الناس

عن مشكلات اللجوء السوري -مقالات مختارة-


عن مشكلة اللجوء واستجابة الدول والمجتمعات المضيفة/ بكر صدقي

كأنما ليؤكد الاستمرارية في نهجه، يواصل وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، في ولايته الوزارية الجديدة، ما واظب على إتحافنا به، طوال السنوات السابقة، من تصريحات عنصرية تجاه اللاجئين السوريين ومطالبات بإعادتهم إلى سوريا، لا تخفى دوافعه السياسية المكشوفة في الانحياز إلى النظام القاتل في دمشق. ما يضفي الخطورة على تصريحات باسيل هو أنها تعبر عن تيار اجتماعي قوي في لبنان لاحظنا تجلياته العملية في أحداث متفرقة كثيرة من حالات اعتداء على لاجئين سوريين، أو إجراءات مؤذية لهم أهمها إرغامهم على العودة إلى سوريا تحت غطاء «العودة الطوعية».

لكن مشكلة اللاجئين السوريين في لبنان هي جزء فقط من مشكلة عالمية تعني جميع البلدان والمجتمعات المعاصرة تقريباً. في عصور أقدم كانت تحدث هجرات جماعية كبيرة في أعقاب مجازر أو حروب أو حملات إبادة كبيرة لقسم من السكان تجمعهم هوية ثقافية معينة. كذلك كانت الكوارث الطبيعية تؤدي إلى حالات نزوح جماعي تستوعبها المجتمعات المضيفة بلا صعوبات كبيرة. أما اليوم فالحدود القومية للدول الحديثة تفرض على الحالات المماثلة صعوبات أكبر. لنفترض، في شروط اليوم، أن زلزالاً عنيفاً ضرب بلداً صغيراً، فدمر كل شيء، ولم يترك أي مساحة قابلة للحياة فيه. المسلك الطبيعي لمن يبقى من السكان على قيد الحياة هو الهروب إلى بلدان مجاورة. ومهما كانت الأحوال الاقتصادية – الاجتماعية أو الإدارية أو السياسية في بلدان الاستقبال، فهي لا تستطيع الامتناع عن استقبالهم. يمكن لتلك البلدان أن تطلب المساعدة في تحمل أعباء استقبال اللاجئين من البلدان الأخرى، فهناك تقاليد ومواثيق أممية تتيح ذلك وتنظمه. ما دمنا في إطار الفرضيات لنفترض أيضاً أن البلد المضيف لم يتلق المساعدات الكافية، أو تلقى القليل منها بما لا يغطي التكاليف الحقيقية لإيواء اللاجئين وتأمين متطلبات حياتهم. سوف ينعكس الإنفاق على تلك المتطلبات على حياة السكان المحليين سلباً، من خلال حرمانهم من جزء من موارد بلدهم. ما هي ردود الأفعال المتوقعة في هذه الحالة؟ سيكون لدينا احتمالان لتصريف غضب السكان المحليين. فإما أن يتجه إلى الحكومة باعتبارها مسؤولة عن سوء إدارة الموارد العامة، أو إلى اللاجئين باعتبارهم سبب تردي أحوال المجتمع المستقبل، أو مزيج من الاثنين، أي أن البعض سيتهم الحكومة بسوء الإدارة، أو بالتساهل في استقبال اللاجئين بأعداد تفوق طاقة البلد على التحمل، في حين سيوجه بعض آخر غضبه إلى اللاجئين مباشرةً، وهذا ما يوصف بكره اللاجئين أو ربما يغطى بغلاف عنصري أو كاره للأجانب. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن كثيراً من البلدان المتجاورة بينها حساسيات قومية أو دينية أو إثنية، تعود جذورها إلى فترات متفاوتة من التاريخ، كان من السهل إيجاد «مبررات» إيديولوجية قابلة للتسويق الشعبي لكراهية اللاجئين وتحميلهم مسؤولية تردي الأحوال العامة بعد قدومهم.

لا جديد في هذه الافتراضات، فهي جميعاً متحققة اليوم في الواقع. فقط الفرضية الأساس هي المختلفة، أي اللجوء بسبب كارثة طبيعية (زلزال) وليس لأسباب سياسية (حروب) كما هي حال معظم حالات اللجوء في زماننا. ومن المحتمل أن تكون مهمة التيارات المعادية للاجئين أصعب، في فرضية الكارثة الطبيعية، بالمقارنة مع واقع الأسباب السياسية، لأن الطابع الإنساني للفرضية الأولى من شأنها أن تحرم العنصريين وكارهي الأجانب من الغطاء الإيديولوجي المناسب، في ظل هيمنة النزعة الإنسانية في عصرنا، على رغم كل التآكل الذي أصابها. غير أن النفور من اللاجئين لا ينهل فقط من أسباب اقتصادية ـ اجتماعية، ولا تقتصر الأسباب الايديولوجية على تلك المفتعلة، كالقومية أو العنصرية، لإضفاء الشرعية على الأسباب الأولى، بل له بعد ثقافي أيضاً خاضع للجدل، لعل أبرز صوره موضوع «الاندماج».

اللاجئون، بصرف النظر عن أسباب لجوئهم، مطالبون بالاندماج في الثقافة المحلية للبلدان المضيفة، وأول ذلك اتقان اللغة القومية للمجتمع المضيف. ويتم تبرير هذا الطلب، عادةً، بالحفاظ على السلم الاجتماعي وتجنب الاحتكاكات، بمعناها السلبي، بين مجتمع اللاجئين والمجتمع المحلي، بدوافع ثقافية. (إذا أردتم الإقامة في بلدنا عليكم أن تصبحوا مثلنا) هذا هو فحوى مفهوم الاندماج.

أين اختفى، إذن، الاحتفاء بالتنوع والاختلاف؟ أين هو تقبل الآخر كما هو؟ (نتحدث غالباً عن بلدان الغرب الذي يعلي من هذه القيم الحديثة، فهي الوجهة المفضلة للاجئين في عصرنا). غير أن هذا الاعتراض الذي يبدو منطقياً للوهلة الأولى، يمكن أن يرتد على اللاجئين أنفسهم، وبخاصة حين يشكلون جالية كبيرة نسبياً لديها رابط هوية قوي يضم أفرادها: وماذا عن تقبلكم أنتم للآخر (المجتمع المضيف) وثقافته؟ لماذا ترفضون الاندماج إذا كنتم تنافحون عن وجوب تقبلهم لهويتكم الثقافية؟ لماذا لا تتقبلون أنتم ثقافة المجتمع المضيف، بل تتمسكون بثقافتكم الأصلية بكل هذا العناد؟ أليس هذا صورة عن رفض الآخر المختلف؟ واقع الحال أن اللاجئين الجدد في زماننا، وهم بالملايين، يخضعون عموماً لمتطلبات الاندماج، دفعاً للضرر أكثر من كونه قبولاً إيجابياً عن قناعة. فهم الطرف المحتاج، وهم الذين يواجهون الرفض من قسم من المجتمع المضيف، ما لم يكن من كله. بل هناك حالات من الكلبية بين اللاجئين الذين يقرّعون أبناء جلدتهم بقسوة بدعوى رفض الأخيرين للاندماج، ويحمّلون ثقافتهم مسؤولية نزعة الانغلاق و«التخلف» المتأصلة فيها حسب رأيهم.

لا نعرف، بعد، الآثار المستقبلية لهذا التقبل على مضض، وبخاصة على الجيل الذي سينشأ أو يولد في بلدان اللجوء. لذلك لا يمكن الجزم بـ«أحقية» وجهة نظر على أخرى، أو الدفاع الحماسي عن أحدهما.

يبقى أن اللجوء الجديد الذي أعقب الحروب المدمرة في بلدان الربيع العربي، كسوريا وليبيا واليمن، إضافة إلى العراق، أشبه ما يكون بموجات الهروب الجماعية الكبرى الناجمة عن كوارث طبيعية. ما أصاب سوريا، على سبيل المثال، يشبه آثار زلزال كبير ضرب كامل الجغرافيا السورية تقريباً، مع فارق أن الزلازل تستمر لدقائق معدودة، مع بعض الارتدادات. في حين أن الزلزال الذي افتعله النظام المجرم متواصل منذ ثماني سنوات قابلة للاستمرار.

على أحد ما أن يشرح لجبران باسيل سبب استمرار الزلزال السوري بما في ذلك تدخل حليفه حزب الله العسكري في سوريا.

كاتب سوري

القدس العربي

جبران باسيل وورقة اللاجئين السوريين/ بشير البكر

بين حين وآخر، يرمي وزير خارجية لبنان، جبران باسيل، قنبلةً صوتيةً لإثارة الخوف من وجود اللاجئين السوريين في لبنان. مرة هم “قنابل موقوتة” يهدّدون الاستقرار اللبناني، ويشكلون خطرا إرهابيا على أوروبا، وثانية يعطّلون تصدير التفاح اللبناني، وأخرى يفسدون موسم السياحة. وجديد ما جادت به قريحة الوزير أن اللاجئين باتوا خطرا على النسيج الاجتماعي اللبناني.

تقول إحصاءات دولية إن تعداد اللاجئين السوريين في لبنان قبل نهاية عام 2017 أقل من مليون نسمة، وعاد منهم عشرات الآلاف منذ ذلك الحين لأسباب مختلفة، أهمها الممارسات العنصرية التي يتعرّضون لها على المستوى الرسمي، حيث بلغت عنصرية بعض البلديات حد إصدار أوامر منع تجول ليلي تطاول السوريين، ولقي ذلك استنكارا لدى أوساط لبنانية من منظمات المجتمع المدني الناشطة بين اللاجئين. وجرى تفسير هذا الإجراء المعيب بأنه للحد من التجاوزات التي يقترفها بعض اللاجئين. ومؤكّدٌ أن هناك من بين اللاجئين أشخاصا لا يحترمون القوانين، وقاموا بتجاوزاتٍ لا يقرّها أحد، وهذا حصل في لبنان وغير لبنان من بلدان اللجوء، ومثال ذلك تركيا التي حصلت على أرضها عشرات الحوادث، ولكن الحكومة التركية امتصت تجاوزاتٍ كثيرة بالتعامل معها بوضعها في إطارها، ومنعت بذلك توظيفها لتجريم اللجوء السوري فوق أرضها، والذي استقبلته بتفهم شديد، وأعطته الفرصة كي يقدم أفضل ما لديه، فصار السوريون مثالا للاندماج والإنتاجية في العمل والمثابرة وحسن الجوار.

من يستعد تصريحات باسيل على مدار السنوات الماضية يستنتج أن وجود اللاجئين السوريين في لبنان يشكل خطرا على مستقبل التعايش، وهم قنبلة موقوتة ستنفجر لتدمّر الصيغة اللبنانية الحالية القائمة على التوازنات الطائفية. هذا إذا اعتبرنا أن باسيل يرمي من مقولة النسيج الاجتماعي التوطين، وهذا بعبعٌ يلوّح به زعماء سياسيون في لبنان، وسبق لهم أن أشهروا هذا الخوف في وجه الفلسطينيين الذين نفخوا أعدادهم حتى تتضخم المخاوف في ذهن الرأي العام، ثم تبين في الإحصاءات أن عددهم لا يتجاوز نصف الرقم المعلن، ولم يتم تجنيس سوى فئات قليلة منهم. وسواء قاس الوزير أثر تصريحه الأخير، أم أنه أطلقه من دون حساب، فإن سمعة اللاجئين السوريين باتت على لسان باسيل، واستمر يلوكُها بمناسبة ومن غير مناسبة، حتى وصل به التحامل إلى حد تحريض العالم من أجل الضغط على اللاجئين للعودة إلى سورية، من باب وقوفه إلى جانب النظام السوري الذي يلعب ورقة اللاجئين، من باب طلب مساعدات دولية لإعادة الإعمار، وزج الشباب في القتال ضمن قواته ضد الفصائل المسلحة. والغريب أن الائتلاف وهيئة التفاوض يصمّان الآذان عن تطاول باسيل، ولا يحرّكان ساكنا، وفي أيديهم كل الأسباب القانونية لتحريك دعوة قضائية ضد وزير الخارجية اللبناني أمام المحاكم الدولية لحقوق الإنسان، ذلك أن اللجوء واحترام كرامة اللاجئين محفوظان في الاتفاقيات الدولية.

