سياسة

عن الصراع الروسي الايراني في سورية -مقالت مختارة-


بروڤا سهل الغاب/ إياد الجعفري

“جيش هجين”، و”أمن هجين”، إنها “سوريا” التي باتت هجينة، تتصارع في مؤسساتها ثلاث قوى متناقضة الأهداف. أما نسخة “سوريا الأسد” التي كانت قائمة قبل 2011، فإن استعادتها أمرٌ مستبعدٌ للغاية. ويستطيع إعلاميو النظام التبجح بانتصاره، عبر استعادة معظم التراب السوري، وربما، كله، في المستقبل القريب. لكن ما لا يستطيعون الحديث عن استعادته، هي سيطرة نظامهم على الجيش والأمن، وعلى السيادة داخل هذا التراب.

ما سبق كانت “نبوءة” للمعهد الإيطالي للدراسات السياسية والدولية، أطلقها قبل أسابيع. لكن مُطلق تلك “النبوءة” التي جاءت بصيغة تحليل علمي، لم يتوقع أن تنفجر التناقضات بين مكونات هذا “الهجين” سريعاً، لتطفو صراعاتهم إلى السطح، في اقتتالٍ دامٍ، كما حدث خلال أسبوع، في سهل الغاب.

منذ مصرع الجنرال الروسي، فاليري أسابوف، قائد الفيلق الخامس، في دير الزور، بخريف العام 2017، احتوى الطرفان الروسي والإيراني، تناقضاتهما، وأداراها سياسياً، في محاولات حثيثة، كانت ملحوظة للعيان، لبناء نفوذ أقوى، لكل طرف، داخل أجهزة الأمن والجيش السوري. وابتلعت روسيا غصّة مقتل الجنرال الروسي حينها، رغم شكوكها بدور إيراني، في تدبير مقتله، الذي تبناه تنظيم “الدولة الإسلامية”. لكن بعد أكثر من سنة، على تلك الحادثة، أصبح من العصيب ضبط تناقضات الأجندات الروسية – الإيرانية في المشهد السوري، فكان أن تحول صراع النفوذ البارد، لأول مرة، إلى اشتباك عسكري ساخن.

أما الضربات الإسرائيلية التي تكثفت ضد الإيرانيين في سوريا، في الأيام الأخيرة، فهي بدت وكأنها إسناد للروس في صراعهم مع الإيرانيين في سهل الغاب، الذي لم يهدأ الاشتباك فيه، حتى انفجر مجدداً. وكأنه توزيع أدوار إسرائيلي – روسي ضد إيران في سوريا، بحيث تتولى إسرائيل استهداف إيران في دمشق وجنوب سوريا، فيما تتولى روسيا إخراج إيران من وسط سوريا، من معقل بارز للطائفة العلوية. ذلك المعقل يقع في نقطة تلاقٍ استراتيجية على تخوم الساحل من جهة، وإدلب والمناطق المحررة، من جهة أخرى.

لماذا تريد روسيا السيطرة على تلك البقعة من سوريا؟، ولماذا تريد إزاحة الميليشيات الموالية لإيران منها؟ قد يكون الجواب في حيثيتين، الأولى تتعلق باستعادة حاضنة علوية في تلك المنطقة، تمدد في أوساطها الإيرانيون عبر ميليشيات محلية متعاونة معهم. والثانية، السيطرة على جانب من تخوم المنطقة التي تحكمها هيئة “تحرير الشام”، بحيث لا يكون قرار الحرب على تلك المنطقة، في قبضة الإيرانيين. فالروس، كما اتضح في الأشهر الأربعة الأخيرة، أقرب للأتراك، منهم للإيرانيين ونظام الأسد، في شأن مصير إدلب. وهم لا يريدون خسارة الشريك التركي.

وتؤشر النتائج الأولية لاشتباكات سهل الغاب، إلى تفوق روسي، في الحيثيتين. حيث تمكن الروس من إقامة قناة تواصل مع وجهاء علويين في المنطقة، قد تمهد لحلول النفوذ الروسي محل النفوذ الإيراني. وهو ما سيُترجم ميدانياً، بأن تحل الميليشيات الموالية للروس محل نظيرتها الموالية للإيرانيين.

