وجها لوجه

فوّاز طرابلسي: التبشير بالسلمويّة في زماننا فيه نفاق كثير


حاورته أسماء عزايزة.

الترجمات مطروحة في سوق مجهول، لسنا ندري حاجاته ولا الفوائد الّتي يجنيها متلقّي هذه الترجمات، وليس بين أيدينا أيّ تقييم لأثرها في الإنتاج الفكريّ والثقافيّ والأدبيّ. مطالب طموحة؟ ربّما، لكن تنفيذ الحدّ الأدنى يضعنا عند بداية السكّة.

* قد يجيز المؤرّخ لنفسه استخدام الخيال في كتابة التاريخ؛ للزيادة في تنفير حادثة معيّنة أو مزايا شخصيّة معيّنة.

* اختُزل “سايكس – بيكو” بخريطة، وقد صادر الوله بالخرائط المسار التاريخيّ. أنا أردت إعادة تركيب هذا المسار.

* الثورات “قاطرات التاريخ” على ما أسماها ماركس، على اعتبار أنّها تنقل المجتمع، من مرحلة معيّنة من حياته أو تاريخه إلى مرحلة أخرى.

* تحضر فلسطين في ذاكرتي، كطفل في المرويّات عن وصول اللاجئين إلى لبنان عام 1948، وقد استقبلتْ أسرتنا إحدى السيّدات من مخيّم الميّة ميّة، كانت بمنزلة مربّية لي ولشقيقتي.

أشعر بالشفقة “علينا”، وعلى العقود الّتي مضت، دون أن يتمكّن الفلسطينيّون – بسبب الاحتلال، وقبل عصر الإنترنت – من قراءة ما يكتبه الكثير من المفكّرين والمؤرّخين العرب، ولا سيّما في ما يرتبط بقضيّتهم. والكتابة خارج الجغرافيا الفلسطينيّة لا تعني الكتابة خارج الموضوع؛ فالجغرافيا لجأت مع أصحابها إلى الشتات، وإلى بيروت، حيث المؤرّخ والأستاذ الجامعيّ والكاتب اللبنانيّ فوّاز طرابلسي، الّذي – وإن شغله الشأن والتاريخ اللبنانيّان – كتاباته ودراساته تتّجه صوب مسالك فكريّة وسياسيّة في تاريخ العالم العربيّ الحديث والمعاصر، وتمتدّ لتطال الفنّ والاقتصاد ونواحي متشعّبة أخرى، كان لطرابلسي – كما يقول – حظّ في أن يكون شاهدًا على الكثير من الانعطافات والثورات والتحوّلات في هذا التاريخ، لكنّه أضاف إلى هذه “الشهادة” الواسعة، مواقف تناصر الحقّ والثورات والشباب دون لعثمة، لا بل لسنوات كان جزءًا عضويًّا من صناعة التاريخ السياسيّ للبنان على الأقلّ، فقد كان من أبرز قياديّي حركة “لبنان الاشتراكيّ”، الّتي اندمجت عند مطلع السبعينات مع منظّمة الاشتراكيّين اللبنانيّين؛ لتشكّل منظّمة العمل الشيوعيّ في لبنان، ثمّ أصبح نائبًا للأمين العامّ للمنظّمة وأحد أبرز أصوات الحركة الوطنيّة اللبنانيّة.

التقيت طرابلسي مرّة واحدة في مهرجان أدبيّ، في العاصمة الكرواتيّة زغرب. وعلى عكس ما هو متوقّع من مؤرّخ، يحمل بين كتفيه معرفة وذاكرة بإمكانه مشاركتهما دون توقّف؛ كان قليل الكلام وكثير الإصغاء، تثير فضوله كلّ معلومة أو قصّة هامشيّة صغيرة، كأنّه صيّاد سيحفظ حركة المعلومة الفريسة في ذاكرته إلى الأبد. أليس المؤرّخون ذاكرتنا المادّيّة العصيّة على المحو؟

فُسْحَة: دائمًا يوضع التاريخ والفنّ وسط صنّاعهما في مبارزة أبديّة؛ مبارزة في مقدار الخيال والصدق والكذب والحتميّة والخلود فيهما. أنت بدأت بدراسة الرسم وكتبت الشعر في سنّ مبكرة، حتّى في كتاباتك للتاريخ لا يمكن فصل الكثير منها عن فنّ السرد؛ هل تبارزا عندك؟ ولِمَ وجد التاريخ السياسيّ أكثر من الفنّيّ عندك مكانًا؟

فوّاز: ثمّة فنّ في كلّ أنواع الإنتاج الفكريّ. لست فنّانًا، وإن كنت أتذوّق الفنّ وأدرس تاريخ الفنّ، وقد ترجمت بعض الأعمال الأدبيّة والفنّيّة (جون برجر، يانيس ريتسوس، أتيل عدنان، إدوارد سعيد)، وأكتب النقد الفنّيّ هاويًا. إلى هذا، أستزيد من الفنّ بمتعة أنّي محاط في أسرتي الصغيرة بزوجة فنّانة وابنة فنّانة، والفنّ حاضر في نتاجي التاريخيّ.

