سياسة

ما حاجتنا إلى صحافة؟/ عمر قدور


يصادف أن أقرأ خبراً عن العدد الأخير من جريدة المستقبل التي توقفت عن الصدور ورقياً، وأقرأ بعده مقال رأي في صحيفة عربية ورقية كبرى لكاتب لبناني دائم فيها. وبينما يبدو خبر توقف الجريدة كافياً ليشرح نفسه بنفسه أحتاج إلى توضيح فحوى المقال، فصاحبه يرى افتراقاً لصالح السيسي في المؤتمر الصحافي الذي جمعه بالرئيس الفرنسي ماكرون في القاهرة، عندما تحدث الأخير عن حقوق الإنسان، ليصل الكاتب إلى تحميل المعارضات العربية مسؤولية العنف وعدم بناء دول في المنطقة.

أول فكرة انتابتني هي وجود رابط منطقي بارز بين خبر إغلاق الجريدة وذلك المقال المنفصل عنها تماماً، ففي حين تُقفل صحيفة لبنانية يكتب صحافي لبناني في جريدة عربية ما يمثّل أسوأ درك في خطاب الثورات المضادة. وإذا افترضنا أن الصحافي يعبّر عن رأيه حقاً، ولا يستبطن فقط توجهات الممول، فذلك لا يغيّر في واقع اضطرار صحافيين آخرين تحت ضغط الحاجة إلى منبر إلى تمثّل الخطاب ذاته، سواء على سبيل النفاق أو تحت وهم الاقتناع بتلك التوجهات للتغطية على دوافعهم الأصلية.

ككاتب منتظم سابقاً في جريدة الحياة، يأخذني الاعتياد القديم بين الحين والآخر لتصفح الموقع الالكتروني لها، وكما نعلم توقفت الصحيفة في نسختها الورقية الدولية “وهي الأهم” عن الصدور منذ أشهر. حينها أيضاً ترافق قرار إيقاف النسخة الورقية مع كلام عن تطوير الأداء الإعلامي من خلال المنصة الالكترونية، ومع حديث عن مجاراة العصر الذي راحت تطغى عليه الصحافة الرقمية على حساب الصحافة التقليدية، إلا أن الحصيلة مخالفة لكل الوعود، ومن المؤسف أن تتحول جريدة عريقة واسعة الانتشار إلى ما يشبه المنتدى الالكتروني المتواضع.

في الحديث عن الإعلام الرقمي، لدينا العديد من المواقع التي انطلقت أساساً كمنصات الكترونية، بخلاف الصحف الورقية التي كان الاقتصار فيها على الخيار الرقمي تحت ضغط الإفلاس، ففي حالة هذه الصحف يصبح الأمر بمثابة انهيار تام، وإفلاس إعلامي معطوف على الضائقة المالية. ولئن أمكن الاستشهاد بمآلات مماثلة رأيناها، وأخرى متوقعة، لصحف عالمية فإن أيّاً من تلك الصحف لم يشهد الانهيار ذاته. فضلاً عن ذلك أتى توقف الصدور الورقي لقليل جداً من الصحف العالمية على خلفية اقتصادية بحتة، يرجعها البعض إلى ارتدادات الأزمة الاقتصادية عام 2008، بينما يأتي إقفال الصحف العربية “جراء غياب التمويل” على خلفيات سياسية، لأن السياسة لم تكن غائبة عنه بالمعنى السلطوي المباشر والسطحي، لا بالمعنى العميق لها.

تأسست جريدة المستقبل “مثلاً” مع صعود الحريرية السياسي، عندما ظهر المغدور رفيق الحريري كصاحب مشروع جديد على لبنان، بصرف النظر عن الاتفاق مع توجهه أو عدمه. كانت الصحيفة ضمن العديد من المشاريع الأخرى التي أراد بها الحريري الأب اختراق السائد لبنانياً، وكما نعلم شهدت الحريرية تردياً وضعفاً منذ اغتيال مؤسسها، وتزامن الانهيار السياسي مع المالي، فوق عدم قدرة الوريث على أن يصبح رقماً صعباً داخلياً وإقليمياً، إزاء الحلفاء قبل الأعداء. بعيداً عن الأسباب المالية؛ لم تعد الحريرية موجودة كمشروع، ولم تعد بحاجة إلى صحيفة تعبّر عنه.

أكثر من ذلك؛ لم تعد بحاجة إلى منبر تستقطب من خلاله اهتمام اللبنانيين بعد انكماشها إلى زعامة سنية محدودة، وعلى نحو خاص بعد أن أصبح الطريق إلى الحكومة يمرّ بموافقة وشروط الضاحية الجنوبية. إذ عندما يصبح الطريق إلى السلطة خارج استقطاب الرأي العام والعمل على التأثير فيه إعلامياً، وعندما يكون من متطلبات هذا الطريق الرضوخ وفقدان التمايز والاستقلالية، ما الحاجة حينها إلى امتلاك صحيفة؟

بالمثل، تزامن صعود جريدة الحياة مع انفتاح سعودي في مضمار الإعلام عموماً، وتميزت الطبعة الدولية منها بليبرالية فكرية بدت مطلوبة عربياً، مثلما هي حاجة داخلية لإعطاء وجه جديد عن المملكة مغاير للوجه المحافظ التقليدي. ثمة انفتاح خجول وبطيء كان يحدث في الداخل السعودي أيضاً، من نوع السماح بوجود منتديات أدبية وفكرية، لكن بالطبع بقيت جريدة الحياة في شقها السعودي أمينة للعائلة الحاكمة، مع تساهل وليبرالية تخص القضايا التي لا تمس السياسات الداخلية الأساسية للحكم السعودي. انهيار الجريدة ما كان ليحدث، رغم الحديث عن الضائقة المالية، لولا أن توجهات القيادة السعودية الجديدة تتضمن التخلص من إرث المرحلة السابقة، ومنها ما تمثّله الجريدة.

كأن ضبط الأوضاع داخلياً في المرحلة الانتقالية يتطلب الضبط التام للخطاب الإعلامي المحسوب على السعودية، ولا مكان حتى للهامش النقدي الذي يتعلق بقضايا لا تمس الحكم، أو ذلك الذي يتعلق بدول الإقليم. لا مكان مثلاً لانتقاد الحكم المصري الحليف، ولو كان انتقاداً ناعماً أو رصيناً، بل المطلوب الدفاع عنه في أسوأ حالاته. ربما أمكن لنا اختصار التطورات الأخيرة بالتالي: ها نحن نكسر الممنوعات القديمة ونستضيف حفلات ومغنيات لإعطاء صورة مغايرة للمملكة، فما الحاجة إلى نشطاء رأي؟ وما حاجتنا إلى الصحافة؟

بالتأكيد لا يغيب أثر ثورات الربيع العربي عما يحدث الآن، وإذا كانت وسائل الضبط القديمة لم تفلح في تفادي الثورات فإن أصحاب الثورات المضادة اليوم لا يفكرون إطلاقاً في عقم تلك الأساليب، بل هم يرونها لم تكن قاسية بما يكفي لتأديب الشعوب. من هذه الجهة أيضاً ينبغي تنظيف الصحافة من شبهات تتعلق بالحرية وإن كانت نسبية، أو تتعلق بالرأي الآخر وإن كان مهمشاً ومقصياً. ليس المطلوب اليوم إقناع الشعوب، ولا محاولة التأثير عليها بشكل غير مباشر. المطلوب هو تطويعها بأشد الطرق فظاظة وقسوة، لأن الفظاظة والوحشية جزء أصيل من الرسالة، وازدراء الصحافة والإعلام جزء أصيل من ماكينتها، وإذا كانت الخلافات العربية والإقليمية تسمح بتسرب الرأي المضاد من هنا أو هناك فمن المحتمل جداً أن يشكل إنهاؤها ضربة إضافية للصحافة والإعلام عموماً.

يحدث ذلك كله في الوقت الذي لم تتمتع فيه الصحافة العربية عموماً، من وجهة نظر شرائح واسعة، بالمصداقية والمهنية والاحترام. وربما تكون واحدة من مراراتنا أن ينتهي عصر الصحافة قبل أن يبدأ كما كنا نشتهي.

لمدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.