يصدر جبران باسيل عن مزاج عنصري، شائع في لبنان منذ زمن طويل. ويتحول هذا العارض المرضي من حين إلى آخر. في الماضي غير البعيد، كان الفلسطيني وأبناء الطوائف الأخرى هم الهدف، وانضاف إليهم اللاجئون السوريون. ويلعب باسيل هذه الورقة، وهو يدرك مردودية الشعبوية، فالرجل الذي وصل إلى منصب وزير خارجية في لبنان من دون كفاءة سياسية، فقط لكونه صهر الرئيس ميشال عون، يذهب بنظره نحو البعيد، ولا يقبل أقل من وراثة الجنرال الذي جاء إلى الحكم على جناح تحالفه مع حزب الله، حليف دمشق التي نفته خارج بلده قرابة 15 عاما، وعاد من باب تقديم الولاء والطاعة.

العربي الجديد

واشنطن الباردة القاسية..إسطنبول الدافئة “السورية”/ شعبان عبود

قد تكون الفائدة الكبرى التي لا تقدر بثمن من تجربة الاغتراب السورية المؤلمة، واضطرار الكثير من السوريين إلى الهجرة، هي معرفتنا وتعرفنا على مدن وبلدان وثقافات ومجتمعات جديدة.

قبل هذه التجربة المرّة، لم يكن ليتسنى للغالبية العظمى منا أن يمتلكوا ترف السفر والتجوال في جهات الأرض كلها، وقاراتها الست. لقد كان لرحلة اللجوء الاضطرارية، ورغبة الكثير من السوريين في البحث عن الأمن والعيش بسلام، وتطلعهم لحياة كريمة، كان لكل ذلك، دور في ازدياد معرفتنا بالعالم الذي نعيش فيه بعد سنوات وعقود طويلة من العيش، في ظل نظام سياسي حديدي مغلق، وظروف اقتصادية صعبة، ظروف منعت غالبيتنا من إمكانية الخروج والسفر والتعرف على العالم، أو حتى مجرد التفكير بذلك.

لا بل يمكن القول في هذا الصدد إن غالبية من السوريين، لم يملكوا فرصة التنقل بين محافظة وأخرى، ولم يكونوا على علم ومعرفة بكل الجغرافية السورية، وما تملكه من اختلاف وتنوع اجتماعي وبيئي وثقافي وموروث حضاري. فابن محافظة السويداء على سبيل المثال لم يتسن له زيارة درعا المجاورة، ولم يتعرف على مدرج بصرى، بل ربما لم يكن لديه الإمكانية الاقتصادية لممارسة هذا “الترف” السياحي، بل ربما ليس لديه الرغبة للقيام بذلك وهو الخاضع، مثلنا تماما، مثل أي سوري آخر، لأفكار مسبّقة عن الآخر، عن السوري الآخر الذي يعيش فقط على بضعة كيلومترات فقط منه.

ينطبق ذلك على ابن محافظة إدلب، وابن محافظة حلب والرقة ودير الزور والكردي في الحسكة وغيرها، كثير منا لم يتسن له زيارة حلب مثلا، أو معرفة أسواقها ومبانيها وعراقتها، لم يتسن له تذوق طعم المأكولات الحلبية، التي تعتبر ربما، الألذ والأشهى بين جميع المأكولات العالمية. وينطبق ذلك على ابن ريف دمشق، الذي ربما لم يتسن له معرفة أحياء دمشق القريبة جدا، أو التعرف على تاريخها وعراقتها وتذوق حلوياتها الشهيرة. ربما هناك الآلاف ممن لم يتسن لهم التجول في سوق الحميدية، ربما هناك في دير الزور ممن لم ير ولم يسمع بعيد النيروز الذي يحتفل فيه الأكراد في الحسكة أو الرقة المجاورتين.

هذا السوري الذي ينتمي لكل الجغرافية الوطنية، والموزع على كل المحافظات، فجأة ، وجد نفسه مقذوفا خارج سوريا بعد 2011 ، أو بعد انطلاق الثورة السورية، وما واكبها من حملات قمع استهدفت الجميع، وطالت كل شيء، الأشخاص والمدن والقرى والبيوت. هكذا، ومباشرة، ودون مقدمات، وجدنا أنفسنا نخرج من قرانا النائية، ومدننا الجميلة، لنجد أنفسنا لاجئين في شوارع المدن الكبرى، مثل برلين وباريس، واستوكهولم، وإسطنبول، وواشنطن، ونيويورك، وغيرها. ومن لم يستطع الوصول إلى هذه المدن، وصل إلى غيرها، مثل القاهرة وعمان وبيروت.

وإذا كانت تجربة اللجوء في البلدان العربية التي استقبلت آلاف اللاجئين السوريين تجربة مرّة وقاسية، حيث لم تستطع هذه البلدان،  أو ربما لم تشأ، أن تقدم ما يحتاجه هذا اللاجئ، فتحولت حياته إلى معاناة أكثر حدة وقسوة من بلاده التي خرج منها، فإن السوري الذي لجأ إلى دول أوروبية وغربية أخرى، ورغم تلبية أغلب احتياجاته الإنسانية في السكن والتعلم والعمل، فإنه أيضا عانى من قسوة مختلفة. قسوة مرتبطة بالإحساس بالانقلاع من الجذور، والاضطرار للعيش في مجتمعات وأنظمة وأنماط حياة، مختلفة تماما عن التجربة في الوطن الأم من ناحية الثقافة واللغة والعادات والتقاليد.

فهذا السوري الذي شعر بغبطة الوصول إلى ضفة الأمن والسلام وعدم الخوف، وجد نفسه في اليوم التالي وحيدا، عاريا، غريبا، في مجتمع لا يشبهه، ولا يربطه به أي شيء. لتبدأ بعد ذلك رحلة معاناة من نوع مختلف تماما عن معاناة افتقاد الأمن، أو توفر الحاجيات الأساسية، التي كان يفتقدها في وطنه الأم.

السوري في البلدان الغربية، ورغم حصوله على الإنترنت السريع، والمياه الساخنة، والكهرباء التي لا تنقطع، والتجول في شوارع نظيفة، وامتلاكه سكنا يتسع لعدد أفراد أسرته، رغم حصوله على كل ذلك، فإنه لم يكن سعيدا طوال الوقت، وبدأ يسترجع ذكرياته الجميلة، عن قريته البعيدة ويحلم بالعودة إليها.

أنا أفهم تماما هذا الشعور، لقد شعرت به منذ نحو أكثر من 12 عاما، حين وصلت إلى الولايات المتحدة. ففي الأيام والأشهر الأولى، شعرت بسعادة لا توصف، وخاصة أني، وللمرة الأولى، استطعت فيها النوم بدون خوف من قرع الباب المفاجئ، أو من الاتصال الهاتفي من جهة أمنية تستدعيني لمراجعتها، لا بل إني شعرت أني تأخرت كثيرا عن الولايات المتحدة بسبب عدم الاستفادة من الفرص التي توفرت لي للخروج من سوريا مرة واحدة وللأبد.  لكن بعد نحو أقل من عام، وجدت نفسي كئيبا وحزينا، رغم كل ما وفرته لي ولأولادي، الولايات المتحدة.

لقد اكتشفت أن المسألة تتعدى الحصول على احتياجاتي الأساسية، مثل النوم بدون خوف، والحصول على  الإنترنت السريع، والماء الساخنة، والكهرباء، والسيارة الخاصة والحديثة، وموقف السيارة وغيره..لقد شعرت أني يتيما، وحيدا، ولا أحد من أصدقائي وأقربائي حولي. لم أعد أسمع اللغة العربية، واللهجات السورية، لم أعد أستطيع التجول في أسواق حلب أو دمشق، لم أعد أستطيع تناول سندويشة فلافل، أو صحن فول من هذا المطعم الصغير أو ذاك، المتوفرة في أغلب مدننا وقرانا. لم أعد أستطيع الاحتفال بقدوم العيد، لم يعد هناك من يقرع باب بيتنا فجأة ليزورني، ويتناول معي فنجان قهوة، أو يشاركني طعامي. لقد شعرت فجأة أني افتقدت كل التفاصيل الحميمة. وعلى هذا المنوال، مرّت السنين، إلى أن توفرت لي فرصة زيارة إسطنبول منذ نحو 3 أشهر.

منذ اللحظة الأولى، وبعد أن وطأت أقدامي هذه المدينة، شعرت أني استرديت شيئا ما، شيئا خاصا وعزيزا. و رغم أنها ليست مدينة سورية، فهي ليست دمشق أو حلب، أو حمص، أو إدلب… لكن بالتأكيد  فيها شيء من كل مدننا السورية.

في إسطنبول، وبخلاف واشنطن وولاية فرجينيا القريبة حيث أعيش، سمعت اللهجات السورية للمرة الأولى، ورأيت وجوها سورية، وشممت روائح الأكل والطعام السوري تخرج من المطاعم، التي تنتشر بكثرة هنا وهناك في المدينة، وبخاصة في حي الفاتح، حيث تعيش غالبية من السوريين ، حيث قرر بعضهم أن يفتتح مطعما أو مقهى، أو حانوتا صغيرا.

في إسطنبول رأيت الناس يمشون في الشوارع، يتحدثون بصوت عالٍ، سمعت أيضا أغان سورية هنا وهناك. لكن قبل كل ذلك في إسطنبول، التقيت بأصدقائي الذين تركتهم ورائي في دمشق وحلب وغيرها من المدن، رأيت غالبيتهم، وجلسنا سوية أكثر من مرة، نستعيد ذكرياتنا وما انتهينا إليه اليوم.

ورغم أني أشعر بالأمان تماما حين أقود سيارتي في فرجينيا أو واشنطن، حيث يلتزم الجميع بقواعد القيادة وحدود السرعة، ورغم أني لم أشعر هذا الشعور في إسطنبول، خلال استخدامي سيارات الأجرة في تنقلاتي، فإني استطعت أن ألمس مباشرة دفء العلاقة مع المكان والشوارع وسائقي سيارات الأجرة، بعكس واشنطن، حيث الأبنية تبدو قاسية الملامح، باردة، وتفتقد شوارعها لدفء الناس، وحيويتهم وأصواتهم.

ثمة مسألة أخرى ملفتة و تسترعي الانتباه حين الحديث، أو المقارنة بين واشنطن وإسطنبول، فرغم الظروف الاقتصادية الصعبة للغالبية من السوريين في هذه المدينة، أو غيرها من المدن التركية، فإنك تستطيع أن تلحظ بسهولة على وجوههم علائم حب الحياة والتعلق بها، والرغبة في تحدي تلك الظروف، والاستمتاع باللحظة الراهنة، بعكس الوجوه التي تصادفها في واشنطن، الوجوه الصامتة، الشاردة بعيدا في ساعات الذهاب إلى العمل صباحا، والمتعبة، الكئيبة، المرهقة في ساعات العودة إلى البيت مساء. يمكنك أن ترى الأميركي، أو من يعيش في الولايات المتحدة، يركب أفخم السيارات وأحدثها وأغلاها ثمنا، لكنك سوف لن تجد سعادة وحياة على وجهه، كتلك التي تراها على وجوه المارة في شوارع إسطنبول.