في السرد، كتبت يوميّات ورحلات وحوليّات وتواريخ. لم تقتصر مرّة كتابتي التاريخيّة على التأريخ السياسيّ. “تاريخ لبنان الحديث” محاولة في التأريخ الشامل: اقتصاديّ واجتماعيّ وسياسيّ وثقافيّ، فيه صفحات لا بأس بعددها عن نهضتَي بيروت الثقافيّتين: منتصف القرن التاسع عشر، وستّينات القرن العشرين. “حرير وحديد” يصرّ كثيرون على اعتباره رواية، مع أنّه تقميش لسِيَر شخصيّات وأحداث ورحلات عبر المتوسّط، في النصف الأخير من القرن التاسع عشر.

في كتابي “غيرنيكا – بيروت: الفنّ والحياة بين جداريّة لبيكاسو وعاصمة عربيّة في الحرب”، يلتقي الفنّ بالتاريخ. رويت للبنانيّين حربهم الأهليّة، من خلال رواية الحرب الأهليّة الإسبانيّة، ورويت قصّة بيروت في الحرب، من خلال تحليل مستفيض لجداريّة بيكاسو الرائعة، الّتي قرأتها بعينين شهدتا حربًا أهليّة؛ هنا التقى التاريخ بالفنّ وبتاريخ الفنّ، على اعتبار أنّ الكتاب هو أيضًا دراسة لثلاثة عقود من فنّ بابلو بيكاسو، منذ إعلان الجمهوريّة إلى الحرب العالميّة الثانية.

على سيرة الفنّ والتاريخ، حصل أنّي لعبت بالتاريخ عن طريق التخييل. مثّلت في فيلم قصير وبديع بعنوان “الأيّام الأخيرة لرجل الغد” لفادي باقي، رويت في الفيلم عن زيارة الجنرال شارل ديغول إلى لبنان، بعد الاستقلال عام 1943، وتقديمه هديّة للبنان الجديد، هي كناية عن رجل ميكانيكيّ، يروي الفيلم سيرته حتّى أيّامه الأخيرة في الحرب الأهليّة 1975 – 1989، الرجل الميكانيكيّ كنية عن النظام الاقتصاديّ – السياسيّ اللبنانيّ، الموروث من فرنسا، والفيلم يروي مصيره. كثيرون صدّقوا روايتي التاريخيّة المختلقة، مع أنّي كنت أسهم في تخييل فنّيّ، يقوم على كذبة تاريخيّة، هو الرواية الساخرة عن حالة السياسة في لبنان.

من جهة أخرى، قد يجيز المؤرّخ لنفسه استخدام الخيال في كتابة التاريخ؛ للزيادة في تنفير حادثة معيّنة أو مزايا شخصيّة معيّنة؛ هذا ما لجأت إليه، ولو في حالتين أو ثلاث فقط، في “حرير وحديد: من جبل لبنان إلى قناة السويس” عام 2012.

فُسْحَة: صدر حديثًا كتابك “سايكس – بيكو – بلفور: ما وراء الخرائط”، العنوان الّذي يجعل حوارنا هذا يجري إلكترونيًّا؛ لِمَ مسّك شخصيًّا؟ وماذا حمّلت الكتاب غير حمولته كوثيقة تاريخيّة؟

فوّاز: الحافز المباشر للكتابة الذكرى المئويّة للوثيقتين، وقد صادف عبور مقاتلي تنظيم داعش الحدود العراقيّة – السوريّة، وإعلان أبي بكر البغداديّ “كسر حدود سايكس – بيكو”. أثار الموضوع فضولي، ولا سيّما أنّ الحرب العالميّة الأولى تشكّل تتمّة للفترة الّتي انتهت إليها أبحاث كتابي “حرير وحديد”.