وربما لم يصل الصراع في سهل الغاب، إلى خواتيمه بعد، لكنه في كل الأحوال، قد يكون “بروڤا” لصراعات مشابهة في مناطق أخرى، لا تقل أهمية عن سهل الغاب. المنطقة الشرقية مثلاً. وتحديداً على تخوم شرق الفرات الذي يعتزم الأمريكيون الانسحاب منه، حيث يتواجد النفوذ الإيراني بقوة. هناك بالضبط، حيث اغتيل الجنرال الروسي، أسابوف، قبل أكثر من سنة، وحيث للروس ثأر قديم مع الإيرانيين. في ذلك الحين لم يكن لدى الروس ما يكفي من نفوذ داخل الجيش وأجهزة الأمن السورية، كي يعملوا على الرد. فتركوا الساحة، نسبياً، للإيرانيين. لكنهم اليوم في وضعٍ أفضل بكثير، بدعمٍ من الضغط الأمريكي الاقتصادي على إيران، والضغط العسكري الإسرائيلي عليها.

لذلك، فإن ما حدث في سهل الغاب، خلال الأيام السبعة الماضية، مرشح للتكرار، في مناطق أخرى من سوريا. فما دامت الأجندات الروسية – الإيرانية متضاربة في سوريا، فلا يوجد ما يمنع هذا الصراع من التفاقم، والتمدد.

أما ما موقع رأس النظام السوري من هذا الصراع؟ إنه في موقع لا يُحسد عليه، فبقاؤه مرتبط بتوازن القوى والمصالح بين الإيرانيين والروس، وهو ما بات تحقيقه أصعب بكثير مما كان عليه في السنوات الثلاث السابقة.

المدن

المعادلة السورية الجديدة/ خيرالله خيرالله

يؤكد ما يجري في سوريا حاليا أن الحرب هناك ما زالت مستمرّة، بل دخلت مرحلة جديدة مختلفة. من يراهن على أن النظام استطاع إعادة تأهيل نفسه، إنما يراهن على وهم، فضلا عن أنّه يثبت أن لا علاقة له بما يدور على الأرض وما حصل منذ العام 2011.

هناك تغيير حصل. هناك تغيير في العمق أدّى إلى طرح سؤال في غاية البساطة لم يعد هناك مفرّ من طرحه. هذا السؤال هو هل يمكن إعادة تركيب سوريا، أي ما كان يسمّى الجمهورية العربية السورية، في ظلّ صيغة جديدة لا يزال البحث عنها جاريا؟

ما كشفته الغارات الإسرائيلية الأخيرة في دمشق ومحيطها وما رافقها من إعلان رسمي عن هذه الغارات يعني الكثير. إنه يعني خصوصا، في ضوء إعلان الرئيس دونالد ترامب عن انسحاب عسكري أميركي من شرق الفرات، أن إسرائيل صارت أكثر عدائية ووقاحة. تريد إسرائيل تأكيد أنّها معنية مباشرة بأي ترتيبات في الجنوب السوري مستقبلا، وأن إيران لن تستطيع في الذكرى الأربعين لانتصار الثورة فيها وسقوط الشاه التبجح بأن صواريخها صارت على مرمى حجر من الجولان مثلما هي موجودة في لبنان عبر “حزب الله”.

أكثر من ذلك، هناك قواعد جديدة للعبة الدائرة في سوريا. هذه القواعد مبنية على تفاهمات بين إسرائيل وروسيا التي أعلنت بعد سقوط طائرة “ال- 20” في أيلول – سبتمبر الماضي عن نشر شبكة صواريخ “أس. أس- 300” للحد من هامش المناورة لدى سلاح الجوّ الإسرائيلي. ليس مستبعدا أن تكون هذه التفاهمات ثمرة اجتماعات عقدت أخيرا بين ضباط روس وإسرائيليين بهدف طي صفحة الماضي القريب.

ليست شبكة الصواريخ الروسية هذه وحدها التي صارت جزءا من الماضي. يبدو أنّ الإعلان عن نشر هذه الصواريخ في سوريا كان جزءا من حملة روسية ذات طابع داخلي ليس إلا. كان مطلوبا، بعد سقوط طائرة الاستطلاع والتجسس الروسية ومقتل كل من فيها بصاروخ سوري تسببت بإطلاقه غارة إسرائيلية، التوجه إلى الداخل الروسي وظهور الكرملين في مظهر الغاضب من إسرائيل.

