بأن تَعبُر نحوي وتخترق أقصى أقاصي قدراتي على ضبط نفسي، كنت أريد لرغبتي fالذهاب إلى أنقرة أن تكون أعتى وأثقل وأشدّ حصاراً من الوجود بحد ذاته؛ نظرت إلى أبي دحام وكان يتحدّث إليّ من دون أن ألحظ، وقلت له إنني لن أمانع أن أقتل هاتين العجوزين إن اقتضت الحاجة، هل سمعت براسكولينكوف؟ (وارتسمت علامات البلاهة على وجهينا) أنا هو، لن أذهب إلى مرسين حتى لو اضطُرِرتُ إلى قطع المسافة سيراً، إنني في رحلةِ حجٍّ نادر يُستجابُ فيه الدعاء، أتفهم؟ خذني إلى أنقرة، فلتَغرَق مرسين… وهنا كنت أتذكر زوربا: «أقسم لكم بالبحر أيها الرفاق، حينما واجهني خطر الموت لم أفكّر بالعذراء القدّيسة، ولا بالقديس نيقولا. التفتُّ ناحيةَ سالامين، وفكّرت في زوجتي، وصرخت: آه يا كاترينا الطيّبة، ليتني كنتُ في فراشك الآن».

في نهاية سجال حامي الوطيس أرهقني أبو دحام، كنت أفكّر كثيراً وأتحدث قليلاً، أما هو فكان ينهال عليّ بكل جوارحه ومنطقه المتضارب، إلى أن انتهى بي الأمر بقبول الذهاب إلى منزله باستضافة أخيه الشاب للاستراحة قبل رحلة أنقرة التي ستبدأ في الساعة 2 بعد منتصف الليل، ريثما يعود هو من مرسين، و«تخفّ الحواجز» على حد تعبيره، من دون أن أفكر بملامح وجهَي السيدتين حين يصل أبو دحام إليهما من دوني.

أوصلني أبو دحام إلى منزله في المدينة (أضنة)، وأخبرني أنه كان تاجراً يهرّب السجائر من سوريا والعراق إلى تركيا «لقد أغرقت تركيا بالسجائر، وتم حجز سيارتي القديمة، وحكم علي بالسجن لسنتين ونصف السنة، ولا أزال منذ عام أطعن بالحكم… لن أذهب إلى السجن»، قلت له «أبو دحام، لا يمكن أن تكون أخطبوطاً، ثم كيف لك أن تنتقل هكذا فجأة من تهريب السجائر إلى تهريبنا» فردّ: «أنا هنا منذ أربعة أعوام. أفهم هذه البلاد جيداً، وأعتاد عليها». «الإنسان لعين… يعتاد كل شيء» يقول دوستويفسكي.

دخلنا منزل الرجل، حيث كان أخوه بانتظارنا لاستقبالي، حينها أدركت أنه كان قد أعدّ لذلك مسبقاً وأن ما قَصَدَه بـ (الأكل والشرب والأركيلة) إننا متجهون إلى أضنة، وليس إلى أنقرة عند أحد أقاربه قبيل موعدي.

لم تمضِ دقائق على مغادرة أبي دحام حتى اصطفّت قبالتي مائدة طعام قروية، فهمت من سياق توزيع الأطباق فيها أن البيض والمرتديلا هما الطبق الرئيس، وجاء ابناه الصغيران فجلسا إلى جانبها، وأخذت أطعم ذي الثلاثة أعوام، وهو يشير إليّ بيده: أريد من هذا… من هذا (يقصد اللبن) ويردّدها أربع أو خمس مرات حتى تصل اللقمةُ فمه؛ أما الابن الأكبر فكان يبلغ من العمر أربعة أعوام، زيّنَت والدته ناصيتَه بالحنّاء، وجهٌ مدوّر، عينان واسعتان، وأذنان بارزتان، وكأنه هارب من مسلسل كارتوني؛ كان ذكياً وحذقاً طيلة خمس ساعات متواصلة.

حين عاد أبو دحام بعد نحو الخمس ساعات جلب معه ثلاث فتيات صغيرات وطفلين، أكبرهم (عبير)، تبلغ من العمر 18 عاماً، والبقية تتراوح أعمارهم بين الـ15 حتى الأربعة أعوام؛ دخلوا على عَجَل الغرفة الثانية التي كانت تجلس فيها زوجتُه، وأمَرَها بأن تُعدّ لهم الطعام وتوقد المدفأة، ثم جاء ليجلس معي وبرفقته الأركيلة اللعينة.

