سياسة

عن الوضع الاقتصادي في سورية و الحرب بالتجويع -مقالات مختارة-


جمهورية الأسد.. برد وعتم وجوع/ غازي دحمان

تكشف ردود افعال بعض المؤيديين في سورية تجاه الأوضاع المعيشية الصعبة خطأ فاضحاً في قراءتهم سلوك نظام الأسد، بعد نجاحه في البقاء في السلطة، لا يقل عن خطئهم في موقفهم من الثورة التي لم يكتفوا بمناصبتها العداء، بل اجتهدوا في صناعة المبرّرات لتدميرها والقضاء عليها، منذ كانت سلميةً، سلاحها ياسمين دمشق وورد داريا.

يتسابق المؤيدون، المحسوبون على النخبة، على تدبيج رسائل، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى سيادة ذلك القابع في قصر المهاجرين، يطالبونه بالتدخل، لأن حياة الموالين، أحبابه، أصبحت جحيماً، بسبب انعدام التدفئة والكهرباء وحليب الأطفال وكل ضرورات الحياة. يخبرونه أن الشعب تعب، ويفعلون ذلك انطلاقاً من اعتقادهم أن سيادته لن يهون عليه ذلك، وأنه ما أن يعرف الحال التي وصل إليها أحبابه المؤيدون سينتفض على هذه الظروف التي لا بد أن وحوشاً تتلطى به هي التي صنعتها، وكأن سيدهم هذا لم يقتل مئات آلاف السوريين، ولم يشرّد ملايين من شعب سورية إلى مخيمات الموت والصقيع!

يتذاكى هؤلاء، ويؤدّون أدوارا سمجة، انتهى زمنها منذ سقوط أول نقطة دم لسوري هتف

للحرية ضد نظام الطاغية الفاسد، ومنذ أول سجينٍ أزهقت روحه لأنه رفض الركوع لصورة الأسد، وينسون أنهم اختاروا العبودية والرضوخ، فلماذا استفاقوا الآن؟ هل يحاولون التبرؤ من تهمة تأييد نظام مافيوي؟ لطالما كذبوا علناً، وقالوا إننا نؤيد وطنا ودولة، ولا نؤيد أشخاصا، وكأن هذا الوطن والدولة شيء معلق في الهواء، أو مسألة ميتافيزيقية لم تدركها عقول ملايين الأشخاص الذين طالبوا بالحرية والكرامة!

يتغابى هؤلاء، حينما يعتقدون أنهم يمتلكون حصانةً في جمهورية الأسد، وحصلوا عليها لأنهم قبلوا أن يصنعوا من أنفسهم واجهة، ثقافية حضارية مدنية، لمافيا الأسد، وغطاءً ناعما لوحشٍ فتك بسورية، بذريعة أن جميع الذين طالبوا بالحرية هم إما إرهابيون إسلاميون أو متخلفون فوضويون من أبناء الريف والعشوائيات، إلى ذلك هم يعتبرون أنفسهم شركاء في “النصر” المزعوم، قاتلوا من مواقعهم، باعوا ضمائرهم، وجاء الوقت ليقبضوا ثمن ذلك، فمن غير المعقول أن يذهب كل ما فعلوه هباءً؟

ويتغابى هؤلاء، حينما يعتقدون أن خطابهم المباشر لسيدهم سيثبت للجميع أنهم لم يكونوا متخاذلين، ولا ضد الثورة، بل هم فعلوا ذلك لأن الثورة لم تكن ثورة، ولو كانت كذلك لكانوا أول من اشترك فيها. لم يفعلوا ذلك تخاذلاً ولا خوفاً ولا تملقاً، والدليل أنهم عندما رأوا الخطأ في جمهورية الأسد انتقدوه، وخاطبوا أعلى المستويات، بل طالب بعضهم باستعادة الوطن، ممن؟ واستعادته كما كان، كيف بإعادة من ماتوا ومن تهجروا؟ بل ذهبت مذيعةٌ شهيرةٌ، من أصحاب الرسائل إلى سيادته، إلى حسد اللاجئين والمهجّرين، والتمنّي لو أنها كانت الآن خارج سورية!

يا حمير، هكذا ردت إدارة المخابرات العامة، على أصحاب الحصانة واللباقة والشرف، عبر موقعها الإلكتروني، وأضافت أن سيدهم يعرف كل شيء، ولا حاجة له بتذكيرهم، ومن يرد أن ينتحر فليفعل. وأمرتهم بوقف هذا النوع من الرسائل، لأنها ترى أنه يستهدف سيادته مباشرة، وأن نوايا أصحاب تلك الرسائل سيئة، يحاولون النّيل من شعبية سيدهم التي حقّقها بالنصر على اللاجئين والمهجّرين، اصمتوا فزمن الثورات انتهى، ألم نقل إننا نريد إخراس السوريين مئة عام، ما هذه الأصوات النشاز؟

ليس لدى بشار الأسد ما يقدمه لهؤلاء، أو لغيرهم. لأكثر من سبب، السبب الأساسي أن بشار

يعتبر مجرد بقائه على رأس السلطة أكبرمكافأة يقدمها لهؤلاء، ألم يبدوا الاستعداد للتضحية بالنفس والولد في سبيل بقائه، وها هي أمنيتهم تحقّقت؟ ألم يدركوا أنهم كانوا يدافعون عن نموذج من السلطة والحكم يعجبهم؟ هذا النموذج باق ومستمر، ثم ألا يكفي أنهم ما زالوا أحياء؟ ألم يقولوا هم أنفسهم إذا استلم المعارضون السلطة سيقتلوننا؟ ألا يكفي بقاؤهم أحياء، والدليل أنهم ما زالوا يتحسّسون البرد والجوع والعطش، ويميزون العتمة من الضوء؟

السبب الثاني أن بشار الأسد لم يعد يملك شيئاً يمنحه لهم، بعد أن باع سورية لأصحاب النصر الحقيقيين، روسيا وإيران. لم يعد هناك حقول نفط ولا غاز ولا فوسفات باسم سورية، وحتى الزراعة والسياحة ومعابر الترانزيت محجوزة مواسمها وعائداتها وإيراداتها لتسديد فواتير الحرب، وما يفيض عن ذلك بالكاد يكفي مصاريف القصر.