ما صار جزءا من الماضي أيضا هو قدرة إدارة ترامب على وضع إستراتيجية خاصة بسوريا. تبيّن بكل وضوح أنّ لا إستراتيجية أميركية في سوريا وأن اللاعب الأهمّ في سوريا، بالنسبة إلى إدارة ترامب، هو اللاعب الإسرائيلي، إضافة في طبيعة الحال إلى كلّ من روسيا وتركيا التي وضعت يدها على جزء من الشمال السوري والتي لا تزال عينها على حلب في المدى الطويل. باختصار شديد. إستراتيجية الولايات المتحدة في سوريا هي إستراتيجية إسرائيل.

بكلام أوضح، أين ستجد إيران مكانا لها في ظلّ المعادلة الجديدة التي تسبب فيها الاعتراف الأميركي بغياب إستراتيجية في سوريا؟ الأكيد أن خلطا للأوراق حصل في سوريا. تغيّرت أمور كثيرة في الفترة الأخيرة. بين ما تغيّر عودة العلاقات إلى طبيعتها بين روسيا وإسرائيل وإعلان الولايات المتحدة بطريقة غير مباشرة أنها تعطي إسرائيل الضوء الأخضر لعمل ما تريد عمله في سوريا، إضافة إلى استعدادها لدعم أي خطوة تقدم عليها إسرائيل. وهذا يفسّر إلى حدّ كبير مباشرة المسؤولين الإسرائيليين الإعلان رسميا عن الغارات التي تستهدف مطار دمشق ومحيطه ومناطق أخرى قريبة من العاصمة السورية. كان هناك حرص إسرائيلي في الماضي على تفادي إعلان المسؤولية عن الغارات في الداخل السوري. أصبحت إسرائيل في المرحلة الراهنة أكثر وضوحا، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بالوجود الإيراني في سوريا.

تطرح المرحلة الجديدة التي دخلتها الحرب السورية نوعا مختلفا من الأسئلة. لعلّ السؤال الأهمّ المدى الذي ستصل إليه المناوشات الدائرة بين إسرائيل وإيران في الجنوب السوري؟ هل يمكن أن تتطور إلى مواجهة شاملة قد تمتد إلى لبنان… أم هناك مجال لتفاهمات إيرانية – إسرائيلية؟ لا جواب واضحا حتّى الآن، لكن الثابت أن التصعيد بين إيران وإسرائيل، عبر سوريا، يمكن أن تكون له عواقب وخيمة في مرحلة معيّنة.

في كلّ الأحوال، ما لم يتغيّر في سوريا هو وضع النظام. تبيّن أن النظام صار جزءا من الماضي، وأنّ الهمّ الوحيد لبشّار الأسد هو البقاء في دمشق والإشراف منها على مرحلة أخرى قد لا تكون الأخيرة من عملية تفتيت سوريا. ليس أمام النظام الذي لا يمتلك أي شرعية من أيّ نوع سوى لعب دور شاهد الزور في عملية القضاء على سوريا التي عرفناها والتي ذهبت ضحيّة حزب البعث وانقلاب الثامن من آذار – مارس 1963 والنظام الأقلّوي الذي أقامه حافظ الأسد، وهو نظام قائم أساسا على المحافظة على حال اللاحرب واللاسلم في المنطقة… فضلا بالطبع عن ابتزاز العرب الآخرين عن طريق لعبة ممارسة الإرهاب وضبطه في الوقت ذاته.

ما لم يتغيّر أيضا وجود أطماع تركية في سوريا. ليس معروفا بعد ما الذي ستسفر عنه الاتصالات المستمرّة بين أنقرة وواشنطن في شأن مستقبل الوجود التركي في سوريا وكيفية التعاطي مع الأكراد. الثابت أن تركيا صارت موجودة بشكل دائم على جزء من الأراضي السورية وهي تنتظر الوقت المناسب كي تتمدّد أكثر، خصوصا في السنوات القليلة المقبلة. ستجد تركيا نفسها قد تحررت من قيود المعاهدات التي وقعتها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية. تعتقد أن لديها مجالا حيويا تستطيع التحرّك في إطاره، إنْ في سوريا أو في العراق. عينها على حلب وعلى الموصل أيضا.

هناك غياب أميركي يقابله مزيد من التورط الإسرائيلي في ظلّ تفاهمات مع روسيا. هناك أيضا سياسة تركية أكثر عدائية تأخذ في الاعتبار المصالح الروسية. هناك أخيرا نظام يرفض الاعتراف بأنّه أفلس وأن الرهان على إيران أحيانا وعلى روسيا في أحيان أخرى لن يفيده في شيء في المدى الطويل.

كلّ ما يمكن قوله إنّ الحرب السورية دخلت مرحلة جديدة مختلفة كلّيا، ومفتوحة على كلّ الاحتمالات، بما في ذلك المواجهة الشاملة بين إسرائيل وإيران في حال إصرار الأخيرة على البقاء في سوريا بحثا عن صفقة مع “الشيطان الأكبر”. المشكلة أن “الشيطان الأكبر” غير مهتمّ بصفقة مع روسيا في سوريا، لماذا يقبل صفقة مع إيران هناك بعدما أوكل سوريا، أقلّه جنوبها، إلى إسرائيل؟

لم يتغيّر شيء في سوريا سوى بالنسبة إلى اللبنانيين السذّج الذين لا يعرفون شيئا لا عن إيران ولا عن “حزب الله”، والذين اشتاقوا إلى القمع الذي مارسه النظام السوري طوال سنوات طويلة في لبنان.

هؤلاء اشتاقوا إلى من يسترضونه لعلّ ذلك يوصلهم إلى موقع رئيس الجمهورية في السنوات القليلة المقبلة. هذه لعبة عفا عنها الزمن بعد دخول المنطقة كلّها مرحلة انتقالية لم يعد مصير سوريا وحده مطروحا خلالها…

إعلامي لبناني

العرب

تحجيم إيران في سوريا: مهمّة روسية شاقة/ رانيا مصطفى

تواجه الروس والإيرانيون في سوريا، لأول مرة، في سهل الغاب بريف حماة الغربي، وبعناصر سورية، هي الفرقة الرابعة في جيش النظام وميليشيات الدفاع الوطني المدعومتين من إيران من جهة، والفيلق الخامس المدعوم من روسيا من جهة أخرى والذي تشكّل أواخر 2016 ويضم موظفين وعسكريين سابقين وعناصر المعارضة الذين قبلوا بالمصالحة، كقوة تنافس الميليشيات الإيرانية.

أراد الروس السيطرة على القرى المتاخمة لمناطق المعارضة في إدلب، لمنع إيران من تقويض اتفاق المنطقة العازلة في إدلب، ولتأمين الخطوط الأمامية المتاخمة لنقاط المراقبة الروسية في ريف حماة الشمالي الغربي والشرقي بعناصر من الفيلق الخامس، فضلا عن قرب سهل الغاب من قاعدة حميميم الجوية الروسية.

دعمت كل من روسيا وإيران النظام، بعد تصدّع جيشه، ومنعت سقوطه؛ وفي هذا السياق جاء القصف الجوي الروسي داعما للتوغل البري للميليشيات التابعة لإيران.

وبسبب المخاوف التركية من تمكن أكراد حزب الاتحاد الديمقراطي من تحقيق استقلالية على حدودها مع سوريا، اتفقت أنقرة مع موسكو على مقايضة حلب الشرقية بدرع الفرات، وتكرّر السيناريو في بقية المناطق، عبر سلسلة اتفاقات أستانة، ما مكّن روسيا من استعادة السيطرة على مناطق واسعة. وفي هذا السيناريو اضطرت روسيا إلى إشراك إيران، ضمن حلف الدول الضامنة الثلاث، لضمان نجاح الاتفاقات، بسبب توغلها العسكري الكبير ضمن جيش النظام، وميليشيا الدفاع الوطني، وعبر ما تقدّمه في هذا السياق من تمويل سخيّ نسبيا.