كانت مراقبتي ابنه الصغير قبل مجيئه تدفعني للحديث عنه بشغف، لم أكترث لطول المدة التي أمضيتها وأنا أراقب وأتحدث إلى ذاك الصغير، ولم يساورني فضول جاد عن هوية أولئك الأطفال في الغرفة الثانية، فانطلقت بالحديث هكذا من تلقاء نفسي أخبره عن أن ابنه ذكي ويتوجب أن يلقى تعليماً، فسأل ممتعضاً: «ما الذي نَفعَتك به الدراسة؟»، قلت: «الكثير» ورحت في سرّي أسرحُ وأشكّك في جدواها فعلاً، إن العالم يتعرى أمامك مع كل كتاب تُطالعه يَشهد كاتبه فيه على نفسه وعلى الآخرين من حوله. تستطيع الكتب أن تمنحَك التصوّر الذي تريده، لكنك عملياً يجب أن تحسم المسألة بمفردك؛ عليك أن تختار أنت الهويّة والمصير، وفي جعبتكَ غريزةُ البقاء، وبضعة أحاسيس بالخطأ والصواب اكتَسَبْتَها من هنا وهناك؛ على الأرجح أنني لو لم أُغرم بأنثى ما تجرأت على القول إني أعرف عن هذه الحياة شيئاً أو أستطيع تحمّلها «ما نَفعُ حِكمتنا من دون فتوّةٍ، ما نفع حكمتنا… – يقول درويش- كل شيء زائلٌ فاحذَر غداً وعش الحياة الآن في امرأةٍ تحبك».

لم أجادل الرجل، اكتفيت بذلك لنفسي، سألتُه عن رحلتنا، فأخبرني أن سائقاً يدعى أبو حسين قادم من عينتاب باتجاه أنقرة يقل ركاباً، وأننا سنلتقي به عند مدخل أنقرة، ليكمل بي أبو حسين (يوصلني إلى السفارة وينتظرني، ثم يعود بي إلى عينتاب) على أن يتابع أبو دحام رحلة إلى إسطنبول يقلّ فيها الأطفال أبناء الغرفة الثانية؛ عرَفت من أبي دحام في ما بعد أن أولئك المساكين يعيشون في أضنة لدى والدهم المنفصل عن أمهم والمتزوّج من امرأة أخرى… وقرروا في هذه الليلة – ليلتي المجيدة- في الساعة الثانية عشرة منتصف الليل أن يفرّوا من منزل والدهم بقيادة (عبير) إلى حيث تقيم والدتهم في إسطنبول، لا يملكون ما يدلّهم عليها إلا السائق الأخطبوط، وموقع GPS!

ازدادت مكانة الرجل في رأسي، حتى وإن كان اختلق تلك القصة برمّتها، إلا أنه على الأقل يعلم جيداً أنها مؤثرة، لذا ما كنتُ أُلقي بالاً لاستخدامه منزله نقطة انطلاق أو استراحة، ولا لكذبه، ولا تسخيره الزوجة المسكينة في الغرفة الثانية لصناعة الشاي والقهوة وتحضير الطعام للمسافرين، إنما اكتفيت بالصمت ما دمت سأصل إلى أنقرة في أي حال.

في الثانية عشرة والنصف، انطلقنا أنا وأبو دحام والأطفال شمالاً باتجاه أنقرة بغية تسليمي لأبي حسين الذي ظلّ على اتصال معنا عبر واتس آب، تارةً نسبقه وتارة يسبقنا؛ لم أستطع النوم، كنت أراقب الطريق إلى أن وصلنا في الخامسة والنصف إلى مدخل أنقرة، حينها فجأة انطلق أبو دحام في جولة سعار أخرى يطالبني خلالها بدفع 400 ليرة تركية (175 دولاراً تشمل أجرة العودة إلى عينتاب مع أبي حسين)، ويُقْسِم بالكثير أنه لا يملك ما يكفيه من الوقود إلى إسطنبول، وأن تكلفة نقل الأطفال التي سيجنيها من الأم لا يزال من المبكّر الحديث عنها قبل وصولهم إليها؛ أبو حسين في الخارج ينتظر داخل سيارته التي يقلّ فيها مسافرين آخرين، وأنا وأبو دحام نحاول تسوية الأمر باتفاق انتهى بدفعي المبلغ.

حين صعدت إلى سيارة أبي حسين كان سلّم للتو راكباً لأبي دحام متجهاً إلى إسطنبول، بينما كانت تجلس في المقعد الخلفي سيدة وطفلها الرضيع؛ حدث عراك شديد اللهجة بعد انطلاق السيارتين إلى هدفهما، إذ يصرّ أبو دحام على ترك الراكب الجديد خارج إسطنبول من دون إدخاله إليها، ويصر الرجل من جانبه على أنه لن يترجّل من السيارة إلا في سوق شعبي مَنَحه اسماً داخل المدينة، وهو ما أعاد لقاء السائقين مرة أخرى للتشاور في أمره.

صعد الراكب الجديد إلى سيارة أبي حسين مجدداً، وخصص أكثر من 20 دقيقة للصراخ في وجهه لأنه غدر به بتسليمه إلى سائق يود الإلقاء به على مدخل إسطنبول وليس داخلها، وظلّت تتعالى أصواتهما داخل السيارة حتى كادت الأمور تخرج عن السيطرة فعلياً… طفل السيدة في المقعد الخلفي بادر بالصراخ، الجو بارد جداً في الخارج، والساعة لا تزال دون السادسة، وظل الوضع قائماً على هذه الحال حتى اتفق أبو حسين والراكب، وتم استدعاء أبي دحام لأخذه، بعد أن وافق على إدخاله إلى إسطنبول وإيصاله إلى حيث يريد.

لم يهدأ أبو حسين، تارة يشتم الراكب الذي سلّمه لأبي دحام، وتارة يشتم أبا دحام نفسه، ثم ينظر إلي، ويسألني: «بربّك… أليسَ أبو دحام هذا مجنوناً؟ أثمة سائق في العالم يُخبر راكباً أنه سيلقي به على أطراف مدينة كبيرة وينوّه له إلى أن المسافة بين مكان نزوله وقلب إسطنبول يتخطى الـ30 كيلومتراً؟ كيف يجرؤ على قول ذلك في مثل هذا الوقت قبل أن يصل الركاب إلى هناك أصلاً؟ كان الأجدى أن يحاصِر أبو دحام الراكب في الزاوية، يتركه عند باب إسطنبول ليتدبّر أمره بنفسه».

كان أبو حسين غاضباً جداً، ظلّ يتحدّث أكثر من 45 دقيقة بلا توقف، كنا في طريقنا لإيصال السيدة في المقعد الخلفي؛ تعيش المسكينة وسط غابة يَصِل إليها طريق ترابي على أطراف أنقرة من الجهة الشمالية الغربية، يعمل زوجها في تقديم العلف للأبقار، ويسكنان مع الطفل الصغير وسط تلك الغابة الموحشة في منزل معدني بأرضية خشبية، لا يُحيط بهم أحد إلا بضع مجموعات من البقر داخل الاسطبلات، رائحة المكان المُوحل والمليء بالروث لا يمكن تصوّرها، لم أر حتى في مخيمات اللجوء السورية ماهو أشد بؤساً من الحياة في ذاك المكان… حينما شكّلَ العالَم نفسه مكانياً، دبّت فيه الحياة كالمرض، وها هي تدبّ هنا، تستمرّ بطريقة لا يقبلها العقل… إنها غريزية تَعملُ رغماً عنها مِن تلقاء نفسها، وتنتمي إلى هذا المكان بالضبط.

أوصلنا السيدة وطفلها إلى الزوج الذي خرجَ إلينا يَدعونا إلى شرب الشاي وهو يئنّ من البرد! اعتذرَ أبو حسين، فصعدنا إلى السيارة مجدداً، وهناك طلب مني السائق أن أضبط إعدادات الوصول إلى السفارة الفرنسية عبر Google Maps ففعلت، وسرنا على الطريق… كانت الساعة نحو السابعة والنصف، إنني على بعد ساعتين ونصف الساعة من الموعد.

أوصلني أبو حسين إلى السفارة في الساعة التاسعة صباحاً؛ مددت يدي لأناوله بعض النقود، كنت أريد أن أضمن بأي طريقة عودته إليّ، إن المهم الآن هو إجراء هذه المقابلة والعودة إلى عينتاب مهما كلّف الأمر، كل ما هو دون ذلك، هو غير مهم، ولا هو مدعاة للاكتراث أبداً؛ ليرد: كيف لك أن تقدّم النقود لشخص غريب؟ قلت: إنني أريد أن أضمن عودتك إلى هنا، فقال إنه سيعود، أعطاني رقم هاتفه لأعاود الاتصال به حالما أنتهي، ثم غادر من دون أن يأخذ شيئاً.

دخلت إلى السفارة بعد أن أربكتُ موظف الاستقبال بكوني لا أحمل إلا بريداً إلكترونيا مطبوعاً يدعوني إلى المقابلة، استمارَتَي طلبِ إقامةٍ طويلةِ الأمد واحدة لي وواحدة لحبيبتي، صور شخصية، وهوية سورية…  تقدّمتُ إلى الموظفة الحسناء داخل السفارة بالاستمارتين، ودخلتُ إلى غرفة أخرى لإجراء المقابلة.

أنهيت مقابلتي على أتمّ وجه، ثم خرجت واتصلت بأبي حسين، فوصل إليّ بعد أقل من ربع ساعة، كان يجوب المدينة بحثاً عن ركاب يودون الذهاب إلى عينتاب أو إلى إحدى المدن على طريقنا، صعدت إلى سيارته، كنت سعيداً جداً لدرجة أنني كنت أحثّه على البحث عن ركاب جدد، كنت أقرأ له الرسائل المكتوبة على مجموعات واتس آب عن المسافرين والسائقين وأخبار الحواجز، وكان في كل مرة يضطر فيها إلى طلب مساعدتي في ذلك – كونه لا يعرف القراءة- يبعث برسالة صوتية إلى المجموعات يخبر مَن فيها بضرورة الالتزام بإرسال رسائل صوتية عوضاً عن المكتوبة، كما كنت أكرر على مسامعه بين الحين والآخر: أبو حسين… أعتقد أنني سأعمل معاوناً لك ريثما أغادر هذه البلاد.

عثرنا على راكبين في أنقرة ليسافرا معنا إلى عينتاب، كانت الأمور تسير على ما يرام، إلى أن طلب منا أبو حسين أن ندفع له تكلفة الرحلة، الأمر الذي دفعني إلى الاستفسار منه عن كوني دفعت لأبي دحام مبلغ 400 ليرة تركية… جُن الرجل حين سمع بذلك، واتصل بأبي دحام، ونشب خلاف عريض بينهما، لأنه نصاب، ومحتال، وغير أهلٍ للصداقة والصحبة، إذ تبيّن أنه لم يُطلع أبا حسين على شيء، وأنه اتخذ النقود التي دفعتها إليه لنفسه، فما كان مني أيضاً إلا أن بعثت برسالة صوتية إليه أعاتبه فيها عن سوء سلوكه من دون إشارة إلى المبلغ أو الخوض في تفاصيل الرحلة عموماً، فرد: «قلت لك إنني أفهم هذه البلاد جيداً، لم أكن لأنقل راكباً من دون أوراق بأقل من 100 دولار». وهكذا دفعتُ تكلفة السفر إلى عينتاب مرة أخرى، ولم أشارك أبا حسين غضبه ولا توتّره، خصوصاً أنه كان يعضّ على أسنانه باستمرار جرّاء تعاطيه (الكبتاغون) وقد أمضى ليلتين بلا نوم.

لقد غرّتني ساعات التأمل والرجاء التي عشتها على طول طريق الرحلة أراقب فيها نفسي وهؤلاء الناس كيف يتابعون حياتهم وكيف يتدبّرون أمورهم اليومية؛ يبدو أن لحظات الفرح نفسها التي عشتها في طريقي إلى السفارة وإبان خروجي منها غير مناسبة لكي تُعاش في هذا المكان، إنها مجرّد مَلهاة، إن الفرح والتأمل ومحاولات الفهم كلها هنا تُشغِلك عن أن تكون حريصاً وحذراً وجاداً ومتيقّظاً إزاء ما يحيط بك جرّاء التعاطي مع أبناء هذه المجتمعات؛ إنّ الوقت الذي يتطلبه منك التفكير لتحضير الخطوة المقبلة طويلٌ جداً مقارنةً بنظيره لديهم، سكانُ البلاد الفقيرة، الغاضبة، الكئيبة، الحريصة، الجشعة، والفاسدة التي يحكمها التنافس والعادة والدين هم أهل الخبرة في البقاء على قيد الحياة والهرب منها، الجميع فيها مفترس وضحية، والقوة هنا هي أن تضاجع وتُطعم وتَحمي بشتى الطرق، وإلّا يقذفوا بك من على سلّم التطوّر البشري نفسه.

انطلقنا من أنقرة في منتصف الظهيرة، ووصلنا عينتاب في الساعة الثانية بعد منتصف الليل؛ كانت رحلة طويلة اضطررت أن أعيش تفاصيلها المُجهِدة رغماً عن أنفي، كنت أساعد السائق بشكل جاد على تدبّر أمره في التعامل مع السائقين والمسافرين عبر واتس آب، وأحرص على إبقائه متيقّظاً مرتاحاً، فالرحلة رحلتنا جميعاً، ولا مصلحة لي إطلاقاً بأن يفقد السيطرة على نفسه.

في صباح اليوم التالي، استيقظت مُنهكاً على تصريح لوزيرة الدفاع الفرنسية تقول فيه إن «تنظيم داعش لم ينتهِ بعد». اللعنة، ما الذي يريده “داعش” أيضاً؟

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.