هناك بالتأكيد مليون تفصيل وفرق يمكن ملاحظته عند الحديث عن هاتين المدينتين، لكن أهم شيء يفرض نفسه على السوري القادم من مدينة غربية، هو رائحة وعبق المدن السورية في إسطنبول، رائحة وعبق آلاف السنين من التاريخ، والثقافة واللغات والعادات، التي تشعر أنها تعنيك بشكل شخصي، أو أنك جزء منها، ولا يمكنك أن تتنفس أو تعيش بسعادة وانسجام بدونها، أو بعيدا عنها.

هل نحن جميعا نبحث في كل المدن التي نصلها عن دمشق وحلب وغيرها ولا نجدها، فنشعر بالتعاسة، لكن وحين نجد بعضا منها فيها، فنشعر أننا استردينا بعضا من عافيتنا وأرواحنا المتعبة؟؟ ربما يكون كذلك، ربما أنني كنت أبحث عن سورية الضائعة ما بين واشنطن وإسطنبول..ربما.

تلفزيون سوريا

زوجة موقتة…” معضلة لاجئات سوريات في مصر/ إيهاب زيدان

فجأةً، وجدت السورية ريم (36 سنة) نفسها وحيدة في شوارع محافظة أسوان المصرية، من دون أي مأوى أو معيل، بعدما تخلّى عنها زوجها المصري محمد وتنصّل من حقوقها عقب زواجهما “العرفي” غير الموثّق في المحاكم المصرية.

لم تتمكّن ريم من توثيق عقد زواجها من محمد لأنّها لم تتمكّن من تثبيت طلاقها من زوجها السابق السوري في الدوائر الرسمية السورية، فيما يشترط “مكتب زواج الأجانب” في مصر، على الأجنبية الراغبة بالزواج من مصري أن تمتلك قيد نفوس، يوضح حالتها الاجتماعية، ولأن ريم ما زالت متزوّجة في وثائقها السورية، لم تتمكّن من توثيق زواجها من المصري محمد.

دخلت ريم إلى مصر في نيسان/ أبريل 2012، بعد أن انفصلت عن زوجها السوري، وفي الشهر ذاته من عام 2014 تزوّجت محمد وأقامت معه في مدينة نصر وبعدها في محافظة الشرقية، عاماً و8 أشهر.

تقول ريم إنّها عادت إلى سوريا لرؤية أولادها، ثم عادت إلى مصر لتجد زوجها قد تنصّل منها باتصال هاتفي أخبرها فيه أنّه تزوج من امرأة مصرية وبدأ معها حياة جديدة ولا يريد أي مشكلات.

وثّق هذا التحقيق على مدار 6 أشهر، قصص 6 نساء سوريات لاجئات بينهنَّ ريم، تزوجنَ من مصريين بعقود عرفية غير موثقة، ثم قام أزواجهنَّ بتطليقهنَّ بعد مرور أشهر على الزواج، وتنصّلوا من جميع الحقوق، بما في ذلك النفقة والمسكن والمتعة (مبلغ من المال) وإثبات الزواج ونسب الأولاد.

لا يتطلّب الزواج العرفي سوى ورقة يوقع عليها كلا الطرفين عند أحد المحامين فيُصبحان زوجين.

ويرصد التحقيق، استغلال رجال مصريين، الظروف الاقتصادية لنساء سوريات لاجئات في مصر، وعدم امتلاكهنَّ وثائق، ليتزوجوهنَّ بعقد “براني”، ثم ما يلبث هذا الزواج أن ينتهي من طرف الزوج، وتفاقم المشكلة، الكلفة العالية التي تفرضها السفارة السورية لاستخراج الوثائق، أو تعديل البيانات واستحالة استخراج بعضها.

يحدث ذلك في ظل تقاعس مفوّضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة عن دورها في تقديم العون للنساء السوريات، إضافةً إلى عجز منظمات المجتمع المدني السورية والمصرية المهتمة بالمرأة عن تقديم مساعدة فعلية لتلك النساء، والنظرة الاجتماعية التي تلازم تلك النساء بعد الطلاق.

تأشيرة عبور

في الثامن من شهر تموز/يوليو 2013، أعادت سلطات مطار القاهرة طائرة تابعة للخطوط السورية من حيث أتت إلى محافظة اللاذقية السورية، بموجب بدء تطبيق إجراءات الدخول الجديدة على السوريين، وكان ذلك تاريخ فرض تأشيرة وموافقة أمنية مسبقة على دخول السوريين إلى مصر.

بعد هذا التاريخ بأكثر من عامين، شعرت ريم بالاشتياق لأولادها في سوريا، فغادرت إلى هناك لرؤيتهم، ثم حاولت العودة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 ولكن الدخول هذه المرّة لم يكن سهلاً إذ فوجئت ريم بفرض تأشيرة “صعبة المنال” ما دفعها للسفر إلى السودان، ومنها إلى مصر من طريق التهريب عبر الحدود الجنوبية.

توضح ريم أنّها بعد وصولها إلى مصر اتصلت بزوجها الذي بدوره تنصّل منها وارتبط بأخرى مصرية من دون أن يعطيها أياً من حقوقها، ما اضطرها لاحقاً إلى الإقامة في حديقة “مدكور” في محافظة أسوان جنوب مصر، فقدت هناك وثائقها بما في ذلك عقد الزواج، إلى أن تكفّلت “الهيئة السورية لشؤون اللاجئين في مصر” برعايتها ولا تزال ترعاها حتى الآن.

يقول رئيس الهيئة تيسير النجار: “عرضنا ريم على طبيب نفسي لتأهيلها جراء الصدمة التي تعرضت لها”.

تتشابه قصّة ريم مع الشابّة السورية كندة (33 سنة- اسم مستعار) لجهة أنّها اضطرت للزواج من مصري بعقد عرفي، لأنّها لا تملك أوراقاً رسمية لتثبيت زواجها بشكل نظامي كونها دخلت للمرّة الأولى إلى مصر عبر الحدود السودانية بشكلٍ غير شرعي، لكن وجه المأساة في حكاية كندة أنّها أنجبت من علاقة الزواج هذه، وتقول إن زوجها تركها مع رضيعها وتنصّل من جميع مسؤولياته تحت ضغط زوجته الأولى وباتت الشابّة مع رضيعها من دون أي مأوى أو إعالة.

قدمت كندة إلى مصر في آذار/ مارس 2014، وأقامت عند أحد أقاربها، ثم تزوجت في تموز 2017، من أيمن (اسم مستعار) الذي يعمل أستاذاً في معهد أزهري، وتطلقت في حزيران/ يونيو 2018 بعد أن أنجبت طفلاً من زوجها المصري الذي كان بدأ استخراج أوراق جديدة لها ولابنها قبل أن تتدخّل زوجته الأولى وتبدأ بتهديد المحامي لوقف استخراج الأوراق ومنع قوننة وضع كندة على الأراضي المصرية.

تقول كندة “إنَّ زوجة زوجها هي من خطبتها له بإرادتها من أجل الإنجاب، كونها لم تنجب له أطفالاً، ولكنّها هي ذاتها انقلبت عليها” موضحةً أن هذه الضغوطات انتهت بعدما قام الزوج بتطليق كندة.

وتشير إلى أنّها قبلت بالزواج العرفي لأنها تريد تأسيس حياة جديدة وأن يكون لديها منزل وحياة سوية، وأن تتخلّص من الضغوطات المادية وعبء الإقامة عند أقاربها.

يشير المحامي يوسف المطعني، عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي، إلى أن “أبرز الأسباب التي تحول دون قدرة السوريين على تثبيت الزواج في مصر، هو دخول بعضهم من السودان من طريق التهريب بسبب عدم قدرتهم على الحصول على تأشيرة دخول رسمية، ما يجعلهم مخالفين على الأراضي المصرية”.

عجز المنظمات

طرقت كندة باب منظمات معنية بالمرأة بينها “الهيئة العامة للاجئين السوريين في مصر، رابطة سوريات، لجنة الإغاثة السورية وسوريانا”، لكن الإجابة كانت “لا يمكننا فعل أي شيء”.

تقول لطيفة دغمان رئيسة رابطة سوريات المعادي وحلوان، وهي رابطة تهتم بشؤون المرأة ودمج اللاجئات: “لا يمكننا فعل أي شيء تجاه تلك الحالات، لأنَّ زواجهنَّ غير موثق، وبالتالي لا تعترف به الجهات الرسمية على الإطلاق”.

وأضافت: “نحاول ودياً التواصل مع الزوج من أجل استعادة حقوق امرأته، عبر تنشيط الوازع الديني لديه، إذ إننا لا نملك غير ذلك”.

يقول تيسير النجار، رئيس الهيئة السورية لشؤون اللاجئين في مصر: “لا نتدخل في مثل تلك الأمور، فقط نقدّم المساعدات المادية والطبية والنفسية وفي حال تلقّينا شكاوى نحاول حلها بالأساليب الودية، فإذا ما فشلت لا سبيل لغيرها”.

عن حالة كندة، يؤكّد المحامي عصام حامد المهتم بشؤون السوريين في مصر، أن عملية إثبات نسب رضيعها تتطلّب، توكيل محام ورفع دعوى لتثبيت الزواج يليها دعوى إثبات نسب الطفل، وهو ما عجزت عنه بسبب عدم قانونية وضعها على الأراضي المصرية.

وتشير كندة إلى أنّ عدم امتلاكها الأموال الكافية لتوكيل محامي لقوننة وضعها في مصر، ثم رفع دعوى قضائية لتثبيت الزواج، ثم دعوى لإثبات نسب الطفل، إضافةً إلى خوفها من التهديد الذي تواجهه من زوجة زوجها بسبب نفوذ عائلتها الكبير، حال دون قدرتها على إثبات نسب ابنها.

نصف مليون لاجئ سوري

وفقًا للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في حواره مع مجلة “لوفيغارو” الفرنسية في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، فإن عدد السوريين في مصر بلغ 500 ألف، بينهم 127 ألفاً مسجّلون لدى “مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” في مصر وفقاً لما جاء على موقعها الإلكتروني، هذا الوجود السوري في مصر، أفرز 10 آلاف حالة زواج بين مصري وسورية عام 2012، وفقاً لإحصاء المركز القومي للمرأة، انخفض الرقم خلال 2017 حيث سجّل مكتب زواج الأجانب التابع لوزارة العدل المصرية 472 حالة زواج موثّق في الدوائر الحكومية بين مصري وسورية.

وفي ظل غياب الإحصاءات عن الزواج العرفي، حاول معد التحقيق الوصول إحصاء حالات الزواج “البراني” المرفوعة لدى ثلاثة محامين مصريين في محافظة القاهرة، تم اختيارهم لتخصّصهم في هذه القضايا، حيث عمل المحامي المصري رابح الدسوقي على 200 دعوى تثبيت زواج بين سوريات ومصريين بين عامي 2016 – 2018 نجحت نصفها حتّى الآن، في حين عمل المحامي يوسف المطعني على 110 دعاوى تثبيت زواج خلال عامي 2017 – 2018، في حين عمل المحامي عصام حامد على 900 دعوى تثبيت زواج بين سوريات ومصريين ما بين عامي 2013 – 2018.

يقول المحامي السوري فراس الحاج يحيى مدير “التجمع الحقوقي السوري” “إنه يتلقى اتصالات يومية للاستفسار عن إجراءات الزواج” موضحاً أن 10 في المئة من هذه الحالات يكون الزوج فيها مصري، وما بين 60 – 70 في المئة من هذه الحالات يكون الزواج غير موثّق”.