الحاجة الروسية الميدانية للتواجد الإيراني، لم تمنع موسكو من النظر إلى حليفتها طهران كمنافس على السيطرة على مفاصل القرار السياسية والعسكرية والاقتصادية داخل بنية النظام السوري. كما أنها حاجة مؤقتة بسبب اختلاف الأجندات.

موسكو تريد السيطرة على كل سوريا من أجل التفرّد بغلة إعادة الإعمار، ولا يضيرها التوافق مع أنقرة، وتحقيق بعض مصالحها وأمن حدودها، وبالتالي تتطلع موسكو إلى السيطرة على مناطق النفط والغاز في شرق الفرات بعد الانسحاب الأميركي، ولن تسمح لمنافسها الإيراني من الاقتراب، وهو ما لا تريده أيضا كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا ودول المنطقة العربية.

وأجندة طهران في سوريا هي تعزيز تواجدها العسكري الطائفي، على غرار ميليشيا حزب الله في لبنان، وفتح ممر أرضي بين العراق ولبنان عبر الأراضي السورية. ودعمت توغّلَها العسكري الميليشياوي، وسيطرتها على فرقٍ من الجيش النظامي، بانتشار أيديولوجي ثقافي وديني، ودفعت الأموال لهذه الغاية، مستغلة الحالة المتردية الاقتصادية والأمنية لسكان المناطق المنكوبة. فبنت مراكز شيعية ومدارس دينية في محافظة درعا الجنوبية الغربية، وهي توفر فرص عمل للشباب وحماية من اعتقال النظام لهم أو تجنيدهم، وبالمثل في دير الزور، تشرك القبائل في ميليشياتها، عبر شراء الولاء المحلي وتقديم مساعدات مالية، وتقديم محفّزات قيّمة لطلاب اللغة الفارسية في مدارس وجامعات الحكومة، بعد أن أجبرت النظام على افتتاح فروعها، فضلا عن نفوذها الكبير في محيط دمشق في السيدة زينب، ومحاولة إحداث تغيير ديموغرافي، عبر شراء العقارات، في دمشق القديمة، وصولا إلى الحدود اللبنانية.

إذن تواجه روسيا مهمّة تحجيم إيران، مع اختلاف في الأجندات، والرفض الدولي والإقليمي والعربي للنفوذ الإيراني في سوريا، وأن يكون المضي في الحل السياسي ومشاركة الدول المانحة بإعادة الإعمار مشروطين بإخراج آخر جندي إيراني من سوريا، وفق تعبير وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في القاهرة في العاشر من الشهر الجاري.

قرار ترامب الأخير بالانسحاب من سوريا ترافق مع نهاية الصراع المسلّح، وتسليم الملف السوري إلى روسيا، وفق اتفاق جنيف1 بين فلاديمير بوتين وباراك أوباما في 2012، وكان المقابل انكفاء روسيا من المحيط الهادئ، حيث تعزّز واشنطن تواجدها العسكري لمواجهة خطر الصين الاقتصادي.

هذا لا يعني أن روسيا مرتاحة لقرار الانسحاب الأميركي المفاجئ، دون مفاوضات روسية – أميركية، فهو يلقي على عاتقها مهام صعبة، فعليها ترتيب الوضع السوري على وقع الشروط الأميركية أولا وحليفيها العربي والإسرائيلي، وبما يرضي شركاءها في حلف أستانة.

التوافق مع تركيا جار حول مصير إدلب، بالتوازي مع مفاوضات حول مقايضات تخصّ المنطقة الآمنة التي تريدها تركيا، وترتيب وضع شرق الفرات، بعد حصول توافق أميركي- روسي، وتوافق أميركي- تركي.

أمام موسكو تحديان كبيران لإثبات جدارتها بأحقية النفوذ في الشرق الأوسط، لها مصالح متنامية، وكسر عزلتها الدولية. ويتمثل التحدي الأول في قدرتها على تحجيم التواجد الإيراني، بما يرضي الداعمين في ملف إعادة الإعمار، وما يحقق الشرط الإسرائيلي – الأميركي.