استولت “اتّفاقيّة سايكس – بيكو” وخريطتها – ومعها تعهّد ماكماهون وإعلان بلفور – على مداركنا والخيال عن تلك الفترة التأسيسيّة للمشرق العربيّ ولا تزال، وصارت “سايكس – بيكو” الجريمة التأسيسيّة، والخطيئة الأصليّة، والجرح الرمزيّ، واللعنة الأبديّة، والخريطة الّتي خرطت المنطقة أشلاء، ولها وظيفة وحيدة لا تني تتكرّر: تقسيم المنطقة وتقسيم تقسيمها في انتهاك مستمرّ لوحدتها المقدّسة.

ونُسجت حول “الاتّفاقيّة – اللعنة” شبكة من التعميمات، وأنصاف حقائق، وتهويمات، وبديهيّات ليست بالبديهيّات، تدّعي تفسير كلّ ما يبدو أنّه عصيّ على الفهم، أو يتكاسل الفكر عن السعي إلى فهمه. وصارت “سايكس – بيكو” المشجب الّذي تُعلَّق عليه الأخطاء والسلوكيّات؛ ليجري تحميلها للآخر أو بناؤها على مجهول، تبرّئ الذات، وتبيّض صفحة الحكّام، فهم تارة مخدوعون وتارة ضحايا “مؤامرات” و”مشاريع”.

هكذا دخلت “سايكس – بيكو” وأخواتها حومة الخرافة والأسطورة، وبات لها صلابة المعتقدات الإيمانيّة الراسخة؛ فليس من المستغرب أنّ الموضوع جزء من ذاكرة جمعيّة وثقافة شفويّة، وله حضور كاسح في الإعلام وعلى مواقع التواصل المجتمعيّ، لكنّه لا يكاد يحظى ببحث جادّ من قِبَل كتّاب عرب.

من جهة ثانية، اختزل “سايكس – بيكو” بخريطة، وقد صادر الوله بالخرائط المسار التاريخيّ. أردت في بحثي أن أعيد تركيب هذا المسار، بالنظر في ما وراء الخرائط؛ أي دراسة لحظة تاريخيّة لا تتجاوز العقد من الزمن، تقرّر خلالها مصير المشرق العربيّ في غمرة الصراع، على تقاسم مغانم الحرب بين قوّتين منتصرتين، تحكّمتا وبَنَتا سيطرتهما عليه، بواسطة نمط جديد من النفوذ والسيطرة الاستعماريّين.

بدأت من تفاصيل مثيرة للفضول: لورد جيمس بلفور وقّع رسالة “وعد بلفور”، لكنّه لم يكتبها؛ فمن كان صانعها؟ ومَنْ يقرأ “الوعد” بشيء من الدقّة، يكتشف أنّ فيه أكثر من الوعد وأفدح. مارك سايكس وجورج بيكو وقّعا خريطة “سايكس – بيكو”، وسواهما وقّع على نصّ الاتّفاقيّة؛ مع ذلك سُمّيت الاتّفاقيّة على اسميهما، مع أنّ اسمها الرسميّ “اتّفاقيّة آسيا الصغرى”. يجري الحديث باستمرار عن “اتّفاقيّة سايكس – بيكو السرّيّة”: إلى متى ظلّت سرّيّة؟ وعلى مَن؟ ومن الطرف الثالث في الاتّفاقيّة؟ و”اتّفاقيّة فيصل – وايزمان”، أحقيقيّة هي أم مزوّرة؟ وماذا عن رسالته إلى الصهيونيّ الأمريكيّ فرانكفورتر؟

ثمّ كبرت الأسئلة: هل احتلّ البريطانيّون والفرنسيّون المنطقة لتقسيمها؟ أم قسّموها ليسيطروا عليها؟ وكيف قسّموها؟ ولأيّ اعتبارات ومصالح وتصوّرات إستراتيجيّة؟ وهل يقتصر الفعل الاستعماريّ على التقسيم أصلًا؟ هل الرئيس الأمريكيّ ولسن هو صاحب مبدأ “حقّ الشعوب في تقرير المصير”؟ أم سبقه أحد إليه؟ والبريطانيّون، هل قرّروا احتلال فلسطين لتقديمها موطنًا قوميًّا لليهود؟ أم استخدموا الوعد بالموطن القوميّ لشرعنة احتلالهم لفلسطين؟ ولماذا الحدود الحاليّة لدول المشرق العربيّ، لا تتطابق مع خريطة “سايكس – بيكو” مع أنّها منسوبة إليها؟ إلخ… هي تفاصيل وخيوط وأسئلة، تحوّل البحث التاريخيّ إلى ما يشبه التحقيق البوليسيّ.

فُسْحَة: ماذا تركت لك معاصرتك لثورات سابقة – كالثورة الجزائريّة والثورة الفلسطينيّة في لبنان – ودراستك مؤرّخًا لثورات العالم؟ ما المناظير الّتي أكسبتك إيّاها في قراءة ثورات الربيع العربيّ؟

فوّاز: أنا رجل محظوظ لأنّي عشت في زمن الثورات وعايشتها أو عشتها، يمكنك أن تضيفي إلى ما ذكرتِ أعلاه “ثورة ظفار”، في جنوب سلطنة عمان، ومعايشتي الطويلة لحُكم اليسار في جمهوريّة اليمن الديمقراطيّة الشعبيّة. كتبت عن هذه التجارب في عدد من المؤلّفات، على شكل مذكّرات ويوميّات ومتابعات، ومقالات صحافيّة وتحقيقات ودراسات. الأجوبة عن أسئلتك تطول؛ دعيني أوجز ما علّمتني إيّاه الثورات.

أوّلًا: الثورات عمليّات تغيير جذريّ للمجتمع والدولة، تتمّ عن طريق القوّة والعنف؛ تلجأ الجماهير إلى قوّة العدد لفرض تنازلات وإصلاحات، تواجهها قوى الأمر الواقع بالقوّة والعنف؛ فتنتقل الثورة إلى استخدام العنف، وينقسم المجتمع إلى فريقين مسلّحين أو أكثر. ثانيًا: لا توجد ثورات سلميّة. يمكن أن تسهم حالة عصيان شعبيّ في تقوُّض نظام واقع؛ ضحيّة لتناقضاته الداخليّة، كما حصل في بعض بلدان أوروبّا الشرقيّة، أمّا التبشير بالسلمويّة، وخصوصًا باسم بلدان الحروب الكولونياليّة والحروب العالميّة، والاقتصاديّات المتعيّشة على إنتاج الأسلحة وأسلحة الدمار الشامل، ففيه الكثير من النفاق؛ فالتمثيل بسلمويّة النضال الاستقلاليّ في الهند مثلًا، فيه مقدار لا بأس به من التحوير؛ حتّى لا أقول الأدلجة. تصوّري لو أنّ المهاتما غاندي كان يقود مسيراته السلميّة الحاشدة، في وجه مفوّض سامٍ بريطانيّ من مدرسة بشّار الأسد مثلًا، وتفكّري معي لماذا لم تلجأ السلطات الكولونياليّة البريطانيّة، إلى العنف في وجه حركة غاندي السلميّة؛ لقد لجأتْ إلى ما هو أفتك من ذلك؛ تحريك النزاعات المذهبيّة بين هندوس ومسلمين، حتّى أفلت الأمر من سيطرتها؛ فانسحبت ومهّدت لتجزئة الهند، مع انفصال باكستان وحملات التهجير والتهجير المضادّ.

ثالثًا: الثورات عمليّات جراحيّة جذريّة تضطرّها المجتمعات، إبّان أزمات شاملة هي نفسها أزمات جذريّة. والثورات بهذا المعنى “قاطرات التاريخ” على ما أسماها ماركس، على اعتبار أنّها تنقل المجتمع، من مرحلة معيّنة من حياته أو تاريخه إلى مرحلة أخرى.

رابعًا: عادةً ما تكون الثورات متعدّدة القوى، متضاربة المطالب والأهداف؛ وهنا تكمن بذور الانقسامات في صفوفها.

خامسًا: نادرًا ما تنجح ثورة في تحقيق أهدافها من أوّل مرّة؛ على أنّ الثورات الفاشلة عادةً تشكّل مرجعيّة وذاكرة لثورات قادمة.

سادسًا: تستدعي الثورات منذ البداية ردّات مضادّة لها – نسمّيها “ثورات مضادّة” – من طرف سلطات الأمر الواقع وقواه، أو من قوًى شعبيّة تسعى إلى المحافظة على الأمر الواقع، أو حتّى إلى الارتداد عليه باتّجاه آخر – كما في حال الحركات الجهاديّة الإسلاميّة – وعادةً، تنقلب الثورات إلى اقتتال أهليّ، يستدعي التدخّلات الخارجيّة أو تستدرجه.

سابعًا: يدفع المجتمع والدولة ثمنًا باهظًا؛ لقاء عمليّات الانتقال الجذريّة هذه، أناجحة كانت أم فاشلة.

هذه بعض الدروس الّتي استخلصتها من دراسة الثورات ومعايشتها، وبعض المفاهيم الّتي اهتديت بها للنظر إلى الثورات الّتي عرفتها المنطقة، انطلاقًا من عام 2011.