يا حمير، والوصف لإدارة المخابرات العامة: أليست الصورة واضحة بما فيه الكفاية؟ من أين سيأتي لكم سيدكم بالمال الكافي لتلبية قوائم طلباتكم، فالحرب الكونية التي شنّها الخصوم على سورية أفقرت البلاد لعقودٍ مقبلة، وعليكم ألا تتوقعوا تحسناً للاوضاع، لا في المدى المنظور ولا حتى البعيد، ومجرّد طلباتكم مؤامرة، ومحاولة للنيل من الرصيد الشعبي لسيدكم، ولن نتهاون معها.

لكن أليست هذه علائم سقوط هذا النظام بالفعل؟ وإذا كانت روسيا وإيران قد ركّبتا له أرجلا من خشب، فإنها لن تصلح للسير دائماً، فالثورة السورية أسقطت هذا النظام على الأرض، ومن دافعوا عنه يوماً سيلقمونه الضربة القاضية، عندما يتأكدون أن جمهورية الأسد لن تعطيهم غير البرد والعتمة والجوع والعيش بين الركام.

العربي الجديد

الحرب بالتجويع/ ميشيل كيلو

ليس هناك ما هو أشد طرافةً من رئيسٍ يحتفل يوميا بانتصاره على شعبه، في حربٍ استمرت قرابة ثمانية أعوام، لكنه ما إن يتلقى رسالةً تُعلمه بعض ما يعانيه السوريون من أهوال بعد انتصاره، حتى تعلن أجهزته أن غرض من حثّوه على الالتفات إلى مأساة الشعب الذي يقتله الفقر والحرمان هو تقويض مكانته (الرئيس) لدى الشعب. هكذا، ما إن شكا في “فيسبوك” أربعة أو خمسة إعلاميين وفنانين موالين سوء حالهم، حتى هدّدوا مكانة من لم تهدّده ثورة أنزلت ذات يوم ثمانية ملايين مواطنة ومواطن إلى الشوارع، للمطالبة بالحرية، على الرغم من أن هذه الأجهزة نفسها أصرّت دوما على أنه دحر “مؤامرة كونية” على نظامه، بفضل قدراته الخارقة، وتعلق الشعب به إلى حد الهيام، فضلا عن استماتته في التمسّك بالاستقلال الوطني الذي استدرج، بحنكته المذهلة، من يدافعون عنه، كالروس والإيرانيين والعراقيين واللبنانيين والأفغان والأوزبك والبنغلادشيين، ضد من يحتلون أرضه من أميركان وأتراك وإسرائيليين وفرنسيين وبريطانيين ونرويجيين وإيطاليين.. إلخ، ويتصدّون ببسالةٍ للدواعش والقاعديين، وللعدو القديم: الشعب السوري الذي ما إن انتصر على نفسه، بقيادته، حتى وجد نفسه في حرب جوعٍ وركوع، يشنها عليه من انتصر على الصديق والعدو، وتلاعب بهما باقتدار، من دون أن يدركا ذلك، لشدة ما هو فظيع.

وكان الشعب قد طالبه بإصلاح نظامه، فرأى بثاقب بصيرته “المؤامرة الكونية”، الكامنة وراء مطلبه، وقرّر سحقه بما لديه من جيشٍ ومخابراتٍ درّبهم والده ثلاثين عاما على مقاتلته، ولدى روسيا وإيران ومرتزقتهما من “متطوعين”. واليوم، وبعد “الانتصار” الذي أحرزه جيشا روسيا وإيران ومرتزقتهما متعدّدو الجنسية، الذين لا يوجد بينهم شخص واحد ليس مذهبيا ومتشدّدا، على إسرائيل وأميركا وتركيا، وبعد أن انتشرت هذه الجيوش والقطعان الارتزاقية في أربعة أقطار سورية، نتيجةً لدحر “المؤامرة الكونية”، تحولت سورية إلى ساحةٍ يتصارع فيها مع روسيا وإيران، كما تتصارع موسكو وطهران، إلى جانب تركيا وإيران وواشنطن وأنقرة وطهران، وتل أبيب وطهران… إلخ، فأي انتصارٍ أعظم من هذا الانتصار، وأي رئيسٍ لديه من الحنكة ما لدى “سبع البرمبه” بشار الأسد ، بطل الاستقلال والمحافظة على الشعب.. في المهاجر والمنافي وتحت الفقر؟

بين الاستغاثات التي أرسلت إلى البطل، واحدةٌ يعلن صاحبها أنه قرّر الانتحار يوم 18 من شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، إن بقي الحال على ما هو عليه، وأخرى أرسلها شخصٌ نفش شعره لشدة استيائه، خيّره بين إرسال المخابرات لاعتقاله أو التحرّك لإنقاذ نفسه والنظام من … “حكومته الداعشية” التي تتآمر مع وزارة الدفاع على الجيش، الأمل الوحيد الباقي، لكنه يتعرّض للتجويع والتفييش.

بسبب “الانتصار على المؤامرة الكونية”، يتعرّض السوريون لحربٍ جديدة، لم يعد سلاحها البراميل، بل التجويع الذي تمارسه عليهم سلطةٌ يتوهم أصحاب الاستغاثات أنه لم يبق فيها من ليس فاسدا أو لصا غيره، وأنه الملاذ الأخير قبل انفجار ثورة غضبٍ جديدةٍ على الذين يتنعّمون بـ”ما جنته أيديهم” من منهوبات المواطنين، وبنادقها مصوبة إلى رؤوسهم بالأمس وأمعائهم الخاوية اليوم، في حرب سلاح الإبادة الشامل فيها: رغيف الخبز الذي لا يقل فتكا عن أي سلاح أسدي آخر.

يتوجّه المستغيثون إلى “الرئيس”، كأنهم لا يصدّقون أن من أنقذه الغزاة مرتين لا يمكنه إنقاذهم، لأن همه الوحيد إنقاذ رأسه ونظامه التشبيحي/ اللصوصي الذي يتشدّق بانتصاره على مؤامرةٍ كان هدفه شعب سورية الثائر عليه، والذي قتله بالأمس بالبراميل، وسيقتله، من الآن فصاعدا، بالتجويع.