العقوبات الأميركية الاقتصادية على إيران، والقصف الجوي الإسرائيلي، والذي استؤنف بكثافة مؤخرا، بغض نظر روسي، عن رغبة وطيب خاطر، كل ذلك ساعد الروس في تغيير موقفهم من إيران، واضطرهم مؤخرا إلى التصريح بأن إيران ليست شريكا لروسيا في سوريا، وقبل ذلك عقدوا اتفاق إدلب في سبتمبر العام الماضي، دون مشاركة إيران، وتكثفت المساعي الروسية مع دول عربية لإعادة علاقاتها بالنظام، شريطة تحجيم إيران، وصولا إلى الاقتتال الدامي الأخير الروسي- الإيراني، بأيادٍ سورية- سورية، للسيطرة على مناطق استراتيجية.

والتحدي الثاني هو تحقيق الحل السياسي وحل عقدة الرئيس بشار الأسد؛ ورغم أن التحجيم الإيراني سيضعف قدرة الأسد على المناورة بين المصالح الروسية والإيرانية، إلا أن وضع روسيا كل مصالحها في سلة إعادة تعويم النظام سيعقّد قدرتها على تحقيق هذه المصالح، وستقع روسيا في ورطة حقيقية إذا ما شرّع الكونغرس الأميركي قانون قيصر الذي أقره مجلس النواب؛ لأنه سيعني تجريم الأسد وشركائه، وفرض عقوبات على كل من يدعمه، ويصبح التخلي عنه شرطا إضافيا لتحقيق قبول دولي يسمح بالمشاركة في إعادة الإعمار، يضاف إلى شرط تخفيف التواجد الإيراني من سوريا.

وما يعقّد الوضع السوري هو ربطه بملفات إقليمية تشارك فيها روسيا وتركيا وإيران، إضافة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أوروبية، وتربط دولا عربية هي العراق ولبنان والأردن وفلسطين وسوريا، ومحور هذه الملفات هو تحجيم الدور الإيراني في المنطقة.

قد يتكرّر اقتتال سهل الغاب في دير الزور وفي حلب أو دمشق، لكن روسيا مازالت تراهن على الحل الدبلوماسي مع إيران، والمتمثل في استمرار عقد اجتماعات الدول الضامنة.

كاتبة سورية

العرب

ايران وإحتمال مغادرة سوريا/ حسن فحص

تتعدد الرسائل التي تعتمدها ايران في هذه المرحلة في الرد على التصعيد الامريكي الموجه ضدها ومساعي واشنطن لتضييق دائرة الحصار على طهران في منطقة غرب آسيا.

ففي موازاة الحراك الدبلوماسي الذي تقوم به الادارة الامريكية في المنطقة والجهود التي تبذلها لتحشيد الحلفاء الاقليميين والدوليين للمشاركة في مؤتمر وارسو ومحورية الدور الايراني فيه، فقد بدأت طهران بتفعيل دبلوماسيتها الامنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية لاستيعاب التحرك الامريكي ومحاولة تحصين مواقعها في محيطها الحيوي الذي تأخرت في وضعه على سلم اولوياتها عندما اعطت الاولوية للتواصل مع الدول الاوروبية خصوصا الشركاء في الاتفاق النووي ضمن مجموعة دول 5+1، والتي عرضت الرئيس حسن روحاني ورئيس دبلوماسيته محمد جواد ظريف لسيل من الانتقادات الداخلية التي رسمت علامات استفهام حول تراجع الاهتمام بالمحيط والجوار العربي لصالح هذه الدول وكأن المدى الحيوي لايران يبدأ من اوروبا، هكذا وصفت الموقف مصادر ايرانية معترضة على ضعف دبلوماسية الجوار.

وعلى الرغم من القراءة الفوقية التي تمارسها الاوساط الايرانية الرسمية وغير الرسمية للحراك الامريكي استعدادا لمؤتمر وارسو، معتبرة ان مصيره وفعاليته ستكون مشابهة لـ “مؤتمر دول اصدقاء سوريا” وأسوأ، لجهة ما تتمتع به ايران من موقع جيوسياسي وجيواستراتيجي على الخريطة الاقليمية والدولية، اضافة الى كونها تختلف في مقدراتها وامكانياتها عن سوريا، ما يعطيها قدرة على مواجهة اي تداعيات قد تنتج عن هذا المؤتمر او اي خطوات قد تستهدفها في الداخل او في امتداداتها الاقليمية.

الا ان طهران لم تستطع اخفاء القلق من مجمل التطورات التي تشهدها المنطقة ونتائج الحراك الامريكي الذي يصب في اطار الجهود التي تبذلها ادارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب لتشديد الخناق على ايران في المرحلة المقبلة في اكثر من ملف واكثر من مكان. من هنا، وانطلاقا من هذا القلق وهذه الهواجس يمكن قراءة الخطوات التي بدأتها طهران في الاسابيع الاخيرة من اجل توفير ارضية للتفاوض مع واشنطن في الملفات المفتوحة على طاولة التشدد الامريكي.

الاعلان المفاجئ الايراني عن مفاوضات جرت وتجري مع حركة طالبان في افغانستان على لسان سكرتير مجلس الامن القومي الادميرال علي شمخاني من العاصمة الافغانية كابول، والزيارة التي قام بها وفد من طالبان الى طهران ولقاءات عقدت في الخارجية الايرانية، جاء بالتزامن مع الكشف عن لقاء امريكي مع طالبان بمشاركة اماراتية سعودية في ابو ظبي، وتصب في اطار إثبات الاوزان والادوار في هذا الملف، خصوصا وان طهران تنطلق من ارث يمتد منذ ما بعد عام 2001 قائم على مساعي التحييد والاستيعاب والتوظيف، اضافة الى العداء بين طالبان والجانب الامريكي الذي قضى على دولتها في هذا البلد بعد احداث 11 سبتمبر، والقلق المشترك بين طالبان وطهران من امكانية تحويل افغانستان الى مسرح جديد لنشاط تنظيم داعش ما بعد انسحار نفوذه في سوريا والعراق، والذي لن سيكون على حساب طالبان وعلى حساب الاستقرار الامني للخاصرة الشرقية لايران. يؤازره قلق روسي بان تتحول افغانستان الى معبر للجماعات الارهابية باتجاه موسكو.

هذا الدور القديم الذي كشفت عنه طهران في افغانستان مع طالبان اثار ردود افعال افغانية رسمية، خصوصا من قبل مساعد المتحدث باسم الرئاسة الافغانية حسين مرتضوي، الا ان الموقف الرسمي الافغاني أجبر مرتضوي سحب كلامه ما يوحي بان الدور الايراني يتجاوز الاصوات المعارضة له من داخل الادارة الافغانية، وقد ترافق ذلك مع اعلان طالبان تعليق لقاءاتها مع الجانب الامريكي التي لم تنطلق بعد.

التحرك باتجاه افغانستان، ترافق مع زيارة وزير الخارجية ظريف عن الى العاصمة العراقية بغداد، وعلى الرغم من انها جاءت تالية لزيارة وزير الخارجية الامريكية مايك بومبيو الى هذا البلد، الا انها حملت الكثير من الرسائل على المستويات الدولية والاقليمية والداخلية العراقية.

فزيارة ظريف جاءت علنية ومبرمجة مسبقا على العكس من زيارة نظيره الامريكي التي كانت من خارج جدول زياراته في المنطقة للحشد لمؤتمر وارسو، وزيارة رئيسه ترامب التي اقتصرت على قاعدة عين الاسد في الانبار ولقاء القوات الامريكية ولم يبد حرصا على لقاء القيادات العراقية الجديدة.

وزيارة ظريف حملت رسالة اخرى، تقول بان طهران بدأت بكسر الحصرية في التعامل مع الساحة العراقية بالجانب العسكري، او ان تكون قناة التواصل محصورة فقط بالجنرال قاسم سليماني، وان المرحلة القادمة ستشهد تعزيزا لدور الحكومة الايرانية في تدعيم العلاقات بين البلدين ونقلها الى مستويات جديدة. ولعل المؤشر الاساس على هذا البعد المحطة الكردية في هذه الزيارة التي شملت لقاء مع رئيس الاقليم مسعود بارزاني في اربيل، والتي تصب في اطار اعادة ترميم العلاقة بين طهران والمكون الكردي الذي حمل طهران المسؤولية الاكبر في التصدي للحلم الكردي في استفتاء الانفصال وخسارة كركوك التي اشرف عليها بشكل مباشرة الجنرال سليماني.

وبالاضافة الى البعد الاقتصادي الذي لم يحرص الجانب الايراني على اخفائه لهذه الزيارة وفريق المستثمرين الذين رافقوا ظريف، فقد كان لافتا اللقاء الذي عقده الوزير الايراني مع زعماء العشائر العراقية في الوسط والجنوب العراقي، وهي المناطق التي تشكل العمق الاجتماعي والشيعي لايران، وادراكا لدور العشائر في تعزيز الدور الايراني في هذه المناطق وبالتالي العمل على اعادة استيعابها وقطع الطريق على تحولها الى قوة حاملة للاصوات والمواقع التي تسعى وتحاول الخروج من دائرة النفوذ الايراني، وهي خطوة تشكل استكمالا لمسار الانفتاح الايراني على العشائر والقوى السنية الذي يسير بشكل متأن وهادئ وبعيدا عن الاضواء مستفيدا من حالة الاحباط  السنية التي بدأت بالظهور نتيجة ما شهدته المناطق السنية من دمار وتدمير بسبب اعتماد بعض عشائرها السكوت عن داعش وتورط البعض معها في مشروعها ما يمثله من امتدادات خارج العراق.

ويمكن القول ان زيارة ظريف تأتي استكمالا وترجمة لنتائج الزيارة التي قام بها الرئيس العراقي برهم صالح الى طهران في 17 تشرين الثاني نوفمبر 2018 والتفاهمات التي تم التوصل اليها في هذه الزيارة، وبالتالي فان الحكومة الايرانية (حسن روحاني) امام تحدي تفعيل دورها في العراق والذي لن يكون على حساب الدور العسكري للجنرال سليماني بل الانتقال بهذا الدور الى مستويات جديدة تعزز الدور الايراني وتعمقه.

اما في المسألة السورية التي تعتبر “درة التاج الايراني” في مشروع طهران الايراني واحدى اهم ركائزه، فمن غير المستبعد ان تتخلى عما حققته في هذا البلد، ان كان استجابة للضغوط الامريكية او لرغبة الحليف الروسي، من هنا يمكن التوقف عند التصريحات الاخيرة لقائد حرس الثورة الاسلامية الجنرال محمد علي عزيز جعفري، من عدم التخلي عن الوجود العسكري المباشر والمواقع والقواعد التي انشأتها في هذا البلد، وهي تصريحات وان كانت تحمل مؤشرات على حجم الضغوط الدولية والامريكية التي تمارس على ايران في هذا الملف ودوره في ما تتعرض له من عقوبات، الا انها تكشف ان الوجود والدور الايراني في سوريا يعتبر المنطلق الاساس لحل جميع العقد الاقليمي من اسرائيل وصولا الى اليمن والعراق ولبنان، من هنا يأتي رفع السقف الايراني في ما يتعلق بسوريا ووجودها في هذا البلد وما يشكله من ازمة وليس تهديدا لاسرائيل ومشاريع ترامب للمنطقة.

وعلى الرغم من هذا السقف المرتفع الذي وضعه جعفري للموضوع السوري، الا ان مصادر قريبة من مراكز القرار في ايران لم تستبعد ان تقوم القيادة الايرانية بعملية “اعادة انتشار في سوريا” وليس انسحابا، لكن لن تتخذ هذه الخطوة ما لم يتم التوصل الى حلول لملفي مناطق شرق الفرات والازمة الكردية – التركية – الامريكية ما بعد الانسحاب، اضافة الى الاستعدادات لخوض المعركة الاخيرة لاستعادة محافظة ادلب الى الحكومة في دمشق. وتعتقد هذه المصادر ان اعادة الانتشار الايراني في سوريا قد تحمل رسائل ايجابية لكل الجهات التي تضغط على طهران لاجبارها على الانسحاب، خاصة الجانب الاوروبي، ما يعزز التعاون بينهما في مسار الحفاظ على الاتفاق النووي، ويساهم في تخفيف الضغوط على الشريك الروسي امام المجتمع الدولي الذي يبدو انه فوض موسكو بادارة ملف الحل في سوريا.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.