الناس

قسم أبقراط في مشفى تشرين العسكري/ حسام جزماتي


عندما كان الدكتور مفيد سليمان درويش، المختص في الجراحة العظمية، يقرر إغلاق عيادته وسط دمشق والتفرغ لمنصبه الحساس كرئيس لشعبة الإسعاف في مشفى تشرين العسكري، بعدما بدا أن «الأزمة» ستطول وتستفحل إثر انتقال المحتجين من التظاهر إلى حمل السلاح؛ كانت أفكار مشابهة تراود ابن عمه يوسف في بانياس، الذي عدل عن التدرب في مكتب أستاذه ليصبح محامياً، منضماً إلى ميليشيا رديفة. لن تطول مسيرة رجل القانون الذي سيُقتل في ريف اللاذقية منتصف 2012، بعد ثلاثة أسابيع فقط من حمله السلاح، بينما سيكون الطبيب أكثر حظاً ويصل، منذ أيام قليلة، إلى منصب رئيس المشفى، برتبة عميد.

افتُتح مشفى تشرين عام 1982 ليكون أكبر المشافي التابعة لوزارة الدفاع. واستمر في التوسع واستيراد أفضل ما يمكن لبلد اشتراكي من العالم الثالث توفيره من تجهيزات. إذ لم يكن عليه أن يؤمّن الخدمة الطبية للعسكريين فقط، بل أن يعالج كبار الضباط والمسؤولين. قصّر المشفى عن ذلك، مما دفع هذه النخبة إلى الاستعانة بمشافي بيروت وأوروبا، وحتى «مشفى الشامي» الخاص بدمشق الذي قيل إن حافظ الأسد توفي فيه، لكنه ظل مكاناً يمكن اللجوء إليه في الحالات غير الحرجة. ومع بلوغ أبناء

حكام سوريا من رجال الأسد سن الشباب، وتوجه عدد ملحوظ منهم لدراسة الطب استجابة لطموح عصامي نمطي بين الموظفين السوريين باختلاف رتبهم، كان مشفى تشرين مقصد هؤلاء الشبان للعمل والدراسات العليا، بمن فيهم بشار الأسد الذي بدأ فيه تخصصه في طب العيون.

كان المشفى قطعة عسكرية، سواء لجهة حراسته وإجراءات الأمن فيه، أو لجهة إدارته ومفاصله التي ظلت بيد الأطباء المتطوعين لصالح وزارة الدفاع، بأغلبية علوية. غير أن هذا لم يكن يثير استياء عاماً، ما دام «زبائن» المشفى من أفراد «الجيش والقوات المسلحة» متناغمين مع نسيجه، وظل التذمر محصوراً في تهامس بعض الأطباء المدنيين المتعاقدين.

وطيلة ما يقرب من ثلاثين سنة من عمره قبل الثورة، لم يحصل له احتكاك بـ«الشأن العام» إلا في مناسبة استثنائية هي استعصاء سجن صيدنايا عام 2008. فإثر تمرد السجناء واحتجازهم عدداً من العسكريين، وإطلاق السلطات النار على الجميع، سارت الأمور نحو تهدئة كان أحد بنودها علاج الجرحى في مشفى تشرين. كانت إصابات بعض السجناء طفيفة للغاية، وربما فضّل قسم منهم الهروب من الجو المشحون إلى المشفى، ورغم ذلك تأخرت عودتهم، وبعضهم لم يرجع على الإطلاق. أما من عاد منهم، بعد أن جمدت لجنة السجناء المفاوضات، فرووا قصصاً صادمة عن مقتل زملائهم وعما تعرضوا له هم من تعذيب وإذلال منذ سيارة الإسعاف وحتى سرير المشفى، وشارك فيه عسكريون، وأطباء، وممرضون من الذكور والإناث على حد سواء. ولكن، من يصدق «سجناء صيدنايا»؟!!!

في يوم الجمعة الأخير من نيسان 2011 كان المتظاهرون من مختلف أنحاء حوران متوجهين إلى درعا لفك الحصار عنها عندما وقعت مجزرة «مساكن صيدا العسكرية» التي قتل فيها حوالي 120 شخصاً، وجرح عدد كبير، واعتقل حوالي 160. ستدفع هذه المجزرة باسمين متناقضين إلى السطح؛ اليافع حمزة الخطيب الذي كان أحد الموقوفين ولن يخرج إلا جثة تعرضت للفظاعات، والعقيد سهيل حسن قائد القوات التي نفذت المجزرة. أما الاسم الثالث فلن يتكرر كثيراً بعد ولذلك سيُنسى بسرعة؛ إنه الدكتور مفيد درويش، رئيس شعبة الإسعاف في مشفى تشرين الذي نُقلت إليه الجثث لاستخراج شهادات وفاة لها، والجرحى الذين تعرضوا للضرب والركل من أطباء عسكريين وممرضين وإداريين كان درويش على رأس قائمتهم التي نقلها ناشطون. ولكن، من يصدق «تنسيقية أطباء دمشق»؟!