فُسْحَة: لا يمكن فصل علاقة العرب الشبحيّة، مع الجغرافيا الممنوعة والمتخيّلة للقضيّة المظلومة “فلسطين”، عن أيّ عمليّة تفكير أو إنتاج فكريّ عربيّ؛ كيف تشكّلت منذ نشأتك علاقتك “الفكريّة” بفلسطين؟

فوّاز: السؤال مثير، عادةً ما يفترض أنّ كلّ عربيّ له علاقة بديهيّة – أي أصليّة وبالسليقة – بفلسطين. يحفّزني سؤالك على استذكار سيرتي الفلسطينيّة، ما لم أفعله من قبل؛ هذا بعض من الـ “سي. ڤي.” تَبَعي.

تحضر فلسطين في ذاكرتي، كطفل في المرويّات عن وصول اللاجئين إلى لبنان عام 1948، وقد استقبلتْ أسرتنا إحدى السيّدات من مخيّم الميّة ميّة، كانت بمنزلة مربّية لي ولشقيقتي فترة وجيزة. كانت ماتيل – وهذا اسمها – تروي لنا حكايات لا تنتهي عن فلسطين، مع أنّي لم أعد أتذكّر من أيّ منطقة من فلسطين قد نزحت. من جهة أخرى، استقبلت بلدتنا مشغرة، في البقاع الغربيّ، مخيّمًا للاجئين الفلسطينيّين لفترة وجيزة بعد عام 1948. ومشغرة بلدة يقوم اقتصادها على الدباغة، إلى جانب الرعي والزراعة، وقد تضرّر أصحاب الدباغات وتجّار الجلود فيها – وأسرتي منهم – من قيام دولة إسرائيل وإقفال الحدود بين لبنان وفلسطين، وقد كانت فلسطين سوقًا أساسيّة لتصريف إنتاج البلدة من الجلود. على أنّ وعيي الوطنيّ يبدأ مع العدوان الثلاثيّ على مصر، ومعه يبدأ نشاطي الوطنيّ زمن الدراسة؛ ومن هنا أستطيع القفز إلى عام 1967. اعتُقلت بُعيد هزيمة حزيران بضعة أيّام؛ لأنّي ومجموعة من الرفاق، وهم النواة الّتي تشكّل منها “تنظيم لبنان الاشتراكيّ”، وزّعنا بيانًا ينتقد الجيش اللبنانيّ؛ لأنّه لم يشارك في الحرب. وخلال إقامتين في بريطانيا للدراسة 1959 – 1960 و1968 – 1970، خصّصت حيّزًا كبيرًا من وقتي للدعاية لقضيّة فلسطين، وقد شاركت في تأسيس “حملة التضامن مع فلسطين”، وإطلاق نشرتها “فلسطين الحرّة”. وكانت لي أولى المساهمات العربيّة، في نشر دراسة مطوّلة عن القضيّة الفلسطينيّة في “نيو ليفت ريفيو”، وكان ذلك خرقًا مميّزًا؛ بسبب الهيمنة الصهيونيّة آنذاك على فكر اليسار البريطانيّ ومنشوراته. أتحدّث عن عام 1969، والدراسة تضع القضيّة الفلسطينيّة في صلب العلاقة بين الصهيونيّة والإمبرياليّة في المنطقة، وتحلّل النضال الفلسطينيّ بما هو جزء مكوّن ممّا كنّا نسمّيه آنذاك “الثورة العربيّة”.

بعد هزيمة حزيران 1967، اختلط نشاطي اللبنانيّ بنشاطي الفلسطينيّ أوّل الأمر، عندما أسهمت في دعم “الجبهة الديمقراطيّة لتحرير فلسطين” إبّان نشأتها، وهذا قبل أن أتفرّغ للعمل في “منظّمة العمل الشيوعيّ” في لبنان، يمكن التوقّف هنا؛ فالباقي معروف إلى حدّ ما.

بالنسبة إلى الفكر العربيّ حول فلسطين، لن تتوقّعي منّي أكثر من عناوين برقيّة نحو توسيع وبحث، يمكنك اعتبارها تمنّيات فكريّة للسنة الجديدة الحاليّة، هي عناوين برقيّة لكنّي آمل أن يكون فيها بعض البَرق.

بعد أوسلو ليس مثل قبل أوسلو، وأوسلو منح السلطة لقيادة وإدارة، على جزء متقلّص من فلسطين منذ ذلك الحين، بدل منح حقّ تقرير المصير للشعب الفلسطينيّ، وأوسلو أيضًا إعلان فصل النزاع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ عن النزاع العربيّ – الإسرائيليّ؛ من هنا نبدأ.

– كيف يكون التحرّر من وهْم أنّ الصعوبات القائمة في وجه هدف مرحليّ، تجعل الهدف النهائيّ أقرب منالًا وأسهل تحقيقًا؟

– كيف يستعيد الشعب الفلسطينيّ بناء حركة تحرّر وطنيّ جديدة، تنطق باسم مكوّناته الثلاثة الرئيسيّة؟

– كيف يمكن تلك الحركة أن تجدّد الصلة بأهداف الشعوب العربيّة، ومطالبها، ونضالاتها؟

– كيف يمكن تحرير قضيّة فلسطين من وهْم “القضيّة المركزيّة” و”البوصلة”، والاتّعاظ من دروس 2011؛ للاعتراف بأنّ قضيّة فلسطين تنمو وتتطوّر وتتجذّر في الرأي العامّ والجماهير، عندما تندرج في نضالات شعوب المنطقة؛ من أجل الخبز والعمل والحرّيّة والعدالة الاجتماعيّة؟

– كيف التحرّر من ثنائيّة هزيمة/ انتصار العسكريّة، القائمة على توقّع لحظة رؤيويّة تحلّ المسألة الفلسطينيّة ضربة واحدة؟ وكيف يُستعاد التفكير في الآنيّ والمرحليّ والإستراتيجيّ، وإعطاء توازن القوى، وكيفيّة الفعل فيه – بالوسائل كلّها – ما يستحقّه من تقدير واهتمام؟ وكيف تُبنى عمليّات الحشد والتعبئة للجماهير العربيّة، وللفعل العربيّ، على ألّا تنهار حالما تتوقّف معركة على جبهة غزّة، أو في جنوب لبنان؟

– كيف تتحرّر كلّ قضيّة عربيّة من نزعتها لاحتكار المظلوميّة، ونستعيد منطق التكامل في المطالب والنضالات والتضامن بينها؟

– كيف التحرّر من الوهْم القاتل؛ بأنّ أنظمة الاستبداد العربيّة، بمنوّعاتها المشيخيّة والقومويّة أنظمة قوّة في وجه إسرائيل، وقد تبيّن على مرّ العقود وبألوف الأدلّة الدمويّة والمأساويّة، أنّها مهندسة أكبر الهزائم الوطنيّة في تاريخنا المعاصر، والمسؤولة الأولى عن الحروب الأهليّة، وما يترتّب عليها من الإمعان في اختلال موازين القوى، بين مجمل البلد المعنيّ، من حيث الوحدة الوطنيّة الشعبيّة، والقوّة العسكريّة، والقدرات الاقتصاديّة، إلخ …، وبين العدوّ الخارجيّ، ناهيك عن الأنظمة الّتي تدفعها تبعيّتها للسياسات الأمريكيّة، إلى الانصياع لإملاءات التحالف مع إسرائيل ضدّ إيران؟

فُسْحَة: صدر لك أيضًا العديد من الترجمات لمفكّرين عالميّين، مثل أنطونيو غرامشي، وإدوارد سعيد، وجون برجر، وجون ريد؛ حدّثنا عن أفكارك عن ترجمة الفكر العالميّ، انطلاقًا من تجربتك الشخصيّة. وكيف تقيّم ما يُختار ليُنقل إلى المكتبة العربيّة من الفكر المعاصر؟

فوّاز: لم أمتهن الترجمة، وإن كنت تقاضيت بعض الأتعاب على بعض الترجمات، لكنّني أعتبر الترجمة حرفة أمارسها بشغف. في الستّينات والسبعينات، ترجمت عددًا من المؤلّفات اليساريّة والماركسيّة، ولفكر حركات التحرّر الوطنيّ ونضالها عبر العالم. كان ذلك ضمن ورشة من رفاق وأصدقاء، يرون أنّ نقل الماركسيّة ونظريّات التحرّر الوطنيّ والاجتماعيّ، مهمّة في التوعية والتثوير بذاتها. في تلك الفترة، كانت لي أيضًا عادة أن أترجم النصوص الّتي أحبّها، بغضّ النظر عمّا إذا كنت أنوي نشرها أو لا. يستهويني نصّ لجون برجر، أو أتيل عدنان، أو ناظم حكمت، أو بابلو نيرودا، أو ريتسوس، أو بول إيليوار، خصوصًا إيليوار، أعرّبه ثمّ أفكّر في نشره أو عدم نشره. بعد الحرب، ترجمت لإدوارد سعيد بخاصّة، وقد حدث ذلك صدفة؛ جاءنا إدوارد إلى بيروت في مناسبة أكاديميّة، وأطلعني على عدد من الصفحات اختارها للإلقاء من سيرته الذاتيّة، وقد ترجمها له أحد الأصدقاء؛ فأجريت عليها بعض التعديلات. قبل أن يغادر، سألني: “هل أنت مستعدّ لتترجم السيرة الذاتيّة عندما تصدر؟”، أبديت الاستعداد لذلك واشترطت: “لغتك عويصة وحصيفة، سوف أفكّكها وأبسّطها، وأعيد تركيبها باللغة العربيّة”؛ وافق، ووعدته بأن أجعله يتكلّم العربيّة؛ وهكذا صار. أعتقد أنّي نجحت في أن أجعل إدوارد سعيد “يتكلّم العربيّة”. بعد “خارج المكان”، ترجمت له كتابين صدرا بعد الوفاة: “الأنسنيّة والنقد الديمقراطيّ”، و”عن الأسلوب المتأخّر: أدب وموسيقى عكس التيّار”.

لست محيطًا بسوق الترجمة، ولا أنا دارس لها، لكنّي أعتقد أنّه يجب إعطاء الأولويّة في بلادنا للإنتاج الفكريّ على حساب الاستهلاك؛ بل قُولي: “ينبغي إخضاع الاستهلاك دومًا لضرورات الإنتاج”. والإنتاج الفكريّ هنا يعني الاستيعاب النقديّ والانتقائيّ – نعم، الانتقائيّ – لموارد ومصادر مختلفة، عربيّة وخارجيّة، كمادّة أوّليّة لتصنيعها؛ وهذا يعني رفض ادّعاء أيّ فكر أو مدرسة فكريّة للشموليّة، وعدم الاعتراف بانطباق أيّ مفهوم على كلّ زمان ومكان، والتسليم بأنّ الممارسة مادّة فكريّة، وأخيرًا، اعتبار النظريّة والمفاهيم مدخلًا لعمليّة الإنتاج الفكريّ، وليست نهاية المطاف.

منذ صدور تقارير التنمية البشريّة العربيّة، ساد منطق قوامه تعداد “الفجوات” بيننا و”مجتمع المعرفة” المرجوّ، الّذي لم يعد أحد يتحدّث عنه الآن، ومن أبرز تلك “الفجوات” الترجمة؛ أي القصور العربيّ في ميدان نقل المعرفة من اللغات غير العربيّة، وذلك بالمقارنة مع الترجمة في ماضي العرب والترجمة في حاضر غير العرب. على هدي هذا المشروع، تكاثرت هيئات ومؤسّسات تتسابق على الترجمة الكمّيّة، بمبادرة من بلدان خليجيّة.

لن أنكر أنّ هذا الدفق الكمّيّ مفيد، بعجره وبجره، ولن أخفي إعجابي بولادة جيل جديد من المترجمين العرب الموهوبين، المتمكّنين من لغتهم الأمّ، ينتجون ترجمات تضاهي الأصول، على أنّ مأخذي أنّ العمليّة تجري على نحو شبه عشوائيّ، والمفارقة الكبرى أنّه على وفرة فرص الترجمة ومنتجاتها؛ فليس ثمّة اعتراف بأنّ الترجمة مهنة، في معظم البلدان والمؤسّسات، وهي لا تزال تعتبر عملًا جزئيًّا على القطعة.

من جهة أخرى، نادرًا ما تؤخذ ترجمة سابقة بعين الاعتبار عند تقرير ترجمته من جديد، ونادرًا ما يسعى مترجم إلى البناء على مصطلحات مْنْ سبقه، أو حتّى التعليق عليها، والأندر تناول نقّاد الكتب التعليق على ترجمة الكتاب. إلى هذا، بالكاد توجد هيئات عامّة متخصّصة بالترجمة تجهد لتوحيد المصطلحات، ولو من قبيل تعميم الإفادة المتبادلة بين المترجمين، والأهمّ أنّ الترجمات مطروحة في سوق مجهول، لسنا ندري حاجاته ولا الفوائد الّتي يجنيها متلقّي هذه الترجمات، وليس بين أيدينا أيّ تقييم لأثرها في الإنتاج الفكريّ والثقافيّ والأدبيّ. مطالب طموحة؟ ربّما، لكن تنفيذ الحدّ الأدنى يضعنا عند بداية السكّة.

فُسْحَة: مجلّة “بدايات” الّتي ترأس تحريرها، مجلّة تتصدّر واجهة الكتابة العربيّة في الفكر العالميّ؛ ما الأسئلة الّتي تشغلها في ما يتعلّق بالقارئ العربيّ؟ هل تعطيه ما يريد أن يقرأ؟ هل تعطيه ما تريده هي؟ وهل تؤمن المعرفة الفكريّة بقدرتها على إحداث أيّ تغيير؟

فوّاز: “بدايات” فصليّة ثقافيّة فكريّة، وُلدت في بيروت عام 2012 في غمرة الانتفاضات، كانت – ولا تزال – مغامرة صحافيّة، طموحها المباشر أن توفّر منبرًا للتفكير والتحليل والإنتاج الفنّيّ، والتبادل من أجل معرفة أدقّ لتلك الأحداث، وما تلاها من تحوّلات.

لا تخفي “بدايات” انحيازها إلى اليسار وهي تدافع عن قيم الحرّيّة، والديمقراطيّة، والعلمانيّة، والعدالة الاجتماعيّة. المجلّة متعدّدة الاختصاصات، تجمع التطلّب العلميّ والاحتراف الصحافيّ والفنّيّ، وتسعى إلى أن تكون في متناول الجمهور الواسع. في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، نتناول الأحداث الجارية، وإلقاء الأضواء المتعاكسة عليها، وتعريضها إلى التحليل المعمّق، ولكن همّنا الأوّل الإنتاج المعرفيّ عن المنطقة، وخصوصًا أن ننقل إلى العربيّة ما يصدر عن متخصّصين في شؤونها، من عرب وسواهم في العوالم الأكاديميّة الخارجيّة. ومن بين المواضيع الأكثر استئثارًا باهتمامنا دراسة آثار العولمة والنيوليبراليّة، في الاقتصاديّات والمجتمعات وأنظمة الحكم العربيّة، ومتابعة ما يواجهها من فكر وحركات مقاومة.

في التحرير والنشر، نعطي الكلام بالدرجة الأولى للنساء والشباب، قدر ما نعطيه لجيل الستّينات والسبعينات؛ ليشهد على سِيَره وتجاربه.

في الثقافة، تفتح “بدايات” صفحاتها مختبرًا للتجريب الأدبيّ والفنّيّ والغرافيكيّ؛ ولتنمية “ثقافة العين” بجوانبها كافّة. إلى هذا، تخصّص المجلّة زاوية خاصّة بالموسيقى والثقافات الشعبيّة.

“بدايات” الآن إحدى قلّة من الفصليّات الثقافيّة المستقلّة، الباقية على قيد الحياة في المنطقة، ويعود الفضل في ذلك إلى عناد الفريق الصغير الّذي ينتجها، وإلى استعداد كتّابنا للكتابة بلا مقابل، ولما منحنا إيّاه قرّاؤنا من تشجيع. على امتداد هذه السنوات الستّ، كنّا نموّل المجلّة عددًا بعدد، بواسطة تبرّعات فرديّة ومساهمات ماليّة محدودة، من هذه الجهة المانحة أو تلك.

إنّنا نوزّع الآن في العراق والأردنّ ومصر ولبنان، إضافة إلى الاشتراكات، ونعمل على دخول تونس وفلسطين. نسعى إلى حدّ أدنى من الاستقرار المادّيّ، بتأمين ميزانيّة كاملة للعام القادم؛ ما يسمح لنا بتوجيه المزيد من الوقت والجهد؛ لتحسين أدائنا في المجالات كافّة، وتبقى الوسيلة الفضلى لتشجيعنا قراءتنا والكتابة لنا.

أسماء عزايزة

شاعرة وصحافيّة. حاصلة على البكالوريوس في الصحافة والأدب الإنجليزيّ من جامعة حيفا. لها مجموعتان شعريّتان، “ليوا” (2010)، الحاصلة على جائزة الكاتب الشابّ – حقل الشعر، من مؤسّسة عبد المحسن القطّان، و”كما ولدتني اللدّيّة” (2015). تشارك في أنطولوجيّات ومهرجانات شعريّة في العالم. تُرجمت قصائدها إلى لغات عدّة، مثل الإنجليزيّة والألمانيّة والفارسيّة. عملت لسنوات في الصحافة المكتوبة وفي التلفزة. تدير حاليًّا “فناء الشعر”، وهي مبادرة مستقلّة أسّستها عام 2017. كما تعمل كاتبة مقالات ومديرة فنّيّة لمتجر فتّوش للكتب والفنون، وبار وجاليري فتّوش. فسحة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.