ويقول المحامي عصام حامد: “إن 70 في المئة من حالات الزواج غير الموثق تضيع فيها حقوق المرأة بسبب تنصّل الزوج”، لافتاً إلى أنه قابل أكثر من 100 لاجئة سورية زوجها تركها وحيدة واختفى، تنوعت بين من طُلقت ولم تستطع الحصول على حقوقها، وأُخريات لم يحصلنَ على الطلاق، ومنهنَّ من أنجبنَ اطفالاً بالفعل وبقوا من دون تسجيل.

متاهة الزواج السابق

“خليكي عند رفيقتك أنتي طالق” مكالمة قصيرة مقتضبة، تلقّتها نادين- اسم مستعار- (39 سنة) من زوجها المصري عامر، لينهي بها حياة زوجية استمرت 14 شهراً، كانت  نادين تعيش معه في شقة في القاهرة.

غادرت نادين منزلها لزيارة صديقتها في مدينة العبور المصرية، وخلال وجودها هناك طلّقها زوجها عبر الهاتف بضغطٍ من عائلته التي كانت رافضة للزواج لأن نادين، مطلّقة وهو بكر، كما أنّها تكبره بـ6 سنوات ولديها أولاد.

تقول نادين: “جئتُ إلى مصر، ومن طريق إحدى صديقاتي تعرفتُ إلى عامر (اسم مستعار) الذي كان يعمل معها في معمل للألبان والأجبان، وبعد لقائنا بأسبوعين فقط طلب مني الزواج وأقنعني بالقبول لأن كلينا يعيش وحيداً، وافقت على الفور لأنني كنت أقيم عند أحد معارفي في منطقة الشرابية الشعبية في القاهرة وكنت أشكل عبئاً عليهم أنا وابنتي”.

أقنع عامر نادين بالزواج بموجب عقد عرفي فوافقت لأنها لم توثق طلاقها بعد من زوجها السوري السابق.

وتوضح نادين أنّ ليس لديها أي معارف في سوريا ليقوم برفع دعوى التفريق مع زوجها السابق نيابةً عنها، كما أنّها لا تملك المال الكافي لذلك.

خلال فترة زواج نادين من عامر كانت تواجه معارضة عنيفة من عائلته، وتقول إنّها حاولت استمالة هذه العائلة من دون أي جدوى لينتهي الأمر برضوخ عامر لمطالب عائلته وتطليقها عبر الهاتف.

بعد الطلاق حاولت نادين البحث عن عامر بشتّى الوسائل لتحصيل حقوقها، لكنّه غير مكان سكنه وعمله ورقم هاتفه وتقول: “لا أحد يعرف مكانه، كأنه فصّ ملح وداب”.

نادين واحدة من 3 فتيات قابلهنَّ معد التحقيق وقبلن بالزواج العرفي بسبب عدم توثيق طلاقهنَّ القديم من أزواجهنَّ، واحدة منهنَّ يعيش زوجها معها في مصر ويرفض تطليقها في المحكمة قبل أن تتنازل له عن عقار تملكه في سوريا.

تعلّق المحامية السورية رهادة عبدوش على هذه الحالة، بأن “الطلاق الشفهي لا يُعتبر طلاقاً إلا إذا تم إثباته بالمحكمة”.

وأضافت عبدوش: “على المرأة السورية المقيمة خارج سوريا الراغبة بتثبيت طلاقها أن توكّل أحد معارفها في سوريا ليرفع دعوى تفريق نيابةً عنها”، موضحةً أن هذه الدعوى مشكلتها الرئيسية تكمن بالوقت الطويل، فقد تستغرق ثلاث سنوات وخصوصاً في حال تعنّت الزوج ورفض الطلاق، كما أنّها تكلّف نحو 300 دولار داخل سوريا، ونحو 100 دولار خارجها، ليكون المبلغ الإجمالي نحو 400 دولار.

خلط القوانين المصرية بالسورية

يشكّل الخلط بين القانونين المصري والسوري من أكبر المشكلات التي تواجهها النساء السوريات خلال الزواج، وفق ما يوضح المحامي المصري المهتم بقضايا السوريين يوسف المطعني قائلاً: “إن السوريين يتزوّجون في بلدهم عند المأذون (الشيخ) ثم يثبّتون الزواج في المحكمة الشرعية، إنما في مصر الأمر يختلف حيث يُبرَم عقد الزواج بمكتب زواج الأجانب التابع لوزارة العدل المصرية في حال كان أحد الزوجين أجنبياً، أو يتم إبرام عقد زواج لدى محامٍ، ثم توكيل محامٍ لرفع دعوى تثبيت الزواج” وهو الأمر الذي يجهله كثيرون من السوريين في مصر، لأن هذه الطريقة تتطلّب أوراقاً معقّدة وهي: “قيد نفوس حديث لم يمر على صدوره ثلاثة أشهر يوضح الحالة الاجتماعية وموثّق من الخارجية السورية، إضافةً إلى موافقة ولي أمر الزوجة بعدم الممانعة من الزواج موثق من السفارة السورية، وإقامة سارية، وجواز سفر، إلى جانب شهادتين صحيتين بعدم وجود مانع للزواج”.

وأشار المطعني، إلى أن كثيرين من السوريين لا يمكنهم استخراج قيد من الأراضي السورية لعدم وجود أقارب لهم في سوريا أو أن الحرب الدائرة في سوريا تعيق حركتهم لاستخراجها، ولا يكون أمامهم سوى السفارة لاستخراجها.

ولكن الوثائق في السفارة السورية تُعتبر باهظة الثمن مقارنة بالحالة الاقتصادية لمعظم السوريات في مصر، إذ بلغت تكلفة استخراج جواز السفر البطيء 300 دولار، والمستعجل 800 دولار، في حين تكلّف الوكالة العامة 100 دولار، وسند الإقامة 50 دولاراً، وذلك وفقاً لما ورد على موقع السفارة السورية في القاهرة.

هذه الأسعار كانت العائق الرئيسي أمام كندة التي تزوّجت بعقد عرفي لأنّها لم تتمكّن من دفع أموال طائلة لسفارة بلادها، ما جعلها لا تستطيع رفع دعوى لتثبيت زواجها، وكذلك لإثبات نسب رضيعها.

في هذا الإطار، تؤكّد دغمان أن “ارتفاع تكاليف استخراج أوراق من السفارة يمثل دافعاً لدى كثيرين من اللاجئين السوريين في مصر لعدم استخراج أي أوراق من السفارة، ولا يلجأون إلى تسجيل أي تغيير في أحوالهنَّ الاجتماعية، إذ إنهم مطالبين بالدفع مقابل أي قصاصة يحصلون عليها، في ظل ظروف صعبة يعيشونها هنا”.

كما أن معظم السوريين المُعارضين للنظام السوري، يعكفون على عدم التوجّه إلى السفارات والقنصليات السورية لاستخراج الأوراق.

ولكن المحامي عصام حامد، يؤكّد أنّه في حال حدث الزواج فعلاً بعقد عرفي ورغبت الزوجة بتثبيت الزواج، فإن “مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” في مصر تتحمّل التكلفة، كما أن المحاكم المصرية تستثني شرط وجود إقامة سارية، موضحاً أنّه بعد أن شرح هذه النقطة في ندوة توعوية أمام النساء السوريات، وجد أن 400 امرأة طالبنَ برفع دعاوى تثبيت زواج، مضيفاً: “كُنَّ يجهلن تلك المعلومة”.

وتؤكّد المحامية السورية رهادة عبدوش أنَّ السورية في مصر في حال تزوّجت مصري بإمكانها أن تلاحقه وترفع دعوى قضائية من أجل تثبيت زواجها.

140 دولاراً: مهر غير مقبوض!

تعيش السورية أحلام مع أولادها الثلاثة في محافظة الجيزة، في ظروف اقتصادية سيئة، ما منعها من تجديد إقامتها وإقامات أولادها، حتّى جاءها خبر وفاة زوج ابنتها في سوريا، وباتت مضطرة للذهاب إلى هناك لتعزيتها والوقوف إلى جانبها، وبسبب عدم امتلاكها إقامةً داخل مصر فإنّها في حال غادرت إلى سوريا لن تتمكّن من العودة.

تقول أحلام: “كنت أعمل في بوفيه في إحدى المؤسّسات لأوفر المال لعائلتي، حتى بتنا نتخلّى عن بعض أنواع الأطعمة واللحوم ليكفينا الراتب”.

تكلّف معاملة تجديد الإقامة نحو 550 جنيهاً، تضاف إليها غرامات تأخير تبلغ 1053 جنيهاً عن التأخّر للأشهر الثلاثة الأولى، و550 جنيهاً عن كل ثلاثة أشهر تتبعها، ما راكم الغرامات على أحلام التي باتت عاجزة عن استخراج هذه الإقامة.

لجأت أحلام إلى محام مصري يُدعى محمود لمساعدتها فاستغلَّ أزمتها ليفرض عليها الزواج منه بعقد عرفي مقابل مساعدتها على استخراج إقامات لها ولأولادها، وذلك بعد أن أقنعها أنَّ هذا الزواج هو الطريقة الوحيدة لاستخراج الإقامة، ووعدها بمساعدتها على استخراج الإقامات من خلال معارفه وتحمّل تكاليفها.

وافقت أحلام على الزواج منه بعد انسداد كل الطرق بوجهها، وتخلّت له عن جميع مصاريف الزواج، حتّى أنّه أقام في منزلها في منطقة أكتوبر في الجيزة.

تقول أحلام: “أخذني إلى مكتب أحد المحامين من معارفه وكتب عقد الزواج هناك وحدّد المهر بـ1000 جنيه مقدّم و1000 جنيه مؤخّر (140 دولاراً)، فوافقتُ ووقعت على العقد بعد أن أقنعني بأنه سيوّفر الأموال لمصاريف الزواج واستخراج الإقامات”.

عقد زواج أحلام العرفي

بعد الزواج، استحصل لها على إقامة مدّتها ستة أشهر تمكّنت على إثرها من السفر إلى سوريا والعودة إلى مصر، ورفض استخراج أي إقامات لأولادها كما وعدها بحجّة أنّهم راشدون ويستطيعون كسب المال.

تقول أحلام: “تنصّل ممّا وعدني به، وكان يأتي إليَّ يوماً واحداً في كل أسبوع ويعطيني مصروفاً للمنزل ما بين 100 – 200 جنيه (7 – 14دولاراً) كما أنّه لا يدفع إيجار الشقّة”.

كل ذلك دفع أحلام إلى طلب الطلاق فطلّقها من دون أن يعطيها أياً من حقوقها، بما في ذلك الـ 2000 جنيه المقدّم والمؤخّر، ثم بدأ يهدّدها بأنّه سوف يرحّلها مع أبنائها إلى سوريا، إذا لم ترسل له عقد الزواج العرفي لمنعها من الحصول على حقوقها.

عرضنا جميع عقود الزواج التي حصلنا عليها من النساء السوريات، على المحامي المصري محمد عاطف، المتخصّص في القانون المدني، فأكّد صحّة هذه العقود، طالما أنّها احتوت على جميع البيانات، بما في ذلك أسماء طرفي عقد الزواج وقيمة المهر والشهود.

مفوضية اللاجئين والمحسوبيات

وأمام هذه المصاعب الكبيرة التي تواجهها النساء السوريات، فإن “مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” تتدخّل بعد وقوع الزواج العرفي، حيث توكّل محامياً لإقامة دعوى في المحكمة لتثبيت الزواج وتتحمّل تكاليف الدعوى.

لكن هذه العملية “تتدخّل فيها المحسوبيات، حيث يتم إسناد القضايا لدى بعض المحامين قليلي الخبرة الذين لا يشغلهم سوى رفع دعوى قضائية للمتضررة أمام المحكمة وتحصيل أجرهم من المفوضية، من دون الاهتمام الفعلي بتفاصيل القضية أو متابعتها في المحاكم، ما يترتب عليه عدم حصول السيدة على حقها”، كما يشير المحامي السوري فراس حاج يحيى.

وأضاف حاج يحيى: “إذا كان المحامي غير متخصص أو قليل الخبرة، تخسر المرأة الدعوى، ويضيع حقها القانوني والمادي والأدبي”، لافتاً إلى أنّه قابل الكثير من السوريات اللواتي عانينَ من قلة خبرة المحامين.

ويقول المحامي يوسف المطعني: “إن قضايا إثبات زواج الأجانب لها آلية يفتقدها كثر من المحامين، إذ ينبغي على المحامي أن يقدم نسخة من قانون الأحوال المدنية السوري موثقة من الخارجية السورية، للقاضي، كي يصدر حكمه بناء على بنوده”.

ويؤكّد المحامي عصام حامد إن أكثر من 70 في المئة من قضايا تثبيت زواج لنساء سوريات التي عمل عليها، كان هو المحامي الثاني فيها بعد فشل المحامين السابقين.

طرحنا مجموعة أسئلة على المفوضية، حول الإجراءات التي تتّخذها في حال تلقّت شكوى من امرأة متزوّجة بعقد عرفي، والمساعدة التي تقدّمها لها وفي ما إذا كانت تساعد بتأمين الوثائق، لكنّنا لم نتلقَّ أي رد حتى لحظة نشر التحقيق.

ومنذ دخولها إلى مصر بشكل غير شرعي في أواخر عام 2016 وحتّى الآن، ما زالت ريم لا تعرف أي طريق تسلك، بسبب الصدمة النفسية والجسدية التي تعرّضت لها، وتراودها الحيرة بالعودة إلى العيش في بلدها التي تطحنها رُحى الحرب، أو البقاء في بلدٍ غريب تخلّى فيه زوجها عنها، بعدما عبرت مسافات طويل في الصحراء بين مصر والسودان للوصول إليه.

تم إنجاز هذا التحقيق بإشراف الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج” وبإشراف الزميل أحمد حاج حمدو

بدعم من منظمة Open Society Foundation

درج

سورية.. أي تعليم وسط الدمار؟/ اليزابيث لونغيس

للحرب التي تدمّر سورية منذ نحو ثماني سنوات أثر قلما يتم التعرّض إليه، وهو انهيار النظام التعليمي وانقطاع الأطفال عن التعليم على نطاق واسع.

كان النظام السوري يفتخر بالقضاء على الأمية بشكل واسع، وبتعميم المدارس في جميع مناطق البلاد، وتمكين عدد متزايد من الشباب السوري من الالتحاق بالتعليميْن، الثانوي والعالي. إذا ما احتكمنا إلى أرقام منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، فإنّ نسبة الالتحاق بالمدارس في المرحلة الابتدائية بلغت 99.6% في عام 2011 لدى الشريحة العمرية المعنية، وتتعادل فيها تقريباً نسبة الفتيات والفتيان. وفي المرحلة الثانوية، وصلت النسبة إلى حوالى 68% مع تفوّق طفيف لنسبة الفتيان. أما الأمية، وإنْ لم يكن قد قُضي عليها تماماً، فإنّ نسبة معرفة القراءة والكتابة بلغت حوالى 84% عند الراشدين، وحوالى 95% عند الشباب بين 15 و25 سنة. هذه الأرقام التي تبدو مميزة، تحتاج إلى تعديل نسبي من الناحيتين، الكمية والكيفية.

“لقد اكتشفنا أننا لم نكن نعرف مجتمعنا”، تقول سحر، وهي ناشطة من دمشق، عندما قامت هي وصديقاتها بمساعدة العائلات الفارّة من قصف النظام، والقادمة من جميع أرجاء سورية، اكتشفت أمية منتشرة إلى جانب ممارساتٍ ظنت أنّها قد اختفت، على غرار تزويج الفتيات الصغيرات الذي ساهم العنف وغياب الآباء في تفاقمه. اكتشفت أيضاً وجود عدد لا يستهان به من الأطفال غير المسجلين في قيد النفوس، وبالتالي غير المسجلين في المدرسة. وعلاوة على غياب الظروف المادية الملائمة، تميّز التعليم بالطابع السلطوي، وطغى الحفظ عن ظهر قلب، وتم تلقين علاقة الخضوع للسلطة من خلال “التربية الوطنية”، فكانت النتيجة تشكيل انتماء هشٍّ إلى الأمة والوطن، وعلاقة مجرّدة وسلبية بالمعرفة.

منذ بضعة عقود، كان النمو الديموغرافي غير المتحكّم به قد أدى إلى اكتظاظ كبير داخل الصفوف، فازدهرت من جرّاء ذلك الدروس الخصوصية، وتعدّدت مؤسسات التعليم الخاص الربحية التي تقدّم الدعم لتلاميذ المدارس والمعاهد الرسمية، والتي يؤمّنها غالباً مدرسو هذه

المدارس أنفسهم. ولكن اليوم، وفي الوقت الذي يوجد فيه ثلث السكان في المنفى، ومثله من النازحين داخل البلاد، نجد أنّ نصف الأطفال غير ملتحقين بالمدارس. في عام 2015، وفقا لتقرير الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، أقرّت وزارة التربية السورية أنه “منذ بداية النزاع، أكثر من 6500 مدرسة دمّرت أو تضرّرت جزئيَاً أو استخدمت كملجأ للنازحين، أو أصبح من المتعذر الوصول إليها”. ووفقاً لتقرير لـ”يونيسف” في عام 2016، بلغ في سورية عدد الأطفال في سن الالتحاق بالمدارس، والذين لا يذهبون إلى المدرسة، 2.1 مليون طفل (5 – 17 سنة). من ناحية أخرى، يوجد 600 ألف طفل سوري لاجئ في المنطقة، محرومون من التعليم”.

النزوح مرتين وثلاثاً وأربع

في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، لم تُحيّد المدارس، كما المستشفيات والمباني الحكومية، وكثيراً ما استهدفها قصف الجيش السوري. أما في المناطق التي بقيت تحت سيطرة النظام، فبينما خُصّصت بعض مباني المدارس، لفترات متفاوتة المدة، لإيواء النازحين الذين لا يملكون موارد عيش، كانت المدارس الرسميّة المفتوحة تشهد مضاعفة الأعداد المستقبلة؛ هذا من دون التطرّق إلى وضع المنفيين في الدول المجاورة أو في المخيّمات. وبالنسبة إلى الأطفال الذين اضطرت عائلاتهم إلى النزوح مرتين وثلاث مرات وأربع مرات متتالية، وأحياناً أكثر، فكان ينجرّ عن هذا عمليّاً الانقطاع أو التأخّر عدّة سنوات عن الدخول إلى المدرسة. ومع مرور الوقت، يُضاف أيضاً عدد الأطفال الذين لم يكونوا مسجلين، أو لم يعودوا مسجلين، في السجل المدني، إلى أعداد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس والمنحدرين من المناطق التي أهملتها السياسات العامّة.

تتحدث نايلة، وهي مدرّسة من إدلب، التقيناها في دمشق بداية ديسمبر/ كانون الأول 2018، عن قدوم جبهة النصرة في عام 2015: كيف فرض هؤلاء المقاتلون نمط لباسٍ يُفترض أنّه “إسلامي” على النساء، ويطاردون اللواتي تُظهر أثوابهن جزءاً من الكاحل مثلاً؛ وكيف كان “أطفالٌ” يفرّقون بين النساء وأزواجهن في التاكسي الجماعي بذريعة وضع الرجال في الأمام والنساء في الخلف، وكيف كانوا يتّهمون الموظفين، سيما المدرّسين، بأنّهم “شبيحة” للنظام، وأيضا كيف غيّروا مضمون التعليم.

ووفقاً لنايلة، عندما أحكم “التحالف” سيطرته على المدينة، أُرسلت مُرشداتٍ إلى المؤسسات التعليميّة لمراقبة هندام التلميذات. وقد حصلت حادثةٌ كان لها صدى كبير في المدينة: في أثناء أحد الامتحانات، كانت إحدى المرشدات تريد إخراج فتاة رأت أنّ هندامها غير لائق، إلاّ أنّ باقي التلاميذ تضامنوا مع زميلتهم إلى حين وصول والد الفتاة الذي استشاط غضباً، وأجبر المربيّة المزعومة على ترك التلاميذ في حالهم. إلا أنّه، وعلى خلاف جبهة النصرة التي فرضت برامجها التعليميّة الخاصّة، وحذفت دروس الفلسفة، وعوّضتها بدروس الدين، حافظت المدارس الواقعة تحت سيطرة المعارضة على البرامج الرسميّة، مع تشذيبها من مضمونها السياسي، ومن تعظيمها عائلة الأسد. وحتى عام 2018، بقيت مدرسةٌ واحدةٌ كان موظّفوها

يحصلون على رواتبهم من الحكومة السورية، ويطبقون فيها البرامج الرسميّة بحذافيرها.

بحكم الأمر الواقع، في مناطق خرجت عن سيطرة النظام بعد العام 2012، ظل المدرسون الذين بقوا هناك يحصلون على رواتبهم من الدولة فترة طويلة إلى حد ما. وعلى الرغم من الصعوبات المادية، كانت المدارس تعمل، متّبعة البرامج الرسميّة التي حُذفت منها دروس “التربية الوطنيّة” و”الدراسات الاجتماعيّة”. كان همّ المدرّسين تمكين التلاميذ من تحضير الامتحانات التي تُمكّنهم من الحصول على شهاداتٍ معترفٍ بها رسميّاً. في المنطقة الشرقيّة من حلب، سيطر مجلس المحافظة على التعليم، وأعاد تأهيل عدّة مدارس، وكان يدفع للمدرّسين رواتبهم. وكان هؤلاء أيضاً يتّبعون البرامج الرسميّة مع حذف دروس التربية السياسيّة، ولكن مع إدخال أنشطةٍ فنيّةٍ جديدةٍ وتدريب المدرّسين على طرق تعليم جديدة.

تشكّل المناطق التي تديرها القوّات الكرديّة (أي قوات سورية الديمقراطية) حالة خاصة: وضعت الإدارة الذاتية تعليما كردياً، مع الحفاظ على التعليم باللغة العربيّة بالنسبة للتلاميذ العرب، ومع إدخال تعليمٍ خاص للتلاميذ من الأقليّة الصغيرة التي تتحدث السريانيّة. وقد خضعت البرامج إلى تغيير كامل يناسب المشروع السياسي للنظام الجديد.

في المناطق التي بقيت أو عادت إلى سلطة النظام، بمن فيهم النازحون، كان يتعين استقبال كل الأطفال قانوناً في المدارس الرسمية، لكن النزوح الداخلي الكبير فاقم اكتظاظ الصفوف، وتدهور ظروف استقبال الأطفال. كثيراً ما نتحدث عن صفوف تضمّ 40 و50 وأحياناً 60 تلميذاً، وذلك على الرغم من مضاعفة أوقات الدوام من خلال حصتين، صباحية ومسائيّة. لكن بدأنا نلاحظ في بعض الأمكنة أن الضغط السكاني قد خفّ بعد بدء عودة النازحين.

في بانياس، تقول هناء، وهي مدرّسة في مدرسة ابتدائيّة، إنّ أعداد التلاميذ في الصفوف ارتفعت من 30 إلى 40 أو 50 تلميذاً في الصف الواحد، بعد وفود النازحين الآتين غالباً من حلب منذ عام 2012. لا شك أنّ مذبحة ربيع 2013 أدّت إلى فرار جزء كبير من سكان الأحياء السنيّة، ولكن مدارسهم لم تنجُ من التدمير. وتستطرد بأنهّ منذ استرجاع حلب، عادت بعض العائلات إلى قراها وأحيائها، ما خفّف الضغط.

حالة طوارئ قصوى

وفقاً لصديقتها ثريّا، يتفاقم الاكتظاظ أحياناً بسبب ضغط الأهل المتوجسين من تقسيم الصفوف على فترتين، والمصرّين على أن يكون لجميع الأطفال الدوام نفسه: في بانياس، صرفت أغلب المدارس النظر عن هذه الطريقة، في حين أنّه في اللاذقيّة، وفقاً لشهادةٍ أخرى، وضعت الإدارة المدرسيّة نظام الحصتين، الصباحية والمسائيّة، ثمّ صرفت عنه النظر، حتى قبل وضعه حيّز التنفيذ. وأمام هذا الوضع، لم ينتظر السوريون تدخّل المنظمات الدوليّة والوكالات أو المنظّمات غير الحكوميّة للتحرّك: “فالحالة حالة طوارئ قصوى”، تقول سهير، “أن يُترك هؤلاء الأطفال في الشارع يعني تركهم فريسةً للانحراف وللعصابات”. من أجل هذا، اتّكل الأهالي على الموارد المحليّة، وعلى كرم الناس والمتطوعين والمساعدات الماديّة من الأعيان، ومن مختلف الهياكل القائمة، ولكن أيضاً على مساعداتٍ ماديّةٍ وماليّةٍ من الخارج، أحياناً من لبنان القريب،

ومن منظمات خيريّة مسيحيّة أو جمعيّات مختلفة مرتبطة بمنسّقين محليين غير رسميين. لكن القانون يمنع الحصول على مساعدةٍ خارجيّة من دون ترخيص من الدولة، فمهما كانت هويّاتها وتوجّهاتها السياسيّة والطائفيّة، كان على هذه المبادرات أن تحتال على الشرط الملزم بأن تكون كلّ مؤسسةٍ مدرسيّة تحت إشراف وزارة التربية.

توافق هذه الشهادات من نشطاء من اللاذقيّة أو من دمشق هذه الشهادة لنبيل أنطاكي، وهو طبيب مؤسس لمجموعة المريمي الأزرق التي تكفلت بآلاف النازحين الآتين من أحياء حلب (Nabil Antaki, Georges Sabé, {Les Lettres d’Alep,} L’Harmattan, 2018.): ما نقوم به غير قانوني… لذا نتلاعب بالمصطلحات، لا نتحدث عن مدرسة، وإنما عن “مشروع””. في اللاذقيّة التي كانت فيها الهياكل التربويّة الوحيدة لمرحلة ما قبل المدرسة الابتدائية، هياكل خاصة، أُنشئت روضتان من جمعيات من أجل استقبال أطفال العائلات النازحة تحديداً، لكن مواردها المحدودة لا تسمح لها بتلبية الطلب، هذا ما يأسف له المسؤولون عنها. في الحالة الأولى، اختار النشطاء العمل في إطار رسميّ، ما يخوّلهم أخذ تمويلاتٍ أجنبيّةٍ بصفة قانونيّة ودفع رواتب، لكن هذا يضعهم تحت مراقبةٍ رسميّةٍ ضاغطة. في الحالة الثانية، يضمن لهم رفض الارتباط بمراقبة النظام والممولين الأجانب حريّة عمل أكبر، ولكنّه يحدّ من مواردهم: هم يعتمدون خصوصا على التطوّع، وعلى علاقاتهم بأفرادٍ في المنفى يتمكّنون من تحويل إعانة ماديّة متواضعة بطرق غير رسميّة، لكنهم بهذا يضعون أنفسهم خارج القانون، ويعرفون أنّهم يخاطرون.

في ضاحية دمشق، نجحت أم وسيم التي كانت ناشطةً في الهلال الأحمر السوري، في أن تفتح مركز استقبالٍ للأطفال النازحين بمساعدة مدرسة خاصة، وأجرت ذلك ضمن المدرسة. الأنشطة هنا من نوعين: في المساء، يستقبل الأطفال الذين يحتاجون إلى تدارك الوقت الضائع في مواد أساسيّة (اللغة العربية، اللغة الإنكليزية، الرياضيات)، وخلال النهار، يأتي دور الذين حرموا من المدرسة، لكونهم لا يملكون أوراقاً ثبوتيّة. ويوم السبت تنظّم أنشطة خارج نطاق المنهج، مفتوحة للجميع، تشمل العمل على التعبير الجسدي الهادف إلى التحرّر من المخاوف المتراكمة.

ويهدف استقبال الأطفال في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي إلى مساعدتهم على تجاوز الصدمة التي تعرّضوا لها، وفي الوقت نفسه، يهدف إلى تسهيل التحاقهم بالتعليم الابتدائي. لكن في اللاذقية كما في بانياس، وكما الحال في أحياء ضواحي دمشق، يشير الناشطون إلى خطر أن يُؤدي اكتظاظ الصفوف الابتدائيّة إلى إفشال هذه الجهود إلى حد ما، بمجرّد أن يلتحق الأطفال بالمدارس الرسميّة، وذلك على الرغم من المساعدة الماديّة المقدّمة من “يونيسف”.

تطوير القطاع الخاص

إلى أيّ مدىً يمكن لفشل التعليم الرسمي أن يعزّز قطاعا خاصا طائفيا، أو ربحيا، بلغ ذروته عشيّة انتفاضة عام 2011؟ (من المضحك قراءة أنّ وزارة التربية كانت قلقة من تطوّر الدروس الخاصة “التي تعزّز التوجّه نحو الحفظ عن ظهر قلب” (كذا)، ووفقاً لمعلومةٍ رسميّة، ستحاول الردّ من خلال “وضع دروس عبر الإنترنت وتحسين نظام التقييم”). عندما نعرف أنّ أكثر من 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فهذا معناه أن هذا التدبير لن يشمل سوى أقليّة، ويعمّق الفجوة بين نخبةٍ صغيرة من المحظيين، وبقية الشعب.

في السالميّة، يحدثوننا عن عددٍ متزايد من “المعاهد” التي تقدّم تعليماً تكميلياً مسائياً لمجموعاتٍ تعدّ 20 تلميذاً مع مدرّسين، غالباً ما يكونون آتين من التعليم الرسمي ليكملوا بذلك مدخولهم الشهري أو مرتب التقاعد. هذه حال رفيق، وهو أستاذ علوم متقاعد يدرّس في ثلاثة معاهد خاصّة، ولكنّه يوضح أنّ هذه المعاهد كانت موجودة ما قبل “الأحداث”.

وعلى الرغم من أنّ بعض الشهادات تفيد بأنّ ثقل مواد، مثل التربية الوطنية والثقافة القومية، وغيرها من “الدراسات الاجتماعية” كان قد خفّ عددها قبيل 2011، فإنّ النظام يودّ الاحتفاظ بالسيطرة على مضمون التعليم، في وجه أي محاولة لإدخال “فكر هدّام”، دينياً كان أو ثقافياً.

وتساهم منظمة اليونيسف التي تبقى الدولة شريكها الرسمي في “تحديث” البرامج، بغية السماح للتلامذة بتدارك تأخرهم، وبشكل أوسع بغية إعادة التفكير بالمناهج، إلا أنّ البرامج قيد الإعداد قد تثير نقاشاتٍ وخلافاتٍ تؤدي، في النهاية، إلى إفقار أكبر لمضمون التعليم. ولا تقتصر الرقابة على دروس التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية، وإنّما تشمل الأدب، فأي مؤلِّف تتبنّاه

المعارضة يثير غضب المسؤولين، بينما تعتبر أي صورة في الكتاب لشخصٍ ذي لحية، أو لسيدةٍ محجّبةٍ دعماً للإسلاميين. وبطبيعة الحال، لغة التعليم أيضاً موضوع بحث. من غير الوارد إدخال الكردية أو لغة أي أقليّة أخرى، ولو مادة اختيارية، ولكنّ الوزارة بدأت في إدخال اللغة الروسية إلى المدارس الثانوية.

إلى أي مدى سيتدخل بالأمر مستشارون روس أو إيرانيون؟ في نسختي 23 يناير/ كانون الثاني و6 مارس/ آذار من العام الماضي، يشير تقرير “سيريا ريبورت” إلى توسّع علاقات هذين البلدين ضمن القطاع التعليمي. ويُعتقد أن إيران فتحت عدّة مدارس في دمشق واللاذقية، وفي الشرق السوري.

في هذه الأثناء، وفي اتجاه آخر، فإنّ المنطقة الواقعة تحت إدارة “قوات سورية الديموقراطية” الكردية، في طور وضع نظام تعليمي “وطني”، يعيد إنتاج عيوب النظام البعثي، ومن منظور أيديولوجي. تربية سياسية ثورية، وثقافة حول شخصية عبد الله أوجلان، يثيران سخط شريحةٍ من سكان هذه المناطق، من غير الأكراد تحديداً. في 2400 مدرسة، وحدها الصفوف العليا تتبع المنهاج السوري. أما البقية، فالكتب القديمة ممنوعة.

على غرار إعادة إعمار البلد، يبدو إنشاء نظام تعليمي ناجع مهدداً ببطء التنفيذ، بل قد يكون حلماً مستحيلاً. بعيداً عن المجتمع الـ”أكثر تعافياً وأكثر تجانساً” الذي يدّعي الرئيس السوري أنه يعمل لأجله، فإنّ مدرسة المستقبل في سورية ستؤدي، فترة طويلة، إلى تزويد سوق العمل، وهي سوق تغيب عنها القوانين تماماً، بالعاملين غير المسلحين بالمهارات، إلى جانب أقليةٍ من أصحاب الشهادات، ذوي الكفاءات الضعيفة والملتزمين الصمت، وفي أحسن الأحوال نخبة ضئيلة محكومة بالهجرة، أو بالاتجار الانتهازي في عالم مُعَولم.

على الرغم من استمرار بعض التجارب التي يقوم بها ناشطون وخبراء في التعليم يحملون رؤية جديدة للمدرسة التي تُعدّ المواطنين المنفتحين، إلا أن ما نخشاه هو تدمير جهودهم على أيدي نظامٍ همّه الوحيد البقاء في الحكم بأي ثمن.

العربي الجديد

أحلام في خيمة الأمم المتحدة/ وردة الياسين

الأحداث والتواريخ والأماكن المذكورة في هذا النص كلها حقيقية، أما الأسماء فهي مستعارة.

بالقرب من الشريط الحدودي الفاصل بين الأراضي التي تحتلها إسرائيل وقرية الرفيد في القنيطرة، أقام نازحون من قرى وبلدات ريفي درعا الشرقي والغربي مئات من الخيام، فراراً من القصف الروسي الذي اشتدّ مع إعلان النظام بتاريخ 19 حزيران 2018 نيته السيطرة على مناطق درعا والقنيطرة الخارجة عن سيطرته، و«تطهيرها من الإرهابين وإعادتها إلى حضن الوطن».

ومن بين تلك الخيام، خيمة رمادية تحمل شعارات للأمم المتحدة على سقفها وجوانبها، كنتُ أجلسُ فيها مع خمس نساء جمعتني بهنَّ الصداقة والنزوح، أم مهند وابنتاها إلهام وروعة، وابنة عمهما غيداء، ونسيبتها ابتسام. ولأن حرارة الصيف في فوضى النزوح ترفع حرارة الدماء في الرأس، كانت حكاياتنا عن أحلامنا ورغباتنا أقرب إلى الهذيان، أو أنها كانت محاولة لحصار الجنون الذي يحيط بنا من كل الجهات.

بانتظار المراجيح

شرائط وبالونات تعكس أضواء للبهجة، ومراجيح بألوان مختلفة تدور بفرح، باختصار مدينة للملاهي. هكذا تحكي إلهام للنساء المجتمعات في الخيمة عن حلمها: «قضاء يوم واحد فقط في مدينة للملاهي». كانت إلهام في العاشرة من عمرها عندما ارتدت في أول أيام عيد الفطر، ثوباً أزرق بكشاكش بيضاء وفضية، وحملت حقيبة صغيرة فيها قطع حلوى بنكهات مختلفة، وعيدية من والدها، تحصيها إلهام فتساوي 300 ليرة سورية، لكنها لن تصرفها لتركب المراجيح، أو لتشتري الشيبس والأكلات الطيبة، فوالدها سألها المكوث في المنزل، علّ القصف الذي كان يطال قريتها، الحراك، منذ الصباح يهدأ قليلاً أو يتوقف. تنتظر إلهام، تنتظر ثلاث سنوات، من صيف 2012 وحتى صيف 2015، حتى تسنّى لها أن تسير باتجاه ساحة يفترش الحصى والرمل أرضها، وتنتشر فيها مراجيح ينبعث مع تأرجحها صوت الصدأ. في وسط الساحة أرجوحة مطلية بلون يشبه جداً لون فستان إلهام الأزرق الذي طواه الانتظار، تضع فيها ابن اختها عمار ذي الخمس سنوات، وتخطط: «بعد عامين سأذهب إلى مدينة درعا لتقديم امتحان الشهادة الإعدادية، حينها سأخطف نفسي مع صديقاتي لنطفئ شهوتنا بركوب المراجيح، دون قصف وانتظار».

بعد مرور هذين العامين، في صيف 2017، ترتدي إلهام ثوب زفاف بدلاً من لباس المدرسة أو لباس العيد، ويسألها والدها «المغفرة». لأنه قائد فصيل مسلح، ويخاف عليها من الاعتقال إذا ما ذهبت لتقديم الشهادة الإعدادية، اختار أن يعقد قرانها على ابن جيرانهم خالد.

عتبٌ، بل أشد، في نظرات إلهام  نحو والدتها، وجدال صامت كان يدور بينهما في الخيمة، تتراشقانه بنظراتهما.

– زوجك هو المسؤول عن جعلي حبلى قبل أن أتم السادسة عشرة.

– أراد حمايتك يا ابنتي.

– كان يجب عليك أن تمنعيه من حمل السلاح أساساً.

– سيكون ذلك خيانة للثورة يا… إلهام.

قبل أن يتحول الجدال الصامت إلى كلام مسموع، فتشعل كلمة غضب تخرج من إحداهن الخيمة وجليساتها، تطلق ابتسام «أوف» طويلة، وتلقي بذقنها في راحة كفها وتقول: «يال تعاسة جيلكم يا إلهام… غريبة أمنيتك… أما أنا فلدي الأغرب، أحلم بأن أضع ثيابي في خزانة للملابس!».

لعنة خزانة الملابس

في خزانة الملابس تحطّ كل رحال أهل الدار، وتقبع في دروجها ذكرياتهم وحتى أسرارهم. وقد استعانت ابتسام بأمهر النجارين لتفصيل خزانة للملابس، تتسع لعالمها وعالم زوجها وابنها. «متينة شامخة، كانت تنتصب» تصفها ابتسام، ثم ترثيها: «التهمت النار كل شيء، كل شيء، وعبثاً كانت الخزانة تقاومها». وتتابع: «أولاً اعتقلوا زوجي ثم رموني وابني خارجاً، واضرموا حقدهم في كل الدار». كان ذلك قد حصل في بدايات 2014 أثناء حملة مداهمات لعناصر أمن النظام، طالت كل الحي الشرقي في مدينة نوى.

تتكئُ ابتسام على حقيبة مغبرّة جرّاء النزوح: «خمسة أو ستة صناديق (كراتين) كانت خزانتي الجديدة، بعدما رجعت إلى منزلي في آذار 2015، لأكنس الغبار عن أرضه وعن قلبي بين جدرانه السوداء. ما هو المنزل؟ هو جدران وسقف وباب محكم أو غير محكم الإغلاق، إذن ما فائدة ديكورات الجبصين؟ في مطبخ والدتي كانت هناك ثلاث طناجر من الألمنيوم، متعددة الاستعمالات، للطهي، لتسخين الماء وقت الاستحمام، للسلق والقلي أحياناً. إذن لماذا كان طبيخ أمي أشهى وأطيب من طبيخي، وأنا التي أطهو بطناجر “التيفال”؟ يقولون إن طناجر “التيفال” تصبح سامة إذا خُدش طلائها، وأن “المايكرويف” يسبّب أمراضاً سرطانية. اعذُرنني، يبدو أنني أهذي، وكي أطمئن للتعامل مع الأشياء صرتُ أُجرّدها من صفاتها. فالوعاء مثلاً يعني ما يُجمع فيه الشيء ويُحفظ، فلا فرق إذا كان خشبياً أو معدنياً، مدوراً أو مستطيلاً، طالما كان يؤدي مهمة الجمع والحفظ».

تعدل ابتسام جلستها: «منذ شهرين ابتعتُ خزانة للملابس قالوا إن خشبها بخسٌ وتجاري، لا يهمّ. تركتها فارغة، وأوكلتُ مهمة جمع وحفظ ملابسي للصناديق “الكراتين”. قالت الجارات إنه قد أصابني الجنون. ليس جنوناً، بل لعنة! في داخلي شعور يجعلني أعتقد أنه في اللحظة التي سأقرر فيها توضيب أي قطعة في خزانتي الجديدة، ستحلّ عليها لعنة النار. ولكن يبدو أن اللعنة تأهبت منذ اليوم الأول الذي اشتريت فيه خزانتي الجديدة، والدليل أنني الآن معكنَّ نازحة في خيمة، وتؤدي حقيبتي هذه (تشير ابتسام إلى الحقيبة التي تتكئ عليها) مهمة حفظ وجمع ما تمكنت من حمله من ملابسي».

تحوقل أم مهند لاعنةً روح من أوصل الشعب، كل الشعب، إلى الذل والمهانة. تصمت ابتسام وتشرد قليلاً، ثم تشير إلى غيداء التي غطت مساحيق التجميل وجهها، وتسألها: «هاتي ما عندك يا عروستنا الحلوة»، فترد غيداء: «أقلّه يا خالة أنكِ خبرتي ثياباً وخزانة، وأن إلهام رقصت بثوب زفاف».

متزوجات… ولكن

في مخيمات النزوح يصبح تداول الأسرار والأحاديث الخاصة أكثر يسراً وسهولة، وأغلب الظن أن كثيراً من نساء المخيم كُنَّ يعلمنَ أن غيداء متزوجة، لكنها لا تزال عذراء، ولذلك لا يستهجنَّ تنقلها منتعلة حذاءً زهرياً بكعب عالٍ، متأنقة واضعة أحمر شفاه فاقع، لتجلس على حجر أو تحت ظل شجرة مع زوجها محمود، ويغرقان في الحب مع وقف تنفيذه!

تقول غيداء: «كان يفصلني عن ارتداء ثوب الزفاف والتمايل به بين صديقاتي أربعة أيام فقط. ولكن وفي الساعة الحادية عشرة وخمس دقائق، ظهيرة يوم 25 حزيران 2018، وهو التاريخ الذي لن أنساه ما حييت، اكتظّت السماء بالصواريخ والطائرات. هذه المرة كانت مختلفة، علينا أن نغادر بلدتنا الحراك، كان هذا ما يقوله والدي لمحمود على الموبايل. نصف ساعة أو أقل وتصل حافلة أهل محمود “الفان”. فوق بعضنا، تحت بعضنا، تتدبر عائلتي وعائلة محمود أمر الجلوس في الفان. وننطلق إلى بلدة الجيزة، نمكثُ فيها أربعة أيام، ثم نغادرها إلى نوى، وبعد يومين نترك نوى، وها أنا أجلس معكنَّ هنا. وما ثيابي التي تمكنت من حزمها إلا جزءٌ بسيط من “جهازي”، الذي لم يُعلَّق في خزانة، أو يُطوى في مكان الجمع والحفظ كما تقولين يا خالة ابتسام. أما عن أمنيتي…» تحمرّ غيداء وتُطرق رأسها في الأرض وتقول بصوت خجول: «أنتنَّ تعرفنَ ما أتمناه». تضحك النساء، وتقول أم مهند: «إنّه طلب حق»، ثم تقول إلهام لغيداء: «ما رأيك أن نخلي الخيمة اليوم لك ولمحمود؟». «لا سيكون أمراً محرجاً» تجيب غيداء، فتردّ ابتسام: «لا محرجاً ولا (مبطخاً) يا غيداء، في النزوح كل الأمور شوربة».

«وماذا عني أنا؟» تسألهنَّ روعة بعصبية: «أريدُ يوماً للإخلاء، لي ولزوجي»، وتشيح بنظرها عن والدتها التي رمقتها باستغراب وحدّة. تنفعل روعة في حديثها: «هل تعلمنَ أنني متزوجة منذ ما يقارب ثماني سنوات، وأستطيع أن أعدّ على أصابعي المرات التي نمت فيها مع زوجي! الحمد لله أن واحدة منها جعلتني أحمل».

تزوجت روعة في الرابع من آذار 2011، وسكنت في غرفة مخصصة لها في بيت أهل زوجها في مدينة درعا البلد. التحق زوجها بقطعته العسكرية في حمص بعد خمس عشر يوماً من زواجهما، وعندما فتحت باب بيت أهل زوجها لاستقبال أهلها في العشرين من آذار 2011، شاهدت أهلها مذهولين وخلفهم عشرات الرجال، يمشون في الشارع ويهتفون «حرية، حرية».

تقول روعة: «كان التاريخ الممتد من أواخر آذار وحتى أواخر أيار 2011، تاريخاً لحصار أطبقه جيش النظام على حي درعا البلد القابع فوق صفيح من نار، ولرصاص الأمن الذي كان يحصد أرواح المتظاهرين، ولرأسي الذي كان يدور لأسقط أرضاً واكتشف أنني حبلى. حصل حملي في نيسان، في الأسبوع الذي قضاه زوجي معنا. حينها منعه والده من الخروج من المنزل والمشاركة في أي مظاهرة، ثم أمره بأن يعود إلى قطعته العسكرية، وبأن لا يغادرها إلى هنا حتى تستقر الأمور. لم تستقر الأمور، بل ساءت وتفرقنا، فذهب أهل زوجي إلى مدينة إزرع، ورجعت أنا إلى منزل أهلي في الحراك في أواخر 2011. بقي زوجي في حمص، أراسله ويراسلني على الواتس، ثم تنقطع أخباره عني فجأة لمدة خمسة أشهر كاملة».

تتنفس روعة عميقاً وتقول: «كدت أقنع نفسي بأنني سأصبح أرملة صغيرة مع طفل رضيع، إلى أن رأيت زوجي، أشعثاً، منهاراً، واقفاً أمام بيت أهلي. أقسمَ بأنه لن يعود ثانية إلى حمص، ولم يعد فعلاً، لكنه لم يرجع إليَّ أيضاً، فقد غاب بعدها مع فصائل الجيش الحر حتى أرسلته إصابته البليغة في ساقه في أواخر 2013 إلى الأردن، ليمكث هناك ستة أشهر. عندما رجع، عشتُ أنا وهو وابني، مع أبي وأمي وأختي إلهام وأخوي الصغيرين وأخي الأكبر مهند، كلّنا في دار واحدة. لم يختلف الوضع كثيراً عنه عندما كنت أقطن مع زوجي في بيت حماي، عدا أن زوجي كان يشعر بالخجل وبأنه عالة على والدي. وكي نتجاوز شعوره ذاك، وجد زوجي عملاً في 2016، وبمساعدة الأهل والأصدقاء الكبيرة جداً، بدأنا ببناء منزل صغير على قطعة أرض ابتعناها بالقرب من دار أهلي. أحلم بطلائه الأبيض، وبأني أتجول فيه برداء شفاف. ما أحلى الحلم، وما أقذر الواقع، الذي يوقظني لا ليناولني مفتاح الدار التي قاربت أن تجهز، بل على صاروخ يبعثرها ويسرق الحلم ويطردني إليكنّ، لأطلب منكنّ…»، تضحك روعة ضحكة طويلة: «لأطلب منكن… الإخلاء يا حبّابات».

نتشارك الضحك مع روعة، ليس فرحاً، ولكن «شر البلية ما يضحك» على حد قول أم مهند، التي تنفض عن عباءتها التراب والرمل والسواد، وتقول: «والله أحلامكن مشلخة مثل قلبي»، فتمازحها روعة: «أم مهند، لا تخافي سندرج اسمك في جدول الإخلاء».

«سدي بوزك… أني ما بدي لا إخلاء ولا شي، بدي أتحمم وبس، وأشيل هالسخام عن جسمي، من أسبوعين بلا حمام» ثم تتأهب للوقوف وتسألني: «تروحي نقعد تحت شي شجرة، والله طقت روحي من الشوب»، فأومئ برأسي بالموافقة. كنتُ أريدُ الهروب، ليس من الحرارة التي لا ترحم، بل من إلحاح ابتسام وغيداء كي أتحدث عن حلمي. وأنا ما كنتُ أحجمُ عن تلبية طلبهنّ، إلا لأنني أحسستُ بأن رغبتي في قيادة دراجة نارية «ماتور» على الطريق الحربي الذي يصل غرب درعا بشرقها، أصغر وأتفه من أن يكون حلماً أحكي عنه، وفي الوقت نفسه أكبر بكثير من أن يتحقق يوماً ما.

يقف طفلا أم مهند الصغيران بجانب الخيمة الرمادية، الممهورة بشعار الأمم المتحدة، يسأل أحدهما الآخر: «ماذا تعني هذه العبارة؟ (ويشير إلى UNHCR المكتوبة بالأزرق على الخيمة)؟» فيرد الآخر: «يا أحمق، مكتوب تحتها ما تعني بالعربي»، ويبدأ الطفلان بتهجئة العبارة (مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين). تعلن المفوضية إياها أن عدد النازحين في جنوب سوريا نتيجة العمليات العسكرية الأخيرة، تجاوز 270 ألفاً، وتستنكر الكارثة الانسانية. ثم تغلق ملفاتها الإحصائية، وتغرق استنكاراتها في البحر المتوسط قبل أن تصل إلى أروقة الامم المتحدة في جنيف، غير أن الأمر الحسن أن أحلام النساء يمكن أن تصير مادة يتم النصّ عليها لاحقاً في منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

لا تعلم أي واحدة مننا مصير خيمة أحلامنا الرمادية، فغيداء وزوجها عادا إلى بلدتهما الحراك قبل الجميع عندما  دخلت البلدة في التسويات والمصالحات مع النظام والروس، ثم تلتها إلهام التي آثرت الذهاب إلى دمشق مع زوجها، بعد أن تلقّى وعداً من أحد ضباط النظام «الواصلين» بترتيب أموره الأمنية والقانونية. ثم غادرت ابتسام المخيم مع طفلها إلى نوى للتوقيع على أوراق المصالحة، فهي لا زالت تأمل بعودة زوجها المعتقل في أحد الأيام.

بقيتُ أنا وأم مهند وروعة في المخيم، حتى غادرنا الخيمة التي تركناها وراءنا منتصبة في ليلة من ليالي أواخر تموز 2018، متجهين مع مئات من النازحين الذين كانوا في المخيم إلى قرية القحطانية في مدينة القنيطرة، حيث ستنطلق قوافل التهجير إلى الشمال.

 موقع الجمهورية

رداً على اللغو اللبناني: اللاجئون السوريون أنقذوا الاقتصاد/ قتيبة الحاج علي

 لم يمضِ الكثير على تصريحات وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، ضد وجود اللاجئين السوريين في لبنان، خلال الاجتماع الوزاري العربي الأوروبي في بروكسل، حتى أتى الرد سريعًا من مدير أكبر برامج الدعم الغذائي حول العالم.

إنفاق نقدي

باسيل قال إن اللاجئين السوريين، الذين وصل عددهم إلى مليون ونصف لاجئ، قد أرهقوا لبنان ماليًا، وتسببوا في خسائر وصلت إلى 40 في المئة من الناتج القومي، ليرد ديفيد بيسلي، المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، في حديثٍ أمام لجنة خاصة ضمن البرلمان البريطاني، متحدثًا عن الفائدة الكبيرة التي ألقى بها اللجوء السوري على لبنان اقتصاديًا، مشيرًا أن برنامج المساعدات النقدية، التي قُدمت لدعم اللاجئين السوريين في لبنان، قد أنقذ الاقتصاد اللبناني من “الانفجار”، حسب تعبيره.

الدعم المالي الذي تحدث عنه بيسلي، هو جزء من برامج الدعم، التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي، ويأتي على شكل منح مالية تُضاف على قسائم الشراء التي يستخدمها اللاجئون، ويستفيد أكثر من 450 محل بقالة وسوبرماركت في لبنان من هذا الدعم، بعد تعاقدهم مع البرنامج، ليتم اعتبارهم جزءاً منه. ولم يخفِ المسؤول الأممي تحفظاته على هذا المشروع في بدايته، خوفًا أن يصل التمويل لـ”المتطرفين”، قبل أن يثبت الفائدة الكبيرة له، موضحًا: “في البداية كان لدي تحفظات على تقديم تحويلات نقدية للاجئين، وتساءلت عن فعالية هذه التحويلات، التي من الممكن أن تصل إلى أشخاص متطرفين، لكن اليوم أصبحت مؤمناً جدًا بفائدة هذا الدعم”.

بيسلي أشار إلى أن النقاد في لبنان طالبوا بـ”قطع الأموال” عن اللاجئين السوريين، ليرد أن هذا الدعم يحمل العديد من الفوائد على الاقتصاد اللبناني نفسه: “تُستخدم ثلث الأموال المقدمة لشراء المنتجات المزروعة محليًا، والثلث الثاني يُستخدم داخل الاقتصاد اللبناني، بينما الثلث الأخير فقط يأتي على شكل منتجات قادمة من السوق الدولي”.

برنامج الأغذية العالمي كان قد أنفق 600 مليون دولار، بشكل تحويلات نقدية حتى الآن، وتتضمن خططه المستقبلية، حسب بيسلي إنفاق 2.2 مليار دولار، كما أن لدى الوكالة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة برنامجاً مماثلأ، مشيرًا أن التكلفة المالية لدعم اللاجئ السوري تصل إلى 100 ضعف عن تكلفة دعم السوري المحتاج داخل سوريا، وقال: “دعم السوري في دمشق يُكلف البرنامج 50 سنتًا في اليوم الواحد، مقابل 50 يورو لدعم اللاجئ خارج الحدود”.

مليون دولار يومياً!

بيسلي رد أيضًا على باسيل، الذي لا يفوت فرصة للمطالبة بإعادة اللاجئين السوريين من لبنان، ليخبره بأن اللاجئ السوري يريد العودة إلى وطنه فعلًا، ولا يريد أن يكون في لندن أو باريس أو برلين، فضلًا بطبيعة الحال عن لبنان، لكن ما يمنعهم من العودة هو فقدانهم الثقة بأي مستقبل مشرق وآمن داخل وطنهم.

معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، في الجامعة الأميركية في بيروت، أصدر في كانون الثاني/يناير 2018، دراسة عن حقائق رقمية عن أزمة اللجوء السوري، من بينها الفوائد التي اكتسبها الاقتصادي اللبناني، الدراسة أشارت أن كل دولار أميركي تم إنفاقه في الاقتصاد اللبناني لدعم اللاجئين السوريين كان له مضاعف اقتصادي (الأثر الكلي لنفقات المعونة الإنسانية على مجموع الطلب المحلي)، يبلغ 1.6 دولار أميركي. أي أن قيمة حزمة المساعدات التي قُدمت للبنان منذ عام 2011 وحتى بداية عام 2017، والتي كانت قيمتها 1.258 مليار دولار قد ضخّت في الواقع 2.01 مليار دولار في الاقتصاد اللبناني.

غياب المخيمات الرسمية للاجئين السوريين، دفع معظمهم للتوجه لاستئجار المنازل في المدن والبلدات اللبنانية. تقول الدراسة أن 80 في المئة من اللاجئين السوريين يدفعون قيمة إيجاراتهم بأنفسهم، وقد أنفقوا 378 مليون دولار خلال عام 2016، أي أكثر من 1 مليون دولار يوميًا. وهو ما انعكس إيجابًا على الاقتصاد اللبناني ودفع العديد من المنظمات الدولية لتمويل هذه النوعية من خطط الدعم، كما أن أكثر من 87 مليون دولار هي قيمة العقارات التي اشتراها السوريون في لبنان، خلال الفترة نفسها، وهو ما يمثل 14 في المئة تقريبًا من قيمة العقارات التي أشتراها الأجانب في لبنان، بالإضافة إلى 73 مليون دولار تم استثمارها في 240 بلدية واتحاد بلديات، في جميع أنحاء لبنان، في العام ذاته، بهدف تعزيز الخدمات، كنوع من الدعم للمساعدة في تحمل أعباء اللاجئين السوريين.

بين عامي 2011 و2014، تم افتتاح العديد من الشركات، بالقرب من مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان، بهدف تقديم الخدمات لها. تشير الدراسة أن ما يقارب 84 في المئة من هذه الشركات الجديدة التي تم إنشاؤها، تعود ملكيتها إلى لبنانيين. كما أن تعزيز قدرات الحكومة اللبنانية لمواجهة أزمة اللاجئين ساعد على توفير 772 فرصة عمل للبنانيين داخل الإدارات الرسمية اللبنانية. وتقول الدراسة أن هذا التوظيف لم يكن ليتم إلا بفضل التمويل الذي قدمه المانحون الدوليون، وقد تم توسيع نطاق الدعم المقدم إلى ثلاث مؤسسات رئيسية هي وزارة التربية والتعليم العالي وشبكتها من المدارس الحكومية، وزارة الشؤون الاجتماعية وشبكتها من مراكز التنمية الاجتماعية، واتحادات البلديّات في جميع أنحاء لبنان.

المركز استخلص في نهاية الدراسة، بعد استطلاع للرأي أُجري في صيف 2016، حول تصوّرات اللاجئين السوريين الذين يعيشون في لبنان أن 96 في المئة من 1200 مستطلع قالوا أنهم سيعودون إلى سوريا إذا “عادت المياه إلى مجاريها”. وهو ما يتقاطع فعلًا مع تصريحات بيسلي، التي تؤكد أن العودة إلى سوريا تُعتبر أولوية وهدف لمعظم اللاجئين السوريين.

اعتبار اللاجئ السوري هو المتسبب في الازمة الاقتصادية اللبنانية، يبدو أشبه بـ “الشماعة”، التي وجدها المعنيون والمتهمون بالفشل الاقتصادي، حلًا لتعليق فشلهم عليها. صحيح أن اللجوء السوري ألقى بظلال سلبية على جميع دول الجوار، لكنه حمل معه فوائد اقتصادية لمجتمعات هذه الدول. الفائدة المُثبتة بالمعطيات والأرقام. وفي علم الاقتصاد عندما تُوضع الأرقام في كفة الميزان أمام التصريحات السياسية، تُصدّق الأرقام ويُكذّب السياسيون.

– مصدر التصريحات

– أرقام دراسة الجامعة الأميركية

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.