العربي الجديد

الأسدي في محنته/ عمر قدور

من المفترض أن يكون موالو الأسد اليوم في حال أفضل، فالنصر الذي طالما وعِدوا به قد تحقق؛ لا يهم أن يكون ذلك قد تم بمساعدة جلية جداً من حلفاء بشار، وبمساعدة غير منظورة ممن إدّعوا يوماً “صداقة الشعب السوري”. الأخبار شبه المؤكدة عن انسحاب أمريكي هي أفضل بشرى أيضاً، فالقوة الوحيدة التي لا يتجرأ أحد على مواجهتها سترحل بلا شروط على الأسد، وستكرر تقريباً سيناريو الجبهة الجنوبية التي تخلت عنها. عملياً لم تُعد هناك حرب تُخاض، و”الإرهابيون” تكفّلت بهم مختلف القوى النشطة في سوريا، وكذلك هو حال “الانفصاليين” الذين يتوددون من أجل العودة إلى حضنهم السابق.

أيضاً، الموالي الذي ضحى بأرواح أحبائه يُفترض به ألا يتأثر بتبعات معركته الوجودية؛ تفاصيل من نوع قطع الكهرباء أو فقدان المازوت والغاز ينبغي ألا تحجب عنه منافع النصر. وإذا تحلى بقليل من المنطق يتوجب عليه استنتاج الآثار الاقتصادية لمعركة من هذا النوع، ولا بأس إن استرجع مرحلة أقدم فتذكر الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تلت المواجهة مع الإخوان المسلمين، بما أنه أساساً فضّل تشبيه الثورة بتلك المواجهة واعتبرها إسلاميةً منذ البداية. ففي نهاية المواجهة مع الإخوان كان الدولار قد قفز إلى عشرة أضعاف ما كان عليه بالنسبة لليرة السورية، أي بما يعادل نسبة تدهور الليرة السورية بعد الثورة، وعانى السوريون آنذاك من نقص شديد في كافة السلع والخدمات الأساسية.

حتى الأخبار الهزلية عن قيام المخابرات باعتقال أشخاص معروفين بولائهم، لمجرد جهرهم ببعض الانتقادات، ينبغي ألا يتوقف عندها الموالي باستغراب، فمنسوب القمع قبل مواجهة الثمانينات لا يقارن بمستواه المتضخم جداً بعدها. الأهم من ذلك، لمن لا يتذكر، هكذا كان هو الوضع دائماً، ودائماً كان النقد ممنوعاً ويعرّض صاحبه للاعتقال، سواء كان موالياً أو معارضاً، ولم يمضِ وقت طويل كي ينسى الموالي ما اعتاد عليه قبل الثورة، وما دافع عن بقائه منذ انطلاقتها.

يجدر بنا عدم نسيان أن قسماً معتبراً من الموالين قد شجع أعمال الإبادة، واعتبر مثل رئيسه أنها ستنتهي إلى مجتمع أكثر تجانساً، وربما راودت خيالَه أحلامٌ عن عيش هانئ في بلد أقل اكتظاظاً، وفي بلد خالٍ من أولئك المتخلفين الذين يجرونه إلى الوراء. مع تشجيعه على إبادتهم لم يفت الموالي اتهام اللاجئين بالخيانة، أو إتهام من فضّل النجاة لنفسه ولأولاده، أي أنه بصرف النظر عن الجانب الأخلاقي نطق كمالك للبلد ظناً منه أنه شريك حقيقي في الأسدية.

مع ذلك لا يشعر الموالي بالهناءة الموعودة، رغم تحقق ما سعى إليه منذ انطلقت الثورة. وهو يتذمر من الأزمات التي كان في وسع أي جاهل أو غبي توقعها، ويتذمر من غبنٍ هنا أو هناك على النحو الذي كان مسموحاً وشائعاً جداً من قبل، أي بإلقاء اللوم على موظفي الدرجة العاشرة من الوزراء أو المحافظين. يزيد إحساسه بالمرارة اعتقاده بأنه ضحى بما يكفي ويزيد، ويستحق على الأقل قدراً أدنى من الاحترام بخلاف ما يلقاه، وقدراً أدنى من الاهتمام من قيادة لا تكترث بمشاكله.

ما يدركه بعض الموالين، من دون أن يجهر به، أن السنوات الأخيرة منذ انطلاق الثورة لم تشهد فقط تلك القسمة بين من هم في صف الأسد والثائرين عليه. هناك مسيرة اصطفاء أخرى كانت تتقدم طوال الوقت على جبهة الموالاة، الأولوية فيها للشبيحة بالمعنى المباشر للكلمة، وضمن فئة الشبيحة الأولوية للأكثر بلطجة والأكثر استعداداً لارتكاب كافة الجرائم، حتى في حق الموالين إن عزَّ ارتكابها في حق المعارضين. في أدنى درجات السلم هناك الموالون الذين ضحوا بأبنائهم من خلال ما يُعرف بالقوات النظامية للأسد، وقسم كبير من هؤلاء الأبناء سيق إلى الجبهات من دون تدريب كافٍ، أو زُجّ به في اقتحامات لا يكترث قادتها بكلفتها البشرية. بالطبع ينتمي هؤلاء الأبناء إلى الشريحة الأفقر والأقل سلطة ضمن فئة الموالاة، فلا وضعها المادي يتيح لها التهرب من التضحيات عبر الفساد، ولا تمتلك من مواقع السلطة ما يتيح لها امتيازات مماثلة، والناجون الوحيدون منها هم أولئك الذين امتلكوا شهوة وقدرة كبيرتين على ارتكاب الجرائم تتيحان لهم تسلق مرتبة مرموقة بين الشبيحة، فضلاً عن أولئك الذين التقطوا سريعاً مركز القوة في طهران ومن ثم موسكو فإلتحقوا به مباشرة.

صحيح أن الموالين على عتبة واحدة، من حيث الموافقة الصامتة أو التشجيع على الإبادة، لكن ذلك لا يجعل منهم شركاء على نفس السوية، ولا يجعل منهم مجتمعاً متجانساً، بل يرقى إلى مصاف البديهيات أن يكون بينهم مَن يضحي ومَن يقبض ثمن التضحيات. ما لا يقل أهمية هو الخواء الفكري الذي يلي التعبئة ضد الثورة، تلك التعبئة التي أدت وظيفتها بإيهامهم أنهم سواء. الحرب على “الإرهابيين” قد انتهت، ودول المؤامرة الخارجية قد أبدت موافقتها على بقاء رئيسهم، وإسرائيل نفسها “بوصفها استثماراً رابحاً للممانعة” لم تتوقف عن إبداء تفضيلها بقاء بشار. بمعنى أن السردية التي كان يتوحد حولها الموالون لم يعد لها وجود فعلي، ومع انكشافها انكشفت أيضاً قدرة حلفاء بشار على مساعدته في ما بعد البقاء، بل انكشفت نيتهم استعادة الأثمان التي دفعوها. أكثر من ذلك؛ انكشفت الحاجة إلى دول “المؤامرة الكونية المزعومة” من أجل إعادة الإعمار، بخاصة تلك الدول التي واظب الموالون على تحقيرها بوصف “العربان”.

مع فقر غير مسبوق، ودماء أُهدِرت لصالح فئة لم يتوقف جشعها عند إبادة المعارضين وسرقة أملاكهم بل تتغول اليوم على ما تبقى من السوريين، راضين أو مكرهين على البقاء تحت سلطتها، لا عزاء للموالي في محنته التي تضافر الغباء وانعدام الأخلاق للوصول إليها. قد يسأل موالٍ “ذكي” على سبيل الكيد: وماذا عن المعارضة؟ من المؤسف أن الإجابة تتقاطع مع ما سبق لجهة مسيرة من الاصطفاء، أيضاً تربع على قمتها انتهازيون وسفلة ومرتهنون لأجندات غير سورية، وفي المقابل منهم هناك من دفع أثماناً باهظة جراء وقوفه مع الثورة، إلا أن هذا التقاطع المؤسف لا يلغي الافتراق الأخلاقي الأصلي بين مَن كان ضحية الإبادة ومَن توهم الكسب على أنقاضها.  

المدن

مناشدات مبلّلة بالعار/ فاطمة ياسين

تنتشر على صفحات الميديا صور جماعية وفردية لمعاناة سوريين يقطنون في مناطق النظام.. حشودٌ كبيرةٌ تتجمع حول سيارة توزيع الغاز، أو سيدة تعدّت السبعين، وفي عينيها خيبة أمل، بعد فشلها في الحصول على كميةٍ من وقود التدفئة، بالإضافة إلى القصص المروّعة عن حالات تجمّدٍ بين الأطفال، أو عائلاتٍ مشرّدة تسكن في أماكن مزرية. أما جديد القصص فكان موتاً جماعياً لأطفالٍ قضوا حرقاً وسط فوضى انقطاع التيار الكهربائي.. اختلط ذلك كله أخيرا برسائل من فنانين، أو شخصيات عامة، تشرح معاناة الناس، مع تحميل تلك الرسائل كميةً كبيرةً من العواطف وشحنها بتوصيفات حسّيةٍ مؤلمةٍ عمّا يكابده السوريون، وتتوجّه تلك الرسائل مباشرة إلى أعلى هرم النظام، وأحيانا بالاسم. تمرّ هذه الرسائل أو الصور يوميا بين الناس، ويتم تناقلها في حسرة وأسى على كل من يعاني. وينبري قطاعٌ من المشتكين على لوم الحكومة، أو شتمها، ويذهب بعضهم بعيداً إلى حد المطالبة بإقالة وزير من هنا أو هناك، وصولاً إلى المطالبة بإقالة الحكومة عن بكرة أبيها، من دون التعرّض، من قريب أو بعيد، إلى شخص الرئيس، وكأنه يعيش في كوكبٍ منفصل، ولا يتواصل بأي طريقةٍ مع ما يجري على الأرض، فتتطوّع الرسائل لتنقل له نقلاً “موضوعياً” مباشراً.

يرغب النظام بأن يقول إن البلاد تعاني من مشكلات خدميةٍ وخدميةٍ فقط. وتظهر هذه المشكلات بين شرائح المؤيدين. ويمكن للتلفزيون الرسمي أن ينقل مباشرةً وقائع حريقٍ وقع في دمشق، أو زيارة مسؤولٍ إلى مكانٍ مزرٍ يصوره بكل تفاصيله البائسة، كما ينقل آلام الناس التي تئن تحت الواقع الخدمي الموجع، هذه سورية الموجوعة بنقص كل السلع الضرورية للحياة هي سورية التي تفيد النظام. أنجز النظام معركته مع “الإرهابيين”، وكسبها تقريباً، ويمكنه أن يتلقى كل جمل المديح الممكنة. أما تأمين الضروريات فهي مهمةٌ فوق واقعية، بحاجة إلى الكثير، ولا تستطيع دولةٌ خارجةٌ من حرب أن تؤمنها، ولو كانت حربها ناجحة. وعلى الجميع أن يتحمّل، ويمكنه أن يوجّه رسائل لوم إلى الحكومة ورسائل مناشدة إلى “سيادة الرئيس”. أما الواقع الكارثي فلا يستطيع أحد تغييره.

يقف النظام السياسي في سورية الآن كالهيكل العظمي، وهو يتمتّع بموارد اقتصادية قريبة من الصفر، وواقعه العسكري أشد بؤساً، وهو يعتمد على دعم جويٍّ روسيٍّ، ودعم أرضي إيراني، وتتكفل إيران بتمويل اقتصاده بشكل هزيل، ويستخدم الطرفان (الروسي والإيراني) هذا النفوذ الهائل لتحقيق مزيد من المكاسب. يتأجج التنافس بينهما بصمت، وأحاديث تدور عن اشتباكاتٍ بالذخيرة الحية بين القوى المحسوبة على كل طرف، وتزويد المواطن بالأساسيات يخضع لمزيدٍ من الابتزاز، ويتدخل عامل الهجوم الإسرائيلي ليرجّح كفةً على أخرى، فبعد أن خمدت حدّته فترة قصيرة، أعقبت إسقاط الطائرة الروسية، وزوبعة إس 300، عاد القصف الإسرائيلي ليتكرّر وبقوةٍ وتواتر أكبر لتقصف إسرائيل أماكن النظام الحميمة، وباعترافٍ إسرائيليٍّ لم يكن يتم بهذه الوقاحة فيما سبق، يترافق مع صمت أطقم الصواريخ الروسية التي يطبّل الإعلام بمقدرتها ومدى تفوقها..

قوت الناس هو الورقة الجديدة التي يتم اللعب بها، لكسب المزيد من سورية المفيدة، وكل طرف يريد الجانب الأكثر فائدة. ويمكن أن يتم تجويع الناس والتقتير عليهم، مع ضخّ المزيد في المعاناة الخدمية، من دون التطرّق إلى أن المأزق السوري سياسي بالأساس، وسياسي فقط. وليس هناك داعٍ للحديث عن الإمكانات الطبيعية السورية، فهي معروفةٌ وقادرةٌ على سد حاجات كل السوريين، ولكن بإدارة سياسية صحيحة، وتوزيع عادل، وهو ما قامت الثورة في الأساس لأجله، قبل أن تتحوّل إلى مجرد صراعٍ عسكري، اقترب النظام وأعوانه من حسمه.. الرسائل البائسة التي يرسلها بعضهم مبللة بالعار، فهي تناشد وتبتهل، وتلوم أحياناً الشخص العاجز عملياً عن تحريك ساكن.

العربي الجديد

ممانعةٌ شعبها عميل/ ميشيل كيلو

ليس هذا القول جديدا، وهو ليس تهمةً تحتاج إثباتا بالنسبة لنظم الممانعة العربية الإيرانية الهوى، المؤمنة بوجود مؤامرةٍ كونيةٍ تستهدفها، ورّطت الصهيونية فيها شعوب النظم الممانعة، من دون غيرها، بعد نجاحها في شطر كل نظام إلى معسكرين: واحد مقاوم/ ممانع، يقوم بواجبه في حماية وطنه من متآمرين وعملاء، ولا يُلام إن أفرط في استخدام القوة ضد شعبه الإرهابي أو العميل، الذي ينفذ مؤامرةً معاديةً ضد ما يفترض أنه وطنه، وآخر ينصاع لأوامر تل أبيب، يتكوّن من شعوب نظم المقاومة والممانعة، ومن ينحاز إليها سياسيا وخيانيا، ويتلقون أوامرهم من أعداء وطنهم، في تل أبيب وواشنطن.

بعد قرابة نصف قرن من حكم شمولي فردي، لم يسمح بأي نوعٍ من المشاركة في السلطة والشأن العام، غابت خلاله أحزاب المعارضة، وغاب حضورها الشعبي وتأثيرها المجتمعي، بفقد ضيق المجال العام، وما يسوده من إرهابٍ سلطوي، كان منطقيا أن يُنسب انفجار المجتمع السوري إلى ما تبنّته الأسدية أربعين عاما من سياساتٍ وممارساتٍ معاديةٍ ومستفزةٍ للشعب، حجبت عنه، بالعنف، باعتباره أداة وحيدة للسياسة، ما كانت قد وعدته من حقوقٍ عامةٍ وشخصيةٍ، بعد إخباره بأنها لم تستولِ على الحكم إلا لتحققها له، وخصوصا منها حريته. لكنها، وما إن ذكّرها أول مواطن سوري بوعدها، وطالبها بتحقيقه، حتى اتهمت الشعب السوري، بقضّه وقضيضه، بالعمالة للإمبريالية وإسرائيل، على الرغم من أن من نزلوا إلى الشارع التزموا بحراكٍ سلمي/ مدني منضبط، وطالبوا بإصلاحٍ تقوم به السلطة، بقيادة بشار الأسد الذي رفض طلبهم، واعتبر حراكهم السلمي جزءا من “مؤامرةٍ كونيةٍ” ضد نظامه وضده، ليست أوضاع السوريين المزرية سبب انخراطهم فيه، وإنما تحرّكهم أيد خارجية بحساباتٍ أجنبية، وينفذونها بحماسةٍ واندفاعٍ عضد سلطةٍ شرعيةٍ تجسّد حقوقهم أكمل تجسيد.

منذ عقود، يقف المواطن السوري ساعاتٍ عديدةً كل يوم أمام الأفران لشراء حاجة أسرته من الخبز، في بلادٍ تنتج فائضا من القمح، يربو سنويا على مليوني طن. ويستميت المواطن نفسُه للحصول على قارورة غاز في وطنٍ لديه ثروةٌ منه تفيض كثيرا عن حاجته، يُبدّد معظمها حرقا. ويأكل التضخم راتب المواطن المعذّب أو أجره، وهو الذي يعاني الأمرّين للحصول على أبسط حاجات أطفاله، بما أن تكلفة الكهرباء والماء الشهرية تلتهم ثلث راتبه، بينما يبتلع إيجار البيت ومخصص النقل نصفه، فلا يبقى له غير عيش الكفاف، والغرق في الديون وانتهاك كرامته الشخصية، عبر غرقه في الفساد، ومدّ يديه إلى جيوب المعذّبين أمثاله، بينما يعيش أرباب السلطان من قادة التجربة الاشتراكية والمقاومة والممانعة في نعيمٍ مقيم، ويحوّلون سلطتهم السياسية إلى فائضٍ من الثروة والجاه، وينعزلون أكثر فأكثر عن المواطنين، ويسوّرون مزارعهم وفيلاتهم بجدرانٍ عاليةٍ، يحرسُها مسلحون أعداؤهم من تقع أعينهم عليهم من مواطنيهم البؤساء.

يقول أهل السلطة إن هذا الواقع لا يسوّغ تذمر الإنسان المحروم الذي تحمّل الذل عقودا، لأنه محبٌّ لوطنه حريصٌ عليه، ارتضى هوانَه، لأنه يخاف أن يفعل شيئا قد يضرّ به. لذلك، انتظر بصبرٍ وتفانٍ مبادرة “سيد الوطن” إلى الوفاء بوعود سلطته، على الرغم من أن الواقع كان

يُجبره، أكثر فأكثر، على تذكيره بوعوده الإصلاحية، وبضرورة تحقيقها على يديه هو بالذات.

يتجاهل الأسديون دورهم في الانفجار الشعبي الذي تعيشه سورية، ويرون في انضمام ملايين السوريين إليه ما يؤكّد وجود “المؤامرة الكونية” ضدهم، ويرفضون بإصرار الوقوف أمام السؤال الذي تطرحه ادعاءاتهم: إذا كانت إسرائيل تستطيع تحريك ملايين من الشعب ضد نظامٍ مقاومٍ/ ممانع، من الذي يجب أن يُعتبر مسؤولا عن ذلك: الجهات الخارجية التي تعلن الأسدية، من دون كللٍ أو ملل، أنها تقاومها وتحمي الشعب والوطن منها؟ أم نظامها الذي استأثر بالسلطة والنفوذ والقوة والإعلام والتربية والتعليم والمجال العام، وعايش بأمانٍ وسلامٍ مع احتلالها الجولان منذ أكثر من نصف قرن، لم يقاومها خلاله بأية صورةٍ منظمةٍ أو مستمرّة، على الرغم من إشادته بدوره في الانتقال من الصمود ضدها إلى التصدّي الفعال لها وكبح جماحها، وإجبارها على العيش تحت النار التي قد تعصف بها في أي وقت، بعد أن ضرب طوقا مُحكما حولها، يمتد من لبنان إلى سورية والعراق، بدعم من قاعدة الصمود والتصدّي، إيران الملالي التي وضعت مدن العدو ومستوطناته في مرمى عشرات آلاف الصواريخ الدقيقة، كما أكد حسن نصر الله في آخر خطبه؟

ألا يدعو إلى الاستغراب أن الصهيونية لم تنجح في اختراق أي مجتمعاتٍ غير التي تحكمها أنظمة مقاومة/ ممانعة، تعلن أنها نجحت تماما في إخراجها من فضائها الداخلي، بما تخوضه ضدها من معارك خفيةٍ وظاهرة؟ ألا يخجل المستبدّون من تناقض مزاعمهم عن مقاومتهم مع اتهام شعوبهم بالتعاون ضدهم مع العدو، وانخراط هذه الشعوب في “مؤمرات العدو عليهم”؟ ألا يعني هذا التهافت إخفاقَهم في حجب الحقيقة، وأن تمرّد مواطنيهم يرجع إلى سياساتهم التي يكفيها عارا أنها دفعت هؤلاء المواطنين إلى تفضيل الصهاينة عليهم، بل والثورة عليهم بأوامر من أولئك الصهاينة؟ إذا كانت الصهيونية قد اخترقت مجتمعات نظم المقاومة والممانعة، من دون غيرها، باعتراف قادتها الذين انضم إليهم أخيرا الرئيس السوداني، عمر البشير، الذي اتهم السودانيين بالتواطؤ مع الصهاينة، فهذا له معنيان: أن هؤلاء الذين انفردوا بحكمها نصف قرن هم الذين أوصلوها إلى التماهي مع أعدائها، أو أن سياساتهم تجاه مواطنيهم خدمت الصهاينة إلى حدٍّ أقنعهم بتنفيذ أوامرها ضد نظمهم؟ انفرد نظام حافظ الأسد بالسلطة والثروة والمعرفة والقوة والإعلام والتربية والتعليم ثلاثين عاما، وحين مات أورثها لابنه الذي أقنع مواطنيه بأن نظامه قوة احتلال تستعمر وطنهم، ويريد أن يتحرّر منهم ليحرّر نفسه من صهيونيتهم وعمالتهم، ويستمر اضطهادهم باسم مقاومةٍ وممانعةٍ لم تستهدفا يوما الصهيونية منذ 1974، بل استهدفتا الشعب بقدر عظيم من العنف والقسوة، بينما يتنعم “العدو” الصهيوني بسلامهم منذ أكثر من نصف قرن!

إذا كان صحيحا أن الشعب السوري متآمرٌ مع الصهاينة ضد نظامه المقاوم، والصهاينة هم الذين أوعزوا لفقراء السودان وجياعه بالنزول إلى الشارع للمطالبة برغيف الخبز، وبحقّهم في سحب بعض مالهم الخاص من المصارف، لشراء الخبز لأطفالهم، وهو حقٌّ ترفضه، كأن مالهم ليس ملكهم، بل ملك أرباب السلطة الذين يودعون أموالها في الخارج، فهذا معناه أن على الأسدية والبشيرية الإقلاع عن اعتبار نفسها نظم مقاومةٍ أو ممانعة، ما دامت تقاوم الصهاينة في الخارج، وتسمح لهم بصهينة شعبها في الداخل، والاعتراف بأنها تكذب، حين ترى متآمرا في جائعٍ يعجز عن استخدام ماله في شراء خبز لعياله، لأن الحكم السوداني لم يوفّر له الخبز من جهةٍ، وصادر مدّخراته من جهةٍ أخرى. وفي الحالتين، عليه أن يرحل، ويعيد السلطة إلى صاحبها الذي سرقها منه بنصف قرن، بوسائل تتفق تماما مع ما تستخدمه الصهيونية ضد شعب فلسطين.

أخبرونا بربكم كيف يمكن لشعبٍ التورّط في مؤامرة صهيونيةٍ/ إمبريالية، إذا كنتم تزعمون يوميا أنه نصير لمقاومتكم لا تلين له قناة؟ وكيف له أن يطالب بتحرير الجولان وفلسطين في الخارج، وأن يكون عميلا لها ينفذ أوامرها ضد مقاومتكم، في الداخل؟ أي شهادةٍ لنظمكم إن كان شعبكم يتآمر حقا مع عدوكم ضدها، بعد أربعين عاما من انفرادها بحكمه، وتقرير شؤونه؟ وأي شهادةٍ لكم إن كان قد منحكم ثقته قبل نصف قرن، لأنكم وعدتموه بتحرير فلسطين، وها أنتم تتّهمونه، بعد خمسين عاما من المقاومة والممانعة التي أوصلت جيش إسرائيل ثلاث مرات إلى مشارف دمشق بالتآمر مع الصهاينة عليكم، بحجةٍ مؤلمةٍ ترى في استعادته شعوره بإنسانيته وحقوقه مؤامرة صهيونية/ إمبريالية/ داعشية، لا رد عليها غير القوة التي أحجمتم عن استخدامها ضد الصهاينة، المتنعمين منذ خمسين عاما ونيف بشمس الجولان، وتفاحه وكرزه وثلجه ومياهه وأرضه وخيراته الكثيرة. أليس شيئا فظيعا أن تبادروا إلى سحق الشعب، رأسمال أي مقاومة أو ممانعة، بواسطة جيشكم الذي دأب على الفرار والتخلي عن أرض الوطن، في جميع الحروب التي شنتها الصهيونية على بلاده، منذ عام 1967؟

منذ 51 عاما، وأنتم تضطهدون وتعذبون وتعتقلون وتخفون وتشوّهون، وتهجرون من يطالبونكم بتحرير الجولان الذي أهديتموه إلى إسرائيل على طبقٍ من ذهب، ومن دون قتال. ومع ذلك لا تتراجع مؤامراتهم المزعومة على نظامكم، فقولوا لنا بربكم: إذا كانت هناك مؤامرةٌ رهيبةٌ كهذه، لماذا لا تفعلون شيئا ضدها، ولا تكشفونها إلا عندما يطالبكم شعبكم بحقوقه وحريته؟ ولماذا لا تقدّمون أية أدلةٍ على وجودها قبل ذلك؟ ما عساها تكون هذه المؤامرة التي تستمر، على الرغم من إبادة حاملها ومنفذها، الشعب الذي يحاول استعادة حريته التي سلّمها إلى من وعدوه بتحرير فلسطين، فحوّلوا نظامهم المقاوم إلى استعمار محلي مماثلٍ لاستعمار الصهاينة في فلسطين، وربما كان أسوأ منه؟

يجلس المتآمرون على شعوبهم على كراسي الحكم، وينفّذون خططا ضمنت تفوّق إسرائيل الساحق على بلدانهم، واغتالت روح الحرية في صدور مواطنيها. وحين تتحرّك في قلوبهم من حين إلى آخر، ويرفضون ما آلت أوضاعهم إليه، يتعرّضون للإبادة المنظمة على يد أجهزة يفترض أن مهمتها حمايتهم، والحجة إحباط مؤامرة ليس بين أسبابها ما يمارسه حكام سورية من تخلٍّ عن المسألة الوطنية، بعد 1974، ووضع مجتمع ودولة سورية تحت رحمة مدافع الاحتلال الذي يراقب بسعادة جيش الأسدية، وهو يدمر مجتمع سورية ودولتها بمدافع كان يجب أن توجه إليه، نيابة عنها، من دون أن يفكش جندي إسرائيلي واحد قدمه. وكان سيفقد عشرات الآلاف من جنوده وضباطه، لو كلف بتحقيق هذا الهدف الصهيوني الاستراتيجي الذي يفرغ جواره من القوة، ويتيح له أن يراقب باسترخاء حروبا تدمر الشعوب المجاورة وبلدانها بأيدي حكامها، وهم ينفذون مؤامرةً يتهمون شعوبهم بالتورّط فيها، ليبطشوا فيها بذريعة مقاومة عدوٍّ هو المستفيد الوحيد منها.

العربي الجديد

هل انتهى “اقتصاد الحرب” في سوريا/ رضوان زيادة

الصور الآتية من سوريا حول انقطاع التيار الكهربائي لساعات وساعات وفقدان الغاز المنزلي وانعدام المياه أو حليب الأطفال وغير ذلك من مظاهر نقص العملة الشديد بالنسبة للنظام السوري الذي لا يستطيع تمويل كل هذه المستوردات إنما تدل أن سوريا ما زالت في مرحلة اقتصاد الحرب وربما في أسوأ لحظاته.

فالحرب ربما تنتهي بوعود دولية على مساعدة البلد في إعادة الإعمار وتمويل مشاريع البنى التحتية وزيادة المساعدات الإنسانية، الوضع في سوريا مختلف حيث شارفت الحرب على النهاية لكن لم تكن تلك النهاية التي أرادها الشعب السوري أو المجتمع الدولي، لقد انتصر السفاح بحجم إراقة الدماء التي سفكها وبحجم الدمار الذي ألحقه بكل المدن والقرة الثائرة، والآن لا يجد المجتمع الدولي أية حاجة لتمويل جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الأسد بحق شعبه أو مكافأته على جرائمه التي ارتكبها بحق المدنيين.

ولذلك ترك الأسد كي يعيش وهم “انتصار” بنفسه مع شركائه في الجريمة من إيران إلى سوريا إلى مليشيات وعصابات حزب الله وغيرها من الميليشيات الطائفية، هؤلاء المنبوذون في الأرض كما يطلق عليهم  ليس لديهم الأموال أو حتى الرغبة في إعادة دمار فعله الأسد يقدر بمئات المليارات ولذلك على الأسد اليوم أن يتعامل مع الحقائق التي أنكرها على مدى سنوات، حقائق أن لا أحد في العالم سيعينه على إعادة إعمار ما دمره، ولن يكون السوريون أيضا جزءا من هذا المشروع، فاللاجئون السوريون يفضلون بدء حياة جديدة من الأمن في بلد اللجوء على العودة إلى بلد ما زال يحكمه الأسد مع عصاباته، ليس فيه من مقومات الدولة الحديثة إلا السجن والاعتقال، حيث لا قانون ولا اقتصاد ولا أمان، فما المغري بالنسبة للسوريين كي يعودوا إلى بلد هذي حاله؟

لقد تحطمت فكرة الوطن داخل الكثير من السوريين، أصبح معناها يرتبط في أذهانهم بالقتل والتعذيب والتشريد والقصف، يريدون لهذه السنوات أن ترحل ورحيلها مرتبط بذاكرة ورحيل فكرة الوطن من أصلها في أذهانهم.

بالنسبة لهم كانت الثورة بداية عهد جديد، بناء بلد المواطنة والحرية، لكن الأسد حول هذا الحلم إلى كابوس مليء بالقتل والكيماوي والتعذيب والتقطيع وأسوأ ما يمكن لذاكرة إنسان أن تمتلئ به وعليه يفضل السوريون أن يمحوا هذه الذاكرة كي يتمكنوا من الاستمرار في حياتهم ويستمروا في زرع الأمل بعقول أطفالهم، أن مستقبلا مشرقا ما زال ينتظرهم ويفتح ذراعيه إليهم.

وأن سوريا التي عليهم أن يمحوها من ذاكرتهم مؤقتا ستعود تخاطبهم في المستقبل، إنها الفكرة التي لا تمل أو تفتأ أن تعود، إنها الأمل الذي يداعب أحلامهم، لكن حتى يتحقق ذلك الحلم عليهم أن يعيشوا حياتهم في بلد المغترب وأن يتكيفوا مع الحياة الجديدة التي ربما تفتح لهم فرصا لا تنتهي لا تمنحها لهم سوريا اليوم.

فطوابير الغاز والخبز تعيد لنا صورة عن سوريا البؤس والقهر والعجز حيث ينتظر آلاف من الشباب دورهم للحصول على جرة الغاز أو رغيف الخبز دون أن يحق لهم التذمر أو يفكروا في رفع صوتهم على بؤس هذه الحياة، صور الأسد الذي يدعي الانتصار تلاحقهم في كل مكان وهم يتساءلون عن أي نصر يتحدث هذا الأحمق من على حطام بلد دمره أبوه وها هو يكمل المهمة.

وأهم من يعتقد أن هذه المشاكل الاقتصادية ستحل خلال أسبوع أو شهر إنها بداية الأزمة الحقيقية حيث

لا موارد ولا اقتصاد تستطيع أية دولة من خلاله أن تعتمد على مواردها كي تمول المستوردات حيث لا تمتلك أي رصيد من العملة الصعبة وحيث أفضل العقول قررت الهجرة واللجوء وحيث قررت كل النخب الاقتصادية والمالية الرحيل عن هذا البلد كي يبقى الأسد كنيرون مستمتعا بمشهد احتراق سوريا مع شبيحته وعصابته.

نيرون العصر الحديث الأسد سيسعد أكثر وهو يرى السوريين يزداد بؤسهم، سيبتهج أكثر عندما يرى الذل والإرهاب يلاحق كل السوريين أينما حلوا وارتحلوا بسبب جواز سفرهم، كي تصبح بلدهم سوريا سبة تلاحقهم أينما ذهبوا وهم يفكرون بكل الطرق كيف يتخلصون من شيء سيطارهم طول عمرهم كون بلد الولادة شيء لا يتغير مهما غيرنا بلدانا ومهما حصلنا على جنسيات أخرى جديدة.

انتهت تلك الفكرة الجميلة التي حملها الثوار يوما ما، وحان الوقت لكل من عارض هذه الفكرة الجميلة أن يستمتع بسوريا اليوم تحت حكم الأسد، فهنيئاً للأسد وشبيحته بسوريا اليوم.  

تلفزيون سوريا

اخرسوا وإلا فجّرتكم/ ياسر الأطرش

مَن يعرف نظام الأسد -ولو لِماماً- لا يشك للحظة بأن أجهزته الأمنية هي التي هندست ونفذت التفجيرات في دمشق واللاذقية منذ يومين، ولا يشك أيضاً بأن أجهزته الإعلامية ستستثمر الحدث لإعادة إنتاج المقولة التي يستند إليها هذا النظام في وجوده: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!.

قرقعة جرار الغاز في الشوارع مؤخراً، وصل صداها إلى القصر الجمهوري، متجاوزاً السقف الأعلى المسموح به والحدّ المرسوم لنهاية الصوت، أقصد (الحكومة ومجلس الشعب والمحافظين ومن هم أدنى…)، فكان لابد من تفجير الموالين الشكّائين المتأفّفين من البرد والعتمة والجوع.. لنعود إلى المعادلة القديمة المتجددة التي لا ينوي النظام تغييرها أو تحديثها حتى: العيش كما أشاء أو الموت كما أشاء!.

المعادلة ذاتها هي المفروضة في الدول التي تقود ركاب “الأسد” وتشدّ لجامه، فإيران التي سلمها السفاح نصف سوريا وأحلّها محل سوريين هجّرهم من بلداتهم وقراهم، تتبع الأسلوب نفسه في سياسة مواطنيها الجائعين المُنهكين، القبضة الأمنية وشعارات المقاومة والمعاقبة بالموت هي الحل، وهي السيناريو الوحيد الذي أوجده النظام الإيراني لمواجهة العقوبات الأميركية القاسية، فكلما جاعت فئة جديدة من الشعب ونكب الفقر والعوز أخرى، أطلق أزلام الولي الفقيه تصريحاً نارياً عن قرب محو “إسرائيل”، وأطلقت وكالة الفضاء صاروخاً إلى السماء للمتاجرة به على الأرض، رغم فشله وسقوطه على بعد أمتار قليلة!.

قلت في غير مقال منذ العام 2016: إن الموالين هم من سيسقطون “أسدهم” أخيراً، وهم يمتلكون من الأسباب والضرورات ما يجعلهم يسيرون في هذا السيناريو كطريق إجباري إن أرادوا البقاء.

فعقلية نظام الأسد الأمنية لا يمكن أن تتقبّل أو تتفهّم وجود مواطن كامل، مواطن يطلب ويطالب، حتى وإن كان موالياً.. فالمواطن المطلوب في “دولة الأسد” هو العبد الذي يشكر سيده على كل شيء، على الجوع والبرد والخوف… وهو الذي يفدي سيده بالروح والدم من دون مقابل، ومن دون أن يعرف لماذا أيضاً.

الأزمات المعيشية ستتفاقم، ولن يكون من الممكن احتواؤها لا في المدى القريب ولا المتوسط، والنظام لن يرد إلا بمزيد من التفجيرات وإشاعة الموت في صفوف مؤيديه، ليحرف المسار ويعيد ترتيب الأولويات جاعلاً مجرد البقاء أولوية لا يُقاس بها ولا عليها.

إلا أن فئات متضررة من المؤيدين لن تقبل بعد الآن، فهم أصبحوا يحسدون اللاجئين على معيشتهم!، وهم يدركون أنه بعد الآن لا حلول للفساد ولا نية لمكافحته، حتى بعدما دفعوا أكبر فاتورة يمكن أن يدفعها عبد في التاريخ: أرواحهم وأعضاءهم وأبناءهم، كلّ ذلك “فدا صرماية الأسد”!.

كما أن عناصر الميليشيات والشبيحة الذين أطلق النظام أيديهم في طول البلاد وعرضها وفي رقاب الناس وأموالهم، لن يقبلوا لا هم ولا أهلهم بالفتات بعدما اعتادوا عيش “السلاطين” من جراء إغاراتهم على أموال الناس وأرزاقهم.

فالراتب الذي سيحصل عليه عناصر الميليشيات بعد ضمهم إلى قوات الأسد لا يعادل جنى ساعة واحدة على حاجز!.. ولا يكفي لشراء “عدة” سهرة واحدة من سهراتهم المتوحشة، لذا بدأت ظاهرة الخطف مقابل فدية تنتشر وتتمدد في مناطق الموالين، مستهدفة أبناءهم، فالمصادر الأخرى صارت بمنأى، والنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

وفي المحصلة؛ لن يجد نظام الأسد المتهالك اقتصادياً وسياسياً سبيلاً لتوفير الحد الأدنى من احتياجات من ضحّوا من أجله بالروح والدم، وهم من جهتهم سيطلبون المقابل إن لم يكونوا قد بدؤوا فعلاً بطلبه وإن في الحد الأدنى، في معادلة مرشحة للتصعيد من الطرفين، فالنظام سيُعْمِلُ فيهم القتل والتنكيل ناسباً ذلك لـ”الإرهاب”، وهم ستتطور لهجتهم وتعلو نبرتهم وصولاً إلى التمرد، ولكن ليس من أجل الحرية، للأسف، بل من أجل شروط عبودية أفضل!.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.