في الوقت نفسه تقريباً الذي حصلت فيه مجزرة صيدا كان مصوّر في الشرطة العسكرية قد استلم عمله بتوثيق الضحايا في مشرحة مشفى تشرين أساساً. وفي مطلع 2014 كُشف عن صور الجثث التي هرّبها بعدما انشق عن النظام وعرف باسم «قيصر». بعد ذلك تابعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إجراءات منح الجثث أرقاماً وكتابة تقارير الطب الشرعي عن وفاتها بشكل «طبيعي» بسبب توقف الجهاز التنفسي أو السكتة القلبية. كما تقصت عملية نقل الجثث من سجن صيدنايا، بصحبة المرضى الذين كانت تقع عليهم مهمة وضعها في أكياس، بما فيها جثث من يسقط منهم أثناء الضرب. أما تقرير «المسلخ البشري» الشهير فتنقل فيه منظمة العفو الدولية شهادة أحد أطباء مشفى تشرين سابقاً، يروي فيها أن الجثث كانت تأتي مكدسة في شاحنة: «كنا ننخزها نخزاً، فإذا لم يصدر صاحبها صوتاً نجزم أنه ميت، وإن أصدر صوتاً فهو على قيد الحياة». ولكن، من يصدق المنظمات الغربية؟!!

أما مفيد درويش فيفضّل أن يبدأ الحكاية من 2012 عندما سكن في المشفى. في هذا العام كانت الإدارة قد أسست قسم الإسعاف البديل في الطابق ناقص واحد قرب المشرحة، بطاقم طائفي منسجم، وحتى بين هؤلاء كان بعض زملاء درويش حذرين منه قليلاً بسبب ما عرف عن قربه من أجهزة الأمن. أما هو فيستذكر كيف كانت المناطق الثائرة المحيطة، برزة والقابون والغوطة، قد تسلحت وأخذت بقصف المشفى وقطع الطريق إليه بالقناصات، دون سبب، طبعاً، فالإرهابيون «أعداء الحياة» بالتعريف، وهدفهم «التخريب». ولا أنسب لذلك من المشفى بوصفه «صرحاً» طبياً يقدم خدماته للمدنيين والعسكريين، وحتى لجرحى «المسلحين» حين تأتي بهم «الجهات المختصة». فوظيفة الكادر «إنسانية»، أما ما يأتي بعد ذلك فهو «مهمة الدولة والقانون، ونحن لا نتدخل في ذلك». ولكن، من يصدق الطبيب ذا الوجه الشمعي والملامح النازية؟!

يروي «قيصر» أن أحد زملائه كان يصور الجثث حتى وصل إلى جسد رجل كان يتنفس بشكل خافت، فسأل المسؤولين إن كان عليه أن يصوره رغم ذلك؟ في وقت

صادف فيه قدوم الطبيب الشرعي الذي احتد قائلاً: «كيف حدث ذلك؟ ما زال حياً؟! ما الذي سأفعله الآن؟! سيغيّر ذلك ترتيب أرقامي كلها!». كان غاضباً لأنه كان عليه أن يمحو الأرقام التي سجلها ويعيد تدوينها بتسلسل جديد ما دام الرجل حياً، لكن أحد العساكر أجابه: «لا تقلق. اذهب واشرب المتة، وسيُحل الأمر عند عودتك». وعندما رجع الطبيب كانوا قد انتهوا من التقاط الصور.

لا نعلم إن كان مفيد درويش مغرماً بالمتة رغم الطابع الأوروبي الذي يحاول أن يظهره في حياته، ومع رحلاته التي لم تتوقف إلى فرنسا منذ أوفد للاختصاص فيها وحتى في أحلك سنوات «الأزمة»، عندما كان ينقطع طويلاً عن زيارة قريته بلَوزِة قرب بانياس. ولكن من بقي هناك؟ أقرانه غائبون ومشغولون؛ ابن عمه الدكتور رمضان في منصب أمين سر المكتب الاقتصادي في القيادة القطرية لحزب البعث، وابن عمه العقيد نمير يطير بالإليوشن في مهمات نقل السلاح والذخيرة من روسيا وتوزيعها على المطارات، وابن عمه العميد أركان وليد يستخدم هذه الأسلحة بحوامته مع البراميل. فيما تتراكم صور أقرباء آخرين، ممن سقطوا «شهداء» في مناطق عديدة من البلاد، على جدران منازل العائلة.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق